Indexed OCR Text

Pages 101-120

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٣) حديث
وعرف منه أن البدن كانت مائة بدنة، وأن النبيّ ◌َ* نحر منها ثلاثاً
وستين، ونحر عليٍّ الباقي، والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق أن النبيّ وَلـ
نحر ثلاثين ثم أمر عليّاً - رضي الله عنه - أن ينحر، فنحر سبعاً وثلاثين مثلاً،
ثم نحر النبيّ ◌َ ﴿ ثلاثاً وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع، وإلا فما في الصحيح
أصح، انتھی.
قلت: والرواية الثالثة التي أشار إليها الحافظ، هي ما أخرجه البخاري
برواية أبي نعيم عن سيف بن أبي سليمان عن مجاهد عن ابن أبي ليلى: أن
عليّاً - رضي الله عنه - قال: أهدى النبيّ وَّ مائة بدنة، فأمرني بلحومها،
فقسمتها، الحديث. فرواية عليّ هذه، ورواية جابر متفقتان في أن البدن كانت
مائة، ولا إشكال في حديث علي الذي أخرجه البخاري؛ لأنه ليس فيه تفصيل
ما نحر النبيّ ◌َّر، وما نحر عليّ - رضي الله عنه - وكذا الإشكال في رواية
(الموطأ)) لإجمالها، نعم، يخالف رواية أبي داود عن ابن إسحاق رواية جابر،
وتقدم ما قال الحافظ في الجمع بينهما .
ومال ابن القيّم في ((الهدي))(١) إلى أن حديث أبي داود مقلوب، كما
سيأتي في كلامه، وأعلّه المنذري بعنعنة محمد بن إسحاق، وجمع بينهما في
((حاشية أبي داود) بأنه ◌َّ﴾ نحر ثلاثين بدنة بدون استعانة أحد، ونحر ثلاثاً
وثلاثين باستعانة عليّ - رضي الله عنه -، ثم انفرد عليّ - رضي الله عنه - بنحر
ما بقي منها، ويؤيّده ما في أبي داود من رواية غرفة بن الحارث الكندي قال:
شهدت رسول الله ﴿ ﴿ في حجة الوداع، وأتى بالبدن، فقال: ((ادعوا إليّ أبا
حسن))، فدعي له عليّ - رضي الله عنه - فقال له: ((خذ بأسفل الحربة))، وأخذ
رسول الله ◌َ﴾ بأعلاها، ثم طعنا بها البُدن، الحديث.
(١) ((زاد المعاد)) (٢٤١/٢).
١٠١

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٣) حديث
وحكى الزرقانيّ(١) هذا الجمع عن العراقي، فقال: وجمع الوليّ العراقي
باحتمال أنه لو انفرد بنحر ثلاثين، وهي التي ذكرت في حديث عليّ، واشترك
هو وعليّ في نحر ثلاث وثلاثين، وهي المذكورة في حديث غرفة بغين
معجمة، وقيل: مهملة، وقول جابر: نحر ثلاثاً وستين، مراده كل ما له دخل
في نحره، إمّا منفرداً به أو مع مشاركة عليّ.
وقال الشيخ ابن القيم في ((الهدي))(٢) في سياق حجته وَّر: ثم انصرف
إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده، وكان عدده عدد سني عمره، ثم
أمسك، وأمر علياً - رضي الله عنه - أن ينحر ما بقي من المائة، فإن قيل: فما
تصنعون بالحديث الذي في ((الصحيحين)) عن أنس: ((نحر رسول الله وَل بيده
سبع بدنات قياماً، وضحّى بالمدينة كبشين أملحين))؟ فالجواب: أنه لا تعارض
بینھما .
قال ابن حزم: مخرج حديث أنس على أحد وجوه ثلاثة:
أحدها: أنه وَ لّ لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن، كما قال أنس، وأنه أمر
من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك المكان، وأمر
عليّاً - رضي الله عنه - فنحر ما بقي.
الثاني: أن أنساً لم يشهد إلا نحره وَل سبعاً فقط بيده، وشهد جابر تمام
نحره وَلّ، فأخبر كل واحد منهما ما شاهده.
والثالث: أنه وَّ نحر بيده منفرداً سبع بدن، ثم أخذ هو وعليّ الحربة
معاً، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما قال غَرَفة بن الحارث الكندي، ثم
انفرد عليّ - رضي الله عنه - بنحر الباقي من المائة، كما قال جابر.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٦/٢).
(٢) ((زاد المعاد)) (٢٣٩/٢ - ٢٤٣).
١٠٢٠
---

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٣) حدیث
فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود عن
عليّ - رضي الله عنه - قال: ((لما نحر رسول الله ﴿ ﴿ بدنه، فنحر ثلاثين بيده،
فأمرني، فنحرت سائرها))؟(١) قلنا: هذا غلطٌ، انقلب على الراوي، فإن الذي
نحر ثلاثين هو علي - رضي الله عنه -، والنبيّ وَّ نحر سبعاً بيده، لم يشاهده
عليّ ولا جابر، ثم نحر ثلاثاً وستين أخرى، فبقي ثلاثون، فنحرها عليّ
- رضي الله عنه - فانقلب على الراوي عدد ما نحره عليّ بما نحره النبيّ ◌َّ،
فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قرط، قال: قرب لرسول الله محله
بدنات خمس، فطفقن يَزْدِلفن إليه بأيّهن يبدأ؟ الحديث أخرجه أبو داود(٢)
وغيره، قيل: نقبله ونصدّقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب
إليه أرسالاً، فقرب منهن إليه خمس بدنات رسلاً، وكان ذلك الرسل يبادرن
ويتقرّبن إليه، ليبدأ بكل واحدة منهن.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في ((الصحيحين)) من حديث أبي
بكرة في خطبة النبيّ ◌َ﴿ يوم النحر بمنى، وقال في آخره: ثم انكفأ إلى كبشين
أملحين، فذبحهما، وإلى جُزَيْعَةٍ من الغنم، فقسمها بيننا، لفظه لمسلم(٣)؟ ففي
هذا أن ذبح الكبشين كان بمكة، وفي حديث أنس أنه كان بالمدينة! قيل: في
هذا طريقان للناس :
أحدهما: أن القول قول أنس، وأنه ضحّى بالمدينة بكبشين أملحين، وأنه
صلّى العيد، ثم انكفأ إلى الكبشين، ففصّل أنس، وميّز بين نحره بمكة للبدن،
وبين نحره بالمدينة للكبشين، وبَيَّنَ أنهما قصّتان، ويدلّ على هذا أن جميع من
ذكر نحر النبيّ وَّ بمنى، إنما ذكروا أنه نحر الإبل، وهو الهدي الذي ساقه،
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٣٧٤)، وأبو داود (١٧٦٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١٧٦٥).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٦٧٩) (٣٠) في القسامة.
١٠٣

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٤) حديث
٨٧٤/ ١٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ قَالَ: مَنْ نَذَرَ بَدَنَةً، فَإِنَّهُ يُقَلِّدُهَا نَعْلَيْنِ،
وإنما اشتبه على بعض الرواة أن قصة الكبشين كانت يوم عيد، فظنّ أنه كان
بمنى، فوهم.
الطريقة الثانية: طريقة ابن حزم، ومن سلك مسلكه، أنهما عملان
متغايران، وحديثان صحيحان، فذكر أبو بكرة تضحيته بمكة، وأنس تضحيته
بالمدينة، قال: وذبح يوم النحر الغنم والبقر، ونحر الإبل، كما قالت عائشة:
((ضحّى رسول الله وَ﴾ يومئذ عن أزواجه البقر))، انتهى.
قال ابن عبد البرّ(١): وفي الحديث من الفقه أن يتولّى الرجل نحر هديه
بيده، وذلك عند أهل العلم مستحب مستحسن، لفعل رسول الله ( # ذلك بيده،
ولأنها قُرْبة إلى الله عزّ وجلّ فمباشرتها أولى، وجائز أن ينحر الهدي غير
صاحبها، ألا ترى أن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - نحر بعض هدي
رسول الله وَ﴾ وهو أمر لا خلاف بين العلماء في إجازته، فأغنى عن الكلام
فيه .
وقد جاءت رواية عن بعض أهل العلم أن من نحر أضحية غيره كان عليه
الإعادة ولم يجزه، وهذا محمول عند أهل العلم على أنها نحرت بغير إذن
صاحبها وهو موضع اختلاف، وأما إذا كان صاحب الهدي أو الأضحية قد أمر
بنحر هديه أو ذبح أضحيته، فلا خلاف بين الفقهاء في إجازة ذلك، كما لو
وَكّل غيره لشراء هديه، فاشتراه جاز بإجماعهم، ثم بسط الكلام على ذلك،
وذكر حديثي عروة بن الجعد البارقي وحكيم بن حزام في شرائهما أضحية
النبيّ ێ .
١٨٢/٨٧٤ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(قال: من نذر بدنة) أي من نذر باسم البدنة (فإنه يقلّدها نعلين) أي يجعلهما في
(١) انظر: ((التمهيد)) (١٠٦/٢).
١٠٤
------

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٤) حديث
وَيُشْعِرُهَا، ثُمَّ يَنْحَرُهَا عِنْدَ الْبَيْتِ، أَوْ بِمَنَّى يَوْمَ الْنَّحْرِ، لَيْسَ لَهَا
مَحِلُّ دُونَ ذُلِكَ، وَمَنْ نَذَرَ جَزُوراً مِنَ الإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ، فَلْيَنْحَرْهَا
حَيْثُ شَاءَ.
عنقها علامةً للهدي (ويُشْعِرُها) في سنامها، كما يشعر الهدي (ثم ينحرها عند
البيت أو بمنى يوم النحر) كما هو حكم الهدايا (ليس لها) أي لنحرها (محل دون
ذلك) لأنه لما عَبَّرها ببدنة عُلِم أنها هدي، فتجعل في حكمه (ومن نذر جزوراً من
الإبل) أي من نذر بلفظ الجزور (أو البقر) أي نذر بلفظ: عليّ ذبح بقر (فلينحرها
حيث شاء) أي في أي مكان شاء، لا تخصيص لذلك بمكة ومنى.
قال الباجي(١): وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون نذر جزوراً،
فإن إطلاق هذا النذر لا يتعلق بموضع دون موضع، ونذر الهدي يتعلق بموضع
مخصوص. والثاني: أن من نذر سوق جزور معين إلى موضع من المواضع،
فإن نذر سوقه باطل، وينحره حيث شاء من المواضع التي لا يتكلّف سوقه إليها
لقربها، وقال أيضاً: قوله: من نذر بدنة، يقتضي أن لفظ البدنة لا ينطلق إلّا
على الهدي، وفي عرف الاستعمال أن البدنة من الإبل ما أهدي، ولذلك قال:
إن من نذر بدنة، فحكمه أن يقلّدها، ومن نذر جزوراً، ففرق بينهما في اللفظ،
لما افترقا في المعنى، وصار عنده اسم البدنة مختصاً بالهدي، واسم الجزور
مختصاً بما ليس بهدي.
والنذر للإبل على ضربين، أحدهما: أن ينذرها باسم البدنة، أو ينذر
باسم الجزور، فإن نذرها باسم البدنة، فإن ذلك يكون على ثلاثة أوجه،
أحدها: أن لا ينوي هدياً ولا غيره، والثاني: أن ينوي الهدي، والثالث: أن
ينوي غير الهدي، فإن لم ينوِ شيئاً، فالأظهر عندي أن لها حكم الهدي، وهو
الأظهر من قول ابن عمر - رضي الله عنهما -؛ لأنه لم يشترط في البدنة النّة
(١) ((المنتقى)) (٢٧/٣).
١٠٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٤) حديث
ولا غيرها، ولأن لفظ البدنة مختصّ بالهدي، فوجب أن يُحمل عليه، وإن نوى
الهدي فهو أبْيَن في وجوب حكم الهدي، فإن نوى غير ذلك فهو على ما نوى،
ومن نذر باسم الجزور، وهو لفظ مختص بغير الهدي، ولا ينطق من جهة عرف
الشرع على الهدي، فمن نذره على هذا الوجه، فهو عمل يتقرّب به إلى الله عزّ
وجلّ على الصدقة، انتهى.
وقال الدردير(١): لزم البدنة بنذرها، ولا يلزم النذر في قوله: ((مالي في
الكعبة)) أونذر هدي بلفظه أو بدنة بلفظها لغير مكة كقبره عليه الصّلاة والسلام،
فلا يلزمه شيء فيهما لا بعثه ولا ذكاته بموضعه، بل يمنع بعثه ولو قصد الفقراء
الملازمين للقبر الشريف أو قبر الوليّ؛ لقوله في ((المدونة)): سوق الهدايا لغير
مكة ضلال، أي لما فيه من تغيير معالم الشريعة، فإن عبّر بغير لفظ هدي أو
بدنة كلفظ بعير أو خروف، فلا يبعثه، بل يذبحه بموضعه، وبعثه أو استصحابه
من الضلال أيضاً، ولا يضر قصد زيارة ولي، واستصحاب شيء من الحيوان
معهم، ليذبح هناك للتوسعة على أنفسهم، وعلى فقراء المحل من غير نذر،
انتھی .
وأثر الباب أخرجه محمد في ((موطئه))(٢) ثم قال: قال محمد: هو قول
ابن عمر، وقد جاء عن النبيّ وَّ﴿ وعن غيره من أصحابه؛ أنهم رخّصوا في نحر
البدنة حيث شاء، وقال بعضهم: الهدي بمكة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هَدْيَا بَلِغَ
اُلْكَعْبَةِ﴾، ولم يقل ذلك في البدنة، فالبدنة حيث شاء إلا أن ينوي الحرم، فلا
ينحرها إلّا فيه، وهو قول أبي حنيفة وإبراهيم النخعي ومالك بن أنس.
ثم أخرج أثر سعيد بن المسيب في امرأة جعلت عليها بدنة أن البدن من
(١) انظر: ((الشرح الكبير)) (١٦٢ - ١٧١).
(٢) (ص١٤٢).
١٠٦

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٤) حديث
الإبل، ومحل البدن البيت العتيق، إلّا أن تكون سمت مكاناً من الأرض،
فلتنحرها حيث سمّت، وقال بنحو ذلك سالم بن عبد الله، وخارجة بن زيد بن
ثابت، وعبد الله بن محمد بن عليّ. قال محمد: البدن من الإبل والبقر، ولها
أن تنحرها حيث شاءت، إلّا أن تنوي الحرم، فلا تنحرها إلّا في الحرم،
ويكون هدياً، انتهى مختصراً.
قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): اختلف أصحابنا فيمن قال: لله
علي بدنة، هل يجوز له نحرها بغير مكة؟ فقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز له
ذلك، وقال أبو يوسف: لا يجوز له نحره إلا بمكة، ولم يختلفوا فيمن نذر
هدياً أن عليه ذبحه بمكة، وأن من قال: لله عليّ جزور أنه يذبحه حيث شاء،
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: من نذر جزوراً نحرها حيث
شاء، وإذا نذر بدنة نحرها بمكة، وكذا روي عن الحسن وعطاء وعبد الله بن
محمد بن عليّ وسالم وسعيد بن المسيب، وروي عن الحسن أيضاً وسعيد بن
المسيّب قالا: إذا جعل على نفسه هدياً فبمكة، وإذا قال: بدنة فحيث نوى.
وذهب أبو حنيفة إلى أن البدنة بمنزلة الجزور، لا يقتضي إهداءها إلى
موضعه، فكان بمنزلة ناذر الجزور والشاة ونحوها، وأما الهدي يقتضي إهداءه
إلى موضع، وقال تعالى: ﴿هَدّيًا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾، فجعل بلوغ الكعبة من صفة
الهدي، ويحتج لأبي يوسف بقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُم مِّن شَعَتَبِ
اللَّهِ لَكُمْ فِيَهَا خَيْرٌ﴾(٢)، فكان اسم البدنة مفيداً لكونها قربة كالهدي؛ إذ كان اسم
الهدي يقتضي كونه قربة مجعولاً لله تعالى، فلما لم يجز الهدي إلّا بمكة، كان
كذلك حكم البدنة .
(١) ((أحكام القرآن)) (٢٤٣/٣).
(٢) سورة الحج: الآية ٣٦.
١٠٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٥) حدیث
١٨٣/٨٧٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّ
أَبَاهُ كَانَ يَنْحَرُ بُدْنَهُ قِيَاماً.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَذْيَهُ،.
قال أبو بكر الجصّاص: وهذا لا يلزم من قبل أنه ليس كل ما كان ذبحه
قربة، فهو مختص بالحرم؛ لأن الأضحية قربة، وهي جائزة في سائر الأماكن،
فوصفه للبدن بأنها من شعائر الله، لا يوجب تخصيصها بالحرم، انتهى.
وفي ((شرح اللباب)(١) بعدما ذكر الاختلاف في ذلك بين أئمّتنا:
والحاصل كما في ((النخبة)): أن في نذر الهدي يختص بالحرم اتّفاقاً، وفي
الجزور والبقر لا يختص به اتّفاقاً، وفي البدن لا يختص به عندهما خلافاً لأبي
يوسف وزفر، انتهى.
١٨٣/٨٧٥ - (مالك، عن هشام بن عروة أن أباه) عروة بن الزبير (كان
ينحر بدنه) بضم فسكون جمع بدنة بفتحتين (قياماً) حال سوغ وقوعها من النكرة
مع تأخرها عنها تخصيص النكرة بالإضافة، وفي الأثر استحباب النحر قياماً،
وبه قال الجمهور منهم الأئمّة الأربعة، كما تقدم فيما يجوز من الهدي.
(قال مالك: لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه) لقوله عزّ
اسمه: ﴿وَلَ تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَّ بَلَ الْمَدْىُ عِلَّمْ﴾(٢)، قال الموفق(٣): وفي يوم النحر
أربعة أشياء: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، والسنة ترتيبها هكذا،
فإن النبيّ ◌َ﴿ه رتّبها، كذلك وصفه جابر في حجّ النبيّ وََّ، وروى أنس: أن
النبيّ مَ﴾ رمى ثم نحر ثم حلق. رواه أبو داود، انتهى.
قلت: واختلف فيمن أخلّ الترتيب للنسيان ولغيره، كما يأتي في أوّل
((جامع الحج)) مفصّلاً.
(١) (ص٢٧٤).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٣) («المغني)) (٣٢٠/٥).
١٠٨

٢٠ - كتاب الحج
.... ...
(٥٩) باب
(٨٧٥) حديث
٠ ٠
وقال الباجي(١): لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وذلك
أن سنّة الذبح أن يفعل قبل الحلاق للآية الشريفة، ولفعله ومَّ، فمن خالف
ذلك فقدم الحلاق قبل النحر، فلا يخلو أن يقدم خطأ وجهلاً أو عمداً وقصداً،
فإن كان ذلك خطأ وجهلاً، فلا شيء عليه، رواه ابن حبيب عن ابن القاسم،
وهو المشهور من مذهب مالك، وقال ابن الماجشون: عليه الهدي، وبه قال
أبو حنيفة .
وجه الأول ما روي عنه ◌َّل فيمن حلق قبل أن ينحر: ((انحر ولا حرج))،
وقال ابن الماجشون: معنى ذلك أن لا إثم عليه؛ لأن اسم الحرج يُطلق على
الإثم دون الهدي، ولابن القاسم أن هذا موضع تعليم، فلو وجب عليه الهدي
لأمره به، ولنقل إلينا، وأمّا إن كان على وجه العمد، فقد روى القاضي
أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر، وبه قال الشافعي، والظاهر من
المذهب المنع والترتيب مستحب، وأقلّ ما يُحمل عليه فعل النبيّ ◌َّ في الحجّ
الاستحباب، انتهى .
وقال الدردير(٢): نُدِب ذبح قبل الزوال، وطلب بدنته له أي للزوال،
ليحلق قبل الزوال بعد نحرها، فإن لم يجدها وخشي الزوال، حلق قبله، لئلا
يفوته الفضيلتان، فكل من الذبح والحلق مندوب قبل الزوال مكروه بعده، ثم
يندب حلقه بعد الذبح، وأمّا الحلق في نفسه فواجب.
قال الدسوقي: أشار بهذا إلى أن الندب منصب على الترتيب، واعلم
أنهم أجمعوا على مطلوبية الترتيب بين هذه الأمور الثلاثة التي تفعل في يوم
النحر، وهي: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق، ولا فرق بين استحباب إيقاع
(١) ((المنتقى)) (٢٨/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٦/٢).
١٠٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٥) حديث
وَلَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَنْحَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ، يَوْمَ النَّحْرِ،
الحلق عقب الذبح بين المفرد والقارن، إلا أن ابن الجهم من أصحابنا استثنى
القارن، فقال: لا يحلق حتى يطوف كأنه لاحظ عمل العمرة، والعمرة يتأخر
فيه الحلق عن الطواف، انتهى. هذا حكم الحلق قبل النحر، وأمّا الحلق قبل
الرمي فسيأتي في فدية من حلق قبل أن ينحر.
وأمّا عند الإمام أبي حنيفة، فالترتيب بين الذبح والحلق مستحبٌّ في حق
المفرد، وواجبٌ في حق القارن والمعتمر، فلو خالف الترتيب لا شيء على
المفرد، ويجب الدم عليهما، صرّح بذلك في ((شرح اللباب)) وغيره.
(ولا ينبغي) أي لا يجوز (لأحد أن ينحر قبل الفجر يوم النحر).
قال الباجي(١): وجه ذلك أن كل نسك ونحر فإنه لا يكون شيء من ذلك
بالليل، وإنما هو كلّه بالنهار، وقد استدلّ مالك على ذلك بقوله تعالى:
﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَ أَيَّامِ مَّعْلُومَةٍ﴾، انتهى.
وقال ابن رشد(٢) في جملة المسائل المختلفة في الهدي: أمّا متى ينحر
فإن مالكاً قال: إن ذبح هدي التمتّع أو التطوّع قبل يوم النحر لم يجزه، وجَوَّزه
أبو حنيفة في التطوّع، وقال الشافعي: يجوز في كليهما قبل يوم النحر، انتهى.
قلت: وقد عرفت فيما سبق في ((جامع الهدي)) أن دماء الحج عند
المالكية ثلاثة أنواع، فما كان منها هدايا يختصّ بالزمان والمكان، وما لم يكن
كذلك لا يختصّ بهما .
قال الموفق(٣): وقت نحر الأضحية والهدي ثلاثة أيام: يوم النحر
ويومان بعده. نصّ عليه أحمد، وقال: هو عن غير واحد من أصحاب
(١) ((المنتقى)) (٢٨/٣).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٧٦/١).
(٣) («المغني)) (٣٠٠/٥).
١١٠

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٥) حديث
رسول الله ﴾. ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عباس. وبه قال مالك
والثوري، ويروى عن عليّ - رضي الله عنه - أنه قال: أيام النحر يوم
الأضحى، وثلاثة أيام بعده، وبه قال الحسن وعطاء والأوزاعي والشافعي وابن
المنذر، وقال ابن سيرين: يوم واحد، وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد: في
الأمصار يوم واحد، وبمنى ثلاثة أيام.
وأمّا الليالي المتخلّلة لأيام النحر، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزئ فيها
ذبح الهدي والأضحية؛ لأنه عزّ اسمه قال: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اُسْمَ
اللَّهِ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾(١)، فذكر الأيام دون
الليالي، وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلتي يومي التشريق الأوليين، وهو
قول أكثر الفقهاء؛ لأن هاتين الليلتين داخلتان في مدة الذبح، فجاز الذبح فيهما
کالأیام، انتھی.
وفي ((الروض المربع))(٢): وقت الذبح لأضحية وهدي نذرٍ أو تطوع أو
متعةٍ أو قرانٍ بعد صلاة العيد بالبلد، وإن كان بمحل لا تصلّى فيه العَيِّد،
فالوقت بعد قدر زمن صلاة العيد، ويستمر وقت الذبح إلى آخر يومين بعد يوم
العيد، ويكره الذبح في ليلتهما أي ليلتي اليومين بعد يوم العيد خروجاً من
خلاف من قال: بعدم الإجزاء فيهما .
فإن فات وقت الذبح قضى واجبه، وفعل به كالأداء، وسقط التطوع
لفوات وقته، ووقت ذبح واجب بفعل محظور من حينه، فإن كان أراد فعله
لعذرٍ، فله ذبحه قبله، وكذا ما وجب لترك واجب وقته من حينه، انتهى.
قال النووي في ((مناسكه)): يدخل وقت ذبح الأضحية والهدي المطوع
(١) سورة الحج: الآية ٢٨.
(٢) (٥٣٣/١).
١١١

٢٠ - كتاب الحج
(٥٩) باب
(٨٧٥) حديث
بهما والمنذورين، إذا مضى قدر صلاة العيد وخطبتين معتدلتين بعد طلوع
الشمس، يوم النحر، سواءٌ صلى الإمام أو لم يصلّ، وسواء صلّى المضحي أم
لم يصل، ويبقى إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق، ويجوز في الليل،
لكنه مكروه، والأفضل أن يذبح عقيب رمي جمرة العقبة قبل الحلق، فإن فات
الوقت المذكور فإن كان الأضحية أو الهدي منذورين، لزمه ذبحهما، وإن كان
تطوّعاً فقد فات الهدي والأضحية في هذه السنة.
وأمّا الدماء الواجبة في الحج بسبب التمتّع أو القران أو اللبس أو غير
ذلك من فعل محظور أو ترك مأمور، فوقتها من حين وجوبها بوجود سببها،
ولا تختصّ بيوم النحر ولا غيره، لكن الأفضل فيما يجب منها في الحجّ أن
يذبحه يوم النحر بمنى في وقت الأضحية، انتهى.
وفي ((الهداية) (١): لا يجوز ذبح هدي التطوّع والمتعة والقران إلا يوم
النحر، وقال في ((الأصل)): يجوز ذبح دم التطوّع قبل يوم النحر، وذبح يوم
النحر أفضل، وهذا هو الصحيح؛ لأن القربة في التطوّعات باعتبار أنها هدايا،
وذلك يتحقّق بتبليغها إلى الحرم، فإذا وجد ذلك، جاز ذبحها في غير يوم
النحر، وفي أيام النحر أفضل؛ لأن معنى القربة في إراقة الدم فيها أظهر.
وأمّا دم المتعة والقران فلقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَايِسَ الْفَقِيرَ
[٢٨
ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ﴾(٢)، وقضاء التفث يختصّ بيوم النحر، ولأنه دم
نسك، فيختصّ بيوم النحر كالأضحية، ويجوز ذبح بقية الهدايا في أي وقت
شاء، لأنها دماء كفارات، فلا يختصّ بيوم النحر؛ لأنها لما وجب لجبر
النقصان، كان التعجيل بها أَوْلى لارتفاع النقصان به من غير تأخير بخلاف دم
المتعة والقران؛ لأنه دم نسك ولا يجوز ذبح الهدايا إلّا في الحرم، انتهى.
(١) (١٨١/١).
(٢) سورة الحج: الآية ٢٨.
١١٢
ـعمـ

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٥) حديث
وَإِنَّمَا الْعَمَلُ كُلُّهُ يَوْمَ النَّحْرِ الذَّبْحُ وَلُبْسُ النِّيَابِ وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ
وَالْحِلَاقُ، لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذُلِكَ، يُفْعَلُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
(٦٠) باب الحلاق
(وإنما العمل كلّه) أي كل ما يعمل (يوم النحر) ثم فسّر بعض العمل
بطريق المثال (الذبح) للهدي (ولبس الثياب) بضم اللام مصدر لبس بكسر
الموحدة (وإلقاء التفث) كقص الشارب وقلم الأظفار، وسيأتي الكلام على
تفسيره قريباً. (والحلاق) بكسر الحاء مصدر حلق (لا يكون شيء) بالرفع(١) في
النسخ المصرية وبالنصب في الهندية (من ذلك) العمل المذكور بعض أمثلته
(قبل يوم النحر) لأن بعض هذه الأشياء مرتّب على البعض، فإن الحلاق مرتب
على الذبح، ولبس الثياب وإلقاء التفث مرتبان على الحلاق، والذبح مرتب
على رمي جمرة العقبة.
وفي ((شرح اللباب)) (٢): أول وقت صحة الحلق في الحج طلوع فجر يوم
النحر، ووقت جوازه بلا جابر أي بلا كفارة بعد رمي جمرة العقبة؛ لأنه قبله
موجبٌ للدم عند أبي حنيفة، وآخر وقت الوجوب غروب الشمس من آخر أيام
النحر، ولا آخر له في حق التحلل، انتهى.
(٦٠) ما جاء في الحلاق
بكسر الحاء مصدر حلق، وبوّب البخاري في ((صحيحه)) ((باب الحلق
والتقصير عند الإحلال))، انتهى. واكتفى المصنف على الأول فقط مع أن
المراد كلاهما لفضله على التقصير، قال الحافظ(٣): أفهم البخاري بهذه
(١) كذا في ((الاستذكار)) (١٣/ ١٠١).
(٢) (ص١٢٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٦١/٣).
١١٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
الترجمة أن الحلق نسك، لقوله: عند الإحلال، وليس هو نفس التحلّل، وكأنه
استدلّ على ذلك بدعائه وَّ لفاعله، والدعاء يشعر بالثواب، والثواب لا يكون
إلّا على العبادة لا على المباحات، وكذلك تفضيله الحلق على التقصير يشعر
بذلك؛ لأن المباحات لا تتفاضل، والقول بأن الحلق نسك قول الجمهور إلّا
رواية مضعّفة عن الشافعي أنه استباحة محظور، وقد أوهم كلام ابن المنذر أن
الشافعي تفرّد بذلك، لكن حكيت أيضاً عن عطاء وأبي يوسف، وهي رواية عن
أحمد وبعض المالكية، انتهى.
وقال أيضاً في موضع آخر بحثاً: أن الحلق نسك، كما هو قول
الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعية، وقال النووي في ((شرح المهذب)):
ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلّا الشافعي،
وهو رواية عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف، انتهى.
قال الموفق(١): الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر مذهب
أحمد، وقول الخرقي، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد:
أنه ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور كان محرماً عليه بالإحرام، فأطلق
فيه عند الحل كاللباس والطيب وسائر المحظورات، فعلى هذه الرواية لا شيء
علی تاركه، ويحصل الحل بدونه.
ووجهها أن النبيّ وَ﴾ أمر بالحل من العمرة قبله، فروى أبو موسى:
قدمت على رسول الله 18 فقال لي: ((بم أهللت))؟ قلت: بإهلال كإهلال
النبيّ وَ له، قال: ((أحسنت))، فأمرني فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم
قال لي: ((أحل))، متفق عليه. وعن جابر أن النبيّ وَلّ لما سعى بين الصفا
والمروة، قال: ((من كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة))، رواه
(١) («المغني)) (٣٠٤/٥).
١١٤

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
مسلم، وعن سراقة أن النبيّ وَّ قال: ((إذا قدمتم فمن تطوّف بالبيت وبين
الصفا والمروة فقد حل، إلّا من كان معه هدي))، رواه أبو إسحاق
الجوزجاني، والرواية الأولى أصح، فإن النبيّ وَّ أمر به.
فروى ابن عمر أن النبيّ وَّ قال: ((من لم يكن معه هدي فليطف وليقصر
وليحلل))، وعن جابر أن النبيّ وَلّ قال: ((أحلوا إحرامكم بطواف بالبيت
والمروة وقصّروا))، والأمر يقتضي الوجوب؛ ولأنه تعالى وصفهم به بقوله
سبحانه: ﴿ُحِلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾(١)، ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم
به كاللبس وقتل الصيد، ولأن النبيّ ◌َ﴾ ترحم على المحلقين ثلاثاً، وعلى
المقصرين مرة، ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات.
ولأن النبيّ ◌َلل وأصحابه فعلوه في جميع حجّهم وعمرهم، ولم يخلوا
به، ولو لم يكن نسكاً لما داوموا عليه، بل لم يفعلوه؛ لأنه لم يكن من
عادتهم، فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله، وأمّا أمره بالحل، فإنما
معناه - والله أعلم - الحل بفعله؛ لأن ذلك كان مشهوراً عندهم، فاستغنى عن
ذكره، ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان محرماً فيها، كالسلام من الصلاة،
انتھی .
وقال العيني(٢): قال شيخنا زين الدين في ((شرح الترمذي)): إنه نسك
قاله النووي، وهو القول الصحيح للشافعي، وفيه خمسة أوجهٍ؛ أصحها: أنه
ركن لا يصح الحجّ والعمرة إلّا به، والثاني: واجب، والثالث: مستحب،
والرابع: استباحة محظور، والخامس: ركن في الحج، واجب في العمرة،
انتهى. وصحح النووي في ((مناسكه)): أنه نسك، وأنه ركن لا يصح الحجّ إلّا
به، ولا یجبر بدم.
(١) سورة الفتح: الآية ٢٧.
(٢) ((عمدة القاري)) (٧/ ٣٣٧).
١١٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٦) حدیث
١٨٤/٨٧٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ:
وبسط الباجي(١) الكلام على هذا الباب في ستة أبواب، الأول: في
حكمه، والثاني: في صفته، والثالث: في موضعه، والرابع: في وقته،
والخامس: فيما يتعلق به من الأحكام، والسادس: في أنه هل هو نسك أو
تحلل؟ ثم قال: ولنا أنه نسك، وهو أحد قولي الشافعي، والدليل على أنه
نسك يثاب صاحبه على فعله قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾(٢) الآية،
فوصف دخول المسجد على هذه الصفة فيما وعدهم به، ولو لم يكن نسكاً
مقصوداً لما وصف دخولهم به، كما لم يصف دخولهم بلبسهم الثياب.
ووجه ثان، أنه كناية عن الحج أو العمرة، ولو لم يكن من النسك لما
كنى به عنه، ودليلنا من جهة السنة حديث الباب، فلو لم يكن فعلاً يثاب عليه
فاعله لما دعا له، وأيضاً أنه عمّا أظهر تفضيل الحلاق على التقصير، ولو لم
يكن نسكاً له فضيلة لما كان أفضل من التقصير، كما أنه ليس لبس نوع من
الثياب أفضل من لبس غير ذلك، انتهى.
١٨٤/٨٧٦ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله
الله
قال) اختلف المتكلّمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه رسول الله مَله
ذلك، قال العيني(٣): قال ابن عبد البرّ: كونه في الحديبية هو المحفوظ، وقال
النووي: الصحيح المشهور أنه كان في حجّة الوداع، وقال القاضي عياض:
لا يبعد أن النبيّ ◌َّ قاله في الموضعين، قال العيني: هذا هو الصواب جمعاً
بين الأحاديث، وهو مختار الحافظ في ((الفتح)) (٤)؛ إذ قال: قال ابن عبد البر:
(١) ((المنتقى)) (٢٨/٣ - ٣١).
(٢) سورة الفتح: الآية ٢٧.
(٣) ((عمدة القاري)) (٣٤١/٧).
(٤) ((فتح الباري)) (٥٦٣/٣).
١١٦

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٦) حديث
لم يذكر أحد من رواة نافع عن ابن عمر، أن ذلك كان يوم الحديبية، وهو
تقصير وحذف، وإنما جرى ذلك يوم الحديبية حين صدّ عن البيت، وهذا
محفوظ مشهور من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة
وحبشي بن جنادة وغيرهم.
ثم أخرج ابن عبد البر حديث أبي سعيد بلفظ: سمعت رسول الله وعقله
يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة، وحديث ابن عباس
بلفظ: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله وَل: ((رحم الله
المحلقين))، الحديث. وحديث أبي هريرة من طريق محمد بن فضيل الذي
أخرجه البخاري، ولم يسق أبو عمر لفظه، بل قال: فذكر معناه، وتجوّز في
ذلك، فإنه ليس في رواية أبي هريرة تعيين الموضع، ولم يقع في شيء من طرقه
التصريح بسماعه لذلك من النبيّ وَّ﴾، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة
الوداع؛ لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية، ولم يسق ابن عبد البرّ عن ابن عمر
في هذا شيئاً، ولم أقف على تعيين الحديبية في شيء من الطرق عنه.
وقد قدمت في صدر الباب، أنه مخرج من مجموع الأحاديث عنه أن
ذلك كان في حجة الوداع، كما يومئ إليه صنيع البخاري، وحديث حبشي بن
جنادة رواه ابن أبي شيبة، ولم يعيّن المكان، وأخرجه أحمد وزاد فيه: وكان
ممن شهد حجة الوداع، فذكر هذا الحديث، وهذا يشعر بأنه كان في حجة
الوداع.
وأمّا قول ابن عبد البرّ: ((فوهم))، فقد ورد تعيين الحديبية من حديث جابر
عند أبي قرّة في ((السنن))، ومن طريق الطبراني في ((الأوسط)) من حديث
المسور بن مخرمة عند ابن إسحاق في ((المغازي))، وورد تعيين حجة الوداع من
حديث أبي مريم السلولي عند أحمد، وابن أبي شيبة، ومن حديث أم الحصين
عند مسلم، ومن حديث قارب بن الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة،
ومن حديث أم عمارة عند الحارث.
١١٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٦) حديث
(اللَّهُمَّ أَرْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ))،
فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عدداً، وأصح إسناداً، ولذا
قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم الحصين: هذه الأحاديث
تدلّ على أن هذه الوقعة كانت في حجة الوداع، وهو الصحيح المشهور،
وقيل: كان في الحديبية، وجزم بأن ذلك كان في الحديبية إمامُ الحرمين في
((النهاية)) .
وفي ((البداية والنهاية)) (١) بعدما ذكر حلقه وَّ بطرق: رواه مسلم من
حديث الليث عن نافع به، وزاد: قال عبد الله: قال رسول الله وقالله: ((يرحم الله
المحلقين مرة أو مرتين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: والمقصرين))،
وروى مسلم بسنده عن يحيى بن حصين عن جدّته؛ أنها سمعت رسول الله وَ ل
في حجّة الوداع دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة، ولم يقل وكيع حجة
الوداع، انتھی.
ثم قال النووي: ولا يبعد أن يكون وقع في الموضعين، وقال عياض:
كان في الموضعين، وقال ابن دقيق العيد: هو الأقرب، قال الحافظ: بل هو
المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين كما قدمنا، إلّا أن السبب في
الموضعين مختلف سيأتي بيانه، وذكر الشيخ ابن القيم في ((الهدي)) دعاءه وال
في الموضعين: (اللّهمّ ارحم المحلقين).
قال الحافظ (٢): استدلّ بذلك على مشروعية حلق جميع الرأس؛ لأنه
الذي تقتضيه الصيغة، وقال بوجوب حلق جميعه مالك وأحمد، واستحبّه
الكوفيون والشافعي، ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا فيه، فعن الحنفية الربع
إلّ أبا يوسف، فقال: النصف، وقال الشافعي: أقلّ ما يجب حلق ثلاث
(١) (٢٢٠/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٦٤/٣).
١١٨

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٦) حديث
شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه: شعرة واحدة، والتقصير كالحلق، فالأفضل
أن يقصر من جميع شعر رأسه، ويستحب أن لا ينقص عن قدر الأنملة.
وإن اقتصر على دونها أجزأ هذا للشافعية، وهو مرتب عند غيرهم على
الحلق، وهذا كلّه في حق الرجال، وأمّا النساء فالمشروع في حقهنّ التقصير
بالإجماع، وفيه حديث لابن عباس عند أبي داود بلفظ: ليس على النساء
حلق، وإنما على النساء التقصير، وللترمذي من حديث علي: ((نهى أن تحلق
المرأة رأسها))، وقال جمهور الشافعية: لو حلقت أجزأها ويكره، وقال
القاضيان أبو الطيّب وحسين: لا يجوز، انتهى.
قال الموفق(١): يلزم التقصير أو الحلق من جميع شعره، وكذلك المرأة
نصّ عليه، وبه قال مالك، وعن أحمد يجزئه البعض مبنياً على المسح في
الطهارة، وكذلك قال ابن حامد، وقال الشافعي: يجزئه التقصير من ثلاث
شعرات، واختار ابن المنذر أن يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول اللفظ
به، ولنا، قوله تعالى: ﴿مُحِلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، وهذا عام في جميعه؛ ولأنه لَّه
حلق جميع رأسه تفسيراً لمطلق الأمر به، فيجب الرجوع إليه، ولأنه نسك تعلق
بالرأس، فوجب استيعابه به کالمسح، انتهى.
واستدلّ الشيخ في ((البذل))(٢) لمن ذهب إلى اجتزاء حلق البعض بما في
((المشكاة) من رواية ابن عباس، قال: قال لي معاوية: ((إني قصرت من رأس
رسول الله (َلّ عند المروة بمشقص))؛ لأن ظاهر حرف ((من)) للتبعيض، ووقع
عند أحمد من طريق عطاء: أن معاوية حدّث أنه أخذ من أطراف شعر
رسول الله ◌َليل في أيام العشر، الحديث. قال: فلو ثبت هذا لكفى في تقدير
الحلق والقصر ببعض الرأس، انتهى.
(١) ((المغني)) (٢٤٤/٥).
(٢) ((بذل المجهود)) (٢٩٤/٩).
١١٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٦) حديث
قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((الَّهُمَّ أَرْحَم الْمُحَلِّقِينَ))،
ثم قال الموفق(١): والمرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة لا خلاف في
ذلك، قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم، وذلك لأن الحلق في
حقهن مثله، ثم ذكر حديثي ابن عباس وعلي المذكورين، ثم قال: وكان أحمد
يقول: تقصر من كل قرن قدر الأنملة، وهو قول ابن عمر - رضي الله عنهما -
والشافعي وإسحاق، وأبي ثور، وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن المرأة
تقصر من كل رأسها؟ قال: نعم تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من
أطراف شعرها قدر أنملة، انتهى.
قال الباجي(٢): وأما المرأة فقد قال ابن حبيب: ليس على من حجّ من
النساء حلاق، وقد نهى عنه النبيّ وَّر المرأة في حجّ أو عمرة، وقال: هي
مثلة، وهو الذي رواه ابن حبيب، وإن لم نعرف له إسناداً صحيحاً إلّا أنه من
قول العلماء، وهو الصحيح؛ لأنه مثلة؛ لأنه حلاق غير معتاد، كحلاق الرجل
لحیته وشاربه، انتهى.
(قالوا) أي الصحابة، قال الحافظ(٣): لم أقف في شيء من الطرق على
الذي تولّى السؤال في ذلك بعد البحث الشديد (والمقصرين يا رسول الله) قال
الحافظ: الواو معطوفة على شيء محذوف تقديره: قل: والمقصرين، أو قل:
وارحم المقصرين، وهو يسمى العطف التلقيني، زاد العيني: كما في قوله
تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًّا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ﴾(٤)، وتعقبه القاري بأنه ليس من
باب التلقين.
(قال: اللّهمّ ارحم المحلقين) تنبيهاً على أنه وَّ لم يكتفِ على المحلقين
(١) ((المغني)) (٣١٠/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢٩/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٦٢/٣).
(٤) سورة البقرة: الآية ١٢٤.
١٢٠