Indexed OCR Text

Pages 61-80

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٦) حديث
فيها، فالأصح أنه أداء لا قضاء، وإذا لم يتداركه حتى زالت الشمس من اليوم
الذي يليه، فالأصح أنه يجب عليه الترتيب، فيرمي أولاً عن اليوم الفائت، ثم
عن الحاضر، وهكذا لو ترك يوم العيد رمي جمرة العقبة، فالأصح أنه يتداركه
في الليل، وفي أيام التشريق، ويشترط فيه الترتيب، ويكون أداء على الأصح،
ويفوت كل الرمي بأنواعه بخروج أيام التشريق من غير رمي، ولا يؤدى شيء
منها بعدها، لا أداءً ولا قضاء، ومتى تدارك في أيام التشريق فائتها أو فائت
يوم النحر، فلا دم عليه، انتهى.
ولعلّ مقابل الأصح ما في ((المسوى))(١) عن ((شرح السنة)): من ترك رمي
يوم النحر حتى غربت الشمس، أو ثلاث حصيات منها، عليه دم، انتهى. وفي
(المحلى)) عن ((شرح المنهاج)): يجوز التدارك بالليل؛ لأن القضاء لا يتأقّت.
وقيل: لا يجوز الرمي؛ لأنه عبادة النهار، فأشبه الصوم، انتهى.
وحاصل ما بسطه الدردير (٢): أن وقت رمي جمرة العقبة يدخل بطلوع
الفجر من يوم النحر، ويندب بعد طلوع الشمس، ووقت الأداء في كل يوم
ينتهي إلى غروب ذلك اليوم، والليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم، وينتهي
وقت القضاء ولو لجمرة العقبة إلى غروب الشمس من اليوم الرابع، ولا قضاء
بعد ذلك.
قال الباجي (٣): من ترك جمرة العقبة، فذكرها، ورماها قبل غروب
الشمس من يوم النحر، فلا شيء عليه، وإن رماها بعد غروب الشمس متى كان
في أيام التشريق أو لياليه، فعليه دم، قاله مالك. ووجه ذلك أنه إذا أدرك وقت
(١) ((المسوّى)) (٣٨٨/١).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٥٢).
(٣) ((المنتقى)) (٥٣/٣).
٦١

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٦) حديث
الأداء، فلا شيء عليه، وإذا فاته وقت الأداء لزمه الهدي على كل حال، فإن
أدرك وقت القضاء قضى، وإن فاته لم يقضه، ولزمه الدم في الوجهين، انتهى.
وفي ((شرح اللباب)) (١): أوّل وقت جواز الرمي يدخل بطلوع الفجر الثاني
من يوم النحر، فلا يجوز قبله، وهذا وقت الجواز مع الإساءة، وآخر وقت
الأداء طلوع الفجر الثاني من غده، والوقت المسنون من طلوع الشمس يمتدّ
إلى الزوال، ووقت الجواز بلا كراهة من الزوال إلى الغروب، وقيل: مع
الكراهة، ووقت الكراهة مع الجواز من الغروب إلى طلوع الفجر الثاني من
الغد، فلو أخّره إلى الليل كره إلّا في حق النساء والضعفاء، ولا يلزمه شيء من
الكفارة، ولو أخّره إلى الغد يلزمه الدم والقضاء، ويفوت وقت القضاء بغروب
الشمس من اليوم الرابع.
ثم قال بعد ذكر الأيام الباقية: ولو لم يرم في الليل من ليالي أيامها
الماضية، رماه في نهار الأيام الآتية على التأليف قضاء اتفاقاً، وعليه الكفارة،
أي الدم عند الإمام، ولا شيء عليه عندهما، ولو أخّر رمي الأيام كلّها إلى
الرابع مثلاً قضاها كلها في الرابع اتفاقاً، وعليه الجزاء عند الإمام، وإن لم
يقضٍ حتى غربت الشمس من اليوم الرابع، فات وقت القضاء، وسقط الرمي
لذهاب وقته، وعليه دم واحد اتّفاقاً، انتهى مختصراً.
وفي ((البدائع)) (٢): أمّا يوم النحر فأوّل وقته بعد طلوع الفجر، وأوّل
المستحب بعد طلوع الشمس قبل الزوال، وهذا عندنا، وقال الشافعي(٣): إذا
انتصف ليلة النحر دخل وقت الرمي، وقال سفيان الثوري: لا يجوز قبل طلوع
(١) (ص ١٢٧).
(٢) (بدائع الصنائع)) (٣٣٢/٢).
(٣) انظر: ((الأم)) (٢١٢/٢).
٦٢

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٦) حديث
الشمس والصحيح قولنا، لما روي عن النبيّ ◌َر أنه قدم ضعفة أهله، وقال:
((لا ترموا الجمرة حتى تكونوا مصبحين))، نهى عن الرمي قبل الصبح، وروي
أن النبيّ وَّ كان يلجُ أفخاذَ أغيلمة بني عبد المطلب، وكان يقول لهم: ((لا
ترموا جمرة العقبة حتى تكونوا مصبحين)) (١).
فإن قيل: قد روي أنّه قال: ((لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس))،
وهذا حجة سفيان، فالجواب أن ذلك محمول على بيان الوقت المستحب
توفيقاً بين الروايتين بقدر الإمكان، وبه نقول، وأما آخره فآخر النهار، كذا قال
أبو حنيفة: إن وقت الرمي يوم النحر يمتدُّ إلى غروب الشمس، وقال أبو
يوسف: يمتدّ إلى وقت الزوال، فإذا زالت الشمس يفوت الوقت، ويكون فيما
بعده قضاءً، وجه قول أبي يوسف: أن أوقات العبادة لا تعرف إلا بالتوقيف،
والتوقيف ورد بالرمي في يوم النحر قبل الزوال، فلا يكون ما بعده وقتاً له
أداء، ولأبي حنيفة: الاعتبار بسائر الأيام، وهو أن في سائر الأيام ما بعد
الزوال إلى الغروب وقت الرمي، فكذا في هذا اليوم؛ لأنه إنما يفارق سائر
الأيام في ابتداء الرمي لا في انتهائه، فكان مثلها في الانتهاء.
فإن لم يرم حتى غربت الشمس، فيرمي قبل طلوع الفجر من اليوم
الثاني، أجزأه، ولا شيء عليه في قول أصحابنا، وللشافعي قولان: في قولٍ
إذا غربت الشمس، فقد فات الوقت، وعليه الفدية، وفي قولٍ: لا يفوت إلّا
في آخر أيام التشريق، والصحيح قولنا؛ لأنه ◌َّ# أذن للرعاء أن يرموا بالليل،
فإن أخّر الرمي حتى طلع الفجر من الغد رمى، وعليه دم للتأخير في قول أبي
حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا شيء عليه، انتهى.
قلت: وما استدلّ به صاحب ((البدائع)) (٢) وكذا صاحب ((الهداية)) وغيرهما
(١) أخرجه أحمد (٣٢٦/١).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٣٢٣/٢).
٦٣

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٦) حديث
وَمَنْ رَمَى فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ.
من قوله {وَلير: ((لا ترموا إلا مصبحين))، أخرجه الطحاوي (١) بسنده إلى ابن
عباس: ((أن النبيّ وَّ كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جَمْع أن يُفيضوا مع
أوّل الفجر بسواد، ولا يرموا الجمرة إلّا مصبحين))، وبطريق آخر عنه: ((أن
رسول الله (َ﴾ل بعثه في الثقل، وقال: لا ترموا الجمار حتى تصبحوا))، وتقدم ما
استدلّ به الباجي من قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾(٢)، وما
استدلّ به ابن رشد من قول مالك: لم يبلغنا أن رسول الله وَله رخّص لأحد أن
يرمي قبل طلوع الفجر، مع أنه قد روى حديث أسماء.
وقال الزيلعي على ((الكنز)): ما قاله الشافعي - رحمه الله - يؤدّي إلى
خرق الإجماع بتحصيل حجّتين في سنة واحدة بأن يرمي بالليل، ثم يطوف
للزيارة بالليل، ثم يحرم بحجة أخرى، ويرجع إلى عرفات، ويقف بها قبل
طلوع الفجر، ثم يفعل بقية الأفعال، ولو كان هذا جائزاً لما أمر من أفسد
حجه بالجماع أن يقضي من قابل، وحديث أم سلمة ليس فيه دلالة على أنه
عليه الصلاة علمها ذلك، وأقرها عليه، ولا أنه عليه الصلاة أمرها أن ترمي
ليلاً، وبمثل هذا لا يترك المرفوع، انتهى.
والمراد بالمرفوع ما تقدم من قوله وقوله: ((لا ترموا إلا مصبحين))، وحكى
الخطابي عن غيره: أن حديث أم سلمة رخصة خاصة لها. وحمل الشيخ في
((البذل))(٣) قوله في حديث أم سلمة: ((فرمت قبل الفجر)) على ما قبل صلاة
الفجر.
(ومن رمى فقد حلّ له النحر)، قال الباجي(٤): هذا يقتضي تقديم الرمي
(١) ((شرح معاني الآثار)) ط الهند (١/ ٤١٢).
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٠٣.
(٣) ((بذل المجهود)) (٢٥٠/٩).
(٤) ((المنتقى)) (٢٢/٣).
٦٤
------
---

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٧) حديث
١٧٥/٨٦٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ؛ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ
بِالْمُؤْدَلِفَةِ، تَأْمُرُّ الَّذِي يُصَلِّ لَهَا وَلأَصْحَابِهَا الصُّبْحَ،
على النحر، وإن النحر إنما يحلّ له بعد الفجر، وقوله: ((فقد حلّ)) يقتضي
معنيين، أحدهما: يريد به الحلول، فيكون معنى ذلك قد حلّ وقت ذبحه،
ويحتمل أن يريد بذلك أنه قد أبيح له إباحة عارية من الكراهية، سالمة من
التقديم، على ما هو مرتب عليه، وذلك أن الرمي مقدم على الذبح، وهو
المحفوظ من فعل النبيّ وَّ، والأصل في ذلك ما روى أنس، أن رسول الله وَل
رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن، فنحرها، انتهى.
قلت: ومع ذلك فتقديم الرمي على الذبح ليس على الوجوب عند
الجمهور، قال ابن رشد (١): أجمعوا على أن من نحر قبل أن يرمي، فلا شيء
عليه؛ لأنه منصوص عليه، إلّا ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه
كان يقول: من قدم من حجّه شيئاً أو أخّره، فليهرق دماً.
قلت: وهو مقيد عندنا الحنفية بالمفرد، فإن الذبح لما لم يكن واجباً
عليه، لا يجب الترتيب بينه وبين الأمور الثلاثة من الأنساك الأربعة في يوم
النحر، كما سيأتي في أول جامع الحج.
١٧٥/٨٦٧ - (مالك، عن هشام بن عروة أن) زوجته وبنت عمّه (فاطمة
بنت المنذر) بن الزبير (أخبرته) أي أخبرت فاطمة زوجها هشاماً (أنها كانت
ترى) أمّ أبيها (أسماء بنت أبي بكر) الصديق - رضي الله عنه - (بالمزدلفة تأمر)
إمامها (الذي يصلّي لها ولأصحابها) أي يؤم لها ومن معها (الصبح) بالنصب
مفعول لقوله: يصلي، قال الباجي(٢): يريد أنّها كانت اتّخذت إماماً يصلّي بها،
(١) (بداية المجتهد)) (٣٥٢/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢/٣).
٦٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٧) باب
(٨٦٨) حديث
يُصَلِّي لَهُمُ الصُّبْحَ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ، ثُمَّ تَرْكَبُ فَتَسِيرُ إِلَى مِنَّى، وَلَا
تَقِفُ .
(٥٧) باب السير في الدفعة
١٧٦/٨٦٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ
إذ لا يجوز لها أن تؤمّ من أحد رجالاً ولا نساءً، وكان يشقّ عليها النهوض إلى
الموقف، إما لضعفها أو لما كان أصابها من العمى، فاتّخذت ممن كان يكون
معها من يصلّي بهم، فتدرك بذلك فضل الجماعة، انتهى.
(يصلّي لهم الصبح) بيان للمأمور به أي تأمره أن يصلّي (حين يطلع
الفجر) أي في أوّل طلوعه، وهذا هو السنة في هذه الصلاة (ثم تركب) بعد
الصلاة (فتسير إلى منى، ولا تقف) بالمزدلفة بعد الصلاة، قال الباجي: تريد
أنها كانت تقدم صلاة الصبح أوّل طلوع الفجر، وهذه السنة لمن وقف
بالمزدلفة، ليتمكّنوا من الوقوف والدعاء، ولا يضيق وقت الوقوف عمّا يريدونه
من طول الدعاء والتضرّع، إلّا أنها كانت تقدم الصلاة لمعنى آخر، وهو أن
يمكنها التقدم إلى منى، ويمكنها الرمي في خلوة قبل التضايق والتزاحم،
انتھی .
قلت: ويشكل على هذا الأثر ما تقدم عن البخاري برواية عبد الله مولى
أسماء؛ أنها كانت ترتحل حين غاب القمر، فترمي الجمرة ثم تصلّ الصبح في
منزلها، ويمكن الجمع باختلاف الأحوال.
(٥٧) السير في الدفعة
يعني كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة، ومنها إلى منى،
وسمّي دفعاً لازدحامهم حين انصرفوا، فيدفع بعضهم بعضاً.
١٧٦/٨٦٨ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سئل) ببناء
٦٦

٢٠ - كتاب الحج
(٥٧) باب
(٨٦٨) حديث
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَنَا جَالِسٌ مَعَهُ، كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ فِي
حَجَّةِ الوَدَاعِ،
المجهول (أسامة بن زيد) بن حارثة بن شراحيل الكلبي حِبُّ رسول الله وَله
ومولاه، وابن حِبِّه زيد بن حارثة، واختصّ زيد من الصحابة بأنه تعالى لم
يصرح في كتابه باسم أحد من الصحابة سواه، وأمّه أم أيمن مولاته وَل﴾. أمّره
النبيّ ◌َّر على جيش فيهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهم - وقال فيه: ((أيم الله
إن كان خليقاً بالإمارة)).
وقال له وللحسن: ((اللّهمّ إنّي أحبّهما فأحبهما))، وزوَّجه فاطمة بنت
قيس، وكان يومئذ ابن خمس عشرة سنة، وولد له في عهد النبيّ وَ لّ، كما
جزم به الحافظ العراقي، وذكره الحافظ ابن حجر، وقال: إن جدّه حارثة
أسلم، فهذه أربعة متوالدون صحابة، وتوفي النبيّ ◌َّ﴾، وهو ابن تسع عشرة
سنة، سكن المزّة، ثم تحول إلى المدينة، ومات بها، وقيل: بوادي القرى سنة
١٥٤ هـ، كذا في ((الإسعاف))، وسبب السؤال عنه أنه كان رديفه وَ ليل من عرفات
إلى المزدلفة .
(وأنا جالس معه) هكذا أخرجه أبو داود(١) والبخاري وغيرهما، ولمسلم
من طريق حماد بن زيد عن هشام عن أبيه سئل أسامة بن زيد وأنا شاهد، أو
قال: سألت أسامة بن زيد، ولم يتعرّض شراح البخاري عن تسمية السائل
(كيف كان رسول الله ◌َل يسير) فيه اهتبال الصحابة - رضي الله عنهم - بأمر
الحج، وحفظ سنّة نبيه ◌َ# حتى بلغوا إلى حفظ صفة مشيه وإسراعه حيث
أشرع، وإيضاعه حيث أوضع، ومنازله ومناقل أحواله (في حجّة الوداع) فيه
التسمية بذلك، وقد ورد في أحاديث كثيرة، وهو بفتح واو، وجاز كسرها،
ودع فيه الناس، علم أنه لا يتّفق له بعد هذا وقفة أخرى، ولا اجتماع له آخر
(١) أخرجه أبو داود (١٩٢٣)، والبخاري في الحج (١٦٦٦)، و((فتح الباري)) (٥١٨/٣)،
ومسلم في الحج برقم (٢٨٣) (٩٣٦/٢).
٦٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٧) باب
(٨٦٨) حدیث
حِينَ دَفَعَ؟
مثله، وسببه أنه نزل ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ في وسط أيام التشريق، وعرف أنه
الوداع كذا في ((المجمع)).
قال العيني(١): سمّيت به لأنه ◌ََّ ودّع الناس فيها، وقال: ((لا ألقاكم
بعد عامي هذا»، وغلط من كره تسميتها بذلك، وتسمى البلاغ أيضاً؛ لأنه قال
عليه الصلاة والسلام فيها: هل بلغت؟، وحجّة الإسلام؛ لأنها التي حجّ فيها
بأهل الإسلام ليس فيها مشرك، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): يكره أن يقال: حجة الوداع، وحكاه صاحب
((الخميس)) عن ابن عباس. (حين دفع) قال الباجي(٢): يجوز أن يريد به الدفع
من عرفة ويجوز أن يريد الدفع من المزدلفة إلّا أن اختصاص أسامة بوقت الدفع
من عرفة هو المشهور؛ لأنه كان رديف النبيّ وَ ل# حين دفع من عرفة، وأمّا حين
دفع من المزدلفة فإنه أردف الفضل بن عباس ولا يمنع أن يكون أسامة شاهد
ذلك، فأخبر عن الأمرين أنه قد روي عن أسامة الإخبار عن الدفع من عرفة
خاصة، انتهى.
قلت: هذا هو المتعين لما قال الحافظ، زاد في رواية يحيى بن يحيى
الليثي وغيره عن مالك في ((الموطأ)) حين دفع من عرفة، قال الزرقاني(٣): لعلّه
في رواية ابن وضّاح عن يحيى وإلا فرواية ابنه ليس فيها ذلك كأكثر رواة
((الموطأ)) وإن كان المعنى عليها، انتهى.
قلت: وهو موجود في رواية محمد في ((موطئه))(٤)، وما قال الباجي لعله
(١) ((عمدة القاري)) (٢٦١/٧).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢/٣).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٣٤٢/٢).
(٤) انظر: ((موطأ محمد)) (ص١٦٤).
٦٨
-------

٢٠ - كتاب الحج
(٥٧) باب
(٨٦٨) حدیث
قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
شاهد الأمرين يأباه ما في أبي داود من رواية كريب عن أسامة، ففيه بعد ما
أخبر عن كيفية الدفع من عرفة، قلت: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه
الفضل، وانطلقت أنا في سباق قريش على رجليّ. (فقال) أسامة: (كان) عَليه
(بسير العنق) قال العيني(١): بفتح العين المهملة وفتح النون آخره قاف هو
السير الذي بين الإبطاء والإسراع. وقال في ((المشارق)): هو سير سهل في
سرعة، وقال القزاز: سير سريع، وقيل: المشي الذي يتحرك به عنق الدابّة،
وفي ((الفائق)): العنق الخطو الفسيح، وانتصب العنق على المصدر المؤكّد من
لفظ الفعل، كذا في ((الفتح))(٢).
(فإذا وجد) وَّ (فرجة) هكذا في جميع النسخ الهندية من المتون
والشروح وفي النسخ المصرية فجوة، قال الزرقاني: بفتح الواو وسكون الجيم
فواو مفتوحة أي مكاناً متّسعاً، كذا رواه ابن القاسم وابن وهب والقعنبي
والتنِّيسى وطائفة، ورواه يحيى وأبو مصعب ويحيى بن بكير وسعيد بن عفير
وجماعة: فرجة، بضم الفاء وفتحها وسكون الراء، قال ابن عبد البر وغيره:
هو بمعنى فجوة، انتهى.
قلت: إذا كانت رواية يحيى بلفظ الفرجة، فتظافر جميع النسخ المصرية
من المتون والشروح على لفظ الفجوة مستغرب، قال العيني: الفجوة والفجواء
ممدوداً، قال ابن سيده: هو ما اتّسع من الأرض، وقيل: ما اتّسع منها، وما
انخفض، قال النووي: رواه بعض الرواة في ((الموطأ)) فرجة بضم الفاء
وفتحها .
قلت: ولفظ محمد فجوة. (نصَّ) بفتح النون وتشديد الصاد المهملة فعل
(١) ((عمدة القاري)) (٢٦٢/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٥١٨/٣).
٦٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٧) باب
(٨٦٨) حديث
ماضٍ، وفاعله النبيّ ◌َّ أي أسرع، وفي ((كتاب الاحتفال)): النصّ والنصيص
في السير أن تسار الدابة أو البعير سيراً شديداً حتى تستخرج أقصى ما عنده،
ونصّ كل شيء منتهاه، وقال أبو عبيد: النصّ أصله منتهى الأشياء وغايتها
ومبلغ أقصاها، وقال ابن بطال: تعجيل الدفع من عرفة، والله أعلم. إنما هو
لضيق الوقت لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس،
وبين عرفة والمزدلفة نحو ثلاثة أميال، وعليهم أن يجمعوا بين المغرب والعشاء
بالمزدلفة، وتلك سنتها. فتعجّلوا في السير لاستعجال الصلاة.
وقال الطبري: الصواب في السير في الإفاضتين جميعاً ما صحت به
الآثار إلّا في وادي محسر، فإنه يوضع لصحة الحديث، وبذلك فلو أوضع أحد
في مواضع العنق أو العكس لم يلزمه شيء، لإجماع الجميع على ذلك، غير
أنه يكون مخطئاً طريق الصواب، كذا في ((العيني)).
قال الموفق(١): المستحب أن يقف حتى يدفع الإمام ثم يسير نحو
المزدلفة على سكينة ووقار لقول النبيّ بَ ل حين دفع، وقد شنق لناقته القصواء
بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: ((أيها الناس
السكينة. السكينة))، هذا في حديث جابر، وروي عن ابن عباس ((أنه دفع مع
النبيّ ◌َ﴾ يوم عرفة، فسمع النبيّ ◌َّر وراءه زجراً شديداً وضرباً للإبل، فأشار
بصوته إليهم، وقال: أيّها الناس عليكم السكينة، فإن البرّ ليس بإيضاع الخيل))،
رواه البخاري(٢). وقال عروة: سئل أسامة وأنا جالس فذكر حديث الباب،
وقال: متفق عليه .
قال ابن عبد البر (٣): ليس في هذا الحديث أكثر من معرفة كيفية السير في
(١) ((المغني)) (٢٧٦/٥).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٦٧١).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٦٩/١٣)، و((التمهيد)) (٢٠٢/٢٢).
٧٠
----------
-----

٢٠ - كتاب الحج
(٥٧) باب
(٨٦٨) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ هِشَامٌ: والنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٩٢ - باب السير إذا دفع من عرفة.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٤٧ - باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة،
حديث ٢٨٣ و٢٨٤.
الدفع من عرفة إلى المزدلفة، وهو مما يلزم أئمّة الحاج، فمن دونهم فعله
لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلّ إلا مع العشاء، أي فيجمع
بين المصلحتين الوقار والسكينة عند الزحمة، وبين الإسراع عند عدمها لأجل
الصلاة .
قال ابن خزيمة: فيه دليل على أن حديث ابن عباس عن أسامة قال:
((فما رأيت ناقته رافعة يديها حتى أتى جمعاً)) محمول على حال الزحام دون
غيرها، قاله الزرقاني(١). وهذا الحديث الذي أشار إليه ابن خزيمة أخرجه
الشيخان وأبو داود وغيرهم مع الاختلاف بينهم في أنه من مسند ابن عباس أو
أسامة، ورجح الزرقاني الثاني.
(قال مالك: قال هشام) بن عروة: (والنص فوق العنق)، أي أرفع منه في
السرعة، قال النووي(٢): هما نوعان من إسراع السير وفي العنق نوع من
الرفق .
قال الحافظ(٣): كذا بين مسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن وأبو
عوانة من طريق أنس بن عياض كلاهما عن هشام أن التفسير من كلامه،
وأدرجه يحيى القطان فيما أخرجه البخاري في الجهاد، بلفظ: ((فإذا وجد فجوة
نصَّ، والنص فوق العنق))، وكذا أدرجه سفيان فيما أخرجه النسائي
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٤٢/٢).
(٢) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (٣٤/٩).
(٣) ((فتح الباري)) (٥١٨/٣).
٧١

٢٠ - كتاب الحج
(٥٧) باب
(٨٦٩) حديث
١٧٧/٨٦٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ، قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ .
وعبد الرحيم بن سليمان ووكيع فيما أخرجه ابن خزيمة كلّهم عن هشام، وقد
رواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن وكيع ففصله، وجعل التفسير من كلام
وكيع، وقد رواه ابن خزيمة من طريق سفيان ففصله، وجعل التفسير من كلام
سفيان، وسفيان ووكيع إنما أخذا التفسير المذكور عن هشام، فرجع التفسير
إليه، وقد رواه أكثر رواة ((الموطأ)) عن مالك، فلم يذكروا التفسير، وكذلك
رواه الطيالسيّ عن حماد بن سلمة، ومسلم عن حماد بن زيد كلاهما عن
هشام، انتهى. وقد روى الحديث المذكور عن هشام عشرة أنفس كما بسطه
الزرقاني تبعاً لشراح البخاري.
١٧٧/٨٦٩ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يُحَرِّك) ببناء الفاعل من التحريك أي تحريكاً زائداً ليسرع (راحلته في بطن
محسر) بضم الميم وكسر السين المشددة، تقدم سبب تسميته بذاك (قدر رمية)
هكذا في جميع النسخ الهندية، وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية، وزاد
في بعض الهندية بعدها (بحجر) ولفظ محمد: كقدر رمية بحجر، قال محمد في
((موطئه))(١) بعد ذلك: هذا كلّه واسعٌ إن شئت حَرَّكْتَ، وإن شئت سرتَ على
هينتك، بلغنا أن النبيّ وَّ قال في السيرين جميعاً: عليكم بالسكينة، حين
أفاض من عرفة، وحين أفاض من المزدلفة، انتهى. يعني: أنه ليس على
الوجوب، وتقدم نحو ذلك قريباً عن الطبري أنه لو أوضع أحد في موضع العنق
أو العكس لم يلزمه شيء لإجماع الجميع على ذلك، غير أنه يكون مخطئاً
طريق الصواب.
وقال الشيخ في ((المسوى)) (٢): عليه أهل العلم في ((العالمكيرية))، إذا بلغ
(١) ((موطأ محمد)) (ص١٦٥).
(٢) (٣٨٥/١).
٧٢

٢٠ - كتاب الحج
(٥٧) باب
(٨٦٩) حدیث
بطن محسر أسرع إن كان ماشياً، وحرّك دابته إن كان راكباً قدر رمية بحجر،
ومثله في ((الأنوار))، انتهى.
لكن قال السرخسي: ويمشي على هينته في الطريق، هكذا قال
رسول الله وَّر: ((أيها الناس ليس البرّ في إيجاف الخيل، ولا في إيضاع الإبل،
عليكم بالسكينة)). وروى جابر: ((أن النبيّ ◌َّر كان يمشي على راحلته في
الطريق على هينته حتى إذا كان في بطن الوادي أوضع راحلته وجعل يقول:
إليك تعدو قلقاً وَضِيْنُها
فارقاً دين النصارى دينها
معترضاً في بطنها جنينها))
فزعم بعض الناس أن الإيضاع في هذا الموضع سنّة، ولسنا نقول به،
وتأويله أن راحلته كلَّتْ في هذا الموضع، فبعثها، فانبعثت كما هو عادة
الدواب لا أن يكون قصده الإيضاع، انتهى.
وعامّة كتب الحنفية على الأول، ففي ((شرح اللباب))(١): فإذا بلغ بطن
محسر أسرع قدر رمية بحجر إن كان ماشياً، وحرّك وَ لير دابته أي للإسراع، إن
كان راكباً، وهذا يستحب عند الأئمة الأربعة، فقد روى أحمد عن جابر أن
النبي ◌َ# أوضع في بطن محسر، وفي ((الموطأ)): ((أن ابن عمر كان يحرك
راحلته في محسر قدر رمية بحجر))، انتهى.
وبه جزم في ((الدر المختار))(٢) وغيره، قال الموفق(٣): يستحب الإسراع في
بطن محسر، وهو ما بين جمع ومنى، فإن كان ماشياً أسرع، وإن كان راكباً حرّك
دابته، لأن جابراً قال في صفة حجّة النبيّ ◌َّة: أنه لما أتى بطن محسر حرك قليلاً،
ويروى أن عمر - رضي الله عنه - لما أتى بطن محسر أسرع، وقال:
(١) (ص١١٨).
(٢) (٥٦٤/٢).
(٣) («المغني (٢٨٧/٥).
٧٣

٢٠ - كتاب الحج
(٥٨) باب
(٨٧٠) حديث
(٥٨) باب ما جاء في النحر في الحج
١٧٨/٨٧٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ بِمِنَى: ((هذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ مِنَّى مَنْحَرٌ))،
إليك تعدو قلقاً وَضِيْنُها
خالفاً دين النصارى دينها
معترضاً في بطنها جنينها
وذلك قدر رمية بحجر، ويكون ملبياً في طريقه، فإن الفضل بن عباس
كان رديفهم* يومئذ، وروى أن النبيّ ◌َّ لم يزل يلبّي حتى رمى جمرة
العقبة، متفق عليه. وفي لفظ عنه قال: شهدت الإفاضتين مع رسول الله وَله
وعليه السكينة وهو كافُّ بعيره، ولبّى حتى رمى جمرة العقبة، انتهى.
(٥٨) ما جاء في النحر في الحج
يعني ما ورد في إثبات مشروعية النحر في زمان الحج.
١٧٨/٨٧٠ - (مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر في ((التقصّي))(١): هذا
يتّصل من حديث جابر وعليّ بن أبي طالب - رضي الله عنهما - عن النبيّ
مسنداً، انتهى. وقال الزرقاني(٢): أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه،
وصححه الحاكم عن جابر - رضي الله عنه -.
قلت: وحديث جابر رواه مسلم أيضاً بلفظ: ((نحرت ههنا ومنى كلها
منحر، فانحروا في رحالكم))، الحديث. وحديث عليّ أخرجه أيضاً أبو داود.
(أن رسول الله ◌َ ◌ّ قال) وهو نازل إذ ذاك (بمنى) بالباء في جميع النسخ
المصرية، وباللام بدل الباء في الهندية، والأوجه الأول.
(هذا) أي الموضع الذي نحرت فيه (المنحر) الأفضل أو منحري (وكل
منى منحر)، وليس في أكثر النسخ الهندية ((وكل منى منحر))، بل فيها قال
(١) (ص٢٥٧)، وانظر: ((التمهيد)) (٤٢٥/٢٤ - ٤٢٧)، و((الاستذكار)) (٧٤/١٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٣/٢).
٧٤

٢٠ - كتاب الحج
(٥٨) باب
(٨٧٠) حديث
لمنى: هذا المنحر، فيكون إشارة إلى جميع منى لا إلى موضع خاص منها،
ولفظ أبي داود برواية جعفر عن أبيه عن جابر قال النبيّ وَّ: ((نحرت لههنا،
ومنى كلها منحر))، زاد في رواية له: ((فانحروا في رحالكم))، وهو أمر بإباحة
لا إيجاب ولا ندب، قال ابن التين: منحر النبيّ ◌َّ عند الجمرة الأولى التي
تلي المسجد.
قال الحافظ: كأنه أخذه من أثر أخرجه الفاكهي من طريق ابن جريج عن
طاوس، قال: كان منزل النبيّ وَ﴿ بمنى عن يسار المصلّى، قال: وقال غير
طاوس من أشياخنا مثله، وزاد: ((وأمر بنسائه أن ينزلن جنب الدار بمنى))، قال
ابن التين: وللنحر فيه فضيلة على غيره، لقوله وَ لجر: «هذا المنحر وكل منى
منحر))، انتھی.
قلت: ولعلّه إلى ذلك أشار البخاري إذ ترجم في (صحيحه)) ((باب النحر
في منحر النبيّ ◌َّ بمنى))، وذكر فيه أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - كان ينحر
في المنحر، قال عبيد الله الراوي: منحر رسول الله وَالر، قال الحافظ (١):
وظاهر حديث جابر ((نحرت لههنا، وكل منى منحر))، أن نحره وه لال بذلك المكان
وقع عن اتّفاق لا شيء يتعلق بالنسك، ولكن كان ابن عمر - رضي الله عنهما -
شديد الاتباع، وقد روى عمر بن شبّة في كتابه عن عطاء قال: كان ابن عمر
- رضي الله عنهما - لا ينحر إلا بمنى، وحكى ابن بطال قول مالك في النحر
بمنى للحاج، والنحر بمكة للمعتمر، وأطال في تقرير ذلك وترجيحه ولا
خلاف، وإن اختلف في الأفضل، انتهى.
قلت: بل يجب عند مالك النحر بمنى بثلاثة شروط تقدّمت في ((جامع
الهدي))، وهي أن سيق به في إحرام حج ووقف به بعرفة وأن ينحر في أيام
(١) ((فتح الباري)) (٥٥٢/٣).
٧٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٨) باب
(٨٧٠) حديث
وَقَالَ فِي الْعُمْرَةِ: ((هُذَا الْمَنْحَرُ))، يَعْنِي الْمَرْوَةَ، ((وَكلُّ فِجَاج مَكَّةَ
وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ)).
أخرجه، عن جابر، أبو داود في: ١١ - كتاب الحج، ٦٤ - باب الصلاة
بجمع .
وابن ماجه في: ٢٥ - كتاب المناسك (الحج)، ٧٣ - باب الذبح.
النحر، ثم قال الدسوقي(١): أما الذبح بمنى فالأفضل أن يكون عند الجمرة
الأولى، ولا يجوز النحر دون جمرة العقبة مما يلي مكة؛ لأنه ليس من منى،
انتھی .
(وقال) وَّر (في العمرة) إشارة إلى المروة (هذا المنحر) الأفضل (يعني)
بلفظ الإشارة (المروة) مفعول يعني، قال الباجي(٢): خص المروة(٣) بهذا
القول؛ لأنه لا تعلق لها ولا لهديها بمنى، فأشار إلى المروة، وقال: هذا
المنحر على سبيل التخصيص لها، انتهى.
قلت: هذا أيضاً مبنيٌّ على مسلك المالكية، فعندهم إذا انتفت الشروط
الثلاثة، فمحل النحر حينئذ وجوباً مكّة، ولا يجزئ بمنى ولا بغيرها، كما تقدم
النصّ بذلك عن الدردير.
(وكل فجاج مكة) بكسر الفاء وجيمين جمع فج بفتح الفاء، وهو الطريق
الواسع بين الجبلين (وطرقها) جمع طريق (منحر) يجوز النحر فيها، قال أبو
عبد الملك: يريد كل ما قارب بيوت مكة من فجاجها وطرقها منحر، وكل ما
تباعد فليس بمنحر.
قال الباجي(٤): يعني أن المروة وإن اختصت بفضيلة ذلك، فإن سائر
(١) ((حاشية الدسوقي)) (٨٦/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٤/٣).
(٣) كذا فى الأصل والصواب العمرة، اهـ ((ش)).
(٤) ((المنتقى)) (٢٤/٣).
٧٦
---------------
11 ----- ----- -------

٢٠ - كتاب الحج
(٥٨) باب
(٨٧٠) حدیث
طرقها ومواضعها يجزئ النحر فيها، فكل ما لا يصح نحره بمنى لعدم صفة من
الصفات الثلاثة التي ذكرناها، فإنه لا ينحر إلا بمكّة؛ لأنه لا منحر للهدي غير
منى ومكة، ثم المنحر بمكة مكة نفسها وما يلي بيوتها من منازل الناس، قاله
مالك. وسئل محمد بن دينار عن المنحر في فجاج مكة أو ذي طوَى، فقال:
من نحر في فجاج مكة أجزأه، وروى أشهب عنه: لا يجزئ أن ينحره عند ثنية
المدنيين، وفي ((المدونة)) من رواية عيسى عن ابن القاسم: لا يجزئ بذي
طوى، ولا يجزئ حتى يدخل مكّة، ولا أعلم إلّا أن مالكاً قاله.
قال الباجي: ووجه قول مالك أن ما له حكم المدينة ((أي البلدة)) فإنه
منحر، وما ليس له حكم المدينة فليس بمنحر، وحمل ابن القاسم قوله وقله :
(كل فجاج مكة منحر)) على أنه يريد بالفجاج ما دخل القرية، وأن اسم مكة
داخل مختص بها؛ لأنه قد نصّ على أن ليس لذي طوى حكمها مع كونها
أيضاً متصلاً بالمدينة، انتهى. وحكى ابن رشد (١) عن مالك: إن نحر للحج
بمكة وللعمرة بمنى أجزأه، انتهى.
قال الدردير (٢): والنحر بمنى بالشروط الثلاثة وإلا بأن انتفت هذه
الشروط أو شيء منها، فمحل نحره مكة وجوباً، فلا يجزئ بمنى ولا غيرها،
قال الدسوقي: قوله: مكة أي البلد لا ما يليها من منازل الناس، وأفضلها
المروة، لحديث الباب، فإن نحر خارجاً عن بيوتها، إلّا أنه من لواحقها،
فالمشهور أنه لا يجزئ كما هو قول ابن القاسم، انتهى.
وهذا كلّه عند المالكية، وأمّا عند الجمهور، فتخصيص منى ومكة لهما
باعتبار الندب، وأما الجواز ففيه الحرم كله سواء، حتى حكى على ذلك
(١) (بداية المجتهد)) (٣٧٨/١).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٦/٢).
٧٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٨) باب
(٨٧٠) حدیث
الإجماع أيضاً غير واحد من نقلة المذاهب، وقد عرفت أن حكاية الإجماع
ليس بوجيه مع خلاف مالك في ذلك.
قال الجصاص في ((أحكام القرآن)) (١) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِلُّهَا إِلَى
الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(٢): المراد بالبيت لههنا الحرم كله؛ إذ معلوم أنها لا تذبح عند
البيت ولا في المسجد، فدلّ على أن الحرم كله، فعبّر عنه بذكر البيت؛ إذ
كانت حرمة الحرم كله متعلقة بالبيت، وهو كقوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿هَدْياً
بَلِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(٣)، ولا خلاف أن المراد الحرم كلّه، وقد روي عن جابر مرفوعاً:
((منى كلها منحر، وكل فجاج مكة منحر))، انتهى.
وتقدم في شرح آية الصيد تحت قوله تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾، أنّ
مالكاً - رضي الله عنه - لا يجتز لمن نحر هديه في الحرم، إلا أن ينحره بمكة،
وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه، انتهى.
قلت: وبذلك قالت الحنابلة.
قال الموفق(٤): السنة النحر بمنى؛ لأن النبيّ وَّ نحر بمنى، وحيث نحر
من الحرم أجزأه؛ لقوله وَّ: ((كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحرٌ وطريقٌ)).
رواه أبو داود، انتهى.
قلت: ورواه مسلم أيضاً، قال النووي في ((شرحه))(٥): قال أصحابنا:
يجوز نحر الهدي ودماء الحيوانات في جميع الحرم، لكن الأفضل في حق
(١) .(٢٤٣/٣).
(٢) سورة الحج: الآية ٣٣.
(٣) سورة المائدة: الآية ٩٦.
(٤) ((المغني)) (٣٠٢/٥).
(٥) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٩٦/٨).
٧٨

٢٠ - كتاب الحج
(٥٨) باب
(٨٧١) حديث
١٧٩/٨٧١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمّ
....
الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾َ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ
الحاج النحر بمنى، وأفضل موضع منها موضع نحر رسول الله وَّر، وما قاربه،
والأفضل في حق المعتمر أن ينحر في المروة.
وفي ((الدر المختار)) (١): ويتعيّن الحرم لا منى للكل، قال ابن عابدين:
قوله: لا منى، أي بل يسنّ لما في ((المبسوط)) من أن السنّة في الهدايا أيام
النحر بمنى، وفي غير أيام النحر، فمكة هي الأولى، ((شرح اللباب))، انتهى.
١٧٩/٨٧١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: أخبرتني عمرة
بنت عبد الرحمن) الأنصارية (أنها سمعت عائشة أمّ المؤمنين تقول: خرجنا)
واختلف في عددهم، كما تقدم في حديث عروة عن عائشة في ((باب إفراد
الحج)) (مع رسول الله ◌َّر) من المدينة سنة عشر من الهجرة (لخمس ليال بقين)
قال القسطلاني: يقتضي أن تكون قالته بعد انقضاء الشهر، ولو قالته قبله
لقالت: إن بقين، انتهى.
وقال الحافظ(٢): فيه رَدّ على من منع إطلاق القول في التاريخ، لئلا
يكون الشهر ناقصاً، فلا يصح الكلام، فيقول مثلاً: لخمس إن بقين، بزيادة
الشرط، وحجة المجيز أن الإطلاق يكون على الغالب، انتهى.
قلت: ويؤيّده ما ورد من قوله وَلّر في ليال القدر: ((تاسعة تبقى، وسابعة
تبقى))؛ وفي ((جمع الفوائد)) برواية الترمذي عن أبي بكرة رفعه: ((التمسوها في
تسع يبقين أو سبع يبقين ... )) الحديث، وقال الحافظ في موضع آخر: فيه
استعمال الفصح في التاريخ، وهو ما دام في النصف الأول من الشهر يؤرّخ بما
(١) (٦٧٨/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٠٧/٣).
٧٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٨) باب
(٨٧١) حديث
مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ،
خلا، وإذا دخل النصف الثاني يؤرخ بما بقي، انتهى. (من ذي القعدة) بفتح
القاف وكسرها، سمي بذلك؛ لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال، ومثل التاريخ
الذي وقع في حديث عمرة وقع في حديث ابن عباس أيضاً.
وأخرجه البخاري بلفظ: انطلق النبيّ وَّ من المدينة بعدما ترجَّل وادّهن
ولبس إزاره ورداءه، فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته حتى استوى على
البيداء أهلَّ هو وأصحابه، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، الحديث. وفي
((المواهب)) برواية النسائي عن جابر قال: خرج رسول الله وَّ لخمس بقين من
ذي القعدة وخرجنا معه، الحديث. واختلف أهل العلم من شُرَّاحِ الحديث
ونقلة التاريخ في يوم خروجه ودلّ وتعيين التاريخ على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه وَلّ خرج يوم الجمعة، وهذا ظاهر البطلان يأباه الروايات
الصحيحة، قال ابن القيّم في ((الهدي))(١): منها وهم آخر لبعضهم، ذكر الطبري
في حجة الوداع أنه خرج يوم الجمعة بعد الصلاة، والذي حمله على هذا
الوهم القبيح قوله في الحديث: ((خرج لست بقين))، فظن أن هذا لا يمكن، إلّا
أن يكون الخروج يوم الجمعة؛ إذ تمام الست يوم الأربعاء، وأوّل ذي الحجة
كان يوم الخميس بلا ريب، وهذا خطأ فاحش، فإنه من المعلوم الذي لا ريب
فيه، أنه صلّى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين،
انتھی .
قلت: كون مبدأ ذي الحجة يوم الخميس إجماعيٌّ، لا خلاف في ذلك
بين المحدثين، ولا المؤرخين؛ إذ وقوفه ◌َل# بعرفات كان يوم الجمعة، ولا
خلاف في ذلك إلّا ما حكى ابن القيم عن الواقدي، أنه قال: كانت الوقفة يوم
السبت، وهذا لم يقله أحد غيره.
(١) ((زاد المعاد)) (٩٨/٢).
٨٠
---- ---------
-----------