Indexed OCR Text

Pages 561-580

٢٠ - كتاب الحج
(٤٧) باب
(٨٤٢) حدیث
بلفظٍ ولا نيّةٍ، ومثله النذر المعيّن الذي لم يجعل لهم إن عطب قبل محله، فلا
يأكل منه، وأما إن وصل لمحله سالماً، فإنه يأكل منه، انتهى.
وبوّب البخاري في صحيحه ((باب ما يؤكل من البدن وما يتصدّق))،
وأخرج فيه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - تعليقاً لا يؤكل من جزاء الصيد
والنذر، ويؤكل من سوى ذلك، قال الحافظ(١): وهذا القول إحدى الروايتين
عن أحمد، وهو قول مالك وزاد: إلا فدية الأذى، والرواية الأخرى عن
أحمد: لا يؤكل إلا من هدي التطوّع والتمتع والقران، وهو قول الحنفية بناءً
على أصلهم، أن دم التمتع، والقران دم نُسك، لا دم جبران، وزعم ابن القصّار
المالكي أن الشافعي - رحمه الله - تفرّد بمنع الأكل من دم التمتّع، انتهى.
وقريب منه ما قال العيني (٢)، وزاد: ذكر ابن الموّاز عن مالك أنه يأكل
من الهدي النذر إلاّ أن يكون نذره للمساكين، وكذلك ما أخرجه بمعنى الصدقة
لا يأكل منه، وكان الأوزاعي يكره أن يأكل من جزاء الصيد أو فدية أو كفارة،
ويأكل النذور وهدي التمتع والتطوّع، انتهى.
وقال الخرقي: لا يأكل من كل واجب إلاّ من هدي التمتع.
قال الموفق(٣): المذهب أنه يأكل من هدي التمتع والقران دون ما
سواهما. نصّ عليه أحمد، ولعلّ الخرقي ترك ذكر القران، لأنه متعة، أو اكتفى
بذكر المتعة لأنهما سواء في المعنى، فإن سببهما غير محظور، فأشبها هدي
التطوّع، وعن أحمد أنه لا يأكل من المنذور وجزاء الصيد، ويأكل مما
سواهما، وهو قول ابن عمر، وعطاء، والحسن، وإسحاق؛ لأن جزاء الصيد
(١) ((فتح الباري)) (٥٥٨/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٣٠/٧).
(٣) ((المغني)) (٤٤٤/٥).
٥٦١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٧) باب
(٨٤٢) حديث
بدل، والنذر جعله الله عزّ وجلّ بخلاف غيرهما، وقال ابنُ أبي موسى: لا يأكل
أيضاً من الكفارة، ويأكل مما سوى هذه الثلاثة، ونحوه مذهب مالك، وقال
الشافعي: لا يأكل من واجب، لأنه هدي وجب بالإحرام فلم يجز الأكل منه
كدم الكفارة .
ولنا، أن أزواج النبي ◌َّ تمتّعن معه في حجة الوداع، وأدخلت عائشة
الحجّ على العمرة، فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن النبيّ ◌َّ البقرة، فأكلن من
لحومها، قال أحمد: قد أكل من البقر أزواج النبيّ وَّر في حديث عائشة
خاصة، وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((وتمتّع رسول الله وَلل بالعمرة إلى
الحج، فساق الهدي من ذي الحليفة)) متفق عليه (١)، وقد ثبت أن النبيّ
((أمر من كل بدنة ببضعةٍ، فجعلت في القِدْر، فأكل هو وعليّ من لحمها، وشربا
من مرقها))، رواه مسلم(٢)؛ لأنهما دماء نسك فأشبها التطوّع، ولا يؤكل من
غيرهما لأنه يجب بفعل محظور فأشبه جزاء الصيد.
وأمّا هدي التطوّع، فيستحب أن يأكل منها؛ لقول الله عزّ اسمه: ﴿فَكُلُواْ
مِنْهَا﴾، وأقلّ أحوال الأمر الاستحباب؛ ولأن النبيّ ◌َّ أكل من بدنه، وقال
جابر: كنّا لا نأكل من بدننا فوق ثلاثٍ، فرخّص لنا النبيّ ◌َ﴿ فقال: ((كلوا
وتزوّدوا، فأكلنا وتزوّدنا))، رواه البخاري(٣) وإن لم يأكل فلا بأس، فإن النبيّ وَل
لما نحر البدنات الخمس قال: ((من شاء اقتطع ولم يأكل منهنّ شيئاً))، انتهى.
وتحصّل مما سلف أن المذهب عند الحنابلة أن لا تؤكل من الهدايا إلا
دم التمتع والقران والتطوّع، وبه قالت الحنفية كما سيأتي، ومشهور مذهب
(١) أخرجه البخاري (١٦٩١) ومسلم (١٢٢٧) وأبو داود (١٨٠٥) والنسائي (٢٧٣١).
(٢) (١٢١٨).
(٣) (١٧١٩).
٥٦٢
----- -

٢٠ - كتاب الحج
....
(٤٧) باب
(٨٤٢) حديث
٠
الإمام مالك أن لا يأكل من ثلاثة، وبه جزم الباجي(١)، إذ قال: والذي ذهب
إليه مالك أنه يؤكل من كل هدي بلغ محله إلا ثلاثة، جزاء الصيد، وفدية
الأذى، وما نذر للمساكين، هذا هو المشهور من المذهب، انتهى.
وتوضيح قولهم: ما نذر للمساكين أن النذر عندهم على ما في الدسوقي
أربعة أنواع، إمّا أن يسميه للفقراء باللفظ أو النيّة أو لا يسمّيه لهم، وفي كلِّ
إمّا أن يكون الهدي معيّناً، أو لا، فإن سماه لهم باللفظ أو النية وكان معيناً،
فلا يأكل منه مطلقاً، لا قبل المحل ولا بعده إلى آخر ما تقدم من كلامه قريباً .
وأمّا عند الشافعية فلا يجوز أكل شيء من الدماء الواجبة حتى دم التمتّع
والقِرَان، ويجوز الأكل من التطوّع مع وجوب التصدّق ببعض لحمه، صرّح
بذلك في عامّة فروعهم، قال النووي في ((مناسكه)): إن كانت واجبة وجب
التصدّق بجلدها وغيره من أجزائها، وإن كانت تطوّعاً جاز الانتفاع بجلدها
وادّخار شحمها أو بعض لحمها للأكل والهدية.
قال ابن حجر في ((شرحه)): إنما عبّر به لأنه يجب التصدّق في المتطوّع
بها بجزء ينطلق عليه الاسم من لحمها، ويجب كونه غير تافهٍ عرفاً ونياً
وصدقة، وعلى مسلم فلا يكفي نحو قديد، ولا غير لحم من نحو كرش وكبد
ولا إعطاء ذمّي، انتهى.
وأمّا عند الحنفية ففي ((الهداية)): يجوز الأكل من هدي التطوّع والمتعة
والقران؛ لأنه دم لنسك فيجوز الأكل منها بمنزلة الأضحية، وقد صحّ أن
النبيّ ◌َّ أكل من لحم هديه، وحَسَا من المرقة، ويستحبّ له أن يأكل منها لما
روينا. وكذلك يستحبّ أن يتصدّق على الوجه الذي عرف في الضحايا. ولا
يجوز الأكل من بقية الهدايا، لأنها دماء كفارات، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٣١٧/٢).
٥٦٣

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
(٤٨) باب هدي المحرم إذا أصاب أهله
وبسطه في ((شرح اللباب))(١)؛ إذ قال: الهدي على نوعين: هدي شكر،
وهو هدي المتعة والقران والتطوّع، وهدي جبر: وهو سائر الدماء الواجبة ما
عدا الثلاثة، وكل دم وجب شكراً فلصاحبه أن يأكل منه ما شاء ولا يتقيّد
ببعض منه ويؤكل الأغنياء والفقراء، ولا يجب التصدّق لا بكلّه ولا ببعضه، بل
يستحب أن يتصدّق بثلثه، ويُطعم ثلثه ويُهدي للأغنياء ثُلثه، وكل دم وجب جبراً
لا يجوز له الأكل منه، ولو كان فقيراً ولا للأغنياء، ويجب التصدّق بجميعه
حتى لو استهلكه بعد الذبح كلّه أو بعضه لزم قيمته للفقراء، فيتصدّق بها
علیھم، انتهى.
(٤٨) هدي المحرم إذا أصاب أهله
أي جامع أهله، قال ابن رشد(٢): اتّفقوا على أن من وطئ قبل الوقوف
بعرفة فقد أفسد حجّه، وكذلك من وطئ من المعتمرين قبل أن يطوف ويسعى،
واختلفوا في فساد الحجّ بالوطء بعد الوقوف بعرفة وقبل رمي جمرة العقبة وبعد
رمي الجمرة قبل طواف الإفاضة الذي هو الواجب، انتهى.
قال الموفق(٣): أمّا فساد الحج بالجماع بالفرج فليس فيه اختلاف، قال
ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحجّ لا يفسد بإتيان شيء في حال
الإحرام إلا الجماع، والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر - رضي الله
عنهما - أن رجلاً سأله فقال: إنّي وقعت بامرأتي ونحن محرمان، فقال:
أفسدتَ حجّك، انطلق أنت وأهلك مع الناس، فاقضوا ما يقضون، وحِلَّ إذا
حلّوا، فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك، وأهديا هدياً، فإن لم
(١) (ص٢٦٩).
(٢) (بداية المجتهد)) (١/ ٣٧٠).
(٣) ((المغني)) (١٦٦/٥).
٥٦٤

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
تجدا، فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، وكذلك قال ابن عباس
وعبد الله بن عمرو، ولم نعلم لهم في عصرهم مخالفاً. روى حديثهم الأثرم في
(سننه))(١) .
وفي حديث ابن عباس: ((ويتفرّقان من حيث يُحرمان، حتى يقضيا
حجّهما))، قال ابن المنذر: قول ابن عباس أعلى شيء روي فيمن وطئ في
حجّه، وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، وبه قال ابن المسيب، وعطاء،
والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا
فرق بين ما قبل الوقوف وبعده، وقال أبو حنيفة: إن جامع قبل الوقوف، فسد
حجّه، وإن جامع بعده، لم يفسد؛ لقول النبيّ وَّر: ((الحج عرفة))(٢).
ولنا أن قول الصحابة الذين روينا قولهم مطلق، وإذا ثبت هذا فإنه يجب
على المجامع بدنة، روي ذلك عن ابن عباس، وعطاء، وطاووس، ومجاهد،
ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وقال الثوري وإسحاق: عليه بدنة، فإن لم يجد
فشاة، وقال أصحاب الرأي: إن جامع قبل الوقوف فسد حجّه، وعليه شاة،
وإن جامع بعد الوقوف فعليه بدنة، وحجّه صحيح.
وقال الخرقي في موضع آخر: من وطئ قبل رمي جمرة العقبة، فقد فسد
حجّهما، وعليه بدنة، إن كان استكرهها، ولا دم عليها، قال الموفق: في
المسألة ثلاثة فصول :
الأول: أن الوطء قبل جمرة العقبة يفسد الحجّ، ولا فرق بين قبل الوقوف
وبعده، وقد ذكرنا. وقال أحمد: لا أعلم أحداً قال: إن حجّه تام غير أبي
(١) وروى حديثهم البيهقي، في باب ما يفسد الحج، من كتاب الحج ((السنن الكبرى)) (٥/
١٦٧) .
(٢) أخرجه أبو داود (١٩٤٩) والترمذي (٨٨٩ و٨٩٠) والنسائي (٣٠١٦) بلفظ مختلف،
وابن ماجه (٣٠٤٤).
٥٦٥

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
حنيفة، يقول: الحجّ عرفات، فمن وقف بها، فقد تمّ حجّه، إذا ثبت هذا فإنه
يفسد حجّهما جميعاً؛ لأن الجماع وجد منهما، وسواء في ذلك الناسي،
والعامد، والمستكرهة والمطاوعة، والمستيقظة، والنائمة، عالماً كان الرجل أو
جاهلاً، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يفسد حجّ الناسي؛ لأنه معذور،
ولنا، أنه معنى يوجب القضاء، فاستوت فيه الأحوال كلّها كالفوات.
الثاني: أنه يلزمه بدنة، وقد ذكرنا.
الثالث: لا دم عليه في حال الإكراه، وهو قول عطاء ومالك والشافعي
وإسحاق وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي: عليها دم آخر، لأنه قد فسد حجّها
فوجبت البدنة كما لو طاوعت.
قلت: وما قال الموفق لا أعلم أحداً قال: إن حجّه تام غير أبي حنيفة،
ليس بوجيه، فإنه رواية عن الإمام مالك أيضاً، كما سيأتي في كلام الباجي،
قال الخرقي: وإن وطئ بعد رمي جمرة العقبة فعليه دم، ويمضي إلى التنعيم،
فيحرم ليطوف وهو محرم.
قال الموفق(١): في المسألة ثلاثة فصول: أحدها: أن الوطء بعد رمي
جمرة العقبة لا يفسد الحجّ، وهو قول ابن عباس وعكرمة وعطاء والشعبي
وربيعة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وقال النخعي والزهري
وحماد: عليه حجّ من قابل؛ لأن الحجّ صادف إحراماً من الحجّ فأفسده
كالوطء قبل الرمي .
ولنا: قول النبيّ ◌َل جر: ((من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع،
وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً ونهاراً، فقد تمّ حجّه وقضى تفثه))(٢)، ولأنه
(١) انظر ((المغني)) (٣٧٢/٥ - ٣٧٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١٩٥٠) والترمذي (٨٩١).
٥٦٦
---

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
قول ابن عباس، فإنه قال في رجل أصاب أهله قبل أن يُفيض يوم النحر:
ينحران جزوراً بينهما، وليس عليه الحجّ من قابل، ولا نعرف له مخالفاً في
الصحابة؛ ولأن الحج عبادة لها تَحَلُّلَانٍ، فوجود المفسد بعد تحلُّلِها الأول لا
يفسدها كبعد التسليمة الأولى في الصلاة، وبهذا فارق ما قبل التحلّل الأول.
الفصل الثاني: أن الواجب عليه بالوطء شاة، هذا ظاهر كلام الخِرَقي،
ونصّ عليه أحمد، وهو قول عكرمة وربيعة ومالك وإسحاق، وقال القاضي:
فيه رواية أخرى أن عليه بدنة، وهو قول ابن عباس وعطاء والشعبي
والشافعي(١) وأصحاب الرأي؛ لأنه وطئ في الحج، فوجبت عليه بدنة كما قبل
الرمي، ولنا أنه وطء لم يفسد فلم يوجب كالوطء دون الفرج إذا لم ينزل.
الفصل الثالث: أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد رمي الجمرة، ويلزمه أن
يحرم من الحل، وبذلك قال عكرمة وربيعة وإسحاق، وقال ابن عباس وعطاء
والشعبي والشافعي: حجّه صحيح لا يلزمه الإحرام، لأنه إحرام لا يفسد
جميعه، فلم يفسد بعضه، ولنا أنه وطء صادف إحراماً فأفسده كالإحرام التام
وإذا فسد إحرامه فعليه أن يحرم ليأتي بالطواف في إحرام صحيح؛ لأن الطواف
ركن، فيجب أن يأتي به في إحرام صحيح كالوقوف، ويلزمه الإحرام من
الحل، وإذا أحرم من الحل طاف للزيارة، وسعى إن كان لم يسع في حجّه،
وإن كان سعى طاف للزيارة وتحلَّلَ، هذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأن الذي بقي
عليه بقية أفعال الحجّ، وإنما وجب عليه الإحرام ليأتي بها في إحرام صحيح.
والمنصوص عن أحمد ومن وافقه من الأئمّة أنه يعتمر، فيحتمل أنهم
أرادوا هذا وسمّوه عمرة، لأن هذا هو أفعال العمرة، ويحتمل أنهم أرادوا
عمرة حقيقية. فيلزمه سعي وتقصير، والأول أصح، وقول الخرقي: يُحْرِم من
(١) لا يصح النقل عن الشافعي. اهـ. ((ش)).
٥٦٧

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
التنعيم، لم يذكره لتعيين الإحرام منه، بل لأنه حل، ولا فرق بين من حلق
ومن لم يحلق في أنه لا يفسد حجّه بالوطء بعد الرمي، وعليه دم، وإحرامٌ من
الحل، وهذا ظاهر كلام أحمد والخرقي، ومن سمّيناه من الأئمّة، لترتيبهم هذا
الحكم على الوطء بعد مجرد الرمي من غير اعتبار أمر زائد.
فإن طاف للزيارة، ولم يرم، ثم وطئ لم يفسد حجّه بحال؛ لأن الحجّ
قد تمّ (١) أركانه كلّها، ولا يلزمه إحرام من الحل، فإن الرمي ليس بركن، وهل
يلزمه دم؟ ويحتمل أنه لا يلزمه شيء لما ذكرنا، ويحتمل أنه يلزمه لأنه وطئ
قبل وجود ما يتمّ به التحلّل، فأشبه من وطئ بعد الرمي قبل الطواف.
والقارن كالمفرد، فإنه إذا وطئ بعد الرمي لم يفسد حجّه، ولا عمرته؛
لأن الحكم للحج، وقال أحمد: من وطئ بعد الطواف يوم النحر قبل أن يركع
ما عليه شيء، قال أبو طالب: سألت أحمد عن الرجل يُقَبِّلُ بعد الرمي قبل أن
يزور البيت؟ قال: ليس عليه شيء، قد قضى المناسك، فعلى هذا ليس عليه
فيما دون الوطء في الفرج شيء، انتهى.
وفي ((الروض المربع)) (٢): الثامن : - من محظورات الإحرام - الوطء،
فإن جامع المحرم بأن غيّب الحشفة في قبل أو دبر من آدمي أو غيره حَرُم، فإن
كان قبل التحلّل الأول فسد نسكهما، ولو بعد الوقوف، ويمضيان فيه،
ويقضيانه وجوباً ثاني عامه، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس من حيث أحرم
أولاً إن كان قبل الميقات وإلا فمنه، وسُنَّ تفرّقُهما في قضاء من موضع وطء
إلى أن يحلا، والوطء بعد التحلّل الأول لا يفسد النسك، وعليه شاة، ولا
فدية على مكرهة، ونفقة حجّة قضائها عليه؛ لأنه المفسد لنسكها .
(١) في نسخة ((تمّت)).
(٢) (٤٨١/١).
٥٦٨
-----

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
والتاسع: المباشرة دون الفرج، فإن فعل، فأنزل لم يفسد حجّه كما لو لم
ينزل، ولا يصح قياسها على الوطء وعليه بدنة، إن أنزل بمباشرة أو قبلة
أوتكرار نظر أو باستمناء قياساً على بدنة الوطء، وإن لم ينزل فشاةٌ، ويجب
بوطء في فرض في الحج قبل التحلّل الأول بدنة وبعده شاة، ويجب بوطء في
العمرة شاة، وإن طاوعته زوجته لزمها البدنة في الحجّ، والشاة في العمرة،
والمكرهة لا فدية عليها، ولا شيء على من فكر، فأنزل، انتهى.
وفي ((مناسك النووي)): يحرم على المحرم الوطء في القبل والدبر من كل
حيوان، والمباشرة في ما دون الفرج بشهوة كالمفاخذة والقبلة واللمس باليد
بشهوة، ولا يحرم اللمس والقبلة بغير شهوة، ويستمرّ التحريم في الجماع حتى
يتحّل التحلّلين، وكذا تحريم المباشرة على الأصح، وفي قول: يحلّل بالتحلل
الأول. وحيث حرمنا المباشرة فيما دون الفرج، فباشر عالماً عامداً لزمه الفدية
أي الشاة، ولا يفسد نسكه، وإن باشر ناسياً فلا شيء عليه بلا خلاف، سواء
أنزل أو لم ينزل، والاستمناء باليد يوجب الفدية، وإن كرّر النظر إلى امرأة،
فأنزل من غير مباشرة ولا استمناء فلا فدية عليه عندنا، ولا عند أبي حنيفة
ومالك.
وقال أحمد في رواية: تجب بدنة، وفي رواية شاة، أما الوطء في قبل
المرأة أو دبرها أو دُبر الرجل والبهيمة، فيفسد به الحج، إن كان قبل التحلّل
الأول، وإن كان بين التحللين لم يفسد الحج، وإن جامع في العمرة قبل
فراغها فسدت، وإذا فسد الحجّ أو العمرة وجب عليه المضي في فاسده،
ويجب قضاؤه، وتلزمه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، ويجب القضاء على الفور،
هذا إذا جامع عامداً عالماً بالتحريم، فإن كان ناسياً أو جاهلاً بالتحريم، أو
جومعت مكرهة لم يفسد الحجّ على الأصح، ولا فدية أيضاً على الأصح.
وقال أيضاً: لو جامع قبل التحلّل فسدت عمرته إلى آخر ما تقدم في
٥٦٩

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
محله من إفساد العمرة، وما حكي عن مالك - رضي الله عنه - أن الإنزال
بتكرار النظر لا يُوجب الفديةَ ليس بصحيح، بل هو مفسد عنده كما سيأتي
التصريح بذلك في كلام الدردير وغيره، وروايتا الإمام أحمد يأتي ذكرهما في
آخر الباب عن («المغني))، وفي حاشية ((شرح المنهاج)) عن الرملي: المعتمد أنه
لا شيء على المرأة مطلقاً، وإن كان الواطئ غير محرم زوجاً أو أجنبياً.
وحقّق ابن حجر أن الجماع على ستّة أنواع كما بسطها في ((إعانة
الطالبين))، وأوجب في بعضها على المرأة أيضاً، والجملة أنهم اختلفوا في
الوجوب على المرأة، واتّفق أهل الفروع كـ(إعانة الطالبين)) و((شرح الإقناع))
و((تحفة المحتاجين)) و((مناسك النووي)) و(روضة المحتاجين)) وغيرها على
وجوب البدنة في الجماع المفسد، ووجوب الشاة فيما بين التحلّلين، فحكاية
نقلة المذاهب كالموفق والعيني وغيرهما عن الشافعي - رحمه الله - البدنة مطلقاً
غلط .
وقال الدردير(١): حرم عليهما الجماع ومقدماته، ولو علمت السلامة من
مني أو مذي، وأفسد الجماع الحج والعمرة مُطلقاً ولو سهواً أو مكرهاً في
آدمي وغيره كان بالغاً أو لا كاستدعاء مني، فإنه يحرم ويفسد إن خرج، وإن
بنظر أو فكر استديم، فإن خرج بمجرد فكر أو نظر لم يفسد، وعليه هدي
وجوباً، ولا يشترط الاستدامة في غير النظر والفكر حيث حصل إنزال إلا القبلة
للذة فعليه الهدي أي عند عدم حصول الإنزال، ومحل الفساد إن وقع قبل
الوقوف مطلقاً، أو وقع بعد الوقوف بشرطين أشار لهما بقوله: إن وقع
الجماع، أو المني المستدعى قبل طواف إفاضة، أو سعي آخر ورمي عقبة يوم
النحر، أو قبله ليلة مزدلفة، وإلّا بأن وقع قبلهما بعد يوم النحر، أو بعد
أحدهما في يوم النحر، والحال أنه قدم السعي فهدي واجب.
(١) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٦٨/٢).
٥٧٠

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
ولا فساد في الصور الثلاث كإنزال ابتداءً، أي بمجرد نظر أو فكر من
غير إدامة، فعليه الهدي، وأما إن خرج بلا لذّة فلا شيء عليه، وقُبْلَته - أي
بغير إنزال - فيها الهدي إن كانت على فم، وكانت على غير وداع ورحمة، فإن
كانت على غير الفم فلا شيء فيه إلاّ إذا أمذى أو كثُرت، وكذا إن كانت الوداع
أو رحمة فلا شيء فيها ما لم يخرج معه مذي أو مني، وإلّ فالهدي، ووقوع
المني أو الجماع بعد تمام سعي، وقبل الحلاق في عمرته، فالهدي، وإلا -
بأن حصل قبل تمام السعي ولو بشوط - فسدت، ووجب القضاء والهدي،
ووجب فورية القضاء للمفسدين من حجّ أو عمرة ولو على القول بالتراخي.
وإن كان المفسد تطوّعاً، ووجب نحر هدي في القضاء ولا يقدمه زمن
الفساد على المشهور، واتّحد الهدي، وإن تكرّر موجب الفساد كوطئه لامرأة
مراراً أو لنساء؛ لأن الحكم للوطء الأول، انتهى بزيادة عن الدسوقي، وسيأتي
الكلام على مسلك الإمام مالك - رضي الله عنه - في الهدي تحت أثر الباب.
قال الدردير(١): وحيث قلنا: لا فساد فهدي، ويجب مع الهدي عمرة
يأتي بها بعد أيام منى، انتهى.
قلت: وسيأتي توضيح هذه العمرة في توضيح قول الإمام مالك قريباً.
وفي ((الهداية))(٢): إن جامع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد
حجّه وعليه شاة، ويمضي في الحج وعليه القضاء، والأصل فيه ما روي: ((أن
رسول الله ◌َّ سئل عمّن واقع امرأته وهما محرمان بالحج؟ قال: يريقان دماً
ويمضيان في حجّتهما، وعليهما الحجّ من قابل))، وهكذا نقل عن جماعة من
الصحابة(٣).
(١) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٧٠).
(٢) ((الهداية)) (١٦٠/١).
(٣) انظر: ((نصب الراية)) (١٢٥/٣).
٥٧١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
وقال الشافعي: تجب بدنة اعتباراً بما لو جامع بعد الوقوف والحجة عليه
إطلاق ما روينا، ولأن القضاء لما وجب، ولا يجب إلا لاستدراك المصلحة،
خَفَّ معنى الجناية، فيكتفي بالشاة بخلاف ما بعد الوقوف، لأنه لا قضاء، ثم
سوّى بين السبيلين، وعن أبي حنيفة أن في غير القبل منهما لا يفسد لتقاصر
معنى الوطء، فكان عنه روايتان، وليس عليه أن يفارق امرأته في قضاء ما
أفسداه عندنا خلافاً لمالك - رحمه الله - إذا خرجا من بيتهما، ولزفر - رحمه الله
- إذا أحرما، وللشافعي إذا انتهيا إلى المكان الذي جامعها فيه.
لهم أنهما يتذاكران ذلك فيقعان في المواقعة فيفترقان، ولنا أن الجامع
بينهما. وهو النكاح قائم، فلا معنى للافتراق قبل الإحرام لإباحة الوقاع، ولا
بعده لأنهما يتذاكران ما لحقهما من المشقّة الشديدة بسبب لذة يسيرة، فيزدادان
ندماً، وتحرّزاً، فلا معنى للافتراق.
ومن جامع بعد الوقوف بعرفة لم يفسد حجّه. وعليه بدنة خلافاً للشافعي
- رحمه الله - فيما إذا جامع قبل الرمي؛ لقوله عليه الصّلاة والسّلام: ((من وقف
بعرفة فقد تم حجّه))، وإنما تجب البدنة لقول ابن عباس، ولأنه أعلى أنواع
الارتفاق فيتغلَّظ موجَبُه، وإن جامع بعد الحلق فعليه شاة لبقاء إحرامه في حق
النساء، دون لبس المخيط، وما أشبهه، فخفت الجناية فاكتفى بالشاة.
ومن جامع في العمرة قبل أن يطوف أربعة أشواط، فعليه شاة ولا تفسد
عمرته، وقال الشافعي: تفسد، وعليه بدنة اعتباراً بالحجّ إذ هي فرض عنده،
ولنا أنها سنّة فكانت أحظّ رتبةً منه، ومن جامع ناسياً كان كمن جامع
متعمّداً، وقال الشافعي - رحمه الله - جماع الناسي غير مفسدٍ للحج، وكذا
الخلاف في جماع النائمة والمكرهة، هو يقول: الحظر ينعدم بهذه العوارض،
فلم يقع الفعل جناية، ولنا أن الفساد باعتبار معنى الارتفاق في الإحرام
ارتفاقاً مخصوصاً، وهذا لا ينعدم بهذه العوارض، والحجّ ليس في معنى
٥٧٢

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
الصوم لأن حالات الإحرام مُذَكِّرَةٌ بمنزلة حالات الصلاة بخلاف الصوم،
انتھی .
وفي ((شرح اللباب)) (١): لو جامع فيما دون الفرج من الفخذ ونحوه قبل
الوقوف أو بعده أو باشر مباشرة فاحشة أو عانق ولو بالعُري أو قَبَّلَ أو لمس
بشهوة قَيْد للكل، فأنزل أو لم يُنزل في الجميع فعليه دم، كما في ((المبسوط))
و(الهداية)) و(الكافي)) و(البدائع))(٢) وغيرها، وفي (الجامع الصغير)): اشترط
الإنزال في المسّ لوجوب الدم، وصححه قاضيخان(٣)، ولا يفسد حجّه بشيء
من الدواعي أصلاً بلا خلاف، سواء أنزل أو لم يُنزل، وسواء وجدت قبل
الوقوف أو بعده، كما نطقت به سائر الكتب المعتمدة، وبه قال الشافعي وأحمد
في رواية، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الحجّ لا يفسد إلا بالجماع.
وفي ((الفتاوى السراجية)): لو لمس امرأة بشهوة فأمنى يفسد، وكذلك إذا
لم يُمْنِ على ما في ((المبسوط)) وغيره، وهو شاةٍّ ضعيف، ولو نظر إلى فرج
امرأة فأمنى، أو تفكّر في أمر الجماع أو احتلم، فأنزل لا شيء عليه كما في
عامّة الكتب، وفي (التمرتاشي)): لا شيء في الإمناء بالنظر، لأنه ليس بجماع،
وعن أبي حنيفة: عليه دم، ولو استمنى بالكف إن أنزل فعليه دم، وإن لم ينزل
فلا شيء عليه، ولو جامع بهيمة، فأنزل، فعليه دم، ولا يفسد حجّه، وإن لم
ينزل، فلا شيء عليه، انتهى.
قلت: وتقدم في ((جامع ما جاء في العمرة)) حكم المعتمر يقع بأهله
مفصلاً .
(١) (ص١٨٦).
(٢) (٢ / ٤٦٢).
(٣) (١/ ١٣٧).
٥٧٣

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
(٨٤٣) حدیث
١٥١/٨٤٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا: عَنْ رَجُلِ أَصَابَ
أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ؟ فَقَالُوا: يَنْفُذَانِ، يَمْضِيَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى
يَقْضِيَا حَجَّهُمَا ،
١٥١/٨٤٣ - (مالك أنه بلغه) وقد عرفت في المقدمةِ الكلام على بلاغات
مالك (أن عمر بن الخطاب) ثاني الخلفاء الراشدين (وعلي بن أبي طالب)
رابعهم (وأبا هريرة) زاد ابن القاسم: وابن عباس، كما في ((المحلى)) (سئلوا)
ببناء المجهول (عن رجل أصاب) أي جامع (أهله وهو محرم) أي بالحج كما
في النسخ المصرية، وكذا حكم العمرة، وليس في النسخ الهندية لفظ:
((بالحج)) لكنه مراد للسياق، (فقالوا) أي الثلاثة: (ينفذان) بضم الفاء وبالذال
المعجمة، أي يمضيان (لوجههما) أي لقصدهما (حتى يقضيا) أي يتمّا (حجّهما)
يريدون أن عليهما المضيّ في الحج الفاسد حتى يتمّا على حسب ما كان يتمّان
الحج الصحيح.
قال ابن رشد (١): ومما يخصّ الحج الفاسد عند الجمهور دون سائر
العبادات أنه يمضي فيه المفسد له ولا يقطعه وعليه دم، وشذّ قوم فقالوا: هو
كسائر العبادات، وعمدة الجمهور ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُوْ اَّْ وَالْعُمْرَةَ لِنَّةٍ﴾(٢)،
فالجمهور عمّموا، والمخالفون خصّصوا قياساً على غيرها من العبادات، إذا
وردت عليها المفسدات، انتهى.
وقال القاري في (شرح النقاية)): أفسد حجّه بالإجماع، ومضى في حجه
الإجماع الصحابة على ذلك، انتهى. وتقدم في ((جامع العمرة)) أن ذلك مجمع
عليه عند الأئمّة الأربعة خلافاً لداود الظاهري.
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٧٠/١).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
٥٧٤
** *** mm
----------

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
(٨٤٣) حديث
قال الشعراني: اتّفقوا على أن المحرم إذا وطئ في الحج أو العمرة قبل
التحلّل الأول فسد نسكه، ووجب عليه المضي في فاسده والقضاء على الفور،
واتّفقوا على أن عقد الإحرام لا يرتفع بالوطء، وقال داود: يرتفع، فإن قال
قائل: فلأي شيء لم يأمروا المحرم إذا فسد حجّه بالجماع أن ينشئ إحراماً
ثانياً إذا كان الوقت متّسعاً، كأن وطئ في ليلة عرفة؟ فالجواب قد انعقد
الإجماع على ذلك، ولا يجوز خرقه، ولعلّ ذلك سببه التغليظ عليه لا غير،
انتهى .
وتقدّم قريباً في كلام صاحب ((الهداية)) ما روي عن النبيّ وَّل في ذلك،
قال الحافظ في ((الدراية))(١): حديث ((أن النبيّ وَّ سئل عمّن واقع امرأته وهما
محرمان))، أبو داود في ((المراسيل)) من طريق يحيى بن أبي كثير: أخبرنا يزيد بن
نعيم أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل النبيّ ◌َّ فقال:
((اقضيا نسككما وأهديا هدياً)).
وفي ((مصنف ابن وهب)): أخبرني ابن أبي لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب
عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيّب أن رجلاً من جذام جامع امرأته
وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله وَالر، فقال لهما: ((أتمّا حجّكما ثم
ارجعا، وعليكما حجّة أخرى، فإذا كنتما بالمكان الذي أصبتم فيه ما أصبتم
فتفرّقا، فلا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتمّا نسككما وأهديا)).
وبسط ابن الهمام(٢) الكلام على الحديثين، وأجاب عمّا حكم البيهقي
على الحديث الأول بالانقطاع، ثم قال: وروى الدارقطني عن ابن عمر -
رضي الله عنهما - قال فيه: بطل حجّه، قال له السائل: فيقعد؟ قال: لا، بل
(١) على هامش ((الهداية)) المطبوعة بالهند (٢٧١/١).
(٢) (فتح القدير)) (٤٥٥/٢).
٥٧٥

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
(٨٤٣) حدیث
ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ.
يخرج مع الناس فيصنع ما يصنعون، فإذا أدركه من قابل حجِّ، وأهدى، ووافقه
على هذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وصحّح البيهقي إسناده
عنهم .
(ثم عليهما الحجّ من قابل) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية(١): حج
قابل، والمعنى واحد، أي يجب عليهما قضاء الحج في عام آتٍ قضاءً عن هذا
الفاسد، وهو إجماع، وتقدم الاختلاف في موضع الإحرام للقضاء في إفساد
العمرة. (والهدي) أي يجب عليه مع القضاء الهدي أيضاً، وتقدم الاختلاف في
الهدي الواجب في إفساد العمرة في محلّه، أما هدي الحج فهي بدنة عند
الشافعي وأحمد، وتفصيل عند الحنفية، فقبل الوقوف شاةٌ، وبعده بدنة، كما
تقدم تفصيل ذلك كلّه قريباً من ((المغني)) وغيره من فروع الأئمّة، ما خلا
المالكية .
وفي ((البدائع))(٢): فساد الحجّ يتعلق به أحكام، منها: وجوب الشاة
عندنا، وقال الشافعي: وجوب بدنة، ولنا ما روي عن ابن عباس أنّه قال:
البدنة في الحجّ في موضعين، أحدهما: إذا طاف للزيارة جنباً ورجع إلى أهله
ولم يُعِدْ، والثاني: إذا جامع بعد الوقوف، وروينا عن جماعة من الصحابة أنهم
قالوا: وعليهما هدي، واسم الهدي وإن كان يقع على الغنم والبقر والإبل،
لكن الشاة أدنى، والأدنى متيقّن فحمله على الغنم أولى على أنّا روينا عن
رسول الله ◌َ﴿ أنه سئل عن الهدي، فقال: ((أدناه شاة))، انتهى.
واختلفت نقلة المذاهب في بيان مسلك الإمام مالك، وعامّتهم حكوا عنه
وجوب البدنة، لكن قال ابن رشد المالكي في ((البداية))(٣): اختلفوا في الهدي
(١) كذا في ((الاستذكار)) (٢٨٨/١٢).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٤٦٣/٢).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٣٧٢/١).
٥٧٦
.- -- --

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
(٨٤٣) حديث
قَالَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامِ قَابِلٍ،
تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا .
الواجب في الجماع ما هو؟ فقال مالك وأبو حنيفة: هو شاة، وقال الشافعي :
لا تجزئه إلاّ بدنة، انتهى.
وقال الباجي(١) تحت أثر الباب: قولهم: الهدي يحتاج إلى صفة، قال
مالك: هو بدنة، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: تجزئه شاة، والدليل على
صحة ما ذهب إليه مالك، قال القاضي أبو الحسن: هو قول عمر وعليّ وابن
عباس، قال القاضي أبو الحسن: هذا عندي يجب مع القدرة على البدنة، فإن
لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، لأنه لا يخرج هذا عن أصله، قال: وهذا لنا
منصوص عليه، حتى إنه لو أخرج شاة مع القدرة على البدنة أجزأه على تكرّه
منه، فهذا من قول أبي الحسن يدلّ على أن الكلام في الاستحباب، انتهى.
(قال) مالك (وقال عليّ بن أبي طالب) يعني وقع في أثر عليّ - رضي الله
عنه - زيادة وهي أنهما (إذا أهلاً) أي أحرما (بالحج) للقضاء (من عام قابل) أي
السنة الآتية (تفرَّقا) وجوباً أو استحباباً قولان للعلماء كما سيأتي (حتى يقضيا
حجّهما) أي يتمّاه لئلا يتذاكرا ما وقع منهما أولاً، والشهوة قد تهيج بالتذكر،
والمسألة خلافية بين العلماء، وتقدم شيء منها في كلام صاحب ((الهداية).
وقال الموفق(٢): فإذا قضيا، تفرقا من موضع الجماع حتى يقضيا حجّهما،
روي هذا عن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -، وروى سعيد والأثرم
بإسناديهما عن عمر - رضي الله عنه - أنه سئل عن رجل وقع بامرأته، وهما
محرمان، فقال: ((أتمّا حجكما، فإذا كان عام قابل فحجّا وأهديا، حتى إذا
بلغتما المكان الذي أصبتما، فيه ما أصبتما، فتفرّقا حتى تحلا))، ورويا عن ابن
(١) ((المنتقى)) (٢١٨/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٠٧/٥).
٥٧٧

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
(٨٤٣) حدیث
عباس مثل ذلك، وبه قال سعيد بن المسيّب وعطاء والنخعي والثوري والشافعي
وأصحاب الرأي.
وروي عن أحمد أنهما يفترقان من حيث يحرمان حتى يحلا، رواه مالك
في ((الموطأ)) عن عليّ، وروي عن ابن عباس، وهو قول مالك؛ لأن التفريق
بينهما خوفاً من معاودة المحظور، وهو يوجد في جميع إحرامهما .
ووجه الأول أن ما قبل موضع الإفساد كان إحرامهما فيه صحيحاً، فلم
يجب التفريق فيه كالذي لم يفسد، وإنما اختصّ التفريق بموضع الجماع؛ لأنه
ربما يذكره برؤية مكانه، فيدعوه ذلك إلى ما فعله، ومعنى التفرق أن لا يركب
معها في محمل، ولا ينزل معها في فسطاط ونحوه، قال أحمد: يفترقان في
النزول وفي المحمل والفسطاط، ولكن يكون بقربها .
وهل يجب التفريق أو يستحب؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يجب، وهو
قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يجب التفريق في قضاء رمضان إذا أفسداه، كذلك
الحج، والثاني: يجب لأنه روي عمن سمينا من الصحابة الأمر به ولم نعرف
لهم مخالفاً، ولأن الاجتماع في ذلك الموضع يَذَكِّر الجماعَ، فيكون من
دواعيه، والأول أولى؛ لأن حكمة التفريق الصيانة عما يُتَوَهَّمُ من معاودة الوقاع
عند تذكره برؤية مكانه، وهذا وهم بعيد لا يقتضي الإيجاب، انتهى.
وعليه اقتصر صاحب ((الروض المربع))، إذ قال: وسنّ تفرقهما في قضاء
من موضع وطء إلى أن يحلّا، انتهى. وما حكى الموفق من مسلك الإمام
الشافعي من الافتراق محل الجماع، هكذا حكاه عنه ابن رشد في ((البداية))(١)،
وعامة الفقهاء الحنفية، لكن قال ابن حجر في ((شرح مناسك النووي)): سُنَّ،
وقيل: وجب أن يفترقا من حين الإحرام إلى التحلل الثاني، ومكان الجماع
(١) انظر ((بداية المجتهد)) (٣٧١/١).
٥٧٨

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
(٨٤٣) حدیث
آكد، والمراد بالافتراق أن لا يخلو بها بحيث يتمكن من وقاعها أو مقدماته،
بل وأن لا ينظر إليها إن خشي أنه يؤدي إلى ذلك كما هو ظاهر، انتهى.
وحكى العيني في ((البناية)) عن النووي: يستحب، وفي القديم: يجب،
وحكي عن السروجي وغيره التعقب على صاحب ((الهداية)) في حكاية مذهب
مالك بأن مذهبه الافتراق عند الإحرام، وهو كذلك.
فقد قال الدردير(١): فارق وجوباً من أفسد معه خوفاً من عوده لمثل ما
مضى من حين إحرامه بالقضاء لتحلّله برمي العقبة وطواف الزيارة والسعي إن
تأخر، قال الدسوقي: قوله: ((حين إحرامه بالقضاء)) مفاده أن عام الإفساد لا
يجب عليه فيه مفارقة من أفسد معها حالة إتمامه لذلك المفسد، وهو ظاهر
الطراز، وذكر ابن رشد: أن عام الفساد كعام القضاء في وجوب المفارقة،
انتھی .
وفي ((المنتقى))(٢): قال مالك في ((العتبية)): يفترقان في حج القضاء من
يوم يحرمان، انتهى. ولا يفترقان عندنا الحنفية كما تقدم عن ((البداية))، وحكى
العيني في ((شرح البناية)) عن ((المحيط)) و((المبسوط)) والأسبيجابي: يستحب
الافتراق عند خوف المعاودة، وقال أيضا: ولو كان واجباً لوجب به دم كسائر
الواجبات في الحج، وأجاب عن استدلالهم بإجماع الصحابة بأنه إنما يكون
حجة إذا انقرض العصر، ولم يوجد الخلاف، وقد روي عن الحسن وعطاء
مثل قولنا، وهما قد أدركا عصر الصحابة، فيكون خلافاً معتبراً فلا ينعقد
الإجماع، انتهى.
وحمل القاري في ((شرح النقاية)) قولهم على الاستحباب، وقال في ((شرح
(١) ((الشرح الكبير)) (٧٠/٢).
(٢) (٣/٣).
٥٧٩

٢٠ - كتاب الحج
(٤٨) باب
(٨٤٤) حدیث
٨٤٤/ ١٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: مَا تَرَوْنَ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِأَمْرَأَتِهِ .
اللباب)) (١): لا يجب الافتراق في القضاء إلا إذا خافا المجامعة ثانياً، فيستحب
حينئذ أن يفترقا عند الإحرام، وقيل: موضع المواقعة، وأمّا ما في ((الجامع
الصغير)): ليست الفرقة بشيء أي أمر ضروري، وقال قاضيخان: ليس بواجب،
انتھی .
وقال الزيلعي على ((الكنز)): ولنا أن الافتراق ليس بنسك في الأداء،
فكذا في القضاء لأن القضاء يحكي الأداء، ولأن الجامع بينهما وهو النكاح
قائم فلا معنى للافتراق قبل الإحرام لإباحة الوقاع ولا بعده، لأنهما يتذاكران
ما لحقهما من المشقة العظيمة بسبب لذة يسيرة، فيزدادان ندماً وتحرّزاً فلا
معنى للافتراق، ألا ترى أنه لا يؤمر أن يفارقها في الفراش حالة الحيض، ولا
حالة الصوم مع توهم تذاكرهما ما كان بينهما حالة الطهر والفطر، والافتراق
المنقول عن الصحابة محمول على الندب والاستحباب لا على الحتم
والإيجاب، ونحن نقول به إذا خيف ذلك، انتهى.
وفي ((المحلى)) (٢): أن الإمام أبا حنيفة - رضي الله عنه - لم يقل
بالمفارقة، وهو المروي عن الحسن ومجاهد وعطاء أنهما لا يفترقان، وما
روي عن الصحابة من التفريق محمول على الندب، وروى أبو داود في
((المراسيل)) عن يزيد بن نعيم أن رجلاً جامع امرأته وهما محرمان، فقال الرجل
للنبيّ ◌َّ فقال: ((اقضيا حجكما، وأهديا هدياً))، فلم يذكر التفريق في
المرفوع، انتهى.
١٥٢/٨٤٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه سمع سعيد بن
المسيب) القرشي (يقول) لأصحابه (ما ترون في رجل وقع بامرأته) أي واقعها
(١) (ص١٨٢).
(٢) انظر ((المحلى)) (٢٠٢/٥، ٢٠٣).
٥٨٠