Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٤) حدیث
٨٩٤/ ٢٠٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، صَلَّى بِهِمْ
رَكْغَتَيْنِ،
قلت: وقد اختلفوا في تأويل عائشة - رضي الله عنها - أيضاً على
أقوالٍ، فقيل: إنها كانت تحمل القصر على الخوف، كما ورد عنها نصاً،
وقيل: إن القصر عندها يكون في سفر طاعة، وإنما أتمّت في سفرها إلى
البصرة إلى قتال عليّ، وروى عنها البيهقي (١) بإسناد صحيح من طريق
هشام بن عروة عن أبيه: أنها كانت تصلّي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو
صلّيت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي! إنه لا يشقّ عليّ، واختاره
الطحاوي من تأويلها أنه كان من أجل نيّتها للإقامة كما اختار ذلك من
تأويلات عثمان - رضي الله عنه - واستدلّ على ذلك بقوله: تأوّلت ما
تأوّل عثمان .
وقال أيضاً: قال أبو عمر: كانت عائشة - رضي الله عنها - أمّ المؤمنين
فكانت تقول: كل موضع أنزله فهو منزل بعض بني، فتعدّد ذلك منزلاً لها،
وهذا عندي فاسد، لأنها وإن كانت أمّ المؤمنين، فإنه * أبو المؤمنين وهو
أوْلى بهم من عائشة، وقال قوم: كان مذهب عائشة - رضي الله عنها - في
القصر أنه يكون لمن حمل الزاد والمزاد على ما روينا عن عثمان، وقيل غير
ذلك .
٨٩٤/ ٢٠٢ - (مالك، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن
الخطاب) - رضي الله عنه - (لما قدم مكة) في أيام إمارته (صلّى بهم) إماماً
لكونه خليفة، ولا يُؤمّ الرجل في سلطانه (ركعتين) قال الباجي(٢): وكذلك
(١) ((السنن الكبرى)) (١٤٣/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٤١/٣).
٢٤١

م
٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٤) حديث
ثُمَّ أَنْصَرَفَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، أَتِمُوا صَلَاتَكُمْ، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، ثُمَّ
صَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَكْعَتَيْنٍ بِمِنْىَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ
شَيْئاً .
يفعل الإمام إذا ورد بلداً من عمله أقام بهم الصلاة، فإن كان بنية المقام أتمّ
الصلاة، وإن كان بنية السفر قصرها، فظاهر السياق يقتضي أنه ورد حاجّاً،
انتھی .
(ثم انصرف) من الصلاة بالسلام (فقال) بعد السلام كما هو سنة المسافر
(يا أهل مكة، أتمّوا صلاتكم، فإنّا قوم سفر) بفتح فسكون جمع سافر كركب
وراكب، (ثم صلَّى عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (ركعتين بمنى) إذا ورد
بها، (ولم يبلغنا أنه قال لهم) أي لأهل مكة (شيئاً)، فدلّ على أن سنّتهم حينئذ
القصر .
واستدلّ الإمام مالك بذلك على أن أهل مكة يقصرون بمنى، ويُشْكل
عليه أن عمر - رضي الله عنه - إذ لم يقل لهم شيئاً، وقصروا لذلك، فدخل
فيهم أهل منى أيضاً، وهم يُتمُّون عند المالكية، فالظاهر أن عمر - رضي الله
عنه - لو ثبت أنه لم يقل لهم شيئاً، اكتفى بقوله في مكة، كما قالوا ذلك في
حديث عمران بن حصين وغيره.
قال الحافظ(١): اختلف السلف في المقيم بمنى هل يقصر أو يتم بناء
على أن القصر بها للسفر أو للنسك؟ واختار الثاني مالك، وتعقّبه الطحاوي بأنه
لو كان كذلك لكان أهل منى يتمّون، ولا قائل بذلك.
وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم
النبيّ ◌َّ: أتمّوا، وليس بين مكّة ومنى مسافة القصر، فدلّ على أنهم قصروا
(١) (فتح الباري)) (٥٦٣/٢).
٢٤٢
مععبــ

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٤) حديث
للنسك، وأجيب بأن الترمذي روى من حديث عمران بن حصين أنه والر يصلّي
بمكة ركعتين، ويقول: يا أهل مكة أتمّوا، فإنا قوم سفر، وكأنه ترك إعلامهم
بذلك بمنى استغناءً بما تقدم بمكة .
قال الحافظ: وهذا ضعيف، لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن
جدعان وهو ضعيف، ولو صح فالقصّة كانت في الفتح وقصّة منى في حجة
الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك لبعد العهد، انتهى.
قلت: لكنهم أجمعوا على أن أهل مكّة يتمّون بمكة خلف الإمام
المسافر، فإذا اكتفى النبيّ و # بذلك عنده بمكة فأولى أن يكتفي به بمنى،
وحديث عمران بن حصين أخرجه أبو داود والترمذي وإسحاق والبزار وصححه
الترمذي، وللطيالسي من حديثه: ((ما سافرت مع رسول الله وَالل سفراً قطّ إلّا
صلّى ركعتين))، فذكر الحديث مطولاً، وفيه: أن أبا بكر وعمر صنعوا مثله،
وقالوا مثله، قال: ثم إن عثمان أتمّ.
ولابن أبي شيبة نحوه وزاد فيه: وحججت مع عثمان سبع سنين من
إمارته، لا يصلّي إلّا ركعتين، ثم صلّاها بمنى أربعاً، وروى مالك بإسناد
صحيح عن عمر مثل الأول، وكذلك رواه عبد الرزاق، كذا في ((الدراية))،
والبسط في ((نصب الراية))(١).
وما قال: صححه الترمذي يخالفه ما تقدم من ((تلخيص الحبير))(٢) في
(باب صلاة المسافر إذا كان إماماً)): حسّنه الترمذي، ولعلّ ذلك لما أن
(١) (١٨٧/٢).
(٢) (٤٦/٢).
(٣) (٤٣٠/٢).
٢٤٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٥) حديث
٨٩٥/ ٢٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى لِلنَّاسِ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنٍ، فَلَمَّ انْصَرَفَ
قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، ثُمَّ صَلَّى عُمَرُ
رَكْعَيْنٍ بِمِنَىَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ شَيْئاً.
الترمذي(١) حكم عليه بأنه حسن صحيح، فذكر في محل أحد الحكمين، وفي
موضع آخر.
وأخرج البيهقي (٢) بسنده إلى أبي نضرة، قال: ((سأل شابٌّ عمرانَ بن
حصين عن صلاة رسول الله وسلّ في السفر؟ فقال: إن هذا الفتى يسألني عن
صلاة رسول الله وَّر في السفر، فاحفظوهن عنّي، ما سافرت مع
رسول الله وَ سفراً قط إلّاّ صلّى ركعتين حتى يرجع، وشهدت معه حنين
والطائف، فكان يصلّي ركعتين، ثم حججت معه واعتمرت، فصلّى ركعتين،
ثم قال: يا أهل مكّة! أتمّوا الصلاة فإنا قوم سفر، ثم حججت مع أبي بكر
واعتمرت، فصلّى ركعتين ركعتين، قال: يا أهل مكّة أتموا فإنا قوم سفر،
ثم حججت مع عمر واعتمرت، فصلّى ركعتين ركعتين، ثم قال: يا أهل
مكة أتمّوا، فإنا قوم سفر، ثم حججت مع عثمان واعتمرت، فصلّى ركعتين
ركعتين، ثم إن عثمان أتمّ))، فهذا الحديث يدلّ على أنهم قالوا ذلك في
الحجّ أيضاً، وفيه ردّ على من قال: إن هذا القول لم يصدر عنه ◌َّ إلّا في
الفتح.
٢٠٣/٨٩٥ - (مالك، عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم مولى عمر (أن
عمر بن الخطاب) - رضي الله عنهما ــ (صلّى للناس بمكة) في زمان إمارته
(ركعتين) للرُّباعية (فلما انصرف قال: يا أهل مكة أتمّوا صلاتكم، فإنا قومٌ سفرٌ،
ثم صلّى عمر) - رضي الله عنه - (ركعتين بمنى، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئاً) هذا
(١) ((سنن البيهقي)) (١٣٥/٣).
٢٤٤
-------
-

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٥) حديث
سُئِلَ مَالِكٌ: عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَيْفَ صَلَاتُهُمْ بِعَرَفَةَ؟ أَرَكْعَتَانِ أَمْ
أَرْبَعٌ؟ وَكَيْفَ بِأَمِيرِ الْحَاجِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ؟ أَيُصَلِّي الظُّهْرَ
وَالْعَصْرَ بِعَرَفَةَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ؟ وَكَيْفَ صَلَاةُ أَهْلِ مَكَّةَ فِي
إِذَامَتِهِم؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يُصَلِّي أَهْلُّ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ وَمِنَّى، مَا أَقَامُوا بِهِمَا،
.......
دَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ، حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَكَّةَ،
تقوية وتأييد للأثر المذكور قبل بطريق آخر، وله طريق ثالث أخرجه مالك عن
الزهري عن سالم عن أبيه كما تقدّم في ((صلاة المسافر إذا كان إماماً))،
وأخرجه البيهقي(١) بسند مالك عن الزهري مفصلاً، ثم ذكر له متابعة سند
مالك عن زيد بن أسلم، وأخرجه أيضاً برواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن
أسلم .
(وسئل) ببناء المجهول (مالك عن أهل مكة: كيف صلاتهم) الرباعية
(بعرفة) وكذا بمنى وغيرهما من مشاهد النسك (أركعتان) قصراً هي (أم أربع)
ركعات بيان للسؤال، (وكيف) الحكم (بأمير الحاج إن كان من أهل مكة) أي لا
يكون مسافراً (أيصلي الظهر والعصر) أي الصلاة الرباعية (بعرفة أربع ركعات)
إتماماً (أم ركعتين) قصراً؟
(وكيف صلاة أهل مكة) أي المقيمن بها في إقامتهم (بمنى) أيام الرمي؟
وكذلك يوم التروية، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (في إقامتهم بها) وفي بعض
المصرية: ((كيف صلاة أهل مكة في إقامتهم بمنى)).
(فقال مالك: يصلّي أهل مكة بعرفة ومنى ما أقاموا) أي مدّة إقامتهم
(بهما ركعتين، ركعتين) لكل رباعية (يقصرون الصلاة) في هذه المواضع
(حتى يرجعوا إلى مكة) لما تقدم أن سبب القصر عند الإمام مالك هو النسك
(١) ((السنن الكبرى)) (١٢٦/٣، ١٥٧).
٢٤٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٥) حدیث
قَالَ: وَأَمِيرُ الْحَاجِّ أَيْضاً، إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَصَرَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ،
وَأَيَّامَ مِنَّى.
وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكِناً بِمِنىّ، مُقِيماً بِهَا، فَإِنَّ ذُلِكَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ
بِمِنَّى، وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكِنَاً بِعَرَفَةَ، مُقِيماً بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ
بِهَا أَيْضاً .
على ما هو المشهور، والسفر مطلقاً كما اخترت، فلا فرق في هذين الأمرين
بين القريب والبعيد (قال: و) كذلك (أمير الحاج أيضاً إذا كان من أهل مكة
قصر الصلاة) الرباعية (بعرفة، و) بمنى (أيام منى) ولا فرق في ذلك بين
الأمير وغيره، فإن مدار القصر والإتمام على السفر، واستوى فيه الأمير
وغيره.
(قال مالك: وإن كان أحدٌ ساكناً بمنى) قال الباجي(١): إن ذلك قليل غير
معلوم عنده، لأن منى ليست دار استيطان إلّا أنه اتّفق ذلك، فإن المقيم بها يتم
الصلاة، (مقيماً بها)، أي وإن لم يكن من أهلها، فالمدار على الإقامة (فإن
ذلك يتم الصلاة بمنى، قال) مالك: (وإن كان أحد ساكناً بعرفة مقيماً بها)
وكذلك إن كان أحد ساكناً بالمزدلفة أو المحصب مقيماً بها (فإن ذلك يتم
الصلاة بها أيضاً) وذلك لما تقدم من مسلك الإمام مالك أن أهل هذه المواضع
مخصوص بذلك الحكم (٢)، إنهم يتمّون في مواضعهم، فيقصرون إذا خرجوا
من مواضعهم للنسك بخلاف الجمهور، فإن المدار عندهم على مدة القصر،
لا مطلق السفر.
(١) ((المنتقى)) (٤١/٣).
(٢) قال ابن عبد البرّ: بما ذهب إليه مالك في هذا الباب قال الأوزاعي ((الاستذكار)) (١٣/
١٦٦).
٢٤٦

٢٠ - كتاب الحج
(٦٧) باب
(٨٩٦) حديث
(٦٧) باب صلاة المقيم بمكة ومنى
٨٩٦/ ٢٠٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَدِمَ
مَكَّةَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، حَتَّى يَخْرُجَ
مِنْ مَكَّةَ لِمِنْىَ، فَيَقْصُرَ، وَذُلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ عَلَى مُقَامٍ، أَكْثَرَ مِنْ
أَرْبَعِ لَيَالٍ .
(٦٧) صلاة المقيم بمكة ومنى
قد عرف حكم ذلك في الأبواب السابقة فيما تقدم من أبواب السفر،
لكنه أفردها بالذكر اهتماماً لها، وليعلم حكم ذلك نصاً.
٢٠٤/٨٩٦ - (قال مالك: من قدم مكة لهلال ذي الحجة، فأهلّ بالحج)
أي أحرم به بعد القدوم، وكذلك من أحرم بالحج قبل ذلك، فدخل مكة لهلال
ذي الحجة، فالمدار على القدوم في ذلك، لا على الإحرام بعد الدخول، (فإنه
يتم الصلاة) في قيامه بمكة (حتى يخرج من مكة إلى منى، فيقصر) بالنصب بعد
الخروج (وذلك) أي سبب الإتمام (أنه قد أجمع) أي عزم (على مقام) أي على
إقامته بمكة (أكثر من أربع ليالٍ) لأنه إذا دخل بمكة لهلال ذي الحجّة، فإنه
يقيم بها أكثر من سبعة أيام، لأنه يخرج منها إلى منى في اليوم الثامن يوم
التروية فصار مقيماً بها .
وكذلك لو ورد مكة، وبينه وبين الخروج إلى منى أربعة أيام فإنه يتمّ
أيضاً(١)، لأن مدار الإقامة عند الإمام مالك والشافعي على قيام أربعة أيام،
ويقرب منه قول أحمد؛ إذ المدار عنده على مدة إحدى وعشرين صلاة. وأمّا
عند الحنفية، فالمدار على قيام خمسة عشر يوماً، فمن دخل لهلال ذي
(١) انظر: ((المغني)) (١٠٤/٣).
٢٤٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
(٦٨) باب تكبير أيام التشريق
الحجّة أو قبل ذلك بأيام، فلا يتم الصلاة حتى يكون بينه وبين الخروج إلى
منى مقدار خمسة عشر يوماً أو أكثر، وتقدم البسط في محله من أبواب
السفر.
(٦٨) تكبير أيام التشريق
قال الخطابي: حكمة التكبير في هذه الأيام أن الجاهلية كانوا يذبحون
الطواغيتهم فيها، فَشُرع التكبير فيها إشارةً إلى تخصيص الذبح له وعلی اسمه عز
وجل، كذا في ((الفتح))(١). واختلفوا هاهنا في مسائل:
الأولى: في حكمه، وعامة أهل الفروع كفقهاء الأمصار ذكروا سُنِّيته أو
ندبه، كما سيأتي في عباراتهم. واختلف أهل الفروع الحنفية أيضاً في ذلك،
ففي ((الكفاية)): اختلفوا في أنه سنة أو واجب، وفي ((الجامع الصغير))
للتمرتاشي: تكبير التشريق واجب، وقالوا: سنة، وفي ((شرح أبي بكر)) و((أبي
اليسر)) و((البزدوي)) و((أبي ذر)): واجب، وفي ((المحيط)): تكبير التشريق سنة،
أجمع أهل العلم على العمل بها، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِىّ
أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾(٢) جاء في التفسير أن المراد به أيام التشريق، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٣): يجب تكبير التشريق في الأصح، قال ابن
عابدين: وقيل سنة، وصحح أيضاً، لكن في ((الفتح)): أن الأكثر على
الوجوب، وفي ((البدائع))(٤): الصحيح أنه واجب، وقد سماه الكرخي سنة، ثم
فسره بالواجب، فقال: تكبير التشريق سنة ماضية، نقلها أهل العلم، وأجمعوا
... .. . -
(١). انظر: ((فتح الباري)) (٢/ ٤٦١).
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٠٣.
(٣) (١٩٢/٢).
(٤) (٤٥٨/١).
٢٤٨
-----
----

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
على العمل بها، وإطلاق اسم السنة على الواجب جائز، انتهى.
وفي ((البناية)): نص في ((المفيد)) و((المزيد)) و((قاضيخان)) على وجوبها،
وذكر في ((فتاوى المرغيناني)) في ((النحرية)): أنها سنة، وبه قال مالك والشافعي
وأحمد، انتهى.
قلت: وجزم الدردير من المالكية بندبه، لكن ذكر الباجي(١) بحثاً وجوبه،
إذ قال في تخصيصه بدبر الصلاة: إن في تخصيص هذه الصلوات بذلك تعظيماً
لها، ولأنه ذكر واجب، فوجب أن يختص من الصلوات بالواجب منها، انتهى.
وسيأتي تصريح الإمام مالك أيضاً في آخر هذا الباب بالوجوب.
ويشكل عليهم لا سيما على الذين قالوا: بالسنية أو الندب، أن الأمر
بذلك، إذا ورد في القرآن، فكيف لم يقولوا بالافتراض، ويمكن أن يجاب عنه
بأن الآية ليست بنص في المراد، واختلف أهل العلم بالتفسير، فقيل: المراد به
التكبير عند رمي الجمار، وقيل: التكبير في إدبار الصلوات، كما بسطه أهل
التفسير .
والثانية: فيمن يأتي بالتكبير، قال الحافظ (٢): وفي التكبير في تلك الأيام
اختلاف بين العلماء في مواضع، فمنهم: من قصر التكبير على أعقاب
الصلوات، ومنهم: من خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل، ومنهم: من خصه
بالرجال دون النساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤداة دون المقضية،
وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية. وظاهر اختيار البخاري
شمول ذلك للجمیع، انتھی.
قال الخرقي: لا يزال يكبر دبر كل صلاة مكتوبة صلاها في جماعة،
(١) ((المنتقى)) (٤١/٣).
(٢) (فتح الباري)) (٤٦٢/٢).
٢٤٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
وعن أبي عبد الله: يكبر لصلاة الفرض وإن كان وحده، قال الموفق(١):
المشروع عند إمامنا التكبير عقيب الفرائض في الجماعات، في المشهور عنه،
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أذهب إلى فعل ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا
صلى وحده؟ قال أحمد: نعم، وقال ابن مسعود: إنما التكبير على من صلى
في جماعة، وهذا مذهب الثوري وأبي حنيفة، وقال مالك: لا يكبر عقب
النوافل، ويكبر عقب الفرائض كلها، وقال الشافعي: يكبر عقب كل صلاة،
فريضة كانت أو نافلة، منفرداً صلاها أو في جماعة؛ لأنها صلاة مفعولة، فيكبر
عقبها، كالفرض في جماعة.
ولنا، قول ابن مسعود وفعل ابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف في
الصحابة فكان إجماعاً، ولأنه ذكر مختص بوقت، فاختص بالجماعة، ولا يلزم
من مشروعيته للفرائض مشروعيته للنوافل، كالأذان والإقامة، وعن أحمد رواية
أخرى: أنه يكبر للفرض وإن كان منفرداً، وهو مذهب مالك؛ لأنه ذكر
مستحب للمسبوق، فاستحب للمنفرد كالسلام.
ثم المسافرون كالمقيمين فيما ذكرنا، وكذلك النساء يكبرن في
الجماعات، وفي تكبيرهن في الانفراد روايتان كالرجال، قال ابن المنصور:
قلت لأحمد، قال سفيان: لا يكبر النساءُ أيام التشريق إلا في جماعة، قال:
أحسن، وقال البخاري(٢): كن النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن
عبد العزيز لياليَ التشريق مع الرجال في المسجد، وينبغي لهن أن يخفضن
أصواتهن، حتى لا يسمعهن الرجال، وعن أحمد رواية أخرى: أنهن لا
يكبرن؛ لأن التكبير ذكر يُشْرَعُ فيه رَفْعُ الصوت، فلم يشرع في حقهن،
كالأذان.
(١) ((المغني)) (٢٩١/٣).
(٢) ((صحيح البخاري)) مع ((فتح الباري)) (٢/ ٤٦١).
٢٥٠
-------

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
والمسبوق ببعض الصلاة يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته، نص عليه
أحمد، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقال الحسن: يكبر، ثم يقضي؛ لأنه ذكر مشروع في آخر الصلاة، فيأتي
به المسبوق قبل القضاء، كالتشهد، وعن مجاهد ومكحول: يكبر، ثم يقضي،
ثم يكبر، ولنا، أنه ذِكْرٌ شُرِعَ بعد السلام، فلم يأت به في أثناء الصلاة،
كالتسليمة الثانية، والدعاء بعدها، وإن كان على المصلي سجود سهو بعد
السلام سجده، ثم يكبر، وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب
الرأي، ولا أعلم فيه مخالفاً .
وإذا فاتته صلاة من أيام التشريق، فقضاها فيها، فحكمها حكم المؤداة
في التكبير؛ لأنها صلاة في أيام التشريق، وكذلك إن فاتته من غير أيام
التشريق، فقضاها فيها كذلك، وإن فاتته من أيام التشريق، فقضاها في غيرها،
لم يكبر؛ لأن التكبير مقيد بالوقت، فلم يفعل في غيره كالتلبية، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه))(١): يكبر الحجاج وغيرهم خلف الفرائض
المؤداة والمقضية، وخلف النوافل وصلاة الجنازة على الأصح، وسواء في
استحبابه المسافر والحاضر، والمصلي في جماعة ومنفرد، والصحيح والمريض
انتھی .
زاد في ((شرح المنهاج)): الأظهر أنه يكبر في هذه الأيام للفائتة المفروضة
أو النافلة فيها أو في غيرها، والمنذورة والراتبة والنافلة سواء ذات السبب،
ككسوف واستسقاء وغيرها، كالضحى والعيد، وكذا صلاة الجنازة؛ لأنه شعار
الوقت، ومن ثم لم يكبر اتفاقاً لفائتها إذا قضاها خارجها، انتهى.
قال الباجي(٢): قال في ((المدونة)): يكبر الناس والمسافرون ومن صلى
(١) (ص٣٥٤).
(٢) ((المنتقى)) (٤٢/٣).
٢٥١

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
وحده وأهل البوادي والعبيد وغيرهم من المسلمين، وقال في ((المختصر)): لا
يكبر النساء دبر الصلوات، وجه القول الأول: أن المرأة ممن يلزمها حكم
الإحرام كالرجل، ووجه القول الثاني: أنه معنى من حكمه الإعلان، فلم يثبت
في حق المرأة كالأذان، انتهى. قلت: ونص ((الموطأ)) كما سيأتي التعميم
للرجال والنساء.
وقال الدردير(١): نُدب تكبير المصلي ولو صبياً، وتسمع المرأةُ نفسها، :
والذكر من يليه، إثر خمس عشرة فريضة حاضرة، وإثر سجودها البعدي لا إثر.
نافلة ومقضية فيها مطلقاً، كانت من أيام العيد أو غيرها، فيكره، انتهى.
وفي (الأنوار)) عن ((شرح الخُرشي)): يندب لكل مصلٍّ ولو امرأة أو
مسافراً أو أهل بادية، صلى في جماعة أو وحده، أن يكبر عقب خمس عشرة
فريضة وقتية، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): هو عقيب الصلوات المفروضات على المقيمين في
الأمصار في الجماعات المستحبة عند أبي حنيفة، وليس على جماعات النساء
إذا لم يكن معهن رجل، ولا على جماعة المسافرين إذا لم يكن معهم مقيم،
وقالا: هو على كل من صلى المكتوبة؛ لأنه تبع للمكتوبة، وله ما روينا قبل،
والتشريق هو الجهر بالتكبير، كذا نقل عن الخليل بن أحمد، ولأن الجهر
بالتكبير خلاف السنة، والشرع ورد باستجماع هذه الشرائط، إلا أنه يجب على
النساء إذا اقتدين بالرجال، وعلى المسافرين عند اقتدائهم بالمقيم بطريق
التبعية، انتهى.
وفي ((البناية)): قوله: عند أبي حنيفة، وهو مذهب ابن مسعود، وكان ابن
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٠١/١).
(٢) ((الهداية مع فتح القدير)) (٥٠/٢).
٢٥٢
---

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
عمر - رضي الله عنهما - إذا صلى وحده لا يكبر، وبه قال الثوري، وهو
المشهور عن أحمد، وقوله: عقيب الصلوات، إشارة إلى أنه لا يجوز أن يخلل
ما يقطع به حرمة الصلاة، وقيد بالمفروضات، ليخرج الوتر، وصلاة العيدين،
والسنن، والنوافل، وقيد بالمقيمين، ليخرج المسافرين، وقيد بالمصر، ليخرج
المقيمين بالقرى، وقيد بالجماعة، ليخرج المنفرد، وقيد بالمستحب، ليخرج
جماعة النساء وحدهن.
وفي ((المبسوط)) و((جوامع الفقه)) و(شرح أبي نصر)): لا يكبر بعد الوتر
وصلاة العيدين والجنائز والسنن والنوافل، وقال مالك وأحمد، وسائر الفقهاء: لا
يكبر عقيب النوافل، خلافاً للشافعي، فإنه يكبر عنده في النوافل والجنائز على
الأصح، واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة هل يشترط له الحرية؟ والأصح أنه
ليس بشرط، وقالا أي أبو يوسف ومحمد: على كل من صلى المكتوبة، وبه قال
مالك والشافعي والأوزاعي، والمكتوبة أي الفرض، سواء كان مصرياً أو مقيماً أو
مسافراً، جماعة أو منفرداً، قوله: وله، أي لأبي حنيفة ما روينا قبل أي المذكور
في باب صلاة الجمعة: ((لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر
جامع))، والخليل من أئمة اللغة، وكذا روي عن النصر بن سهيل، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (١): يجب تكبير التشريق عقب كل فرض أدي بجماعة
مستحبة، أو قضى فيها منها من عامه لقيام وقته على إمام مقيم بمصر، وعلى
مقتد مسافر أو قروي، أو امرأة بالتبعية، وعلى مقيم اقتدى بمسافر، وقالا :
بوجوبه فور كل فرض مطلقاً ولو منفرداً أو مسافراً أو امرأة؛ لأنه تبع للمكتوبة،
ولا بأس به عقب العيد؛ لأن المسلمين توارثوه، ويأتي المؤتم به وجوباً وإن
ترك إمامه، والمسبوق يكبر وجوباً كاللاحق عقب القضاء لما فاته، ولو كبر مع
الإمام لا تفسد، ويبدأ بسجود السهو ثم بالتكبير، انتهى.
(١) ((الدر المختار)) (١٩٢/٢ - ١٩٤).
٢٥٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
والثالثة: في وقته، قال الحافظ(١): وللعلماء اختلاف أيضاً في ابتدائه
وانتهائه، فقيل: من صبح يوم عرفة، وقيل: من ظهره، وقيل: من عصر،
وقيل: من صبح يوم النحر، وقيل: من ظهره، وقيل في الانتهاء: إلى ظهر يوم
النحر، وقيل: إلى عصره، وقيل: إلى ظهر ثانيه، وقيل: إلى صبح آخر أيام
التشريق، وقيل: إلى ظهره، وقيل: إلى عصره، ولم يثبت في شيء من ذلك
عن النبي ◌ُّير حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود:
إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى، أخرجه ابن المنذر وغيره.
قلت: وتحصل مما ذكر الحافظ وغيره من الاختلاف على ما فصله
العيني(٢) والرازي وغيرهما أقوال.
الأول: ما ذهب الإمام أبو حنيفة أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عقيب
العصر يوم النحر، فيكون بعد ثمان صلوات، وهو أحد أقوال ابن مسعود،
وأحد أقوال الشافعي، كما قاله الرازي، وبه قال علقمة والأسود والنخعي.
الثاني: ما ذهب إليه صاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد أنه يختم عقب
صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في ثلاث وعشرين صلاة،
وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأحد
أقوال ابن مسعود، وعزاه الرازي إلى أكابر الصحابة، والموفق إلى إجماع
الصحابة، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق والمزني وابن شريح، قال الرازي:
وعليه عمل الناس بالبلدان، وزاد الموفق فيمن ذهب إلى هذا ابن عيينة وأبا
ثور، ورجحه للرازي والموفق بوجوه.
الثالث: ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، يختم بعد ظهر يوم
النحر، فيكون في سبع صلوات.
(١) (فتح الباري)) (٢/ ٤٦٢).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (١٨٨/٥).
٢٥٤

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
الرابع: يكبر من ظهر يوم النحر، ويختم في صبح آخر أيام التشريق،
فيكون في خمس عشرة صلاة، وهو قول مالك والشافعي في المشهور عنه،
ويحيى الأنصاري، وروي ذلك عن ابن عمر- رضي الله عنهما -، وعمر بن
عبد العزيز، وهو رواية عن أبي يوسف، وعزاه الرازي إلى ابن عباس.
الخامس: من ظهر عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، حُكِي ذلك عن ابن
عباس وسعيد بن جبير.
السادس: يبدأ من ظهر يوم النحر إلى ظهر يوم النفر الأول، عزاه العيني
إلى بعض أهل العلم.
السابع: حكاه ابن المنذر عن ابن عيينة، واستحسنه أحمد أن أهل منى
يبدؤون من ظهر يوم النحر، وأهل الأمصار من صبح يوم عرفة، وإليه مال أبو
ثور قاله العيني.
قلت: وبه جزم أهل الفروع من الحنابلة، كالخرقي والموفق وصاحب
((الروض)) وغيرهم، فقالوا: يبتديء من صلاة الفجر يوم عرفة، والمحرم من
صلاة الظهر يوم النحر؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية، ويستوي هو والحلال
في آخر مدة التكبير، والتفريق بين الحاج وغيره قول للشافعية أيضاً، كما
سيأتي، والأشهر عندهم أن غير الحجاج تبع لهم في ذلك، فيبتدؤن من ظهر
يوم النحر إلى صبح اليوم الثالث عشر، فخالفت الحنابلة في آخر الوقت، فهذا
هو القول الثامن .
التاسع: من ظهر عرفة إلى ظهر يوم النحر حكاه ابن المنذر قاله العيني.
العاشر: من مغرب ليلة النحر عند بعضهم. قاله قاضيخان، كذا في
((العيني))، وقال الرازي: القول الثاني للشافعي: يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة
النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وعلى هذ القول تكون التكبيرات
بعد ثماني عشرة صلاة، انتهى.
٢٥٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
وذكره النووي في ((المنهاج)): من مغرب يوم النحر إلى عصر آخر أيام
التشريق، فهذا القول الحادي عشر.
والثاني عشر: ما حكاه الدسوقي عن ابن بشير من المالكية القائل إثر ست
عشرة فريضة من ظهر يوم النحر لظهر يوم الرابع، وفي ((المغني)) و((الشرح
الكبير)) (١): التكبير في الأضحى مقيد ومطلق، فالمقيد عقيب الصلوات،
والمطلق في كل حال في الأسواق، وفي كل زمان، من أول العشر إلى آخر
أيام التشريق، وأما الفطر فمسنونه مطلق غير مقيد.
قلت: وسيأتي بيان المطلق أي تكبير عيد الفطر، وكذا مطلق
عيد الأضحى قريباً، وأما مقيد عيد الأضحى الذي عقيب الصلوات، فقال
الخرقي: يبتدأ التكبير يوم عرفة من صلاة الفجر حتى يكبر لصلاة العصر من
آخر أيام التشريق.
قال الموفق(٢): لا خلاف بين العلماء في أن التكبير مشروع في عيد
النحر، واختلفوا في مدته، فذهب إمامنا إلى أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى
العصر من آخر أيام التشريق، وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود،
وإليه ذهب الثوري وابن عيينة وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور والشافعي في بعض
أقواله .
وعن ابن مسعود أنه كان يكبر من غداة عرفة إلى العصر من يوم النحر،
وإليه ذهب علقمة والنخعي وأبو حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اَللَّهِ فِىّ
أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾(٣) وهي العشر، وأجمعنا على أنه لا يكبر قبل يوم عرفة، فلم
يبق إلا يوم عرفة ويوم النحر.
(١) (٢٢٧/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٨٧/٣).
(٣) سورة الحج: الآية ٢٨.
٢٥٦
--

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
وعن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، أن التكبير من صلاة الظهر يوم
النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق. وبه قال مالك والشافعي في المشهور
عنه؛ لأن الناس تبع للحاج، والحاج يقطعون التلبية مع أول حصاة، ويكبرون
مع الرمي، وإنما يرمون يوم النحر، فأول صلاة بعد ذلك الظهر، وآخر صلاة
يصلون بمنى الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق.
ولنا، ما روى جابر، أن النبي ◌َّ صلى الصبح يوم عرفة، وأقبل علينا،
فقال: ((الله أكبر الله أكبر)) ومَدّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق. أخرجه
الدارقطني من طرق، ولأنه إجماع الصحابة، روي ذلك عن عمر وعلي وابن
عباس - رضي الله عنهم - رواه سعيد عنهم، وروى بإسناده عن محمد بن
سعيد، أن عبد الله كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى العصر من يوم
النحر، فأتانا عليٍّ بعده، فكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام
التشريق، وقيل لأحمد: بأي حديث تذهب إلى التكبير من صلاة الفجر يوم
عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: لإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن
مسعود، ولأنه تعالى قال: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيَّ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍّ﴾(١) وهي أيام
التشريق، فتعين الذكر في جميعها، ولأنها أيام يُرْمَى فيها، فكان التكبير فيها
كيوم النحر، وقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾(٢) المراد به
ذكر الله على الهدايا والأضاحي.
ويستحب التكبير عند رؤية الأنعام في جميع العشر، وهذا أولى من قولهم
وتفسيرهم؛ لأنهم لم يعملوا به في كل العشر ولا في أكثره، وإن صح قولهم،
فقد أمر الله بالذكر في أيام معدودات، وهي أيام التشريق، فيعمل به أيضاً،
وأما المحرمون، فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر لما ذكره، ولأنهم
(١) سورة البقرة: الآية ٢٠٣.
(٢) سورة الحج: الآية ٢٨.
٢٥٧

%
(٦٨) باب
٢٠ - كتاب الحج
كانوا مشغولين قبل ذلك بالتلبية، وغيرهم يبتدئ من يوم عرفة لعدم المانع في
حقهم مع وجود المقتضي، وقولهم: ((إن الناس لهم تبع)) دعوى مجردة، لا
دليل عليها، فلا تسمع.
وقال أيضاً: إنما خص المحرم بالتكبير من يوم النحر ظهراً؛ لأنه قبل
ذلك مشغول بالتلبية، فلا يقطعها إلا عند رمي جمرة العقبة، وليس بعدها صلاة
قبل الظهر، فيكبر حينئذٍ بعدها، كالمحل، ويستوي هو والحلال في آخر مدة
التكبير، انتهى.
وأنت خبير بأن لا منافاة بين التكبير والتلبية، فأي مانع في الجمع بينهما
كقول من لم يفرق بين الحاج وغيره، وحديث جابر الذي أخرجه الدار قطني
بطرق، منها، ما روي عن علي بن حسين عن جابر بن عبد الله قال: ((كان
رسول الله وَل﴿ يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام
التشريق حين يسلم من المكتوبات))، مشيراً إلى العموم للحاج وغيره.
وقال النووي في ((مناسكه))(١): يستحب للحجاج بمنى أن يكبروا عقيب
صلاة الظهر يوم النحر، وما بعدها من الصلوات التي يصلونها بمنى، وآخرها
:
الصبح من اليوم الثالث من أيام التشريق.
وأما غير الحجاج، ففيهم أقوال مختلفة للعلماء، أشهرها عندنا أنهم
كالحجاج، والأقوى أنهم يكبرون من صلاة الصبح يوم عرفة إلى أن يصلوا
العصر من آخر أيام التشريق، زاد في ((المنهاج)): والعمل على هذا، قال ابن
حجر: أي في الأعصار والأمصار للخبر الصحيح فيه على ما قاله الحاكم،
وتبعه تلميذه الإمام البيهقي في ((خلافياته))، لكنه ضَعّفه في غيرها، وبتسليمه هو
حجة في ذلك، ومن ثم اختاره المصنف في ((المجموع)) وغيره، وفي
((الأذكار)): أنه الأصح، وفي ((الروضة)): أنه الأظهر عند المحققين.
(١) (ص٣٥٣).
٢٥٨

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
ثم رأيت الذهبي في ((تلخيص المستدرك))(١) أشار إلى أنه شديد الضعف،
وعبارته: ((خبر واوٍ كأنه موضوع)) وما هو كذلك ليس بحجة ولا في الفضائل،
انتھی .
قلت: والحديث الذي أشار إليه ابن حجر هو ما رواه الحاكم بسنده إلى
أبي الطفيل عن علي وعمار، أن النبي ◌ّ كان يجهر في المكتوبات ببسم الله
الرحمن الرحيم، وكان يقنت في صلاة الفجر، وكان يكبر من يوم عرفة صلاة
الغداة، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق، هذا حديث صحيح الإسناد،
ولا أعلم في رواته منسوباً إلى الجرح.
وقد روي في الباب عن جابر بن عبد الله وغيره، فأما من فعل عمر وعلي
وابن عباس وابن مسعود، فصحيح عنهم التكبير من غداة عرفة إلى آخر أيام
التشريق، ثم ذكر الآثار عنهم بأسانيده.
وقال الذهبي بعد حديث أبي الطفيل: بل خبرٌ واهٍ كأنه موضوع؛ لأن
عبد الرحمن صاحب مناكير، وسعيد إن كان الكربزي، فهو ضعيف، وإلا فهو
مجهول، فأما من فعل عمر وعلي وابن مسعود، فصحيح عنهم التكبير، ثم ذكر
الآثار المذكورة، وأقرها .
وقال الدردير: نُدِب تكبيره إثر خمس عشرة فريضة من ظهر يوم النحر
لصبح الرابع، قال الدسوقي(٢): هذا هو المعتمد خلافاً لابن بشير القائل: إثر
ست عشرة فريضة من ظهر يوم النحر لظهر الرابع.
وفي ((الأنوار))(٣) عن ((شرح الخرشي)): عقب خمس عشرة فريضة وقتية،
(١) (تلخيص المستدرك على هامش المستدرك)) (٢٩٩/١).
(٢) (حاشية الدسوقي)) (٤٠١/١).
(٣) ص(٥٩٠).
٢٥٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٨) باب
أولها صلاة الظهر من يوم النحر، وآخرها صلاة الصبح من اليوم الرابع، وهو
آخر أيام التشريق، انتهى.
وفي ((الهداية)) (١): يبدأ بتكبير التشريق بعد صلاة الفجر من يوم عرفة،
ويختم عقيب صلاة العصر من يوم النحر عند أبي حنيفة، وقالا: يختم عقيب
صلاة العصر من آخر أيام التشريق، والمسألة مختلفة بين الصحابة، فأخذا بقول
علي أخذاً بالأكثر؛ إذ هو الاحتياط في العبادات، وأخذ بقول ابن مسعود أخذاً
بالأقل؛ لأن الجهر بالتكبير بدعة.
قال العيني في ((البناية)): لقوله تعالى: ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾(٢)
واحتج أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ والمراد منه أيام
العشر بالنقل عن أهل التفسير، فكان ينبغي أن يكون واجباً في جميع أيام
العشر، إلا أن ما قبل يوم عرفة خص بالإجماع من الصحابة، وفيما بعد
الأضحى لا نص ولا إجماع، فكان الاقتصار على تكبير ابن مسعود أولى.
فإن قلت: لا نسلم عدم النص في أيام التشريق، ألا ترى إلى قوله
تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍّ﴾، قلت: لا نُسلِّم أن المراد منه الذكر
المفعول عقيب الصلوات، بل المراد منه الذكر عند رمي الجمار بدليل سياق
الآية ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ الآية؛ لأن ذلك حكم يختص برمي الجمار،
انتھی .
قلت: والظاهر أن في الآية الأولى تحريفاً من الناسخ، والصواب فيها
﴿وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ لأنها هي المستدل للإمام، ويدل عليه
أيضاً السياق، ثم الفتوى عند الحنفية، والعمل في البلدان والأمصار على
(١) ((الهداية)) (٨٦/١).
(٢) سورة الأعراف: الآية ٥٥.
٢٦٠
--