Indexed OCR Text

Pages 601-620

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
كالمنذورة، وإذا قضى أجزأه القضاء عن الحجّة الواجبة، لا نعلم في هذا
خلافاً؛ لأن الحجّة المَقْضِيَّة لو تمّت لأجزأَتْ عن الواجبة عليه، فكذلك
قضاؤها؛ لأن القضاء يقوم مقامَ الأداء.
الفصل الرابع: أن الهديَ يلزمُ من فاته في أصح الروايتين، وهو قول من
سَمَّينا من الصحابة والفقهاء إلا أصحاب الرأي، فإنهم قالوا: لا هدي عليه،
وهي الرواية الثانية عن أحمد، لأنه لو كان الفوات سبباً لوجوب الهدي للزم
المحصر هديان للفوات، والإحصار.
ولنا حديث عطاء وإجماع الصحابة، وإذا ثبت هذا فإنه يخرج الهدي في
سَنَة القضاء، إن قلنا بوجوب القضاء، وإلا أخرجه من عامه، وإذا كان معه
هدي قد ساقه نحره، ولا يجزئه إن قلنا بوجوب الهدي، بل عليه في السنة
الثانية هديٌ أيضاً، نصّ عليه أحمد، وذلك لحديث عمر الذي ذكرنا، والهدي
ما استيسر، مثل هدي المتعة لحديث عمر - رضي الله عنه - أيضاً والمتمتع
والقارن والمفرد والمكي وغيره سواء فيما ذكرنا؛ لأن الفوات يشمل الجميع،
انتھی .
وفي ((الروض المربع)) (١): من فاته الوقوف بأن طلع فجر يوم النحر ولم
يقف بعرفة فاته الحج وتحلّل بعمرة فيطوف ويسعى، ويحلق أو يقصر إن لم
يختر البقاء على إحرامه، ليحج من قابل، ويقضي الحجّ الفائت، ويهدي هدياً
يذبحه في قضائه إن لم يشترط في ابتداءِ إحرامه، ومن اشترط فلا هدي ولا
قضاء، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(٢): من فاته الوقوف بعرفة تَحَلَّلَ وجوباً بعمرة أي
بعملها، قال البجيرمي: ولا يحتاج إلى نيّة العمرة، لكن لا بدّ من نية التحلّل
(١) (٥٢٦/١).
(٢) (٤٥٩/٢).
٦٠١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
بها، قال سم: ينبغي عند كل من أعمالها إذ ليست عمرة حتى يكفي لها نيّة في
أولها، انتهى.
وفيه أيضاً أن عمرة التحلل لا تجزئ عن عمرة الإسلام، انتهى. وفي
((شرح المنهاج)): من فاته الوقوف بعذر أو غيره تحلَّلَ فوراً وجوباً لئلا يصير
محرماً بالحج في غير أشهره، وإن لم يمكن عمل عمرة تحلّل بما مرّ في
المحصر، انتهى.
:
وفي ((مناسك النووي)): من فاته الوقوف لزمه دم كدم التمتع في جميع
أحكامه، ويلزمه أن يتحلّل بعمل عمرة، وهو الطواف والسعي والحلق، ولا
يحسب ذلك عمرة، وعليه قضاء الحج سواء كان إحرامه بحج واجب أو تطوّع،
ويجب القضاء على الفور، وسواء في هذا كلّه كان الفوات بعذر أو بلا عذر،
لكن يختلفان في الإثم، ويجب تأخير دم الفوات إلى سَنَة القضاء، ويدخل وقته
بالإحرام بالقضاء، وقال ابن حجر: يدخل وقته وقت الإحرام بالقضاء. وفي
هامش ((روضة المحتاجين)) عن الخطيب على ((الغاية)): يجزئ بعد دخول وقت
الإحرام بالقضاء، وإن لم يحرم على المعتمد، انتهى.
وحاصل ما قاله الدردير والدسوقي(١): أن من تمكَّن من البيت وقد حُصِر
عن عرفة بالأمور الثلاثة، وهي العدو، أو الفتنة بين المسلمين، أو الحبس بغير
حق، أو فاته الوقوف بغير الثلاثة كمرض أو خطأ عدد لم يحلّ في هذا كله إلا
بفعل عمرة من غير تجديد للإحرام بالعمرة، بل يكفيه الإحرام السابق، فيطوف
ويسعى ويحلق بنية التحلّل، ثم إن كان الفوات بالأمور الثلاثة لا يطالب
بالقضاء إلاّ أن يكون الفائت واجباً، فيقضيه بالوجوب السابق، وإن كان
الفوات بغير الثلاثة يجب عليه القضاء.
--------------
(١) ((حاشية الدسوقي)) (٩٥/٢).
٦٠٢

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
ولو كان الفائت نفلاً، ويجب عليه أيضاً الهدي ولا يكفيه هدي سابق إن
كان معه، وقّده، وأشعره قبل الفوات بل عليه هدي آخر للفوات يجب تأخيره
إلى سنة القضاء، وإن قدمه عام الفوات يجزئ، لكنه خالف الواجب، وهل
يتقلّب إحرامه عمرة من أوّله أو من وقت فعل العمرة؟ مختلف فيه، ويجب
خروجه للحل ويلبّي منه من غير إنشاء الإحرام، إن أحرم أولاً من الحرم
ليجمع بين الحل والحرم.
وفي ((الهداية)) (١): من فاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر
فقد فاته الحج، وعليه أن يطوف ويسعى ويتحلّل ويقضي الحجّ من قابلٍ ولا دم
عليه؛ لقوله عليه السلام: ((من فاته عرفة بليل فقد فاته الحج، فليحل بعمرة
وعليه الحج من قابل))، ولأن الإحرام بعدما انعقد صحيحاً لا طريق للخروج
منه إلا بأداء النسكين، ولههنا عجز عن الحج، فتتعين عليه العمرة، ولا دم عليه
لأن التحلّل وقع بأفعال العمرة، فكانت في حق فائت الحج بمنزلة الدم في حق
المحصر، فلا يجمع بينهما .
وفي ((شرح اللباب))(٢): قال الحسن بن زياد: عليه الدم أشار في ((شرح
الكنز)) إلى استحباب الدم للفائت عندنا، ثم أصحابنا اختلفوا فيما يتحلّل به
فائت الحج أنه يلزمه ذلك بإحرام الحجّ أو بإحرام العمرة، فقال أبو حنيفة
ومحمد: بإحرام الحج، وقال أبو يوسف: بإحرام العمرة، وينقلب إحرامه
عمرة، وقالا: لا ينقلب، والمؤدى ليس أفعال العمرة حقيقة، بل مثل أفعال
العمرة تُؤدّی باحرام الحج، انتھی.
والحديث الذي استدلّ به صاحب ((الهداية)) أخرجه الدارقطني وابن عدي
(١) (٧٧/١). ط بيروت.
(٢) (ص٢٤٥).
٦٠٣

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
من حديث ابن عمر، وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس كذا في
(الدراية)) (١)، وضعف الأول برحمة بن مصعب، وقد قال الآجري: سألت أبا
داود عنه فأثنى عليه خيراً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) كذا في ((اللسان))(٢)
وضعف أيضاً بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو من رواة السنن
الأربعة، ضعفه جماعة، لكن روى عنه زائدة وابن جريج وشعبة والثوري ووكيع
وغيرهم، وقال العجلي: كان فقيهاً صاحب سُنَّةٍ صدوقاً، جائز الحديث، وقال
أبو حاتم: محلّه الصدق، كان سيئ الحفظ، شغل بالقضاء فساء حفظه، لا
يُتَّهم بشيء من الكذب، إنما ينكر عليه كثرة الخطاء، يكتب حديثه، ولا يحتجّ
به، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، ليّن الحديث
عندهم، وكان الثوري يقول: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شُبْرمة، وقال ابن
خزيمة: ليس بالحافظ، وإن كان فقيهاً، عالماً، كذا في ((تهذيب الحافظ))(٣)،
وضعف الثاني يحيى بن عيسى النهشلي، قال صاحب ((التنقيح)): روى له مسلم.
قلت: روى له البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم في ((صحيحه))،
وأصحاب السنن غير النسائي.
قال ابن الهمام: إن الغرض من خصوص هذا المتن الاستدلال على نفي
لزوم الدم، فإن ما سواه من الأحكام المذكورة لا يُعْلم فيها خلاف، ووجهه أنه
شرع في بيان حكم الفوات، وكان المذكور جميع ما له من الحكم، وإلَّا نَافَى
الحكمةَ. وليس من المذكور لزوم الدم، فلو كان من حكمه لذكره، وما استدلّ
به الشافعي محمول على الندب، انتهى.
(١) انظر هامش ((الهداية)) المطبوعة بالهند، و((فتح القدير)) (٦٠/٣).
(٢) (لسان الميزان)) (٤٥٨/٢).
(٣) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٠١/٩).
٦٠٤
..--

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
(٨٤٥) حدیث
٨٤٥/ ١٥٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛
أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ؛ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ خَرَجَ
حَاجًا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالنَّازِيَةِ مِنْ طَرِيقٍ مَكَّةَ، أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ، وَإِنَّهُ
قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ النَّحْرِ،
وفي ((البناية)): ولنا الحديث الذي رواه الدارقطني المذكور آنفاً، وهذا
دليل على أن الدم غير واجب؛ لأنه موضع الحاجة إلى البيان، واللائق بمنصبه
البيان عند الحاجة، فإذا لم يُبين عُلِم أنه ليس بواجب، وروي عن الأسود أنه
قال: سمعت عمر - رضي الله عنه - من فاته الحج يحل بعمرة ولا دم عليه،
وعليه الحجّ من قابل، ثم لقيت زيد بن ثابت بعد ذلك بثلاثين سنة، فقال مثل
ذلك، وعن عثمان مثله، انتهى.
قلت: وأثر الأسود أخرجه محمد في (موطئه))(١) مختصراً.
١٥٣/٨٤٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أنه قال: أخبرني سليمان بن
يسار) بتحتية ومهملة خفيفة (أن أبا أيوب الأنصاري) الصحابي المشهور (خرج
حاجاً) أي يريد الحج (حتى إذا كان بالنازية) بنون فألف فزاي فتحتية فهاء عينٌ
قريب الصفراء، قاله الزرقاني (٢).
وفي ((المعجم))(٣): بتخفيف الياء عين ثَرَّة على طريق الأخذ من مكة إلى
المدينة، قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب، وإليها مضافة. رحبة واسعة
فيها عضاءٌ. ومروج، سلك فيها النبيّ وَّ حين خرج إلى بدر، وفي (مسند
الشافعي)) بدله البادية بالموحدة والدال.
(من طريق مكة أضلَّ رواحله) جمع راحلة (وإنه قدم) مكة أو منى (على
عمر بن الخطاب يوم النحر) قال الباجي: إما لأنه شغل بطلبها، وهو يقدر أن
(١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣١٤/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣١/٢).
(٣) «معجم البلدان)) (٥/ ٢٥٠).
٦٠٥

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
(٨٤٥) حديث
فَذَكَرَ ذُلِكَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ،
يدرك الحج، فتتابع ذلك منه حتى بقي من المدة ما قَدَّرَ فيه أنه يدرك الحج
فيه، فأخلفه تقديرُه، وإما لأنه عجز عن الوصول إلى الحج لعدم رواحله التي
كان يتوصل بها، فلم يمكنه الوصول إلاّ بعد الطواف، انتهى.
(فذكر ذلك له) يحتمل أنه ذكر له ما جرى من إضلال الراحلة، وإن ذلك
سبب فوات حجّه، أو أخبره بفوات الحجّ خاصة. لأن حكمه يتعلق به دون
سببه، كذا في ((المنتقى)) (١). (فقال عمر بن الخطاب: اصنع ما) هكذا في جميع
النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي أكثر المصرية كما (يصنع المعتمر).
قلت: وفيه تأييد لمن قال: إن هذه العمرة التي يتحلّل بها الفائت ليست
بعمرة حقيقية، بل صورتها، وأوضح منه ما ورد في أكثر النسخ المصرية(٢):
(اصنع كما يصنع المعتمر))، وهكذا بلفظ التشبيه في رواية الشافعي في ((الأم))،
وهكذا ذكره الزيلعي في (نصب الراية)) برواية ((الموطأ))، وقال الشافعي في
(الأم)): فيه دلالة عن عمر - رضي الله عنه - أنه يعمل عمل معتمر، لأن إحرامه
عمرة، انتھی.
وقال الباجي: يريد أنه يأتي بعمرة كاملة بطوافها وسعيها بنيتها يتحلّل
بها، ولذلك قال مالك: إن فاته الحج يتحلّل بعمرة، يستأنف لها طوافاً وسعياً،
وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو يوسف: ينقلب إحرامه عمرةً، فيكون
بطوافه وسعيه متحلّلاً من العمرة لا من الحجّ، والدليل على ما نقوله أن إحرامه
بالحج لو ينقلب عمرة لكان قد انفسخ عما وقع عليه، والفسخ مفسوخ، بلا
خلاف بيننا وبينه، ودليلنا من جهة القياس أن من انعقد إحرامه بنسك لم ينقلب
إلى غيره كما لو أحرم بعمرة، انتهى.
قلت: ويُشكل عليه ما قال الدسوقي: وهل ينقلب إحرامه عمرة من أصل
(١) (٣/ ٧).
(٢) هكذا بلفظ التشبيه ورد في ((الاستذكار)) (٢٩٩/١٢) و((نصب الراية)) (١٤٦/٣).
٦٠٦
-----

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
(٨٤٦) حديث
ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ. فَإِذَا أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلاً فَأَحْجُجْ، وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ
مِنَ الْهَدْي.
١٥٤/٨٤٦ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ؛
أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ،
الإحرام أو من وقت ينوي فعل العمرة؟ مختلف فيه، انتهى. فظاهره الانقلاب
والاختلاف في وقت الانقلاب، لكن عامة نقلة المذاهب حكوا عن مالك عدم
الانقلاب. (ثم قد حللت) أي من إحرامك بالحج (فإذا أدركك الحج قابلاً) أي
إن عشت إلى زمن الحج من السنة الآتية (فاحجَجْ) أي عليك بقضاء الحج عما
فات، وهو دليل لمن أوجب قضاء الفائت.
(وأهدٍ ما استيسر من الهدي) وسيأتي الكلام على مصداقه قريباً ففي
الترجمة الثانية، وهو دليل لمن أوجب الهدي على الفائت، وهم الأئمّة الثلاثة،
ومن لم يقل بوجوبه كالحنفية، وهو رواية عن أحمد، حمله على الندب، كما
تقدم مبسوطاً، واستدلّ به المالكية على أن الهدي يجب أن يكون في سَنَةِ
القضاء، وتقدم المذهب في ذلك.
١٥٤/٨٤٦ - (مالك، عن نافع عن سليمان بن يسار أن هبّار) بفتح الهاء وتشديد
الموحدة (ابن الأسود جاء يوم النحر) وأخرجه البخاري في ((التاريخ)) من طريق
موسى بن عقبة عن سليمان بن يسار عن هبَّار بن الأسود أنه حدّثه أنه فاته الحجّ، فقال
له عمر: طُفْ بالبيت وبين الصفا والمروة، وهكذا أخرجه البيهقي (١) من هذا الوجه.
وهو في ((الموطأ)) عن نافع أن هبار بن الأسود حجّ من الشام، وهكذا
أخرجه سعيد بن أبي عروبة في كتاب المناسك عن أيوب عن نافع فذكره مطولاً
هكذا في ((الإصابة)) (٢)، وليس لفظ حج من الشام في نسخ ((الموطأ)) التي
بأيدينا، نعم تقدم في كلام ((المغني)) برواية الأثرم.
(١) (سنن البيهقي)) (١٧٤/٥).
(٢) (٣٨٠/٦/٢).
٦٠٧

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
(٨٤٦) حديث
وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْطَأْنَا
الْعِدَّةَ، كُنَّا نُرَى أَنَّ هُذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ إِلَى
مَكَّةَ، فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ،
(وعمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (ينحر هديه) ولفظ محمد في
((موطئه)) (١): ينحر بدنه، قال الباجي: يريد أنه جاء منَى، واستغنى عن ذكره
لمعرفة السامع أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا ينحر هديه يوم النحر
إلا بمنى. (فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدَّة) ولفظ محمد: أخطأنا في العدة
بكسر العين وتشديد الدال، أي في تعداد التاريخ والأيام (كنا نُرى) ببناء
المجهول أي نظن (أن هذا اليوم) الذي وصلنا فيه (يوم عرفة) أي يوم الوقوف
بعرفة، فلعلّهم وردوا منى متوجّهين إلى عرفة يوم النحر، فلما وجدوا عمر بن
الخطاب وجميع الحاج بمنى علموا أنهم أخطأوا العدة، وفاتهم الوقوف.
(فقال عمر) بن الخطاب - رضي الله عنه - (اذهب إلى مكة) قال الباجي:
هذا يقتضي أن عمر - رضي الله عنه - قد علم أن إحرامه كان من الحل،
انتھی .
قلت: وذلك لما تقدم في أول الباب من وجوب الخروج إلى الحل لمن
أحرم من مكة عند مالك - رضي الله عنه - وذلك لما أن الجمع بين الحل
والحرم شرط الإحرام عند مالك، وأحد قولَي الشافعي خلافاً لأبي حنيفة
وأحمد، كما تقدم في آخر ((باب إهلال أهل مكة)) مفصّلاً.
(فطف أنت ومن معك) أمرهم بالطواف، ولا بدّ من السعي معه، وإن لم
يذكره لما علم أنه من توابعه، كذا في ((المنتقى))(٢).
قلت: وهو اختصار من بعض الرواة لما تقدم ذكره في رواية ((تاريخ
(١) (ص ١٤٧).
(٢) ((المنتقى)) (٨/٣).
٦٠٨
..- - -

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
(٨٤٦) حدیث
وَانْحَرُوا هَذْياً إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا
البخاري))، والبيهقي، ويؤيّده أيضاً رواية محمد بلفظ: ((اذهب إلى مكة، فطف
بالبيت سبعاً وبين الصفا والمروة سبعاً))، ويمكن أن يقال: إن الأمر بالطواف
بعمومه يتناول كليهما أي الطواف، والطواف بين الصفا والمروة.
(وانحروا هدياً إن كان معكم) يريد إن كان منكم من ساق هدياً فلينحره
على ما ساقه عليه من تطوع أو واجب، وهذا ليس من هدي الفوات. (ثم
احلقوا أو قصّروا) يريد أن عليهم أن يتحلّلوا، أو لا يكون ذلك إلا بحلاق أو
تقصير، وظاهر الأثرين أنه يجب عليه التحلّل، ولا يجوز له البقاء على
إحرامه، والمسألة خلافية، قال الموفق(١): فإن اختار من فاته الحج البقاء على
إحرامه ليحج من قابل فله ذلك، وروي ذلك عن مالك لأن تطاول المدة بين
الإحرام وفعل النسك لا يمنع إتمامه كالعمرة، والمحرم بالحج في غير أشهره،
.ويحتمل أنه ليس له ذلك، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر،
ورواية عن مالك لظاهر الخبر وقول الصحابة، انتهى.
قلت: وتقدم الإشارة إلى الجواز في ((الروض المربع)) (٢) في أوّل الباب؛
إذ قال: يحلق ويقصر إن لم يختر البقاء على إحرامه ليحج من قابل، وقال
الدردير (٣): لم يحل إلا بفعل عمرة إن شاء التحلّل، قال الدسوقي: أي وإن
شاء بقي على إحرامه للعام القابل، لكن إن دخل مكّة أو قاربها، فالأفضل له
التحلّل، ويكره بقاؤه لقابلٍ، وإن كان بعيداً يُخَيَّر بين البقاء والإحلال على حدٍّ
سواء، انتهى.
وفي (مناسك النووي)): يلزمه أن يتحلّل بعمل عمرة، قال ابن حجر: أي
(١) ((المغني)) (٤٢٨/٥).
(٢) (٥٢٦/١).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٩٥/٢).
٦٠٩

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
(٨٤٦) حدیث
وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُوا وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ .
اتفاقاً إلا رواية عن مالك، فلو أراد البقاء على إحرامه أثم، ويجب عليه
التحلّل فوراً، كما نقله ابن الرفعة عن النص، ومتى خالف، وبقي محرماً إلى
قابل، فحج بذلك الإحرام لم يجزئه كما حكاه ابن المنذر عن الشافعي،
انتهى. وفي ((شرح اللباب)): ولو أن الفائت لم يتحلّل بأفعال العمرة وبقي
محرماً إلى قابل، فحجّ بذلك الإحرام لم يصح حجّه، انتهى.
(وارجعوا) إلى الأوطان، والأمر ليس على جهة الإلزام والوجوب، وإنما
هو على جهة إباحة الرجوع، أو على ما علم من حالهم أنه لا يمكنهم إلا
الرجوع إلى أهاليهم، وأنهم لو أمروا بغير ذلك لَشَقّ عليهم، وأيّاً ما كان
فالرجوع وغيره سواء في الأمر.
(فإذا كان عامٌ قابلٌ فحجوا) قضاءً لما فات (وأهدوا) على الإيجاب أو
الندب (فمن لم يجد) الهدي (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع) وتقدم
تفسير ذلك في آخر التمتع.
قال الباجي(١): وهذا حكم كل من وجب عليه هدي، يلزمه إخراجه،
فلم يجده، أما هدي الجزاء وفدية الأذى فليس بلازم، بل هو مخيَّرٌ بينه وبين
غيره، وقال الدردير(٢): لما كان دماء الحج ثلاثة، بعضها على التخيير، وهو
الفدية وجزاء الصيد، وبعضها على الترتيب أشار به بقوله: ((وغير الفدية وجزاء
الصيد مرتب))، مرتبتين لا ينتقل عن أولاهما إلا بعد عجزه عنها، لا ثالث لهما
((هدي) وهو المرتبة الأولى، ((ثم صيام ثلاثة أيام)) في الحجّ، وهو المرتبة
الثانية ((وسبعة إذا رجع من منى)) سواء أقام بمكة أم لا، انتهى مختصراً.
(١) ((المنتقى)) (٩/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٨٤).
٦١٠
---------------- -

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
(٨٤٦) حدیث
قال الموفق(١): ويعتبر اليسار والإعسار في زمن الوجوب، وهو في سنة
القضاء، إن قلنا بوجوبه، أو في سنة الفوات إن قلنا لا يجب القضاء، انتهى.
وقال أيضاً: الهدي الواجب بغير النذر ينقسم قسمين؛ منصوص عليه، ومقيس
على المنصوص، وذكر في القسم الثاني هدي الفوات، فقال: ما ليس
بمنصوص يقاس على أشبه المنصوص عليه به، فهدي المتعة وجب للترفه بترك
أحد السفرين، وقضائه النسكين في سفر واحد، ويقاس عليه دم الفوات،
فيجب عليه مثل دم المتعة، وبدله مثل بدله، وهو صيام عشرة أيام إلاّ أنه لا
يمكن أن يكون ثلاثة قبل يوم النحر؛ لأن الفوات إنما يكون بفوات ليلة النحر؛
لأنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك لأحد السفرين، انتهى.
وفي جميع فروع الشافعية أن حكمه حكم دم التمتع إلا في صفة واحدة،
وهي أن وجوبه يكون في سنة القضاء وهي السنة الآتية، وتقدم قريباً أن المعتبر
وقت الإحرام بالقضاء لا فعل الإحرام، وفي (شرح المنهاج)): يذبحه في أحد
وقتي جوازه ووجوبه لا قبلهما، فالأول يدخل بدخول وقت الإحرام بالقضاء
من قابل، والثاني يدخل في الدخول في حجة القضاء، ولا يجوز تقديم صوم
الثلاثة على الإحرام بالقضاء، انتهى. وقال أيضاً: في أثر عمر - رضي الله عنه
- المذكور ثلاثة أيام في الحجّ، أي بعد الإحرام بالقضاء، انتهى. وبه صرّح في
((شرح المناسك)): ويذبح في الحرم، فالعاجز عن الذبح فيه ولو لغيبة ماله،
يصوم ثلاثة أيام بعد إحرام، وسبعة إذا رجع إلى أهله، كذا في (فتح المعين)).
فلو فاتته الثلاثة في الحج بعذر أو غيره لزمه قضاؤها، ويفرق في قضائها
بينها وبين السبعة بقدر أربعة أيام: يوم النحر وأيام التشريق، ومدة إمكان السير
إلى أهله على العادة الغالبة، كما في الأداء، فلو صام عشرة ولاءً حصلت
(١) ((المغني)) (٤٤٧/٥).
٦١١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
(٨٤٦) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ أَنْ
يَحُجَّ قَابِلاً، وَيَقْرِنُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ،
الثلاثة، ولا يعتدّ بالبقية لعدم التفريق، كذا في ((شرح الإقناع))(١).
وفي ((شرح المنهاج)): ولو فاتته الثلاثة في الحج، فالأظهر أنه يلزمه أن
يفرق في قضائها، بينها وبين السبعة بقدر ما كان يفرق به في الأداء؛ لأن
الأصل في القضاء أن يحكي الأداء، ولم يلزمه التفريق في قضاء الصلوات؛
لأن تفريقها لمجرد الوقت، وقد فات، وهذا يتعلق بفعل، وهو الحج والرجوع
ولم يفوتا، انتهى. وقد عرفت أن لا هدي للفوات عند الحنفية فضلاً عن بدله.
(قال مالك: ومن قرن الحج والعمرة) أي أحرم أولاً بالقران (ثم فاته
الحج فعليه أن يحجّ قابلاً) أي في السنة الآتية في القضاء (ويقرن) بضم الراء
من نصر، وفي لغة بكسرها من ضرب (بين الحجّ والعمرة) يعني يقضي الحج
الذي فاته على صفته، قال الباجي: وهذا كما قال: إن من قرن الحج والعمرة
ففاته، فعليه أن يحج قابلاً قضاء على صفته من القران، ولا تسقط عنه العمرة
في القضاء بالعمرة التي تحلل بها؛ لأن تلك ليست بالعمرة التي قرنها مع
حجه، انتهى.
قال ابن رشد(٢): اختلفوا فيمن فاته الحج وكان قارناً، هل يقضي حجاً
مفرداً أو مقروناً بعمرة؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه يقضي قارناً؛ لأنه إنما
يقضي مثل الذي عليه، وقال أبو حنيفة: ليس عليه إلا الإفراد؛ لأنه قد طاف
لعمرته، فليس يقضي إلا ما فاته، انتهى.
قلت: وبقولهما قالت الحنابلة أيضاً، كما سيأتي النص بذلك عن الإمام
أحمد في عبارة ((المغني)).
(١) (١/ ٥٢١).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ٣٧٢).
٦١٢

٢٠ - كتاب الحج
(٤٩) باب
(٨٤٦) حدیث
وَيُهْدِي هَدْيَيْنِ: هَدْياً لِقِرَانِهِ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، وَهَدْياً لِمَا فَاتَّهُ مِنَ
الْحَجِّ.
(ويهدي) في حجة القضاء (هديين، هدياً لقرانه الحج مع العمرة) في سنة
القضاء (وهدياً) ثانياً (لما فاته من الحج) في العام الماضي.
قال الباجي(١): يريد أنه يهدي في حجة القضاء هديين، هدياً للقران في
ذلك العام، وهدياً للفوات في العام الخالي، ولم يذكر حكمه في هدي القران
عن الماضي الذي فات فيه الحجّ والعمرة، أيلزمه أو يسقط عنه بالفوات؟ وفي
(كتاب ابن المواز)) من رواية أبي زيد عن أبي القاسم ما يدلّ على أن دم القران
يسقط بالفوات والتحلّل بالعمرة. ومن رواية ابن القاسم عن مالك: أنه لا
يسقط، وجه القول الأول، أنه يتحلّل بعمرة، فلم يلزمه دم القران، كالذي
أحرم بعمرة مفردة، وجه الرواية الثانية، أنه أحرم قارناً، فلزمه حكم القران في
الدم، كما لو أتمّ قرانه، انتهى.
قلت: وبالأول جزم الدردير(٢)؛ إذ قال: لا يجب دم قران أو متعة
للفائت؛ لأنه آل أمره إلى عمرة، ولم يتم القران أو التمتّع، انتهى.
وقال الموفق(٣): إذا فات القارن الحج حلَّ، وعليه مثلُ ما أهلَّ به من
قابلٍ، نصَّ عليه أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور وإسحاق، ويحتمل
أن يجزئه ما فعل عن عمرة الإسلام، ولا يلزمه إلا قضاء الحج؛ لأنه لم يفته
غيره، وقال أصحاب الرأي والثوري: يطوف ويسعى لعمرته، ثم لا يحل حتى
يطوف ويسعى لحجه، إلا أن سفيان قال: ويهريق دماً، ووجه الأول، أن يجب
القضاء على حسب الأداء في صورته ومعناه، فيجب أن يكون لههنا كذلك،
(١) ((المنتقى)) (٩/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٩٧).
(٣) («المغني)) (٤٢٨/٥).
٦١٣

٢٠ - كتاب الحج
(٥٠) باب
(٥٠) باب من أصاب أهله قبل أن يفيض
ويلزمه هديان لقرانه وفواته، وبه قال مالك والشافعي، وقيل: يلزمه هدي ثالث
للقضاء وليس بشيء، فإن القضاء لا يجب له هدي، وإنما يجب الهدي الذي
في سنة القضاء للفوات، وكذلك لم يأمره الصحابة بأكثر من هدي واحد،
انتھی .
وفي ((شرح المنهاج)): رأيت ((المجموع)) قال عن الأصحاب: على القارن
القضاء قارناً، ويلزمه ثلاثة دماء: دم الفوات، ودم القران الفائت، ودم ثالث
للقران المأتيّ به في القضاء، ولا يسقط هذا عنه بالإفراد في القضاء؛ لأنه
توجَّهَ عليه القرانُ ودمه، فلا يسقط بتبرّعه بالإفراد، انتهى. وهكذا في ((روضة
المحتاجين)) إذ قال: لزمه ثلاثة دماء، دم للفوات، ودم للقران، ودم له أيضاً
في القضاء، وإن أفرد لالتزام القران بالفوات، وهو متبرّع بالإفراد، انتهى.
وفي ((شرح اللباب))(١): إن كان الفائت قارناً، فإنه إن كان قد طاف
لعمرته قبل الفوات، فهو كالمفرد؛ لأنه بأداء ركنها خرج من عهدتها، وإن لم
يطف لها قبل الفوات، فإنه يطوف أولاً لعمرته ويسعى لها، ثم يطوف طوافاً
آخر لفوات الحج، ويسعى له ويحلق، وقد سقط عنه دم القران؛ لأنه دم شكر
مرتّب على توفيق الجمع بين العبادتين، انتهى.
(٥٠) هدي من أصاب أهله قبل أن يفيض
يعني إذا جامع أهله قبل طواف الإفاضة، فما يكون حكمه؟ وما يجب
٠٠
عليه من الهدي؟ وفصل المصنف بين هذا الباب وبين هدي المحرم، إذا أصاب
أهله بباب الفوات؛ لأن الفوات كان أشبه بالباب السابق باعتبار أن في كل
منهما كان الحج معدوماً، إما بالفساد أو بالفوات، وفي هذا الباب تمّ حجه،
ووجب الهدي لنوع من الفساد.
(١) ص(٢٤٥).
٦١٤
-------
-----

٢٠ - كتاب الحج
(٥٠) باب
(٨٤٧) حدیث
١٥٥/٨٤٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ
الْمَكِّيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ سُئِلَ
عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ وَهُوَ بِمِنَّىَ، قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ
بَدَنَةً .
١٥٥/٨٤٧ - (مالك، عن أبي الزبير المكيّ) محمد بن مسلم (عن عطاء بن
أبي رباح) براء مهملة وموحدة خفيفة مفتوحتين (عن عبد الله بن عباس أنه سئل)
ببناء المجهول (عن رجل وقع) أي جامع (بأهله وهو بمنى، قبل أن يفيض) أي
قبل أن يطوف طواف الإفاضة، سواء رمى الجمرة أم لا عند الحنفية، وهو مقيد
عند الشافعي وأحمد بما بعد التحلّل الأول؛ لأن الجماع قبل التحلّل الأول
مفسد عندهما، فإن المناط عندهما التحلّل، وعند الحنفية الوقوف.
قال الباجي(١): ويقتضي على مذهب مالك أن يكون بعد الرمي بجمرة
العقبة، أو بعد يوم النحر وقبل الإفاضة، أما إن أصابها قبل يوم النحر، فقد
تقدم أن المشهور من مذهب مالك أن حجه يفسد، انتهى.
قلت: وذلك لأن الحجّ لا يفسد عند مالك في ثلاث صور، تقدّمت في
كلام الدردير، وهي وقوع الجماع قبل الرمي، وقبل الإفاضة، أو وقوعه بعد
أحدهما في يوم النحر.
(فأمره) أي بصحة الحج (أن ينحر بدنة) وبه قالت الحنفية، كما تقدم،
خلافاً للشافعية والحنابلة، كما تقدم في أوّل الباب الثالث(٢)، فإن الواجب
عندهم إذ ذاك شاة، انتهى. قال الباجي: البدنة أرفع الهدي؛ لأن الهدي قد
يكون بقرة ويكون شاة، وأرفع ذلك البدنة، وخصّه لههنا بالبدنة لعظم ما أتى
به، انتهى .
(١) ((المنتقى)) (٩/٣).
(٢) انظر («المغني)) (٤٤٩/٥)، و((الأم)) (٢٤٤/٧).
٦١٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٠) باب
(٨٤٨) حديث
١٥٦/٨٤٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ،
عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛
١٥٦/٨٤٨ - (مالك عن ثور) بمثلثة (ابن زيد الديلي) هكذا في جميع
النسخ المصرية والهندية، وهو بكسر الدال المهملة نسبة إلى بني الديل بن
بكر، فما في نسخة ((المنتقى)) بلفظ الديلمي ليس بصحيح (عن عكرمة مولى ابن
عباس) هو عكرمة البربري، أبو عبد الله المدني، أصله من البربر من المغرب،
كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن عباس لما ولي البصرة لعلي،
قال الحافظ في ((التقريب))(١)، ورقم عليه للستة: ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم
يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، مات سنة ١٠٧ هـ، وقيل بعد
ذلك، انتهى.
قلت: وبسط أهل الرجال في ترجمته لكثرة جارحيه وموثقيه، ففي
((الميزان))(٢): تكلّم فيه لرأيه لا لحفظه، فاتّهم برأي الخوارج، وقد وثّقه
جماعة، واعتمده البخاري، وإنما تجنّبه، روى له قليلاً مقروناً لغيره، وأعرض
عنه مالك وتحايده إلاّ في حديث أو حديثين، وقيل لأيوب: أكان عكرمة يُتَّهم؟
فسكت ساعة، ثم قال: أما أنا فلم أكن أتّهمه، وعن وهيب قال: شهدتُ
يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب فذكرا عكرمة، فقال يحيى: كذّاب، وقال
أيوب: ليس بكذّاب، ويروى عن ابن المسيّب: أنه كذب عكرمة، وعن ابن
سيرين وقد سئل عنه، فقال: ما يسوءني أن يكون من أهل الجنّة، ولكنه
كذَّاب، وعن مطرف بن عبد الله: سمعتُ مالكاً يكره أن يذكر عكرمة، ولا يرى
أن يروى عنه، قال أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكاً حدّث بشيء لعكرمة،
إلاّ في الرجل يطأ امرأته قبل الزيارة، وقال ابن المديني: كان يرى رأي نجدة
الحروري، وقال مصعب الزبيري: كان يرى رأي الخوارج.
(١) (٣٠/٢).
(٢) ((ميزان الاعتدال)) (٩٣/٣).
٦١٦
---

٢٠ - كتاب الحج
(٥٠) باب
(٨٤٨) حديث
وفي ((التهذيب))(١): عن يحيى بن معين: إنما لم يذكر مالك بن أنس
عكرمة؛ لأنه كان ينتحلُ رأيَ الصفرية، وعن معن بن عيسى وغيره: كان مالك
لا يراه ثقة، ويأمر أن لا يؤخذ عنه، وعن ابن معين قال: كان مالك يكرهه،
فقيل له: فقد روى عن رجل عنه، قال: نعم شيئاً يسيراً، وعن مطرف: كان
مالك يكره أن يذكر عكرمة، فيحلف أن لا يحدّثنا، فما يكون بأطمع منه في
ذلك إذا حلف، فقال له رجل في ذلك، فقال: تحديثي لكم كفارته، وقيل
لأحمد: عكرمة كان أباضياً؟ فقال: يقال إنه كان صفرياً، وعن يحيى البكّار
سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول لنافع: اتّقِ الله ويحك يا نافع! ولا
تكذب عليّ كما كذب عكرمةُ على ابن عباس، وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه
عن سعيد بن المسيب: أنه كان يقول لغلامه بُرْد: يا بُرْد! لا تكذب عليّ كما
كذب عكرمة على ابن عباس، وقال إسحاق بن عيسى: سألت مالكاً أبلغك أن
ابن عمر قاله لنافع؟ قال: لا، ولكن بلغني أن ابن المسيب قاله لبرد مولاه.
وفي ((الميزان))(٢): يروى ذلك عن ابن عمر أنه قال لنافع، ولم يصح.
قال الفرزدق بن جواس: كنّا مع شهر بن حوشب بجرجان، فقدم علينا
عكرمة، فقلنا لشهر: ألا نأتيه؟ فقال: ائتوه فإنه لم يكن أمة إلا كان لها حبر، وإن
مولى ابن عباس حبر هذه الأمة، وعن عثمان بن حكيم: كنت جالساً مع أبي
أمامة بن سهل إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة أذكرك الله، هل سمعت ابن عباس
يقول: ما حدّثكم عكرمة عني فصدّقوه، فإنه لم يكذب عليّ؟ فقال أبو أمامة: نعم.
وعن عمرو بن دينار: دفع إلي جابر بن زيد مسائلَ أسأل عنها عكرمة، وجعل يقول:
هذا عكرمة، هذا البحر فَسَلوه، وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحداً أعلم منك؟
قال: نعم، عكرمة. وعن الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة .
(١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٣/٧ - ٢٧٣).
(٢) ((ميزان الاعتدال)) (٩٦/٣).
٦١٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٠) باب
(٨٤٨) حديث
وعن قتادة كان أعلم التابعين أربعة، فعدَّ منهم عكرمة، وعنه قال:
أعلمهم بالتفسير عكرمة، فأقعدوه فجعلوا يسألونه عن حديث ابن عباس، وعن
أيوب: لو قلت: إن الحسن ترك كثيراً من التفسير حين دخل علينا عكرمة
البصرة حتى خرج منها لصدقت، وعن الثوري يقول: خذوا التفسير عن أربعة
فذكره فيهم، وقال يحيى بن أيوب: سألني ابن جريج هل كتبتم عن عكرمة؟
قلنا: لا، قال: فاتكم ثلثا العلم، وعن أيّوب قال عكرمة: أرأيت هؤلاء الذين
يكذّبوني من خلفي. أفلا يكذبوني في وجهي، فإذا كذّبوني في وجهي فقد والله
كذّبوني، وقال أحمد بن زهير: عكرمة أثبت الناس فيما يروي.
وقال أبو طالب عن أحمد: قال خالد الحذّاء: كل ما قال ابن سيرين
نُبّئت عن ابن عباس، فقد سمعه عن عكرمة، قلت: ما كان يسمّيه؟ قال: لا
محمد ولا مالك لا يسمّونه في الحديث إلاّ أن مالكاً سمّاه في حديث واحد،
قلت: ما كان شأنه؟ قال: كان من أعلم الناس، لكن كان يرى رأي الخوارج
رأي الصفرية، وقيل لأحمد: يحتجّ بحديث عكرمة؟ قال: نعم، يحتجّ به،
وقيل لابن معين: عكرمة أحبّ إليك عن ابن عباس أو عبيد الله؟ فقال:
كلاهما، ولم يخيّر، فقيل: عكرمة أو سعيد بن جبير؟ قال: ثقة وثقة ولم
يخيّر، وعن ابن معين: إذا رأيت إنساناً يقع في عكرمة وفي حماد بن سلمة
فاتّهمه على الإسلام، وعن ابن المديني: لم يكن في موالي ابن عباس أغزر
من عكرمة، كان عكرمة من أهل العلم، وقال العجلي: مكي ثقة بريء مما
يرميه الناس برأي الخوارج، وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو
يحتجّ بعكرمة، وقال النسائي: ثقة.
وعن أبي حاتم: ثقة يحتجّ به إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه
يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك، فلسبب رأيه، قيل: فموالي ابن عباس؟
قال: عكرمة أعلاهم لم يمتنع الأئمّة من الرواية عنه، وأصحاب الصحاح
٦١٨

٢٠ - كتاب الحج
(٥٠) باب
(٨٤٨) حدیث
قَالَ: لَا أَظُنُّهُ إِلَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛
أدخلوا أحاديثه في صحاحهم، وقال الحاكم: احتجّ بحديثه الأئمّة القدماء،
ولكن بعض المتأخرين أخرج حديثه من حيّز الصحاح، وذكره ابن حبان في
(الثقات))، وقال: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن، وقال ابن منده في
((صحيحه)): عذَّله أمةٌ من نبلاء التابعين فمن بعده، وحدّثوا عنه. واحتجّوا
بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام، روى عنه زهاء ثلاثمائة رجل من
البلدان، منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم.
وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير أحد (١) من التابعين على أن من جرحه
من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه ولم يستغنوا عن حديثه، وكان يتلقّى حديثه
بالقبول، ويحتجّ به قرناً بعد قرن، وإماماً بعد إمام إلى وقت الأئمّة الأربعة
الذين أخرجوا الصحيح، وميّزوا ثابته من سقيمه، وأخرجوا روايته، وهم
البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، فأجمعوا على إخراج حديثه، واحتجّوا به
على أن مسلماً كان أسوأهم رأياً فيه، وقد أخرج عنه مقروناً وعدّله بعدما
جرحه، وقال محمد بن نصر المروزي: قد أجمع عامة أهل العلم بالحديث
على الاحتجاج بحديثه، واتّفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل
عصرنا، انتهى مختصراً.
وبوّب له ابن عبد البرّ في ((التمهيد))(٢) ترجمة مستقلة، فقال ((باب ثناء
الأئمّة من التابعين وغيرهم على عكرمة))، ثم بسط الآثار فيها، وقال: نزل
المغرب، ومكث بالقيروان برهةً من الزمان، ومن الناس من يقول: مات بها،
والصحيح أنه مات بالمدينة، انتهى.
(قال: لا أظنّه إلا عن عبد الله بن عباس) هكذا في جميع النسخ الهندية
(١) هكذا في ((التهذيب))، والظاهر حذفه.
(٢) (٢٧/٢).
٦١٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٠) باب
(٨٤٨) حدیث
أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ، يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي.
وأكثر المصرية، وليس في كثير من المصرية هذا الكلام، بل جعل الأثر الآتي
من كلام عكرمة، ولفظه: عن الثور بن زيد الديلي عن عكرمة مولى ابن عباس
أنه قال: الذي يصيب ... إلخ، والظاهر السقوط من الناسخين مع اتفاق عدة
النسخ على السقوط .
وأمّا معنى هذا الكلام، فقد قال الزرقاني(١): قال ثور: لا أظنه، أي
عكرمة، إلا عن ابن عباس، انتهى. ويحتمل عندي قال عكرمة: لا أظن
الحديث إلا عن ابن عباس (أنه) أي ابن عباس (قال الذي يصيب أهله قبل أن
يفيض)، قال الباجي(٢): يحتمل ما قلناه قبل هذا أن يكون قبل الرمي أو بعده
على التفسير الذي تقدم ذكره، انتهى.
قلت: وتقدمت أيضاً مسالك الأئمّة في ذلك.
(يعتمر ويهدي)، قال الباجي: هو قول مالك - رحمه الله -، وهو
المشهور عن ابن عباس، وذلك أنه لما أدخل النقص على طوافه للإفاضة بما
أصابه من الوطء، كان عليه أن يقضيه بطواف سالم إحرامه من ذلك النقص،
ولا يصلح أن يكون الطواف في إحرام إلاّ في حج أو عمرة، انتهى.
قلت: وتقدّمت المذاهب في هذه العمرة في الباب الثالث، وما قال
الباجي هو المشهور عن ابن عباس ليس بصحيح، بل المشهور عنه أنه لا عمرة
عليه، حكاه عنه غير واحد منهم الموفق؛ إذ قال: يفسد الإحرام بالوطء بعد
الرمي، ويلزمه أن يحرم من الحل، وبذلك قال عكرمة وربيعة وإسحاق، وقال
ابن عباس وعطاء والشعبي والشافعي: حجه صحيح ولا يلزمه الإحرام،
انتھی .
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٢/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٩/٣).
٦٢٠