Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٦٩) باب صلاة المعرس والمحصب
وأجاب عنه المزني فقال: إن قيل: لو كانت المعلومات العشر لكان
النحر في جميعها، فلما لم يجز النحر في جميعها بطل أن تكون المعلومات،
يقال له: قال الله عز وجل: ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ ◌ِبَاقًا﴾(١) ﴿وَجَعَلَ اُلْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا﴾
وليس القمر في جميعها، وإنما هو في واحدها، أفيبطل أن يكون القمر فيهن
نوراً، كما قال الله عز وجل، انتهى.
(٦٩) صلاة المعرس والمخصب
(المعرس) بضم الميم وفتح العين والراء المشددة موضع النزول، قال أبو
زيد: عَرَّس القوم بالمنزل، إذا نزلوا به أي وقت كان من ليل أو نهار، وقال
الخليل والأصمعي: التعريس النزول آخر الليل، والمراد هاهنا مُعَرَّسُ النبيِّ،
وهو على ستة أميال من المدينة على طريق مكة، وهو أسفل من ذي الحليفة
وأقرب إلى المدينة، كذا في ((المحلى)).
قال الباجي (٢): المعرس هو البطحا التي بذي الحليفة، ومعنى المعرس
موضع النزول، فسمي ذلك الموضع المعرس؛ لأن النبي ◌َّ نزل فيه، انتهى.
قلت: سيأتي تحت الحديث الثاني في الباب بيان هذا الموضع.
(والمحصب) بضم الميم وفتح الحاء والصاد المشددة المهملتين
المفتوحتين، وكان متّسع بين مكة ومنى، سمي به لاجتماع الحصى فيه بحمل
السيل، فإنه موضع منهبط، قال صاحب ((المطالع)): هو أقرب إلى منى، قال:
وهو الأبطح والبطحاء وخيف بني كنانة، والمحصب أيضاً موضع الجمار من
منى، ولكن ليس هو المراد بالمحصب هاهنا .
(١) سورة الملك: الآية ٣.
(٢) ((المنتقى)) (٤٣/٣).
٢٨١

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
قال النووي في ((تهذيبه))(١): قول صاحب ((المطالع)): إنه أقرب إلى منى
ليس بصحيح، وقال أصحابنا في كتب المذهب: حد المحصب ما بين الجبلين
إلى المقابر، وليست المقبرة منه، انتهى.
وفي ((شرح اللباب)) (٢): المحصب وهو الأبطح، ويسمى الحصباء
والبطحاء والخيف، قيل: هو إلى منى أقرب، وليس بصحيح، والمعتمد أنه
بفناء مكة، وحَدُّه على الصحيح ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة والجبل
الذي يقابله مصعداً إلى جهة الأعلى في الشق الأيسر، وأنت ذاهب إلى منى
مرتفعاً عن بطن الوادي، وليس المقبرة من المحصب، انتهى.
وبذلك حَدَّه النووي في (مناسكه))، وقال ابن عبد البر وتبعه القاضي
عياض: اسم لمكان متسع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، ويقال له:
الخيف وخيف بني كنانة وإلى منى يضاف، ودليله قول الشافعي - رضي الله
عنه - وهو عالم بمكة وأحرازها(٣) ومنى وأقطارها:
واهتف بقاطن خيفها والناهض
يا راكباً قِفْ بالمَحصَّبِ منْ منى
قال الأبي (٤): وإنما يتم الاحتجاج بالبيت إن جعل من منى في موضع
الصفة للمحصب، وأما إذا علق براكب، فلا تكون حجة، ونظير البيت قول
عمر بن أبي ربيعة :
وفي نظر لولا التحَرُّجُ عادمُ(٥)
نظرت إليها بالمحصب من منى
وأبين منهما قول مجنون بني عامر:
فهَيَّج لوعاتِ الفؤاد وما يدري
وداعٍ دعا إذ نحن بالخيف من منى
(١) (١٤٨/٢/٢).
(٢) (ص١٣٥).
(٣) هكذا في الأصل وفي ((الاستذكار)) (١٨٤/١٣) وأجوارها.
(٤) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٢٨/٣).
(٥) وفي ((الاستذكار))، ولي نظر لولا التحرُّج عارٍم ...
٢٨٢

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٨٩٨) حدیث
٢٠٦/٨٩٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴿ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِيَ بِذِي
الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا .
قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذُلِكَ .
أخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٧٧ - باب التعريس بذي الحليفة
والصلاة بها، حديث ٤٣٠.
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما
أطار بليلى طائراً كان في صدري
انتھی .
قلت: وقد تقدم أن المحصب موضع الجمار من منى أيضاً، فلا إشكال
في الأبيات لو أريد بها موضع منى، أما المحصب الذي يندب نزوله هو بفناء
مكة، كما تقدم التصريح بذلك عن غير واحد، وهو ظاهر قول الإمام مالك في
((المدونة)): إذا رحلوا من منى نزلوا بأبطح مكة، فصلوا بها الظهر والثلاثة
بعدها ويدخلون مكة أول الليل، قاله الأبي.
٢٠٦/٨٩٨ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(أن رسول الله وَ ل﴾ أناخ) بنون وخاء معجمة أي برك راحلته (بالبطحاء) بالمد،
ذكر في ((المنتهى)): الأبطح مسيل واسع فيها دقاق الحصى، والجمع الأباطح،
وكذا البطحاء، وفي ((الجامع)) للقزاز: الأبطح والبطحاء والبطاح، الرمل
المنبسط على وجه الأرض، قاله العيني (١) (التي بذي الحليفة) احتراز عن
البطحاء التي بين مكة ومنى (فصلى بها) أي حين رجع من حجته كما سيأتي.
(قال نافع: وكان عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (يفعل ذلك) تأسياً
بالنبي ◌َّ، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - شديد التأسي به وَّة، وقد
أخرج البخاري (٢) في («باب النزول بذي طوّى قبل أن يدخل مكة والنزول
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٦٢/٣).
(٢) في: ٢٥ - كتاب الحج، رقم الباب (١٤٨).
٢٨٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٨٩٨) حدیث
بالبطحاء التي بذي الحليفة إذا رجع من مكة)) برواية موسى بن عقبة عن نافع أن
ابن عمر كان يبيت بذي طوى، الحديث، وفيه: وكان إذا صدر عن الحج
والعمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان النبي وَل ينيخ بها .
وأخرج (١) أيضاً في ((باب قول النبي ◌َّ: العقيق وادٍ مبارك)) برواية
موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه عن النبي ◌ّ ر: أنه أري وهو معرس بذي
الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إنك ببطحاء مباركة، وقد أناخ بنا سالم يتوخى
بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ يتحرى معرس رسول الله وحمله، وهو أسفل من
المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبين الطريق وسط من ذلك.
وأخرج مسلم (٢) برواية الليث عن نافع قال: كان ابن عمر - رضي الله
عنهما - ينيخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان رسول الله ول ينيخ بها،
ويصلي بها، وبرواية موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه: أن رسول الله وَل أتى
في معرسه بذي الحليفة، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة، وبه أيضاً: أن النبي وَل
أَتِيَ وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي، فقيل: إنك ببطحاء
مباركة، قال موسى: وقد أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد الذي كان عبد الله
ينيخ به، يتحَرَّى معرس رسول الله ◌َّ وهو أسفل من المسجد الذي ببطن
الوادي، بينه وبين القبلة وسطاً من ذلك.
قلت: وفي حديث المساجد الطويل عند البخاري: (٣) وكان إذا رجع من
غزو، وكان في تلك الطريق أو حج أو عمرةٍ هبط من بطن وادٍ، فإذا ظهر من
بطن وادٍ أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فعرس، ثم حتى
(١) في: ٢٥ - كتاب الحج، رقم الباب (١٦).
(٢) انظر: ((صحيح مسلم بشرح النووي)) (١١٤/٩/٥، ١١٥).
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٤). انظر ((فتح الباري)) (١ / ٥٦٧).
٢٨٤
-ســ

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٨٩٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَذٍ أَنْ يُجَاوِزَ الْمُعرَّسَ إِذَا قَفَلَ، حَتَّى
يُصَلِّيَ فِيهِ، وَإِنْ مَرَّ بِهِ فِي غَيْرٍ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَلْيُقِمْ حَتَّى تَحِلَّ
الصَّلَاةُ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَدَا لَهُ،
٠٠٠
يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة، ولا على الأكمة التي عليها المسجد،
كان ثَمَّ خليجٌ، يصلي عبد الله عنده في بطنه كُثُبُ، كان رسول الله وَلَّ ثَمَّ
يصلي، فدحا فيه السيل بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله
يصلي فيه.
وحكى النووي(١) عن غيره: إنما نزل به وَّ في رجوعه حتى يصبح، لئلا
يفجأ الناسُ أهاليهم ليلًا. كما نهى عنه وَّ صريحاً في الأحاديث المشهورة،
انتهى. قلت: وأيضاً فإن النبي ◌َّ أخبر بأنه وادٍ مبارك، وأمر بالصلاة فيه،
كما تقدم.
(قال مالك: لا ينبغي لأحد أن يجاوز المعرس) المذكور وهو بطحاء ذي
الحليفة (إذا قفل) بقاف ففاء مفتوحتين، رجع من الحج أو العمرة (حتى يصلي
فبه) تأسياً بالنبي وَلّ، قال الباجي(٢): ولما صلى فيه النبي ◌َلّل استحبت الصلاة
فيه تبركاً بموضع صلاته مع أنه روي أن النبي ◌َ ◌ّ أمر بذلك، رواه عبد الله بن
عمر عنه ◌َ﴾: أنه نودي وهو في مُعَرَّس ذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له:
إنك ببطحاء مباركة، انتهى.
وقال أيضاً: وخص بالقفول؛ لأنه روي أن النبي ◌ّ إنما أناخ في قفوله،
انتهى. قلت: وهو نص حديث البخاري في المساجد كما تقدم.
(وإن مرّ به) أي بالمعرس (في غير وقت صلاة، فليقم به حتى تحل
الصلاة) أي زال وقت الكراهة (ثم يصلّي ما بدا له) أي ما تيسّر له، قال
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١١٥/٩/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٤٣/٣).
٢٨٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٨٩٩) حديث
لأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ عَرَّسَ بِهِ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَاخَ
بِهِ .
٨٩٩/ ٢٠٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي الظُهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَّ
الباجي: وليس لما يصلي فيه حدٌ يعني في الكثرة والقلة، وأقل ذلك ما شرع
من النافلة وهو ركعتان، فهذا حدٌّ في القلة، وأما الكثرة فلا حدَّ لها، انتهى.
قال القاضي: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاج ليس من
مناسك الحج، وإنما فعله من فعله من أهل المدينة تبركاً بآثار النبي ◌َّ،
ولأنها بطحاء مباركة، واستحب مالك النزول به والصلاة فيه، وأن لا يجاوز
حتى يصلي، وإن كان في غير وقت صلاة، مكث حتى يدخل وقت الصلاة،
قال: وقيل: إنما نزل به وَله، لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلًا، كما نهي عنه
صريحاً في الأحاديث المشهورة، قاله النووي(١). وفي ((شرح اللباب))(٢): إذا
توجه إلى الزيارة أكثر في المسير من الصلاة والتسليم، ويتتبع ما في طريقه من
المساجد المنسوبة إليه وَل*، وكذا المشاهد المأثورة المتعلقة بما لديه، كما بينا
في ((الدرة المضيئة))، انتهى.
(لأنه بلغني) وتقدم قريباً وصله (أن رسول الله وَ ل# عرّس به) بتشديد الراء
أي نزل به ليستريح وصلى، كما مر قريباً (وأن عبد الله بن عمر) - رضي الله
عنه - (أناخ به) أي بَرك راحلته تأسياً به وَله، وكان شديد التأسي برسول الله وَّل.
٢٠٧/٨٩٩ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - إذا
رجع من منى بعد رمي الجمرات (كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء)
ويهجَعُ هجعة، ويذكر ذلك عن النبي ◌َّ# كذا رواه البخاري(٣) برواية عبيد الله
(١) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١١/٩/٥).
(٢) (ص٢٨٤).
(٣) (١٧٦٨) وفتح الباري (٥٩٢/٣).
٢٨٦
۔

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٨٩٩) حديث
بِالْمُحَصَّب، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ.
عن نافع (بالمحصب) وفي مسلم برواية أيوب عن نافع عن ابن عمر - رضي الله
عنهما -: أن النبي وَلّر وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح، وفيه برواية جويرية
عن نافع: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يرى التحصيب سنة، وكان
يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة، قال نافع: قد حصب رسول الله ومدير والخلفاء
بعده .
(ثم يدخل مكة من الليل فيطوف بالبيت) طواف الوداع اتباعاً لفعله
صَلىالله
،
وسلم
ففي البخاري(١) عن أنس: ((أن النبي ◌َّ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء
ورقد رقدة بالمحصب. ثم ركب إلى البيت فطاف به))، وفي ((المحلى على
الموطأ)): قال في ((الهداية)): وينزل بالمحصب ساعة، وفي (فتح القدير)): (٢)
ويصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعة، ثم يدخل مكة،
انتھی .
فظهر منه أن النزول ساعة يحصل أصل السنة، والكمال ما ذكره الكمال،
ويدل لكونه سنة ما أخرجه الستة عن أسامة، قال: قلت يا رسول الله! أين تنزل
غداً في حجته؟ فقال: ((هل ترك لنا عقيل منزلًا؟ ثم قال: نحن نازلون غداً
بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر، يعني المحصب))، فعلم أن
المحصب كان منه وَ﴾ قصداً لا اتفاقاً، وروى الطبراني في ((الأوسط)) عن عمر
- رضي الله عنه - أنه قال: من السنة نزول الأبطح في ليلة يوم النفر، وأمر
الناس بذلك، انتهى.
وللشيخين(٣) عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله و ◌َل﴾ل ـ ونحن بمنى -:
(١) (١٧٦٤).
(٢) (فتح القدير)) (٣٩٦/٢).
(٣) أخرجه البخاري (١٥٩٠)، ومسلم (١٣١٤) واللفظ له.
٢٨٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٨٩٩) حدیث
((نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة)). يعني بذلك المحصب، ثم قال في
((المحلى)): وفي ((البخاري)) (١) عن ابن عباس: نزول الأبطح ليس من النسك
في شيء، إنما هو منزل ينزل به وَلّر، وبه أخذ الشافعي، وروى ابن أبي شيبة
عن ابن عباس: أنه كان لا ينزل الأبطح، وقال: إنما فعل النبي ◌َّر؛ لأنه
انتظر عائشة وروى الشيخان وأبو داود والترمذي عن عائشة: إنما نزله
النبي ◌َّة؛ لأنه أسمح لخروجه، وليس بسنة، فمن شاء نزل، ومن شاء لم
ينزل، وروى مسلم وأبو داود عن سليمان بن يسار قال أبو رافع: لم يأمرني أن
أنزله، ولكن ضُرِبت قبة. فنزل به يعني الأبطح، ولابن أبي شيبة: أن عطاء
وطاوساً ومجاهداً كانوا لا يحصبون، انتهى.
وقال النووي في ((شرح مسلم))(٢): مذهب الشافعي ومالك والجمهور
استحبابه اقتداءً برسول الله وَّ والخلفاء الراشدين وغيرهم، وأجمعوا على أن
من تركه لا شيء عليه، انتهى.
وقال أيضاً في ((مناسكه)) (٣): هذا التحصيب مستحبٌ اقتداءً برسول الله وَال
وليس هو من مناسك الحج، وسننه، وهذا معنى ما صح عن ابن عباس
- رضي الله عنهما - أنه ليس بسنة.
قال ابن حجر: ظاهر كلامه ككلام ((الروضة)) و((المجموع)) وغيرهما من
كتب الأصحاب أن المتعجل ثاني أيام التشريق لا يسن له نزوله، واستظهره
الزركشي، لكن أبدى غيره احتمالاً أنه يسن، وإن كلامهم جرى على الغالب،
انتھی .
(١) (١٧٧٦) .
(٢) (٥٩/٩/٥).
(٣) (ص٣٧٤).
٢٨٨

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٨٩٩) حديث
وقال الموفق(١): قال بعض أصحابنا: يستحب لمن نفر أن يأتي
المحصب، فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم يضطجع يسيراً، ثم
يدخل مكة، وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة، وكان كثير الاتباع، وكان
طاوس يحصب في شعب الجور، وكان سعيد بن جبير يفعله ثم تركه، وكان
ابن عباس وعائشة لا يريان ذلك سنة، ومن استحب ذلك فلاتّباع رسول الله وَل،
فإنه كان ينزله، ولا خلاف أنه ليس بواجب، ولا شيء على تاركه، انتهى. ولم
يذكره صاحب ((الروض المربع)).
وقال ابن القيم(٢): قد اختلف السلف في التحصيب، هل هو سنة، أو
منزل اتفاقي؟ على القولين، انتهى، وقال الأبي(٣): اختلف السلف في النزول
به ليلة النفر وصلاة الظهر والعصر والعشائين، ويخرج منه ليلًا إلى مكة، فرأى
ذلك مالك والشافعي اقتداءً بفعله، ولم يره بعضهم، وقال: إنما نزل به وَلّ؛
لأنه أسمح لخروجه إلى المدينة. وفي ((المدونة)) (٤): استحب مالك لمن يقتدى
به أن لا يدع النزول بالأبطح، ووسع لمن لا يقتدى به تركه، كان يفتي بذلك
سراً. وفي العلانية يفتي بالنزول به لجميع الناس، وروى ابن حبيب: لا
يحصب المتعجل ولمن صلى الظهر والعصر بالمحصب أن يدخل مكة قبل أن
يمسي، انتھی.
وقال الدردير(٥): رخص ترك التحصيب لغير مقتدى به، وأما المقتدى به
فلا يرخص له في تركه، إلا أن وافق نفره يوم الجمعة، فليدخل مكة؛ ليصلي
(١) ((المغني)) (٣٣٥/٥).
(٢) ((زاد المعاد)) (٢٧٠/٢).
(٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٢٨/٣)
(٤) (٣١٤/١).
(٥) ((الشرح الكبير)) (٥٠/٢).
٢٨٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٨٩٩) حدیث
الجمعة بأهلها، قال الدسوقي: قوله: رخص هذه الرخصة بمعنى خلاف
الأولى؛ لأنه يستحب للحجاج إذا لم يتعجلوا أنهم إذا رموا ثالث يوم بعد
الزوال أن ينصرفوا لمكة، فإذا وصلوا المحصب ندب لهم النزول فيه، ويصلون
به الظهر إلى العشاء، وقوله: فلا يرخص له أي لأجل إحياء السنة، والترك له
مكروه، وإما لغيره فهو خلاف الأولى، ومحل ذلك إذا لم يكن متعجلًا، أو
يوافق نفره يوم الجمعة، وإلا فلا كراهة في تركه، انتهى.
قال الباجي(١): ولا خلاف في أنه غير واجب، وإنما الخلاف في
الاستحباب، وروى ابن وهب عن مالك أن ذلك حسن للرجال والنساء، وقد
قال مالك: استحب للأئمة ولمن يقتدى به أن لا يجاوزوه حتى ينزلوا به، فإن
ذلك في حقهم؛ لأن هذا أمر قد فعله النبي ◌َّ والخلف، فتعين على الأئمة
ومن يقتدى به من أهل العلم إحياء سنته والقيام بها، لئلا يترك هذا الفعل
جملة، ويكون للنزول بهذا الموضع حكم النزول بسائر المواضع، لا فضيلة
للنزول به، بل لا يجوز النزول به على وجه القربة، وهذا لمن لم يتعجل.
أما من تعجل في يومين، فلا أعلم التحصيب له، رواه ابن حبيب عن
مالك، وروى ابن أبي ذئب عن ابن شهاب: لا حصبة لمن تعجل، ووجه ذلك
أن هذا لمن استوفى العبادة، وأتى بها على أكمل هيئتها، فأما من اقتصر على
الجائز منها دون الفضيلة، وتعجل بترك المبيت بمنى ورمي الجمار الذي هو
آكد من التحصيب، فمن حكمه أن لا يتلوم على التحصيب الذي لا يقوى قوة
التأخير، وكذلك إذا وافق يوم الجمعة يوم النفر، انتهى.
وقال الدردير(٢): نُدِبَ تحصيب الراجع من منى لمكة، يصلي به أربع
(١) ((المنتقى)) (٤٤/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٥٢).
٢٩٠

٢٠ - كتاب الحج
(٦٩) باب
(٨٩٩) حديث
صلوات، الظهر والعشاء وما بينهما، قال الدسوقي: سواء كان آفاقياً أو مكياً
أو مقيماً بمكة، ويقصر المكي فيه؛ لأنه من تمام النسك فأولى غيره، وهذا إذا
كان غير متعجل، ولم يكن رجوعه يوم جمعة، وإلا فلا يندب التحصيب،
ومحل ندب صلاة الظهر به إذا وصله قبل ضيق وقتها، انتهى.
وفي ((الهداية))(١): كان نزوله وَ ل قصداً، وهو الأصح حتى يكون النزول
به سنة، على ما روي أنه بَ ل* قال لأصحابه: ((إنا نازلون غداً عند خيف بني
كنانة حيث تقاسم المشركون فيه))، يشير إلى عهدهم على هجران بني هاشم،
فعرفنا أنه نزل إراءة للمشركين لطيف صنع الله تعالى به، فصار سنة كالرمل في
الطواف، انتهى.
قال العيني في ((البناية)): قوله: وهو الأصح، احتراز عما قاله بعض
أصحابنا: إنه ليس بسنة، لحديث ابن عباس، وعن هذا قال الشافعي:
التحصيب مستحب، وليس بسنة، وبه قال مالك، وذهب المصنف وآخرون أنه
سنة؛ لأنه عليه السلام نزل به قصداً إراءة للمشركين، ومعنى ليس التحصيب
بشيء ليس بنسك مفروض، انتهى مختصراً.
وفي (شرح اللباب))(٢) بعد ما ذكر الأفضل أن يصلي به الظهر إلى
العشاء: هذا صريح في أنه ينفر من منى قبل أداء صلاة الظهر، وبه صرح بعض
الشافعية أيضاً، لكنه خلاف ما تقدم من استحباب تقديم الظهر على الرمي
مطلقاً، انتهى.
ولا يُشكل هذا على المالكية إذ صرح الدردير بندب الرمي فيما بعد اليوم
الأول إثر الزوال قبل الظهر.
(١) (٢٥٣/١) ط - الهند.
(٢) (ص١٣٥).
٢٩١

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
(٧٠) باب البيتوتة بمكة ليالي منى
(٧٠) البيتوتة بمكة ليالي منى
.
بنصب ليالي على الظرفية. قال الجمهور: لا يبيت أحدٌ ليالي منى في
غير منى، غير أن المبيت به واجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنهما،
وسنة عند أبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في رواية، واستدل
لعدم وجوبه بما رواه البخاري عن العباس، أنه استأذن النبي وَلّ أن يبيت بمكة
ليالي منى لأجل سقايته، فأذن له، إذ لو كان واجباً لما رخّص في تركها، وفيه
نظر، فإنه كان من خصائصه وَلقر أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام، وقال
ابن المنذر: السنة أن يبيت الناس بمنى ليالي أيام التشريق إلا من أرخص له
النبي ◌َّ، فإنه أرخص العباس لأجل سقايته، ورخص لرعاء الإبل.
واختلفوا فيمن بات ليلة منى بمكة من غير ترخيص، فقال مالك: عليه
دم، وقال الشافعي: إن بات ليلة أطعم عنها مسكيناً، وإن بات ليالي كلها،
أحببت أن يهريق دماً، ولا شيء عليه عند أبي حنيفة إن كان يأتي منى، ويرمي
الجمار، وهو قول الحسن البصري، كذا في ((المحلى)) عن العيني.
قال الموفق(١): ظاهر كلام الخرقي أن المبيت بمنى ليالي منى واجبٌ،
وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقال ابن عباس: لا يبيتن أحدٌ من وراء العقبة
من منى ليلًا، وهو قول عروة ومجاهد وإبراهيم وعطاء، وروي ذلك عن عمر
- رضي الله عنه - وهو قول مالك والشافعي.
والثانية ليس بواجب، روي ذلك عن الحسن، وروي عن ابن عباس، إذا
رميت الجمرة فبت حيث شئت، ولأنه قد حل من حجه فلم يجب عليه المبيت
بموضع معين كليلة الحصبة (٢).
(١) ((المغني)) (٣٢٤/٥).
(٢) ليلة الحصبة: هي الليلة التي بعد أيام التشريق.
٢٩٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
وجه الرواية الأولى، ((أنه (َ * رخص للعباس من أجل سقايته)) متفق
عليه، وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أن لا رخصة لغيره، وعن
ابن عباس قال: ((لم يرخص النبي ◌َ﴾ لأحدٍ يبيت بمكة إلا العباس من أجل
سقايته))، رواه ابن ماجه، وروى الأثرم عن ابن عمر قال: لا يبيتنَّ أحدٌ من
الحاج إلا بمنى، وكان يبعث رجالًا لا يدعون أحداً يبيت وراء العقبة،
ولأنه مَّ فعله نسكاً، وقال: ((خذوا عني مناسككم)).
فإن ترك المبيت بمنى، فعن أحمد: لا شيء عليه، وقد أساء، وهو قول
أصحاب الرأي؛ لأن الشرع لم يرد فيه بشيء، وعنه: يطعم شيئاً، وخفّفَه، ثم
قال: قد قال بعضهم: ليس عليه، وقال إبراهيم: عليه دم. وضَحِكَ، ثم قال:
دم بمرةٍ، ثم شَدَّدَ بمرةٍ، ثم قلت: ليس إلا أن يطعم شيئاً؟ قال: نعم، يطعم
شيئاً؟ تمراً أو نحوه، فعلى هذا أي شيء تصدق به أجزأ، ولا فرق بين ليلة
وأكثر ولا تقدير فيه، وعنه: في الليالي الثلاث دم لقول ابن عباس: من ترك
من نسكه شيئاً أو نسيه، فليهرق دماً .
وفيما دون الثلاث، ثلاث روايات بينها في ((الشرح الكبير)) (١) إحداهن في
كل واحدة مُدٌّ، والثانية درهم، والثالثة نصف درهم، قال الموفق(٢): وهذا لا
نظير له، فإننا لا نعلم في ترك شيء من المناسك درهماً، ولا نصف درهم،
فإيجابه بغیر نص تحكم لا وجه له، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(٣): يبيت بمنى ثلاث ليال إن لم يتعجل، وليلتين
إن تعجل، فإن لم يبت بها فعليه دم؛ لأنه ترك نسكاً واجباً، ولا مبيت على
(١) ((المغني)) و((الشرح الكبير)) (٤٨٠/٣).
(٢) ((المغني)) (٤٥٠/٣).
(٣) (٥١٧/١ - ٥١٨).
٢٩٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
سقاة ورعاة، انتهى. وكذا عدَّ صاحب ((نيل المآرب))، في الواجبات المبيت
بمنى ليالي أيام التشريق، قال القسطلاني(١): وجوب المبيت ليالي التشريق
بمنى مذهب الشافعية، وقال به من الحنابلة صاحب ((الرعايتين))، و((الحاويين)).
وفي قول للشافعي، ورواية لأحمد، قال المرداوي: هو الصحيح من المذهب،
وقطع به ابن أبي موسى في (الإرشاد)) والقاضي في ((الخلاف)) وابن عقيل في
((الفصول)) وأبو الخطاب في ((الهداية))، وهو مذهب الحنفية أنه سنة، انتهى.
وقال أيضاً: قال المرداوي من الحنابلة في ((تنقيحه)): في ترك مبيت ليلةٍ
دٌ، وفي ((شرح المقنع)): فيه ما في حلق شعرة. وهو مُدٌّ من طعام، قال: وهو
إحدى الروايات؛ لأنها ليست نسكاً بمفردها، بخلاف المبيت بمزدلفة، قاله
القاضي وغيره، وقال: لا تختلف الرواية أنه لا يجب دم، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه))(٢): ينبغي أن يبيت بمنى في لياليها، وهل هذا
المبيت واجب أم سنة؟ فيه قولان للشافعي - رحمه الله - أظهرهما: أنه واجب،
والثاني: سنة، فإن تركه جبر بدم، فإن قلنا: المبيت واجب، فالدم واجب،
وإن قلنا: سنة، فالدم سنة، وفي قدر الواجب من هذا المبيت قولان، أصحهما
معظم الليل، والثاني المعتبر أن يكون حاضراً بها عند طلوع الفجر، ولو ترك
المبيت في الليالي الثلاث جبرهن بدم واحد، وإن ترك ليلة، فالأصح أنه
يجبرها بمدٍ من طعام، وقيل: بدرهم، وقيل: بثلاث دم، انتهى.
قال الدردير(٣): عاد وجوباً بعد الإفاضة يوم النحر للمبيت بمنى،
والأفضل الفور، ولو يوم جمعة، ولا يصلي الجمعة بمكة فوق جمرة العقبة
(١) ((إرشاد الساري)) (٤/ ٣٠٢).
(٢) (ص٣٥٧).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤٨/٢).
٢٩٤
..---
---

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
((بيان لمنى)) لا أسفل منها جهة مكة، فلا يجوز؛ لأنه ليس منها، وإن ترك
المبيت بها جُلَّ ليلةٍ فأكثر، فدمٌ. ولو كان الترك لضرورة.
قال الدسوقي: قوله: الأفضل الفور، الحاصل أن الرجوع لمنى للمبيت
واجبٌ، والفورية في الرجوع مندوبٌ، قوله: بيان لمنى؛ لأن العقبة حدُّ منى
من جهةٍ مكة، ونفس الجمرة من منى، قوله: إن ترك جُلَّ ليلةٍ فدمٌ أي لا
نصفها، والمراد ترك غير المتعجل جُلّ ليلةٍ من الليالي الثلاث أو ترك المتعجل
جُلّ ليلةٍ من الليلتين، قوله: فأكثر، أشار بذلك إلى أنه إذا ترك المبيت بمنى
ليلةً كاملةً أو الثلاث ليال، فاللازم واحدٌ ولا يتعدد، وقوله: لضرورة أي
كخوف على متاعه، وهو الذي يقتضيه مذهب مالك حسبما رواه عنه ابن نافع
فيمن حبسه مرض، فبات في مكة، فإن عليه هدياً، انتهى. وسيأتي حكم الرعاة
والسقاة في محله.
قال الباجي(١): قال ابن عبد الحكم عن مالك وابن حبيب عن ابن
الماجشون: من أقام بمكة أكثر ليلته، ثم أتى إلى منى، فأقام بها حتى أصبح،
فلا شيء عليه، حتى يبيت ليلة كاملة، فعليه دمٌّ، وروى ابن المواز أن من بات
ليلة أو جُلّ ليلة وراء العقبة، فليهدِ هدياً، وإن بات بعض ليلته، فلا شيء
عليه، والأصل في ذلك أن النبي 3 18 بات بمنى ليالي منى، وأرخص العباس
في المبيت بمكة لأجل السقاية، وهذا يدل على أنه مأمور به، وإلا فكان يجوز
للعباس ذلك ولغيره دون إرخاص، وقد تأكد ذلك بفعل الأئمة بعده بقليل، ثم
بمنع عمر - رضي الله عنه - المبيت وراء العقبة، وهذا إجماع لعدم الخلاف.
وقال مالك: من بات وراء العقبة ليالي منى، فعليه الفدية، ومعنى الفدية
في قول مالك في هذه المسألة الهدي، قال مالك: هو هدي يُسَاق من الحل
(١) ((المنتقى)) (٤٥/٣).
٢٩٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
إلى الحرم، وكذلك روي في ((المبسوط)) عن مالك في من زار البيت فمرض
بمكة، وبات بها، عليه هدي يسوقه من الحل إلى الحرم، فأوجب ذلك مع
الضرورة، انتهى.
قال القسطلاني(١): ما حكى الباجي عن ابن عبد الحكم وابن حبيب
خلاف ما في ((المدونة))، والمشهور لزوم الدم إذا بات بغير منى جل ليلة،
انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٢): ولا يبيت بمكة ولا في الطريق؛ لأن البيتوتة
بمنى لياليها سنة عندنا، ولو بات أكثر ليلها في غير منى، كره تنزيهاً، ولا يلزمه
شيء عندنا، انتهى.
وقد عرفت فيما سبق أن السنية إحدى روايتي أحمد وأحد قولي
الشافعي، وروي ذلك عن الحسن، وقال محمد(٣) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ
لا ينبغي لأحد من الحاج أن يبيت إلا بمنى ليالي الحج، فإن فعل فهو مكروه،
ولا كفارة عليه، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى.
وفي ((الهداية)) (٤): يكره أن يبيت بمنى ليالي الرمي؛ لأنه لمّ بات بمنى،
وعمر - رضي الله عنه - كان يؤدب على ترك المقام بها، ولو بات في غيرها
متعمداً لا يلزمه شيء عندنا، خلافاً للشافعي رحمه الله؛ لأنه وجب ليسهل عليه
الرمي في أيامه، فلم يكن من أفعال الحج، فتركه لا يوجب دماً.
قال ابن الهمام(٥): قوله: لأنه وجب أي ثبت إذ هو سنة عندنا، يلزم
(١) ((إرشاد الساري)) (٤/ ٣٠٣).
(٢) (ص١٢٦).
(٣) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤١٣/٢).
(٤) (١٤٧/١).
(٥) انظر: ((فتح القدير)) (٣٩٥/٢).
٢٩٦
......

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
بتركه الإساءة على ما يقيده لفظ ((الكافي))، حيث استدل باستئذان العباس من
أجل سقايته، قال: ولو كان واجباً لما رخّص في تركها لأجل السقاية، فعلم
أنه سنة، وتبعه صاحب ((النهاية)).
واستدل به ابن الجوزي للشافعي على الوجوب، وقال: لولا أنه واجب
لما احتاج إلى إذن، وليس بشيء، إذ مخالفة السنة عندهم كان مجانباً جداً،
خصوصاً إذا انضم إليها الانفراد عن جميع الناس مع الرسول عليه الصلاة
والسلام، فاستأذن لإسقاط الإساءة الكائنة بسبب عدم موافقته عليه السلام مع
مرافقته، فإنه أفظع منه حال عدم المرافقة، بل هو جفاء لما فيه من إظهار
المخالفة المستلزمة لسوء الأدب، انتهى.
وفي ((المحلى))(١) لابن حزم: من لم يبت ليالي منى بمنى فقد أساء، ولا
شيء عليه إلا الرعاء وأهل سقاية العباس، فلا تكره لهم المبيت في غير منى،
بل للرعاء أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً، وأهل السقاية مأذون لهم من أجل
السقاية، وبات عليه الصلاة والسلام بمنى، ولم يأمر بالمبيت بها، فالمبيت بها
سنة، وليس فرضاً، لأن الفرض أمره وَلّ فقط.
فإن قيل: إذنه للرعاء وترخيصه لهم، وإذنه للعباس دليل على أن غيرهم
بخلافهم؟ قلنا: لا، وإنما يكون هذا لو تقدَّم منه ◌َّ أمر بالمبيت والرمي،
فكان يكون هؤلاء مستثنين من سائر من أمروا، وأما إذا لم يتقدم منه أمر،
فنحن ندري أن هؤلاء مأذون لهم، وليس غيرهم مأموراً بذلك، ولا منهياً، فهم
على الإباحة. وروينا عن عمر - رضي الله عنه -: ((لا يبيتنَّ أحدٌ من وراء العقبة
أيام منى)) وصحَّ هذا عنه - رضي الله عنه - وعن ابن عباس مثل هذا؛ وعن ابن
عمر - رضي الله عنهما - أنه كره المبيت بغير منى أيام منى، ولم يجعل واحد
منهم في ذلك فدية أصلًا.
(١) ((المحلى)) (١٩٤/٥ - ١٩٥).
٢٩٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
ومن طريق سعيد بن منصور بسنده إلى ابن عباس، لا بأس لمن كان له
متاع بمكة، أن يبيت بها ليالي منى، ومن طريق ابن أبي شيبة بسنده إلى ابن
عباس قال: إذا رميت فبت حيث شئت، وبسنده إلى عطاء قال: لا بأس أن
يبيت بمكة ليالي منى في ضيعته، وعن مجاهد: لا بأس بأن يكون أول الليل
بمكة وآخره بمنى، أو أول الليل بمنى وآخره بمكة، وروينا من طريق ابن أبي
شيبة بسنده إلى عطاء أنه كان يقول: من بات ليالي منى بمكة تصدق بدرهم أو
نحوه، وبطريق آخر: يتصدق بدرهم إذا لم يبت بمنى، وعن إبراهيم إذا بات
دون العقبة أهرق(١) دماً.
وقال أبو حنيفة: مثل قولنا، وقال سفيان: يطعم شيئاً، وقال مالك: من
بات ليلة بغير منى أو أكثر ليلته، فعليه دم، فإن بات الأقل من ليلته، فلا شيء
عليه، وقال الشافعي: من بات ليلة فليتصدق بمُدِّ، فإن بات ليلتين فمُدَّان، فإن
بات ثلاثاً فدٌ، وروي عنه في ليلة ثلث دم، وفي ليلتين ثلثا دم، وفي ثلاث
ليالٍ دم، قال أبو محمد: هذه الأقوال لا دليل على صحتها يعني الصدقة
بدرهم أو إطعام أو بإيجاب دم أو بمد أو مدَّين أو ثلث دم أو ثلثي دم، أو
الفرق بين المبيت أكثر الليل أو أقله، وما كان هكذا فالقول به لا يجوز، وما
نعلم لمالك ولا للشافعي في أقوالهم هذه سلفاً أصلًا، لا من صاحب ولا من
تابع، انتهى مختصراً(٢).
وهذا من دأبه المعروف - عفا الله عنه - أنه لا يجد لأقوال مخالفيهم
دليلًا أصلًا، لا من المنقول ولا من المعقول، وإنما أوردنا كلامه لهذه الآثار،
وما ذكرت فيه من لفظ بسنده اختصارٌ مني ذكره ابن حزم أسانيدها بتمامها
فارجع إليه لو شئت التفصيل.
(١) كذا فى الأصل. زكريا.
(٢) انظر: ((المحلى)) (١٩٦/٥).
٢٩٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
(٩٠٠) حديث
٩٠٠/ ٢٠٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّهُ قَالَ:
زَعَمُوا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَبْعَثُّ رِجَالًا يُدْخِلُونُ النَّاسَ مِنْ
وَرَاءِ الْعَقَبَةِ .
٢٠٨/٩٠٠ - (مالك، عن نافع، أنه قال: زعموا) أي قالوا وذكروا (أن
عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه ــ (كان) في ليالي منى (يبعث رجالاً) إلى
الذين خرجوا من حد منى (يُدخلون) بضم أوله (الناس) الخارجين (من وراء
العقبة) يعني يبعثهم إلى من خرج من منى، ليبيت بمكة أو دونه من وراء العقبة،
كي يدخلوهم بمنى، قال الزرقاني(١): لأن العقبة ليست من منى، بل هي حدّ
منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي ◌ُّ الأنصار عندها، قال الموفق(٢):
حد منى ما بين جمرة العقبة ووادي محسر، كذلك قال عطاء والشافعي، وليس
محسر والعقبة من منى، انتهى.
قال النووي في ((مناسكه))(٣): حدُّ منى ما بين وادي محسر وجمرة
العقبة، ومنى شِعبٌ طوله نحو ميلين وعرضه يسير، والجبال المحيطة به ما أقبل
منها عليه، فهو من منى، وما أدبر منها، فليس من منى، وجمرة العقبة في آخر
منى، وليس العقبة التي تنسب إليها الجمرة من منى.
قال ابن حجر: قوله: جمرة العقبة في آخر منى، ظاهره أن الجمرة من
منى، وهو ما اعتمده المحب الطبري، وزعم أن خلافه الآتي لم ينقل عن
أحد، واعتمده أيضاً ابن جماعة، وزعم أن قولهم: إن رميها تحية منى، يستلزم
كونه منها، وليس كما زعم، إذ لا استلزام.
ألا ترى أن الطواف تحية البيت، وهو خارجه، بل لا يصح داخله، لكن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٨/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٩١/٥).
(٣) (ص٣٠٩).
٢٩٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
(٩٠٠) حديث
صريح قول المصنف قبل ذلك: حدّ منى ما بين وادي محسر وجمرة العقبة، أن
الجمرة ليست من منى، وهو ما نقله في ((المجموع)) (١) عن الأزرقي
والأصحاب، واعتمده، فقال: قال الأزرقي، والأصحاب في كتب المذهب:
حد منى ما بين جمرة العقبة ووادي محسر، وليست الجمرة والوادي من منى،
انتھی .
وبه يعلم أن المذهب الذي لا محيد عن اعتماده أن الجمرة ليست من
منى، وكلام الأزرقي الذي هو العمدة في هذا الشأن باتفاقهم صريح فيه، وتبعه
على هذا غيره، وهو يرد على المحب قوله: لم ينقل عن أحد أن الجمرة ليست
من منى، ويتعين تأويل قول المصنف: في آخر منى، أي في قرب آخرها، أو
المراد الآخر في الظاهر، لا الحقيقة، قوله: وليست العقبة منها، قد علمت أنه
في ((المجموع)) نقله من الأزرقي والأصحاب فهو المعتمد، وقول المحب: إنها
منها ضعيف بالمرة.
وما في ((الموطأ)) عن عمر - رضي الله عنه -: لا يبيتنَّ أحدٌ من وراء
العقبة حتى يكون بمنى، وأخرج سعيد بن منصور نحوه عن ابن عباس
ومجاهد، فهو لا يفهم منه أن العقبة من منى؛ لأن شرط اعتبار مفهوم المخالفة
أن لا يكون للمذكور سبب آخر كما هاهنا، فإن التنصيص على وراء العقبة إنما
هو لكون الناس كانوا يقصدونه بالنزول لسعته، ويُعْده عن الزحمة، وسهولة
ذهابهم منه إلى مكة لقضاء حوائجهم، وعودهم إلى منازلهم، فنص على وراء
العقبة لذلك، لا لكونها تخالف ما وراءها، بل هما جميعاً خارج منى.
والحاصل: أن في المسألة رأيين: هما من منى وهو ضعيف، وليسا
منها، وهو المذهب، وما أفهم كلام بعضهم أن الجمرة منها دون العقبة، إلا
(١) (٨/ ١٤٧).
٣٠٠
ملك