Indexed OCR Text
Pages 161-180
٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ خالد بن الوليد كان على الباب يذبّ عنه الناس، وكأنه جاء بعدما دخل النبيّ ◌َّه وأغلق، قال الحافظ: وقال أيضاً في موضع آخر بحثاً: إنه لم يثبت أن الفضل كان معهم، إلّا في رواية شاذّة، انتهى. (فأغلقها) بصيغة الإفراد في جميع النسخ، وهكذا لفظ محمد، أي أغلق عثمان الكعبة (عليه) ◌َّ زاد في رواية حسان بن عطية عن نافع عند أبي عوانة: (من داخل))، ولمسلم والنسائي من طريق ابن عون عن نافع: ((فأجاف عليهم عثمان الباب))، وحكى الحافظ عن ((الموطأ)) بلفظ: ((فأغلقاها عليه))، قال: والضمير لعثمان وبلال، ولفظ البخاري برواية سالم عن أبيه: ((فأغلقوا عليهم)). قال الحافظ (١): الجمع بينها بأن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه وظيفته، ولعل بلالاً ساعده في ذلك، ورواية الجمع يدخل فيها الأمر بذلك والراضي به، انتھی . وقال أيضاً(٢): قال ابن بطال: الحكمة في غلق الباب حينئذٍ، لئلا يظنّ الناس أن الصلاة فيه سنّة، فيلتزمون ذلك كذا قال، ولا يخفى ما فيه، وقال غيره: يحتمل أن يكون ذلك، لئلا يزدحموا عليه، لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعاله، ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، وقيل: فائدة ذلك التمكّن من الصلاة في جميع جهاتها؛ لأن الصلاة إلى جهة الباب وهو مفتوح لا تصح، انتهى. وهذا الأخير يختصّ بمن ذهب إلى عدم الصحة كما تقدم في الترجمة . قال الباجي(٣): فيه دليل على جواز ذلك لمن أبيح له الانفراد فيه للدعاء (١) ((فتح الباري)) (٤٦٤/٣). (٢) (فتح الباري)) (١/ ٥٦٠). (٣) ((المنتقى)) (٣٥/٣). ١٦١ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث وَمَكَثَ فِيهَا . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَسَأَلْتُ بِلَالاً والذكر والصلاة، وإنما جاز ذلك في البيت بخلاف المساجد، فإنه ممنوع منه لأن مقصوده الطواف به، وذلك إنما يكون في خارجه وسائر المساجد، والمقصود منها الصلاة فيها، فليس لأحد أن ينفرد بذلك فيها في وقت حاجة الناس إليها، انتهى. وترجم البخاري على الحديث ((باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد))، قال العيني(١): أي هذا باب اتخاذ الأبواب للكعبة ولغيرها من المساجد لأجل صونه عمّا لا يصلح فيها، ولأجل حفظ ما فيها من الأيدي العادية، ولذا قال ابن بطال: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب، وعلّل الوجوب بما ذكرنا، انتهى. قلت: والمقصود أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾(٢) الآية. (ومكث) بفتح الكاف وضمّها (فيها) أي الكعبة، زاد يونس: ((نهاراً طويلاً))، وفي رواية فليح: ((زماناً)) بدل ((نهاراً))، ولمسلم من رواية ابن عون عن نافع: ((فمكث فيها ملياً)) (قال عبد الله) وفي البخاري برواية سالم: ((فلما فتحوا كنت أوّل من ولج، فلقيت بلالاً، فسألته))، قال الحافظ: وفي رواية فليح: ((ثم خرج فابتدر الناس الدخول فسبقتهم))، وفي رواية أيوب: ((كنت رجلاً شاباً قوياً، فبادرت الناس فبدرتهم))، وفي رواية جويرية: ((كنت أوّل الناس ولج على أثره)) (فسألت بلالاً) وللبخاري برواية سالم: «فلما فتحوا كنت أوّل من ولج، فلقيت بلالاً فسألته))، ولمسلم من رواية يونس عن ابن شهاب: فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة على الشك، والمحفوظ أنه سأل بلالاً، كما في رواية الجمهور. (١) ((عمدة القاري)) (٥٢٩/٣). (٢) سورة البقرة: الآية ١١٤. ١٦٢ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حديث حِينَ خَرَجَ : ولأبي عوانة من طريق العلاء عن ابن عمر أنه سأل بلالاً وأسامة حين خرجا: أين صلّى النبيّ وَل# فيه؟ فقالا: على جهته، وكذا أخرج البزار نحوه، ولأحمد والطبراني من طريق أبي الشعثاء عن ابن عمر قال: ((أخبرني أسامة أنه صلّى فيه ههنا))، ولمسلم والطبراني من وجه آخر: ((فقلت: أين صلّى؟ فقالوا)). قال الأبي: فهذا خبر عن جميعهم، لكن أهل الصنعة وهَّموا هذه الرواية. قال الدار قطني: وَهِمَ ابن عون ههنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده، انتهى. قال الحافظ (١): فإن كان محفوظاً حمل على أنه ابتدأ بلالاً بالسؤال، ثم أراد زيادة الإثبات في مكان الصلاة، فسأل عثمان وأسامة أيضاً، ويؤيّد ذلك ما في رواية ابن عون عند مسلم: ((ونسيت أن أسألهم كم صلّى)) بصيغة الجمع، وهذا أولى من جزم عياض بوهم رواية مسلم بالشك، وكأنه لم يقف على بقية الروايات، ولا يعارض قصة أسامة ما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس عن أسامة أنه لم يصلّ فيه، ولكنه كبّر في نواحيه، فإنه يمكن الجمع بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره وحيث نفاها أراد ما في علمه لكونه لم يرِهِ وَ لّر حين صلّى، وسيأتي مزيد بسط فيه، انتهى. (حين خرج) ولفظ البخاري برواية مجاهد عن ابن عمر: فأقبلت والنبيّ ◌َ﴾ قد خرج، وأجد بلالاً قائماً بين البابين، قال الحافظ(٢): أي المصراعين، وحمله الكرماني تجويزاً على حقيقة التثنية، وقال: أراد بالباب الثاني الذي لم تفتحه قريش حين بنيت الكعبة باعتبار ما كان، أو كان إخبار الراوي بذلك بعد أن فتحه ابن الزبير، وهذا يلزم منه أن يكون ابن عمر - رضي الله عنهما - وجد بلالاً في وسط الكعبة، وفيه بُعْدٌ، وفي رواية الحموي: ((بين الناس))، بِنُونٍ وسين مهملة وهي أوضح، انتهى. (١) (فتح الباري)) (٤٦٥/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٥٠٠/١). ١٦٣ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ نَّه فَقَالَ: جَعَلَ عَمُوداً عَنْ يَمِينِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ یَسَارِهِ، ولفظ البخاري برواية يونس عن نافع: في غزوة الفتح، فوجد بلالاً وراء الباب قائماً، وهذا يقرب بوسط الكعبة. (ما صنع رسول الله (وَل#) هكذا أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك في الصلاة بين السواري، قال الحافظ: في رواية جويرية ويونس وجمهور أصحاب نافع: فسألت بلالاً أين صلّى؟ اختصروا أوّل السؤال، وثبت في رواية سالم عند البخاري في الحجّ: هل صلّى فيه؟ قال: نعم، وكذا في رواية مجاهد وابن أبي مليكة عن ابن عمر، فقلت: أصلى النبيّ وَّ في الكعبة؟ قال: نعم، فظهر أنه استثبت أولاً هل صلّى أو لا؟، ثم سأل عن موضع صلاته في البيت، انتهى. (فقال: جعل عموداً) بالإفراد (عن يساره وعمودين) بالتثنية (عن يمينه) هكذا في جميع النسخ الهندية ونسخة الباجي و((التقصي)) و((المصفّى)) بالإفراد إلى اليسار، والتثنية إلى اليمين، وكذا في رواية محمد، ووقع في أكثر النسخ المصرية ونسخة ((التنوير)) والزرقاني عكسه، يعني: بالإفراد إلى اليمين، والتثنية إلى اليسار، وقال الزرقاني: هكذا رواه يحيى الأندلسي، ويحيى النيسابوري، والشافعي وابن مهدي في إحدى الروايتين عنهما وبشر بن عمر، وقال ابن القاسم والقعبني وأبو مصعب ومحمد بن الحسن والشافعي وابن مهدي في إحدى الروايتين عنهما: عكس الأولى، انتهى مختصراً. والظاهر عندي أن الصواب في رواية يحيى هو ما في النسخ الهندية لاتفاقها عليه وموافقة الباجي و((التقصي)) وغيرهما من النسخ المصرية، وهكذا حكى الأبي في (الإكمال)) عن ((الموطأ))، وما ذكر الزرقاني من اختلاف النسخ لعلّه أخذه من كلام الحافظ، لكن الحافظ لم يذكر رواية يحيى الليثي، كما سيأتي كلامه مفصَّلاً، ويحتمل أن يكون ليحيى الليثي أيضاً روايتان، كما للشافعي وغيره. ١٦٤ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حديث وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، (وثلاثة أعمدة وراءه) واتفقت النسخ كلها على ذلك. والحديث أخرجه البخاري (١) برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بلفظ: عموداً عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم قال البخاري: وقال إسماعيل: حدّثني مالك وقال: عمودين عن يمينه، قال الحافظ: ذكر الدارقطني الاختلاف على مالك فيه، فوافق الجمهور عبد الله بن يوسف في قوله: ((عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره))، ووافق إسماعيل في قوله: ((عمودين عن يمينه)) ابن القاسم والقعنبي وأبو مصعب ومحمد بن الحسن وأبو حذافة، وكذا الشافعي وابن مهدي في إحدى الروايتين عنهما . وقال يحيى النيسابوري فيما رواه عنه مسلم: ((جعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه)) عكس رواية إسماعيل، وكذلك قال الشافعي وبشر بن عمر في إحدى الروايتين عنهما، وجمع بعض المتأخّرين بين هاتين الروايتين بتعدّد الواقعة، وهو بعيد لاتّحاد مخرج الحديث، وقد جزم البيهقي بترجيح رواية إسماعيل ومن وافقه، وفيه اختلاف رابع، فقال عثمان بن عمر عن مالك: ((جعل عمودين عن يمينه وعمودين عن يساره))، ويمكن توجيهه بأن يكون هناك أربعة أعمدة، اثنان مجتمعان، واثنان منفردان، فوقف عند المجتمعين، لكن يُعَكّر عليه قوله: ((وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة))، بعد قوله: ((وثلاثة أعمدة وراءه))، وقد قال الدارقطني: لم يتابع عثمان بن عمر على ذلك، انتهى. قلت: وقد أخرج البخاري(٢) برواية جويرية عن نافع بلفظ: ((بين (١) أخرجه البخاري في الحج ح (١٥٩٩)، ((باب الصلاة في الكعبة)) ((فتح الباري)) (٣/ ٤٦٧) . (٢) رقم الحديث (٥٠٤) (فتح الباري)) (١/ ٥٧٨). ١٦٥ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حديث . العمودين المقدمين))، قال الحافظ(١): كذا في هذه الرواية، وفي رواية مالك ((عموداً عن يساره وعموداً عن يمينه))، يعني في رواية عبد الله بن يوسف المتقدمة قريباً، قال: وليس بين الروايتين مخالفة، لكن قوله في رواية مالك: ((وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة)) مشكلٌ؛ لأنه يشعر بكون ما عن يمينه أو يساره كان اثنين، ولذا عقبه البخاري برواية إسماعيل التي قال فيها: ((عمودين عن یمینه)) . ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه حيث ثنى أشار إلى ما كان عليه البيت في زمن النبيّ ◌َّ، وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك، ويرشد إلى ذلك قوله: ((وكان البيت يومئذ))؛ لأن فيه إشعاراً بأنه تغيّر عن هيئته الأولى، وقال الكرماني: لفظ العمودين جنس يحتمل الواحد والاثنين فهو مجمل بيّنته رواية ((وعمودين))، ويحتمل أن يقال: لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل اثنان على سمت، والثالث على غير سمتها، ولفظ ((المقدمين)) في الحديث السابق مشعر به . قال الحافظ (٢): ويؤيّده أيضاً رواية مجاهد عن ابن عمر عند البخاري في باب ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾(٣)، فإن فيها ((بين الساريتين اللتين على يسار الداخل))، وهو صريح في أنه كان هناك عمودان على اليسار، وأنه صلّى بينهما، فيحتمل أنه كان ثَمَّ عموداً آخر عن اليمين، لكنه بعيد، أو على غير سمت العمودين، فيصح قول من قال: ((جعل عن يمينه عمودين))، وقول من قال: ((جعل عموداً عن يمينه)). وجوّز الكرماني احتمالاً آخر، وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفّة، فصلّى إلى جنب الأوسط، فمن قال: جعل عموداً (١) ((فتح الباري)) (٥٧٨/١). (٢) ((فتح الباري)) (٥٧٩/١). (٣) سورة البقرة: الآية ١٢٥. ١٦٦ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، عن يمينه، وعموداً عن يساره، لم يعتبر الذي صلّى إلى جنبه، ومن قال عمودين اعتبره، ثم وجدته مسبوقاً بهذا الاحتمال، وأبعد منه من قال: انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان، ولا تبطل الصلاة بذلك لقلّته، انتهى. وقال القاري في ((شرح الحصن)): الجمع على ثبوت تعدّد الدخول ظاهر، وعلى عدمه يحمل أحدهما على موقف الصلاة، والآخر على موقف الدعاء، انتھی . (وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة) قال القاري: بخلاف اليوم فإنه حينئذ على ثلاثة أعمدة، انتهى. وهو كذلك إلى زماننا هذا على ثلاثة أعمدة، وتقدم في كلام الحافظ أن في قوله: يومئذ إشعاراً بأنه تغيّر عن هيئته الأولى، انتهى. وقد أخرج البخاري في الحجّ برواية سالم عن أبيه بلفظ: ((بين العمودين اليمانيين))، قال الحافظ(١): ووقع في رواية فليح في المغازي ((بين ذينك العمودين المقدمين، وكان البيت على ستة أعمدة سطرين، صلّى بين العمودين من السطر المقدم، وجعل الباب خلف ظهره))، وكل هذا إخبار عمّا كان عليه البيت قبل أن يهدم ويبنى في زمن ابن الزبير. فأمّا الآن، فقد بيّن موسى بن عقبة في روايته عن نافع، أخرجه البخاري في (باب الصلاة في الكعبة))، فقال: إن بينه وبين الجدار الذي استقبله قريباً من ثلاثة أذرع، وجزم برفع هذه الزيادة مالك عن نافع فيما أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مهدي والدارقطني في ((الغرائب)) من طريقه، وطريق عبد الله بن وهب وغيرهما عنه، ولفظه: ((وصلّى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع))، وكذا أخرجها أبو عوانة من طريق هشام بن سعد عن نافع، وهذا فيه الجزم بثلاثة أذرع، لكن رواه النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك بلفظ: ((نحو من ثلاثة أذرع))، وهي موافقة لرواية موسى بن عقبة. (١) ((فتح الباري)) (٤٦٥/٣). ١٦٧ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث ثُمَّ صَلَّى. أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٩٦ - باب الصلاة بين السواري في غير جماعة. وفي ((كتاب مكة)) للأزرقي والفاكهي من وجه آخر: ((أن معاوية سأل ابن عمر - رضي الله عنهما - أين صلّى رسول الله وَّ؟ فقال: اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة))، فعلى هذا ينبغي لمن أراد الاتّباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فإنه تقع قدماه في مكان قدميه ◌َ ل و إن كانت ثلاثة أذرع سواء، وتقع ركبتاه أو يداه ووجهه إن كان أقلّ من ثلاثة، انتهى. (ثم صلّى) قال ابن عبد البرّ (١): هكذا رواه جماعة من رواة ((الموطأ))، وزاد ابن القاسم في روايته: ((وجعل بينه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع))، ولابن مهدي وابن وهب وابن عفير: ثلاثة أذرع، ولم يقولوا: نحو، انتهى. لم يذكر في الحديث مقدار ما صلّى، وقد أخرج البخاري في باب قوله تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾(٢) برواية مجاهد عن ابن عمر بلفظ: ((فسألت بلالاً أصلّى النبيّ وَّ في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره، إذا دخلت، ثم خرج فصلّى في وجه الكعبة ركعتين)). قال الحافظ(٣): قوله: ((نعم ركعتين))، أي صلّى ركعتين، وقد استشكل الإسماعيلي وغيره هذا مع أن المشهور عن ابن عمر من طريق نافع وغيره عنه، أنّه قال: نسيت أن أسأله كم صلّى؟ قال: فدلّ على أنه أخبره بالكيفية، وهي تعيين الموقف في الكعبة، ولم يخبره بالكمية، ونسي هو أن يسأله، والجواب عن ذلك أن يقال: يحتمل أن ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرواية: ركعتين ------ (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٢٣/١٣). (٢) سورة البقرة: الآية ١٢٥. (٣) ((فتح الباري)) (٥٠٠/١). ١٦٨ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث على القدر المتحقّق له، وذلك أن بلالاً أثبت له أنه صلّى، ولم ينقل أن النبيّ وَّ تنفل في النهار بأقلّ من ركعتين، فكانت الركعتان متحقّقا وقوعهما لما عرف بالاستقراء من عادته، فعلى هذا فقوله: ((ركعتين)) من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال، وقد وجدت ما يؤيّد هذا. ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شبّة في ((كتاب مكّة)) من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد عن نافع عن ابن عمر في هذا الحديث: ((فاستقبلني بلال فقلت: ما صنع رسول الله وَلقر ههنا؟ فأشار بيده أي صلّى ركعتين بالسبابة والوسطى))، فعلى هذا فيحمل قوله: نسيت أن أسأله كم صلّى؟ على أنه لم يسأله لفظاً، ولم يجبه لفظاً، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته لا بنطقه . وأمّا قوله: (نسيت أن أسأله))، يحمل على أن مراده أنه لم يتحقّق هل زاد على الركعتين أو لا، وأمّا قول بعض المتأخرين: إن ابن عمر - رضي الله عنهما - نسي أن يسأل بلالاً، ثم لقيه مرة أخرى، فسأله، ففيه نظر من وجهين. أحدهما: أن الذي يظهر أن القصة، وهي سؤال ابن عمر - رضي الله عنهما - عن صلاته في الكعبة لم تتعدّد؛ لأنه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معاً، فقال في هذه: ((فأقبلت فسألت بلالاً))، وفي الأخرى: ((فبدرت فسألت بلالاً))، فدلّ على أن السؤال من ذلك كان واحداً في وقت واحد. ثانيهما: أن راوي قول ابن عمر: نسيت هو نافع مولاه، ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمر على حكاية النسيان، ولا يتعرض لحكاية الذكر أصلاً، والله أعلم، انتهى. وفي ((نصب الراية)) (١) بعد حكاية حديث البخاري بلفظ ((ركعتين)): قال (١) (٣٢٠/٢). ١٦٩ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حديث عبد الحق في ((الجمع بين الصحيحين)): هكذا قال، وأكثر الأحاديث على أنه لم يعلمہ کم صلّی، انتهى. وأمّا ما نقله عياض (١) أن قوله: ((ركعتين)) غلط من يحيى القطان؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: نسيت أن أسأله كم صلّى؟ قال: وإنما دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين بعد، فهو كلام مردود، والمغلط هو الغالط، فإنه ذكر الركعتين قبل وبعد، فلم يهم من موضع إلى موضع، ولم ينفرد يحيى بذلك حتى يغلط، فقد تابعه أبو نعيم عند البخاري، والنسائي، وأبو عاصم عند ابن خزيمة، وعمر بن علي عند الإسماعيلي، وابن نمير عند أحمد، عند كلهم عن سيف، ولم ينفرد به سيف أيضاً، فقد تابعه عليه حصيف عن مجاهد عند أحمد، ولم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر، فقد تابعه عليه ابن أبي مليكة عند أحمد والنسائي، وعمرو بن دينار عند أحمد أيضاً باختصار. ومن حديث عثمان بن أبي طلحة عند أحمد والطبراني بإسناد قوي، ومن حديث أبي هريرة عند البزار، ومن حديث عبد الرحمن بن صفوان قال: فلما خرج سألت من كان معه؟ فقالوا: صلَّى ركعتين عند السارية الوسطى، أخرجه الطبراني بإسناد صحيح، ومن حديث شيبة بن عثمان قال: ((صلّى ركعتين عند العمودين))، أخرجه الطبراني بإسناد جيد، فالعجب من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ بقول من خفي عليه وجه الجمع بين الحديثين، انتهى. ويشكل على الحديث ما أخرجه مسلم والنسائي وغيرهما برواية ابن عباس عن أسامة: ((دخل رسول الله (وَلّر الكعبة فسبح في نواحيها ولم يصل))، الحديث. وهكذا أخرجه أحمد في ((مسنده))، وقد أخرج أيضاً بطرق برواية أبي جعفر عن أسامة، وبرواية أبي الشعثاء عن ابن عمر عن أسامة أنه وَلّ صلّى (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٥٤/٢). ١٧٠ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث فيها، فتعدّدت الروايات عنه في كلا المعنى. وقال الزيلعي لحديث ابن عمر عن أسامة في إثبات الصلاة: هذا سند صحيح، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب من كبّر في نواحي الكعبة)). قال الحافظ (١): أورد فيه حديث ابن عباس أنه ◌ّل كبّر في البيت ولم يصلّ، وصححه المصنف، واحتجّ به مع كونه يرى تقديم حديث بلال في إثبات الصلاة فيه، ولا معارضة في ذلك باعتبار الترجمة؛ لأن ابن عباس أثبت التكبير، ولم يتعرض له بلال، وبلال أثبت الصلاة ونفاها ابن عباس، فاحتجّ المصنف بزيادة ابن عباس، وقد يقدم إثبات بلال على نفي غيره لأمرين، أحدهما: أن ابن عباس لم يكن معه # يومئذ، وإنما أسند نفيه تارة لأسامة، وتارة لأخيه الفضل مع أنه لم يثبت أن الفضل كان معهم إلاّ في رواية شاذّة. وقد روى أحمد من طريق ابن عباس عن أخيه الفضل نفي الصلاة فيها، فيحتمل أن يكون تلقّاه عن أسامة، فإنه كان معه، كما تقدّم في أوّل الحديث، وقد تقدم قريباً أن ابن عباس روى عن أسامة نفي الصلاة فيها عند مسلم، ووقع إثبات صلاته فيها عن أسامة من رواية ابن عمر عن أسامة عند أحمد وغيره، فتعارضت الرواية في ذلك عنه، فترجح رواية بلال من جهته، أنه مثبت وغيره نافٍ، ومن جهة أنه لم يختلف عليه في الإثبات، واختلف على من نفى. وقال النووي(٢) وغيره: يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبيّ ◌َليل يدعو، فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبيّ بَّر في ناحية ثم صلّى النبيّ وَّ، فرآه بلال لقربه، ولم يرَه أسامة لبعده واشتغاله، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه بعض الأعمدة، فنفاها عملاً بظنّه . (١) (فتح الباري)) (٤٦٨/٣). (٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٨٢/٩). ١٧١ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله الحاجة، فلم يشهد صلاته، ويؤيّده ما رواه الطيالسي في ((مسنده)) عن عمير مولى ابن عباس عن أسامة قال: ((دخلت على رسول الله وب لر في الكعبة، فرأى صوراً، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصور))، فهذا الإسناد جيّد. قال القرطبي: فلعلّه استصحب النفي لسرعة عوده، قال الحافظ: وهو مفرع على أن هذه القصة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن فقد روى عمر بن شبة في ((كتاب مكة)) من طريق عليّ بن بذيمة وهو تابعي، قال: دخل النبيّ وَّل الكعبة، ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة قد احبتى، فأخذ بحبوته فحلّها، الحديث. فلعله احتبى فاستراح، فنعس فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها مستصحباً للنفي لقصر زمن احتبائه. ومنهم من جمع بين الحديثين بغير ترجيح أحدهما على الآخر، وذلك بأوجهِ . أحدها: حمل الصلاة المثبتة على اللغوية والمنفية على الشرعية، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة فرضاً ونفلاً، ويؤيّد هذا الجمع ما أخرج عمر بن شبة في ((كتاب مكة)) برواية أبي حمزة عن ابن عباس، قال: قلت له: كيف أصلّي في الكعبة؟ قال: كما تصلّي على الجنازة، تسبّح، وتكبّر، ولا تركع، ولا تسجد، ثم عند أركان البيت سبّح وكبّر وتضرّع، ولا تركع ولا تسجد، وسنده صحيح، ويرد هذا المجمل ما تقدم(١) في طريق حديث الباب من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن المراد الشرعية لا مجرّد الدعاء. ثانيها: ما قال القرطبي: يمكن حمل الإثبات على التطوّع، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك. وثالثها: ما قال المهلب شارح البخاري: يحتمل أن يكون دخول البيت (١) ((فتح الباري)) (٤٦٩/٣). ١٧٢ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث وقع مرتين، صلّى في إحداهما ولم يصلّ في الأخرى، وقال ابن حبان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة في الفتح صلّى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس في حجّته؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال وأسامة أيضاً، فإذا حمل الخبر على ما وصفناه بطل التعارض، وهذا جمع حسن . لكن تعقبه النووي بأنه لا خلاف في أنه ول# دخل يوم الفتح لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي في (كتاب مكة)) عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم: أنه ◌َّ# إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حجّ، فلم يدخلها، وإذا كان كذلك، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرّتين، ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السفر لا الدخول، وقد وقع عند الدار قطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع، انتهى. قال العيني (١): روى الدارقطني من حديث ابن عباس قال: ((دخل رسول الله وَل﴿ البيت فصلّى بين الساريتين ركعتين ثم دخل مرة أخرى، فقام يدعو، ثم خرج، ولم يصلّ))، انتهى. فهذا الوجه أولى في الجمع أن يحمل حديث بلال على غزوة الفتح وحديث أسامة على حجة الوداع. وفي ((المرقاة))(٢): قال الزركشي: ينبغي دخوله مرات، مرة يصلّي فيه أربعاً، ومرة يصلّ ركعتين، ومرة يدعو لاختلاف الروايات في ذلك، وحملها المحقّقون على دخوله مرات، انتهى. هذا، وقد ثبت دخوله 8# الكعبة في غزوة الفتح، كما تقدم التصريح (١) (عمدة القاري)) (٣٧٠/٣). (٢) (١٨٦/٢). ١٧٣ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حديث بذاك في طرق حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - واختلف في دخوله وَلّ حجة الوداع، وتقدم قريباً، أن ابن حبان مال إلى الدخول في حجة الوداع، فحمل إثبات الصلاة على فتح مكة، ونفيها على حجة الوداع، وتعقّبه النووي بأنه لا خلاف في أنه ◌ّ دخل يوم الفتح لا حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي عن غير واحد من أهل العلم، أنه ◌َّ﴿ إنما دخلها مرة واحدة عام الفتح، ثم حجّ، فلم يدخلها . وقال الشيخ ابن القيم(١): زعم كثير من الفقهاء وغيرهم أنه دخل البيت في حجّته، ويرى كثير من الناس أن دخول البيت من سنن الحج اقتداءً بالنبيّ وَّر، والذي تدلّ عليه سنّته أنه لم يدخل البيت في حجّته ولا في عمرته، وإنما دخله عام الفتح. ففي ((الصحيحين)): عن ابن عمر - رضي الله عنهما، قال: دخل رسول الله ﴾ يوم فتح مكّة على ناقة لأسامة حتى أناخ بفناء الكعبة، الحديث المذكور في الباب، وفي البخاري (٢) عن ابن عباس: ((أن رسول الله وَلّ لما قدم مكّة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة))، الحديث. وفيه: ((فكبّر في نواحيه ولم يصلّ)). فقيل: كان ذلك دخولين صلّى في أحدهما، ولم يصلّ في الآخر، وهذه طريقة ضعفاء النقد، كلّما رأوا اختلاف لفظٍ جعلوه قصة أخرى، وأمّا الجهابذة النقّاد فيرغبون عن هذه الطريقة، ولا يَجْبُنُون عن تغليط من ليس معصوماً من الغَلَط، ونسبته إلى الوهم، قال البخاري وغيره من الأئمّة: القول قول بلال؛ لأنه مثبت شاهد صلاته بخلاف ابن عباس، والمقصود أن دخوله إنما كان في غزاة الفتح لا في حجة ولا عمرة. (١) انظر: ((زاد المعاد)) (٢٧٢/٢). (٢) رقم الحديث (١٦٠١). ١٧٤ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حديث وفي ((صحيح البخاري)) من إسماعيل بن أبي خالد قلت لعبد الله بن أبي أوفى: ((أدخل النبيّ وَل في عمرته البيت؟ قال: لا))، وقالت عائشة: خرج رسول الله ◌َ من عندي، وهو قرير العين طيّب النفس، ثم رجع إليّ وهو حزين القلب، فقلت: يا رسول الله! خرجت من عندي وأنت كذا وكذا، فقال: ((إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمّتي من بعدي)) (١)، فهذا ليس فيه، إنه كان في حجّته، بل إذا تأمّلته حق التأمّل، أطلعك التأملُ على أنه كان في غزاة الفتح، انتهى. ولا يخفى أن من تأمّل في حديث عائشة - رضي الله عنها - حق التأمّل يبلغ إلى أنه ليس من قصّة الفتح، بل من حجة الوداع؛ لأن حمله على قصة الفتح بعيد جداً، كما سيأتي، وترجم البخاري في (صحيحه)) ((باب من لم يدخل الكعبة)) وذكر فيه أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - تعليقاً كان يحج كثيراً ولا يدخل، ثم أخرج حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى المذكور قريباً . قال الحافظ(٢): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم أن دخولها من مناسك الحجّ، واقتصر على الاحتجاج بفعل ابن عمر - رضي الله عنهما - لأنه أشهر من روى عن النبيّ وَّر الدخول في الكعبة، فلو كان دخولها عنده من المناسك، لما أخلّ به مع كثرة اتّباعه، واستدلّ المحب الطبري بحديث عبد الله بن أبي أوفى على أنه قال# دخل الكعبة في حجّته وفي فتح مكّة، ولا دلالة فيه على ذلك؛ لأنه لا يلزم من نفي كونه دخلها في عمرته أنه دخلها في جميع أسفاره، انتهى. (١) رواه أبو داود (٢٠٢٩)، والترمذي (٨٧٣)، وابن ماجه (٣٠٦٤)، وأحمد (١٣٧/٦). (٢) (فتح الباري)) (٤٦٧/٣). ١٧٥ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حديث وفي ((المرقاة))(١): قال ابن حبان: الأشبه حملهما على دخولين متغايرين، أحدهما يوم الفتح وصلّى فيه، والأخرى في حجة الوداع ولم يصلّ فيه، وذهب السهيلي إلى أن الدخولين في حجّة الوداع، دخلها يوم النحر، ولم يصلّ فيه ودخلها من الغد، وصلّى فيه، رواه الدارقطني بإسناد حسن عن ابن عمر، انتهى. قلت: ولفظها برواية يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمر، قال: دخل النبيّ وَّ البيت ثم خرج، وبلال خلفه، فقلت لبلال: هل صلّى؟ قال: لا، فلما كان الغد دخل، فسألت بلالاً: هل صلّى؟ قال: نعم، صلّى ركعتين، استقبل الجزعة وجعل السارية الثانية عن يمينه، وكذا حسن الزيلعي(٢) هذا الحدیث . وقال الحافظ(٣): في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - استحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خزيمة والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج مغفوراً له))، قال البيهقي: تفرّد به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحداً بدخوله، وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس: ((أن دخول البيت ليس من الحجّ في شيء)). وحكى القرطبي عن بعض العلماء، أن دخول البيت من مناسك الحجّ، وردّه بأنه ◌َ# إنما دخله عام الفتح، ولم يكن حينئذ محرماً، وأمّا ما رواه أبو داود والترمذي وصححه، هو وابن خزيمة والحاكم عن عائشة - رضي الله (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٥/٢). (٢) ((نصب الراية)) (٣٢١/٢). (٣) ((فتح الباري)) (٤٦٦/٣). ١٧٦ ------ ------- ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حدیث عنها -: أنه وُّل خرج من عندها وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب، فقال: ((دخلت الكعبة، فأخاف أن أكون شققت على أمّتي))، فقد يتمسك به لصاحب هذا القول المحكيّ، لكون عائشة لم تكن معه في الفتح ولا في عمرته، بل في حديث عبد الله بن أبي أوفى أنه لم يدخل الكعبة في عمرته، فتعيّن أن القصة كانت في حجّته، وهو المطلوب، وبذلك جزم البيهقي. ويحتمل أن يكون وَل قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، انتهى. قلت: ما ذكره الحافظ، احتمالاً وابن القيم جزماً عجيبٌ منهما، وأعجب من الحافظ فإنه لا يذهب إلى أمثال هذه الاحتمالات البعيدة؛ لأن كآبة دخول البيت ليست بهذه المثابة التي تستمر، وتمتدّ إلى وصوله وَّر المدينة المنوّرة بعد الفراغ من فتح مكة، وفتح الطائف، وغيرها من الفتوحات، حتى غلبت على هذه المسرّات التي هي من أعلى الفتوحات، فرجع إلى المدينة المنورة كئيباً وحزيناً حتى استفسرت عن ذلك عائشة - رضي الله عنها - وفهمت بمجرد الرؤية، كما يشير إليه لفظ ابن ماجه: ثم رجع إليّ وهو حزين، فقلت: يا رسول الله خرجت من عندي وأنت قرير العين، ورجعت وأنت حزين، الحديث . وأوضح منه ما حكى القاري من لفظ الحديث: ((صنعت اليوم شيئاً لو كنت استقبلت))، الحديث. وبهذا اللفظ أخرجه ابن سعد في ((طبقاته)) برواية قرعة عن عائشة، فهذا كالنصّ على أن هذا الرجوع كان من دخول البيت عند عائشة في مكة المكرمة، وعامة شراح الحديث حملوا حديث عائشة على حجة الوداع . قال الأبي(١): أمّا أحاديث حجة الوداع، فليس في شيء منها أنه دخلها (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤١٨/٣). ١٧٧ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٥) حديث إلّ في حديث أبي داود عن عائشة، أنه وقَّ خرج من عندها مسروراً، الحديث. فظاهره أنه في حجة الوداع، لكن في إسناده إسماعيل بن عبد الملك، وهو ضعيف، انتهى. قلت: ولا التفات إلى ضعفه بعدما صحّح الحديث الترمذي والحاكم وابن خزيمة، وأقرّهم عليه الحافظ، كما عرفته، وسكت عليه أبو داود، وأقرّه عليه المنذري، بل حكى في تقريره تصحيح الترمذي، وأقرّ الذهبي تصحيح الحاكم، وأقرّ ابن العربي تصحيح الترمذي. قال الشوكاني(١): في حديث عائشة - رضي الله عنها - دليل على أنه لاَلهول دخل الكعبة في غير عام الفتح، لأنها لم تكن معه فيه، إنما كانت معه في غيره، وقد جزم جمعٌ من أهل العلم أنه لم يدخل إلاّ في عام الفتح، وهذا الحديث يردّ عليهم، وقد تقرّر أنه وَ﴾ لم يدخل البيت في عمرته، كما في حديث ابن أبي أوفى، فتعيّن أن يكون دخله في حجّته، وبذلك جزم البيهقي(٢)، وقد أجاب البعض عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون مَالّ قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح، وهو بعيد جداً، انتهى. قلت: وما تقدم قريباً من رواية الدارقطني عن ابن عمر، وكذا ما تقدم عن العيني في آخر البحث الماضي من رواية الدارقطني عن ابن عباس نصٌّ في تكرار الدخول، فالظاهر دخوله لل# مرتين في غزوة الفتح، كما هو مؤدّى حديث ابن عمر وحجّة الوداع، كما هو مجمل حديث أسامة وعائشة - رضي الله عنهما -. قلت: ويدلّ على الاستحباب أيضاً ما روى البيهقي برواية سعيد بن جبير عن عائشة، قلت: يا رسول الله كل نسائك قد دخلن البيت غيري، قال: (١) ((نيل الأوطار)) (٤٤٣/٣) رقم الحديث (٢٠٥٥). (٢) ((السنن الكبرى)) (١٥٩/٥). ١٧٨ ----- --..-------- - ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٦) حديث ٨٨٦/ ١٩٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ : ((فاذهبي إلى ذي قرابتك فليفتح لك))، قالت: فأتيته، فقلت: إن رسول الله وَل يأمرك أن تفتح لي، فاحتمل المفاتيح، ثم ذهب معها إلى رسول الله وَلل، فقال: يا رسول الله، والله ما فتحت الباب بليل في الجاهلية ولا في الإسلام، فقال لعائشة: ((اذهبي فصلّي في الحِجْر ركعتين))، ففيه دليل على ندب ذلك، وإلاّ لم يأمره النبيّ ◌َّ ببدل ذلك بالصلاة في الحِجْرِ. ١٩٤/٨٨٦ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله) بن عمر، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب أخبرني سالم علقه البخاري في ((الجمع بين الصلاتين بعرفة)) (أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان) في سنة ثلاث وسبعين، كما يأتي تحت قوله: ((وأنا معه)) (إلى الحجاج بن يوسف) بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر الثقفي، أبو محمد الظالم المبير، المختلف في كفره، أول ولاية وليها تبالة - بمثناة مفتوحة فموحدة مخففة - فلما رآها احتقرها، فتركها، ثم تولّى قتال ابن الزبير - رضي الله عنه - فقهره على مكة والحجاز، وقتل ابن الزبير وصلبه بمكة سنة ٧٣هـ، فولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، وكان يصلّي بالناس، ويقيم لهم الحج، ثم ولاه العراق، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فوليها عشرين سنة، وحطم أهلها، وفعل ما فعل، وتوفي بواسط، ودفن فيها، وعفي قبره، وأجري عليه الماء، وكان موته سنة ٩٥هـ، كذا في ((تهذيب النووي)»(١). وقال الحافظ(٢): ولد سنة ٤٥ هـ أو بعدها بيسير، ونشأ بالطائف، وحضر (١) (١٥٣/١). (٢) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٢١٠/٢). ١٧٩ ٢٠ - كتاب الحج (٦٣) باب (٨٨٦) حديث أَنْ لَا تُخَالِفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ، مع مروان حروبه، ثم لحق بعبد الملك بن مروان، وحضر معه قتل مصعب بن الزبير، ثم انتدب لقتال عبد الله بن الزبير بمكة، فجَهَّزه أميراً على الجيش، فحضر مكّة، ورمى الكعبة بالمنجنيق إلى أن قتل ابن الزبير، وقال جماعةٌ: إنه دسَّ على ابن عمر - رضي الله عنهما - من سمّه في زج رُمح، قال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: لو جاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج غلبناهم، وأخرج الترمذي من طريق هشام بن حسان: أحصينا من قتله الحجاج صبراً، فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً . وفي ((المرقاة)): سئل بعض السلف عن عبد الملك، فأجاب بأن الحجاج سيئة من سيئاته، فيكفيه سبباً في تسفل دركاته. (أن لا تخالف عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (في شيء من أمر · الحج) أي في أحكامه، وللقعنبي: كتب إليه أن يأتمَّ به في الحج، وكان ذلك حين أرسله إلى قتال ابن الزبير، وجعله والياً على مكة، وأميراً على الحاج كما في البخاري(١) عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني سالم أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل ابن عمر - رضي الله عنهما - كيف يصنع؟ قال الباجي(٢): قول عبد الملك للحجاج: لا تخالف ابن عمر - رضي الله عنهما - في أمر الحج إقرار بدينه وعلمه، وأنه القدوة في زمانه الذي يجب أن يقتدي به أهل وقته، انتھی . وفي ((المرقاة))(٣): أغرب ابن حجر حيث قال: وفي الحديث منقبة لعبد الملك وهو أنه مع جوره وتعدّيه للحدود ألزم الحجاج مع فظاظته وجبروته (١) ((فتح الباري)) (٥١٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (٣٥/٣). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٤٣/٥). ١٨٠