Indexed OCR Text

Pages 521-540

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حدیث
وَهُوَ مُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ، يُقَلِّدُهُ، بِنَعْلَيْنِ، وَيُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الأَيْسَرِ،
(وهو) أي الهدي أو ابن عمر - رضي الله عنهما - (مُوَجَّةٌ للقبلة) وفي
النسخ الهندية متوجّه للقبلة، أي في حالتي التقليد والإشعار، قال الباجي (١):
يريد أن التقليد والإشعار من سنّته أن يكون والهدي مُوَجَّةٌ إلى القبلة، وكذلك
قال مالك، وكذا من سنّة المباشر لذلك أن يكون متوجهاً إلى القبلة، انتهى.
وفي ((مناسك النووي)): ويكون تقليد الجميع والإشعار، وهي مستقبلة القبلة،
والبدنة باركة، انتهى.
ولفظ محمد في ((موطئه))(٢): وهو مُوَجِّهُهُ إلى القبلة، يعني جاعل وجه
هديه إلى القبلة، وعلى هذا، إذا كان المباشر يستقبله، ويأتي إليه من قبل
رأسه، كما سيأتي في صفة الإشعار من كلام ابن الهمام، فلا يمكن أن يكون
المباشر مستقبل القبلة، وعامّة أهل الفروع ذكروا استقبال الهدي إلى القبلة لا
المباشر (يقلّده بنعلين) قال الباجي(٣): هذا هو المستحب أن يقلّده بنعلين في
رقبته، وإن قلدها نعلاً واحدة، فقد قال مالك: تجزئه النعل الواحدة، انتهى.
وتقدم في أول الحديث شيء من ذلك، وفي ((هامش إحكام الأحكام)): استحبّ
تقليد النعلين لا واحدة، وقد اشترط الثوري ذلك، وقال غيره: تجزئ الواحدة،
انتھی .
(ويشعره) بضمّ أوّله من الإشعار (من الشق) بكسر الشين، أي الجانب
(الأيسر) اختلف فقهاء الأمصار في أفضلية الإشعار في الأيمن أو الأيسر،
والمالكية في ذلك أربعة أقوال، كما في ((الدسوقي)) و((الإكمال)) (٤) إذ قالا:
وفي أولويّته في الشقّ الأيمن أو الأيسر، ثالثها: إنما السنّة في الأيسر،
(١) ((المنتقى)) (٣١٢/٢).
(٢) (ص١٣٨).
(٣) ((المنتقى)) (٣١٢/٢).
(٤) (٣٧٣/٣)
٥٢١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حدیث
ورابعها: أنهما سواء، انتهى. لكن مشهور مذهبه الأيسر، ولذا اكتفى عليه عامّة
نقلة المذاهب، وعليه اقتصر الدردير؛ إذ قال: وسنّ من الجانب الأيسر، انتهى.
وبه قال صاحبا أبي حنيفة كما في ((العيني)) وغيره، وقال محمد في
(موطئه)): وبهذا نأخذ، التقليد أفضل من الإشعار، والإشعار حسن، والإشعار
من الجانب الأيسر إلا أن تكون صعاباً مقرنة لا يستطيع أن يدخل بينهما،
فليشعرها من الجانب الأيسر والأيمن، انتهى. وهو أي اليسار، رواية للإمام
أحمد، كما في ((المغني))(١)، وفي أخرى له المشهورة عنه، وبه قال الشافعي.
وهو رواية عن أبي يوسف كما في ((شرح اللباب)): أن يشعر في الأيمن.
وفي ((العيني)): قال السفاقسي: إذا كانت البدنة ذللاً، أشعرها من
الأيسر، وإن كانت صعبة قرن بدنتين، ثم قام بينهما وأشعر إحداهما من الأيمن
والأخرى من الأيسر، وحكى ابن حزم عن مجاهد يقول: كانوا يستحبون
الإشعار في جانب الأيسر.
وفي ((العارضة))(٢): وقد روي عن النبيّ ◌َّ﴾: أنه كان يدخل من بين
البعيرين من جهة رأسها، فيصيب من أحدهما الجانب الأيمن، ومن الآخر
الأيسر، ولو صح هذا، لكان نفيساً من التأويل، انتهى.
قال الباجي(٣): أما إشعاره من الشق الأيسر، فهو من سنّته، والأصل في
ذلك ما قدّمناه من أن السنة أن تكون موجّهة للقبلة، وأن يكون مباشرُ ذلك
متوجّهاً إليها، ولا يتأتّى مع ذلك أن يليه منه إلا الشقّ الأيسر، وقد روى ابن
عباس؛ أن النبيّ ◌َّ أشعر بدنته في صفحة سنامها الأيمن، ولعلّه كان ذلك
لصعوبتها، أو ليرى الجواز، وقد روي عن نافع قال: كان ابن عمر - رضي الله
(١) (٤٥٥/٥).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٣٨/٤/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٣١٣/٢).
٥٢٢
--

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حدیث
عنهما - إذا كانت بدنه ذلولاً، أشعرها من قبل شقها الأيسر، وإن كانت
صعوبة، فرّق بدنتين، ثم قام بينهما، فأشعر إحداهما من الأيمن، والأخرى من
الأيسر، قال في ((العتبية)): لم يشعرهما ابن عمر في الشقّتين أنهما سنة، لكن
ليذللها، وإنما السنة في الشق الأيسر في الصعاب وغيرها، انتهى.
وفي ((الإكمال)) (١): مشهور مذهب مالك أن محل الإشعار هو الأيسر،
ووجهه ابن رشد بأن السنة أن يشعر، ووجّهه إلى القبلة بيمينه، وخطامها
بشماله، وإذا كان كذلك، وقع الأيسر ولا يكون الأيمن، إلا أن يستدبر القبلة،
أو يشعر بشماله، أو يمسكه له غيره، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): صفته أن يشق سنامها من الجانب الأيمن أو الأيسر،
قالوا: والأشبه هو الأيسر؛ لأن النبيّ ◌َلل طعن في جانب اليسار مقصوداً،
وفي جانب الأيمن اتّفاقاً. قال ابن الهمام(٣): قالوا: لأنها كانت تساق إليه،
وهو يستقبلها، فيدخل من قبل رؤوسها، والحربة بيمينه لا محالة، والطعن
حينئذ إلى جهة اليسار أمكن، وهو طبع هذه الحركة، فيقع الطعن كذلك
مقصوداً، ثم يعطف طاعناً إلى جهة يمينه بيمينه، وهو متكلّف بخلافه إلى جهة
الأولى، انتهى.
قال في (العناية)): فيشعر الآخر من قبل يمين البعير الأولى اتفاقاً للأول
لا قصداً إليه، انتهى. وهذا مبنيٌّ على أنه ◌ّ أشعر في الأيمن والأيسر
كليهما، أمّا الأول، ففي ((مسلم)) (٤) من حديث أبي حسان عن ابن عباس: ((أن
النبيّ وَّ: صلّى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنه، فأشعرها في صفحة سنامها
(١) («الإكمال)) (٣/ ٣٧٣).
(٢) (١٥٤/١).
(٣) ((فتح القدير)) (٤٢٥/٢).
(٤) أخرجه مسلم (١٢٤٣).
٥٢٣

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ حَتَّى يُوقَفَ بِهِ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ،
الأيمن))، وروى البخاري الإشعار، ولم يذكر فيه الأيمن والأيسر، وأمّا الثاني،
فقال ابن عبد البرّ في ((كتاب التمهيد))(١): رأيت في ((كتاب ابن علية)) عن أبيه
عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس: ((أن
رسول الله ◌َ﴿ أشعر بدنه من الجانب الأيسر، ثم سلت الدم عنها))، قال ابن
عبد البر: هذا منكر من حديث ابن عباس، بل المعروف ما رواه مسلم وغيره
في الجانب الأيمن، وصحّح ابن القطان كلامه.
لكن الحديث مرويٌّ بطريق آخر أيضاً، فرواه أبو يعلى الموصلي في
(مسنده)): حدثنا يزيد بن هارون أنبأ شعبة بن الحجاج عن قتادة عن أبي حسان
عن ابن عباس: ((أن رسول الله ◌َّ لما أتى ذا الحليفة، أشعر بدنته في شقّها
الأيسر، ثم سلت الدم بإصبعه))، الحديث. وسكت عليه الحافظان الزيلعي في
((نصب الراية)) (٢) وابن حجر في ((الدراية)) وابن الهمام، والعيني في ((شرح
الهداية))، ويؤيّده أيضاً أثر الباب، إذ لم يكن أحد أشدّ اقتفاءً لظواهر فعل
رسول الله وَ ل من ابن عمر، فلولا علمه وقوع ذلك من فعله وَّ، لم يستمرّ
على ذلك.
(ثم يساق) الهدي (معه حتى يوقف) ببناء المجهول (به) أي بالهدي (مع
الناس) أي الحجاج (بعرفة) يوم عرفة، يريد أنه يستصحب هديه، ويحضر معه
في وصوله إلى مكّة، وخروجه إلى منى وعرفة، حتى يوقف به بعرفة حين
وقوف الناس، أمّا الوقوف في غير ذلك من الأيام، فغير مشروع، كذا في
((المنتقى))(٣)، وسيأتي الكلام على تعريف الهدايا قريباً.
(١) (١٧/ ٢٣١).
(٢) (١١٦/٣).
(٣) (٣١٣/٢).
٥٢٤

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
ثُمَّ يَدْفَعُ بِهِ مَعَهُمْ إِذَا دَفَعُوا، فَإِذَا قَدِمَ مِنِىَ غَدَاةَ النَّحْرِ، نَحَرَهُ قَبْلَ
أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَكَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ، يَصُفُّهُنَّ قِيَاماً،
وَيُوَجِّهُهُنَّ إِلَى الْقِبْلَةِ،
(ثم يدفع) ببناء المجهول (به) أي بالهدي (معهم) أي الناس (إذا دفعوا)
ببناء المجهول أي أفاضوا ورجعوا من عرفة بعد غروب الشمس (فإذا قدم) ابن
عمر - رضي الله عنهما - (منى غداة) يوم (النحر) لرمي جمرة العقبة، وبعد ذلك
(نحره) أي الهدي، قال الباجي: فلا يجوز نحره ليلاً، وعلى هذا قول مالك
وجماعة أصحابه، إلا أشهب، فقد روي عنه الجواز ليلاً، انتهى.
(قبل أن يحلق أو يقصر) لقوله عزّ اسمه: ﴿وَلَا تَحِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَى بَُّغَ الْهَدْىُ
مِلَّمْ﴾(١)، (وكان هو) أي ابن عمر - رضي الله عنهما - (ینحر هديه بيده) يعني
يباشر ذلك بنفسه، وهو السنّة لمن يحسنه، كما تقدم، وقد نحر النبيّ وَلّ ثلاثاً
وستين بدنة بيده في حجة الوداع (يصفهن) بالصاد المهملة وتشديد الفاء
المضمومتين (قياماً) لقوله عزّ اسمه: ﴿فَاذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ﴾ جمع
صافّة، (ويوجههن) أي الهدايا، وإفراد الضمائر في أول الأثر باعتبار اللفظ
(إلى القبلة) اتّباعاً لفعله وَّة، فإنه كان يستقبل بذبيحته القبلة، قاله أبو عمر(٢).
قال القاري في ((شرح اللباب))(٣): واستحبّ الجمهور استقبال القبلة،
وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يكره أن يؤكل ممّا لم يستقبل به القبلة،
انتھی .
وقال ابن رشد في ((البداية)) (٤): أمّا استقبال القبلة بالذبيحة، فإن قوماً
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٥/٢).
(٣) (ص٢٧٢).
(٤) ((بداية المجتهد)) (٤٤٩/١).
٥٢٥

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ.
١٤٦/٨٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ إِذَا طَعَنَ فِي سَنَامِ هَدْبِهِ، وَهُوَ يُشْعِرُهُ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ،
وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
استحبّوا ذلك، وقوماً أجازوا ذلك، وقوماً أوجبوه، وقوماً كرهوا أن لا يستقبل
بها القبلة، والكراهية والمنع موجودان في المذهب، انتهى. أي في مذهب
المالكية، وجعل الباجي ذلك سنّة. (ثم يأكل) بنفسه (ويطعم) غيره؛ لقوله عزّ
اسمه: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَّرَّ﴾(١)، ولقوله ◌َّ في بدنات خمس أو
ست طفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، من شاء اقتطع، أخرجه أبو داود برواية
عبد الله بن قرط .
١٤٦/٨٣٨ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان إذا طعن) أي ضرب (في سنام) بفتح السين المهملة (هديه، وهو يشعره)
أي إذا شرع في الإشعار (قال: بسم الله والله أكبر)، امتثالاً لقوله عزّ اسمه:
﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾(٢)، قال الباجي(٣): وهو على معنى التسمية
على ابتداء النسك، ويحتمل أن تكون التسمية للإيجاب كما يسمى للذبح، وهذا
مما رواه أشهب عن مالك في ((العتيبة)): أن من تولّى إشعار هديه قال: بسم الله
والله أكبر، وفي ((شرح اللباب)): قال الكرماني: يستحبّ أن يكبّر عند التوجّه مع
سوق الهدي، ويقول: الله أكبر لا إله إلاّ الله، والله أكبر ولله الحمد، انتهى.
ثم الأئمة بعد اتّفاقهم على أن لا تشعر الغنم، اختلفوا في إشعار الإبل
والبقر، قال الباجي(٤): هذا إذا كان للبقر أو الإبل أسنمةٌ، فإن لم يكن لها
٠
(١) سورة الحج: الآية ٣٦.
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
(٣) ((المنتقى)) (٣١٣/٢).
(٤) (المنتقى)) (٣١٣/٢).
٥٢٦

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
أسنمة، فإنها تقلّد ولا تشعر، رواه العتبي، واختاره ابن حبيب: أن تشعر الإبل
والبقر وإن لم يكن لها أسنمة، وجه قول مالك أن الإشعار مختصّ بالسنام،
بدليل أنه لا يفعل في غيره مع وجوده، فإذا عدم فقد عدم محل الإشعار
كالغنم، ووجه قول ابن حبيب أن هذا هدي من الإبل والبقر، فكان حكمه أن
يشعر كالتي لها أسنمة، وأما الغنم فلا يشعر جملة، انتهى.
وقال الدردير(١): سُنَّ في هدايا الإبل إشعار سنمها جمع سنام بالفتح،
وقُلِّدَتِ البقر دون إشعار، إلاّ أن تكون بأسنمة، فتشعر أيضاً كالإبل، لا الغنم
فلا تشعر ولا تقلّد، أي يكره تقليدها ويحرم إشعارها، انتهى. قال الدسوقي:
قوله: إشعار سنمها، هذا ظاهر، إذا كان لها سنام، فإن كانت لا سنام لها،
فظاهره أنها لا تشعر، وهو رواية محمد، والذي في ((المدونة)): أن الإبل يُسَنُّ
إشعارُها مطلقاً ولو لم يكن لها سنام، وما لها سنامان يسنّ إشعارها في واحدٍ
منهما، وقوله: إلا بأسنمة، ما ذكره المصنف، هو قول ((المدونة))، وعزا ابنُ
عرفة لها أن البقر لا تشعر مطلقاً، وتعقّبه طفي، انتهى.
وقال الموفق(٢): ويسنّ إشعار الإبل والبقر، وقال مالك: إن كانت البقرة
ذات سنام، فلا بأس بإشعارها وإلاّ فلا، ثم قال الموفق: وتُشعر البقرة؛ لأنها
من البدن، فتشعر كذات السنام، وأما الغنم فلا يُسَنُّ إشعارُها؛ لأنها ضعيفة،
وصوفها وشعرها يستر موضع إشعارها، انتهى.
وقال القسطلاني(٣): إن لم يكن لها سنام، أشعر موضعه، هذا مذهب
الشافعية، وهو ظاهر ((المدونة)). وفي ((كتاب محمد)): لا تشعر؛ لأنه تعذيب
(١) انظر ((الشرح الكبير)) (٨٨/٢، ٨٩).
(٢) «المغني)) (٤٥٥/٥).
(٣) ((إرشاد الساري)) (٢٤٥/٤).
٥٢٧

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ
يَقُولُ: الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ،
فيقتصر فيه على ما ورد، وقال القسطلاني في موضع آخر: مذهب الشافعي
وموافقيه أنه يستحب تقليد البقر وإشعارها، وقال المالكية: في البقرة التقليد
دون الإشعار، انتهى ..
وفي ((مناسك النووي)): إن كانت بدنة أو بقرة استحبّ أن يقلدها وأن
يشعرها أيضاً، وهو أن يضرب صفحة سنامها اليمنى، وإن ساق غنماً استحبّ
أن يقلّدها خِرَب القِرَبِ، ولا يقلدها النعل، ولا يشعرها؛ لأنها ضعيفة، قال
ابن حجر في ((شرحه)): قوله: صفحة سنامها هو في الإبل واضح، وأما البقر
فلا سنام لها، فليضربها في محله لو كان لها، أخذاً مما في ((المجموع)) عن
النصّ، وقوله: لا يقلّدها بالنعل ولا يشعرها؛ لأن الأول: خلاف الأولى،
والثاني: حرام، انتهى.
وفي ((شرح اللباب)): الإبل تقلّد وتجلّل وتشعر، والبقر لا تشعر، بل
تجلّل وتقلّد، والغنم لا يفعل بها شيء من الثلاثة، انتهى.
فحاصل مذاهب الأئمّة في ذلك، أن الإشعار في الإبل والبقر مطلق عند
الشافعية والحنابلة، وأمّا عند المالكية ففي الإبل قولان: المرجح: الإشعار
مطلقاً، والثاني: التقييد بالسنام، وفي البقر ثلاثة أقوال: الإثبات والنفي
المطلقان، والثالث المرجح عندهم إشعار ذات السنام، وأمّا عند الحنفية فلا
إشعار في البقر، وأمّا الغنم فلا إشعار فيه إجماعاً، بل يحرم عند الجمهور.
(مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يقول:
الهدي ما قُلِّد) ببناء المجهول، وتقدم أن التقليد سنّة بالإجماع في الإبل والبقر،
ومختلف في الغنم، وأنكر ابن حزم التقليد في البقر (وأَشْعِرَ) ببناء المجهول
أيضاً، وتقدّم الخلاف في حكمه، هل هو سنّة أو حسن أو مكروه؟ ثلاثة أقوال
للعلماء فيه، واختلفوا أيضاً في كيفيّته.
٥٢٨

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ .
قال الأبيّ في ((الإكمال))(١): اختلف في كيفية الإشعار، فلمالك في
((المدونة)): أنه يشعر عرضاً، وقال ابن حبيب: طولاً، وفسّر الباجي الطول بأنه
من المقدّم إلى المؤخر، قال: وإنما كان كذلك، لينتشر الدم، ولو كان عرضاً
كان يسيراً، ثم جمع بينهما بعدما بسط في حقيقة الطول والعرض بأن المراد
من العرض في كلام الإمام مالك، هو أيضاً من الذنب إلى العنق.
(ووقف) ببناء المجهول (به) أي بالهدي (بعرفة) قال الباجي: يريد أن
هذا الهدي الكامل الصفات والفضائل، وقال الزرقاني: فغيره ليس بهدي إن
اشتراه بمكة أو منى، ولم يخرج به إلى الحلِّ، وعليه بدله، فإن ساقه من الحل
استحبّ وقوفه بعرفة، هذا قول مالك وأصحابه، كما في (الاستذكار))(٢).
قال الباجي(٣): الأصل في ذلك أن الهدي من شرطه أن يجمع فيه بين
الحل والحرم، ولا يجزئ من اشتراه بالحرم أن ينحره بالحرم، دون أن يخرجه
إلى الحل، هذا مذهب مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن اشتراه في
الحرم، ونحره فيه أجزأه، والدليل على ما نقوله أن النبيّ وَّ جمع في هديه
بين الحلّ والحرم؛ لأنه قلده، وأشعره بذي الحليفة، وساقه إلى البيت.
وقال الموفق(٤): ليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم،
ولا أن يقفه بعرفة، لكن يستحبّ ذلك، وروي هذا عن ابن عباس، وبه قال
الشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا
يرى الهدي إلاّ ما عُرِّفَ به، ونحوه عن سعيد بن جبير، وقال مالك: أحبّ
(١) ((الإكمال)) (٣/ ٣٧٣).
(٢) (١٢/ ٢٧١).
(٣) ((المنتقى)) (٣١٤/٢).
(٤) ((المغني)) (٣٠٢/٥).
٥٢٩

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
للقارن أن يسوق هديه من حيث يحرم، فإن ابتاعه من دون ذلك، مما يلي مكة
بعد أن يقفه بعرفة، جاز، ولنا، أن المراد من الهدي نحره، ونفع المساكين
بلحمه، بهذا لا يقف على شيء مما ذكروه، ولم يرد بما قالوه دليل يوجبه،
فبقي على أصله، انتهى.
قلت: وتوضيح مسلك المالكية ما في الدردير(١): قال: نُدِب وقوفه
بالهدي المواقف كلها وهي عرفة، والمشعر الحرام، ومنى، ومصب الندب
على الجميع، فلا ينافي أن وقوفه بعرفة جزء من الليل شرط، وهذا فيما ينحر
بمنى، وأمّا ما ينحر بمكة، فالشرط فيه الجمع بين الحل والحرم فقط، ونُدِب
النحر بمنى بالشروط الثلاثة الآتية، والمعتمد وجوب النحر بمنى، عند استيفاء
هذه الشروط، فإن نحره بمكة مع استيفائها صحّ مع مخالفة الواجب، إن كان
سيق في إحرام حج، ولو كان موجبه نقصاً في عمرة، أو كان تطوّعاً، ووقف به
هو أو نائبه جزءاً من ليلة النحر، واحترز بقوله: أو نائبه، عن وقوف التجار،
إذ ليسوا نائبين عنه.
والشرط الثالث: أن يكون النحر بأيام النحر، فإن انتفت هذه الشروط،
أو شيء منها، بأن ساقه في عمرة، أو لم يقف به بعرفة، أو خرجت أيام
النحر، فمحل نحره مكة وجوباً، ولا يجزئ بمنى ولا غيرها، وأجزأ النحر بها
إن خرج الهدي لحِلِّ ولو بالشراء منه؛ إذ شرط كل هدي الجمع بين الحل
والحرم، انتهى مختصراً .
وحاصله: أن الجمع بين الحل والحرم شرط لكل هدي، ثم إن كان
الهدي في إحرام الحج يندب نحره بمنى، لكنه يتوقف على ثلاثة شروط، وبعد
تحقّق هذه الثلاثة، يجب نحره بمنى على المعتمد، واستحسن أهل الفروع
الحنفية التعريف بهدايا الشكر دون غيرها .
(١) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٨٥/٢).
٥٣٠

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ
يُجَلِّلُ بُدْنَهُ الْقُبَاطِيَّ، وَالأَنْمَاطَ، وَالْخُلَلَّ،
(مالك، عن نافع أن عبد الله عمر) - رضي الله عنهما - (كان يجلّل) بضم
الياء وفتح الجيم وكسر اللام المشدّدة (بدنه) بضمّ أوله وسكون الدال ويضم،
جمع بدنة، بفتحتين أي يكسوها الجلال بكسر جيم وخفة لام، جمع جل بضم
جيم، هو الذي يُظْرح على ظهر الحيوان من الإبل والفرس والحمار والبغل،
وهذا من حيث العرف، لكن العلماء قالوا: إن التجليل مختصٌّ بالإبل من كساء
ونحوها، كذا في ((العيني))(١).
(القباطي) بضم القاف على ما ضبطه صاحب ((المحلى))، جمع القبطي
بالضم، ثوب رقيق من كَثَّان يُعْمل بمصر، نسبة إلى القبط بكسر على غير
قياس، فرقاً بين الأنساب والثوب، وبسط النووي في ((تهذيبه)) الاختلاف في
ضم القاف وكسرها في القبطية، ثم قال: واتفقوا على أن جمعها قباطي - بفتح
القاف ـ وهي ثياب تعمل بمصر، كذا قاله الهروي والجمهور، وقال الزبيدي:
هو ثوب من كتَّان يُتَّخَذ بمصر.
(والأنماط) بفتح همزة جمع نمط بفتحتين، ثوب من صوف ذو لون من
ألوان، ولا يكاد يقال للأبيض: نمط، قاله الزرقاني (٢). وقال الباجي: هي ثياب
ديباج، وفي ((المجمع)): هي ضرب من البسط له خمل رقيق. (والحلل) جمع حلة
بضم الحاء، وهي برود اليمن، ولا تسمّى حُلّة إلاّ أن تكون ثوبين من جنس واحد،
كذا في ((المجمع))، قال الباجي(٣): يريد أنه كان يكسوها إياها إذا أهداها، وهذا
يقتضي أن تجلل الأبيض والملوّن والخز والكتان وسائر أنواع الثياب، وقال مالك:
ولا تجلل بالمخلق، وغير ذلك من الألوان خفيف، والبياض أحبّ إلينا، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (٣١٤/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٦/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٣١٤/٢).
٥٣١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
وفي ((العيني)): قال ابن بطال: كان مالك وأبو حنيفة والشافعي يرون
تجليل البدن، وسيأتي عن ((بهجة النفوس)) الاتّفاق على عدم وجوب التجليل.
وقال الأبيّ في ((الإكمال)) (١): تجليل البدن ليس بلازم، ولكن مضى عليه
عمل السلف وأئمّة الفتوى، وتجلّل بعد الإشعار، لئلا تتلطخ بالدم، والجلال
على قدر سعة حال المهدي، انتهى.
قال الباجي: هذا في الإبل، وأما البقر والغنم فلا تجلل، قاله مالك في
((المبسوط))، ووجه ذلك أن التجليل زيادة على الهدي بعد كماله على وجه
المبالغة في تحسينه وتمامه، والهدي من البقر والغنم ناقص في باب الهدي،
إنما يخرج عند الاقتصار على الإجزاء والضرورة إليه لمن لم يجد غيره، فلا
معنى لتجليله؛ لأن الاقتصار على الأدون منه ينافي التجليل الذي هو زيادة على
الأفضل، ولأن يجعل ثمن الجلال في فضل جنس الهدي أولى، من أن يجعله
فیما تبع الهدي، انتھی.
قال الدردير (٢): ونُدِب تجليل الإبل بأن يضع عليها شيئاً من الثياب بقدر
وسعه، والبياض أولى، قال الدسوقي: أي وأما البقر والغنم فلا تجلّل، كما
في ((التوضيح)) عن ((المبسوط))، وفي ((شرح مسلم)) للنووي، قال القاضي:
التجليل سنّة، وهو عند العلماء مختص بالإبل، وهو مما اشتهر من عمل
السلف، وممن رآه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق، انتهى.
وفي ((الهداية))(٣): التقليد أولى من التجليل؛ لأن له ذكراً في الكتاب،
ولأنه للإعلام، والتجليل للزينة، وفي ((شرح اللباب)): التقليد أفضل من
(١) (٤٠٩/٣).
(٢) (الشرح الكبير)) (٨٩/٢).
(٣) (١٥٤/١).
٥٣٢
--- -

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ، فَيَكْسُوهَا إِيَّاهَا .
وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ: مَا كَانَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ بِجِلَالِ بُدْنِهِ، حِينَ كُسِيَتِ الْكَعْبَةُ هُذِهِ
الْكِسْوَةَ؟
التجليل، وإن جلّله مع التقليد فحسن، وتركه لا يضرّ؛ لأنه ليس بسنّة بل
مستحسن، وقال أيضاً: الإبل تقلّد وتجلل وتشعر، والبقرة لا تشعر بل تقلّد
وتجلَّل، لكن يستحب التجليل، والتقليد أحبّ منه، والجمع بينهما أفضل،
والغنم لا يفعل بها شيء من ذلك أي من الأشياء الثلاثة، انتهى.
(ثم يبعث بها) أي بالجلال (إلى الكعبة فيكسوها إياها) الضمير الأوّل إلى
الكعبة، والثاني إلى الحلل، قال الباجي(١): يريد أنه كان يرى أن هذا أحقّ ما
صرفت إليه، إذا كانت البدن لها تعلق بالبيت، وكانت تجلّل، وكانت الكعبة
مما يشرع كسوتها، فكان ما يليق بها مصروفاً إليها، انتهى.
وقال أبو عمر (٢): لأن كسوتها من القرب وكرائم الصدقات، وكانت
تكسى من زمن تُبَّع الحميري، ويقال: إنه أوّل من كساها، فكان ابن عمر
يجمل بها بدنه؛ لأنّه ما كان لله، فتعظيمه وتجميله من تعظيم شعائر الله، ثم
يكسوها الكعبة، فيحصل على فضيلتين وعملين من البرّ.
قلت: وهذا كان في أوّل الأمر، ثم كان يتصدّق بها، كما سيأتي قريباً،
وسيأتي أيضاً الكلام على بدء الكسوة.
(مالك أنه سأل عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر - رضي الله عنهما - (ما
كان عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (يصنع بجلال) بكسر الجيم وخفة لام
جمع جل، كما تقدم قريباً (بدنه) جمع بدنة (حين كسيت) ببناء المجهول
(الكعبة هذه الكسوة) المعروفة، قال صاحب ((المحلى)): يعني الديباج، وأوّل
(١) ((المنتقى)) (٣١٤/٢).
(٢) ((الاستذكار)) (١٢ /٢٧٣).
٥٣٣

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
قَالَ: كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا .
من كساها ابن الزبير، وكانت كسوتها المنسوج، انتهى.
وذكر في ((التعليق الممجد))(١): لعلّ المراد بها ما كساها به عبد الملك بن
مروان من الديباج، وكان قبل ذلك في زمن الخلفاء تكسى بالقباطي، كما بسطه
العيني، انتهى. وسيأتي شيء من ذلك في آخر الحديث، ويأتي فيه أيضاً أن
عمل ابن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا كان أمر الكسوة إلى العامة، ثم
صار أمرها إلى الأمراء تصدق بها .
(فقال) ابن دينار (كان) ابن عمر (يتصدّق بها) أي بالجلال، قال
الباجي(٢): معنى ذلك أن جلال البدن كانت كسوة الكعبة، وكانت أولى بها
من غيرها، فلمّا كُسِيَتِ الكعبة، رأى أن الصدقة بها أولى من غير ذلك؛ لأن
الهدي وإن كان له تعلق بالبيت، فإن مصرفه إلى المساكين ومستحقّي الصدقة،
ويحتمل أن يكون ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يكسو جلال بدنه الكعبة،
قبل أن يعلم أن النبيّ ◌َ﴿ كان يقسم جلال بدنه، فلما علم ذلك رجع إليه
وأخذ به، انتھی.
وقال المهلب: ليس التصدّق بجلال البدن فرضاً، وإنما صنع ذلك ابن
عمر رضي الله عنهما؛ لأنه أراد أن لا يرجع في شيء أهداه لله، ولا في شيء
أضيف إليه، وأخرج محمد في ((موطئه)) (٣) برواية نافع: أن ابن عمر - رضي الله
عنهما - كان يجلّلها بالحلل والقباطي والأنماط، ثم يبعث بجلالها، فيكسوها
الكعبة، قال: فلما كسيت الكعبة هذه الكسوة أقصر من الجلال، ثم أخرج عن
مالك قال: سألت عبد الله بن دينار ما كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يصنع
(١) (٤٢٣/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٤/٢).
(٣) انظر ((التعليق الممجد)) (٤٢٤/٢)، قوله: أقصر، بفتح الهمزة: صيغة ماضٍ، أي ترك ما
كان يفعله من بعثها إلى الكعبة لعدم الاحتجاج إليه.
٥٣٤

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
بجلال بدنه حتى أقصر عن تلك الكسوة؟ قال: كان يتصدّق بها، ثم قال: قال
محمد: وبهذا نأخذ .. ينبغي أن يتصدّق بجلال البدن وبخُطُمِها، ولا يعطي
الجَزَّارَ من ذلك شيئاً ولا من لحومها .
بلغنا أن النبيّ بَّ بعث مع عليّ بن أبي طالب بهدي، فأمر أن يتصدّق
بجلاله بخطمه، وأن لا يعطي الجَزَّار من خطمه وجلاله شيئاً .
قلت: وحديث عليّ هذا معروف، أخرجه الشيخان وأصحاب السنن إلاّ
الترمذي، ولفظ البخاري في ((باب التصدّق بجلود الهدي)) عن عليّ - رضي الله
عنه -: أن النبيّ ◌َ﴾ أمره أن يقوم على بدنه، وأن يقسم بدنه كلها لحومها
وجلودها وجلالها، ولا يعطي في جزارتها شيئاً، قال ابن خزيمة: المراد
بقوله: ((يقسمها كلها)) على المساكين إلاّ ما أمر به من كل بدنة ببضعة فطبخت،
كما في حديث جابر الطويل عند مسلم، قال: والنهي عن إعطاء الجزار المراد
به أن لا يعطي منها عن أجرته.
وكذا قال البغوي في ((شرح السنة))، قال: وأمّا إذا أعطى أجرته كاملة،
ثم تصدّق عليه إذا كان فقيراً، كما يتصدّق على الفقراء، فلا بأس بذلك، وقال
غيره: إعطاء الجزّار على سبيل الأجرة ممنوع، لكونه معاوضة، وأما إعطاؤه
صدقة أو هديةً أو زيادة على حقه، فالقياس الجواز، ولكن إطلاق الشارع ذلك
قد يُفهم منه منع الصدقة؛ لئلا تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه، فيرجع
إلى المعاوضة .
قال القرطبي: ولم يرخص في إعطاء الجَزَّار منها في أجرته، إلا الحسن
البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير، واستدلّ به على منع بيع الجلد، قال
القرطبي: فيه دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم
وإعطائها حكمه، وقد اتّفقوا على أن لحمها لا يباع فكذلك الجلود والجلال،
وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو وجه للشافعية، قالوا:
٥٣٥

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
ويصرف ثمنه مصرف الأضحية، واستدلّ أبو ثور على أنهم اتّفقوا على جواز
الانتفاع به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعورض باتّفاقهم على جواز
الأكل من لحم هدي التطوّع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه.
وأقوى من ذلك في ردّ قوله ما أخرجه أحمد في حديث قتادة بن النعمان
مرفوعاً: ((لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصرفوا، وكلوا، واستمتعوا
بجلودها، ولا تبيعوا))، الحديث، كذا في ((الفتح)) (١)، وفي ((بهجة النفوس)): لم
يروَ عن أحد من السلف فيما أعلم وجوب الصدقة بجلالها ولا وجوب
تجليلها .
وفي ((العيني))(٢): قال أصحابنا يتصدّق بجلال الهدي وزمامه؛ لأنه وَ ل
أمر علياً - رضي الله عنه - بذلك، والظاهر أن هذا الأمر أمر استحباب،
انتهى. وفي (شرح اللباب))(٣): يستحب التصدق بخطامها وجلالها كما في
(المحيط))، انتھی.
وفي (القسطلاني)) (٤): قال الشافعي في القديم: يتصدّق بالنعال وجلال
البدن، وقال المرداوي من الحنابلة في ((تنقيحه)): له أن ينتفع بجلدها وجلها،
أو يتصدّق به، ويحرم بيعهما وشيء منهما، وقال المالكية: وخطام الهدايا كلها
وجلالها كلحمها، فحيث يكون اللحم مقصوراً على المساكين يكون الجلال
والخطام كذلك، وحيث يكون اللحم مباحاً للأغنياء والفقراء يكون الخطام
والجلال كذلك تحقيقاً للتبعية، فليس له أن يأخذ من ذلك، ولا يأمر بأخذه في
(١) انظر ((فتح الباري)) (٥٥٦/٣) رقم الحديث (١٧١٧).
(٢) (عمدة القاري)) (٤٥/١٠/٥).
(٣) (ص٢٤٢).
(٤) ((إرشاد الساري)) (٤/ ٢٦٧).
٥٣٦
-- --- --

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
الممنوع من أكل لحمه، فإن أمر أحداً بأخذ شيء من ذلك فلو أخذه ردّه وإن
أتلفه غرم قيمته للفقراء، انتهى.
قال الدردير: الزمام والجلال كاللحم في المنع والإباحة، فيجري فيهما
ما جرى من التفصيل فيما لا يجوز أن يأكل منه، لا يجوز له أن يأخذ شيئاً من
خطامه أو جلاله، فإن أخذ شيئاً أو أمر به، ضمن قيمة ما أخذ فقط إن تلف
وإلاّ ردّه. قال الدسوقي(١): قوله: ضمن قيمته أي ويلزمه صرفها على
المساكين، وهذا فيما ليس له الأكل منه، وأمّا ما له الأكل منه، فلا يطالب
بقيمة الخطام والجلال إذا أخذهما، ويفعل بهما ما شاء، كما نقله - رحمه الله -
عن سند خلافاً لما يقتضيه كلام عبق من صرفها لهم مطلقاً، انتهى.
قلت: وقوله: ما أخذ فقط، احتراز عن أكل لحوم الممنوع، فإن الواجب
فيه عندهم الهدي الكامل، كما صرَّح به الدسوقي.
وأمّا كسوة الكعبة فعملٌ مستمرٌّ من زمن الجاهلية، قال النووي في
((مناسكه)): قال الأزرقي: قال ابن جريج: كان تُبَّعُ الحميري أوّلَ من كسا
البيت كسوة كاملة أُري في المنام أن يكسوها، فكساها الأنطاع، ثم أُري في
المنام أن يكسوها الوصائل، وهي ثياب جرة من عصب اليمن، ثم كساها
الناس بعده في الجاهلية.
ثم روى الأزرقي في روايات متفرقة حاصلها: أن النبيّ و 8﴿ه كسا الكعبة
ثياباً يمانية، ثم كساها أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير ومن بعدهم،
وأن عمر - رضي الله عنه - كان يكسوها من بيت المال، فيكسوها القباطي،
وكساها ابن الزبير ومعاوية الديباج، وكانت تكسى يوم عاشوراء، ثم كان
معاوية يكسوها مرتين، ثم كان المأمون يكسوها ثلاث مرات، فيكسوها الديباج
(١) ((حاشية الدسوقي)) (٩١/٢).
٥٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٨) حديث
الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم هلال رجب، والأبيض يوم سبع وعشرين
من رمضان، وهذا الأبيض ابتدأها المأمون سنة ٢٠٦ هـ حين قالوا له: الديباج
الأحمر يتخرّق قبل الكسوة الثانية، فسأل عن أحسن ما تكون فيه الكعبة، فقيل
له: الديباج الأبیض، ففعله، انتھی.
وأيضاً بسطه الحافظ في ((الفتح)) (١)، وقال بعد ما حكى الروايات
المختلفة: فحصلنا في أول من كساها مطلقاً على ثلاثة أقوال: إسماعيل عليه
السلام وعدنان وتُبَّعٌ، وهو أسعد المذكور في رواية أخرى، ويجمع بينها إن
كانت ثابتة بأن إسماعيل عليه السلام أوّل من كساها مطلقاً، وأما تُبَّعٌ فأوّلُ من
كساها ما ذكر، يعني الأنطاع والوصائل، وأما عدنان فلعلّه أوّل من كساها بعد
إسماعيل، وحكي عن الواقدي عن إبراهيم بن أبي ربيعة قال: كسي البيت في
الجاهلية الأنطاع، ثم كساه رسول الله ول# الثياب اليمانية، ثم كساه عمر -
رضي الله عنه - وعثمان - رضي الله عنه - القباطي، ثم كساه الحجّاجُ الديباجَ.
وروى الفاكهي بإسناد حسن عن سعيد بن المسيّب قال: لما كان عام
الفتح أتت امرأة تُجَمِّرُ الكعبةَ، فاحترقت ثيابها، وكانت كسوة المشركين،
فكساها المسلمون بعد ذلك، وروى الفاكهي بإسناد صحيح عن ابن عمر -
رضي الله عنهما -: أنه كان يكسو بُدُنَّهُ القباطي والحبرات يوم يقلّدها، فإذا كان .
يوم النحر نزعها، ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان، فناطها على الكعبة، زاد
في رواية صحيحة أيضاً: فلما كست الأمراء الكعبة جللها القباطي، ثم تصدّق
بها، وهذا يدلّ على أن الأمر كان مطلقاً للناس.
ويؤيّده ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن علقمة بن أبي علقمة عن أمّه
قالت: سألت عائشة - رضي الله عنها - أنكسو الكعبة؟ قالت: الأمراء
(١) انظر ((فتح الباري)) (٤٥٨/٣).
٥٣٨
----

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٩) حديث
٨٣٩/ ١٤٧ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: فِي الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ، الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ.
يكفونكم، وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: أُخبرت أن عمر - رضي الله عنه -
كان يكسوها القباطي، وأخبرني غير واحد: أن النبيّ ◌َلّر كساها القباطي
والحبرات وأبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -، وأوّل من كساها
الديباج عبد الملك بن مروان.
ثم قال: وحصلنا في أول من كساها الديباج على ستة أقوال: خالد أو
نتيلة أو معاوية أو يزيد أو ابن الزبير أو الحجاج، وجمع بينها، ثم قال: وذكر
الفاكهي: أن أوّل من كساها الديباج الأبيض المأمون بن الرشيد، واستمرّ
بعده، وكسيت في أيام الفاطميين الديباج الأبيض، وكساها محمد بن سبكتكين
ديباجاً أصفر، وكساها الناصر العباسي ديباجاً أخضر، ثم كساها ديباجاً أسود،
فاستمرّ إلى الآن، انتهى مختصراً.
١٤٧/٨٣٩ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يقول في الضحايا) جمع ضحية كهدية وهدايا، ما يذبح في يوم من أيام
النحر على وجه التقرّب، قاله القاري، وفي ((البذل))(١): فيه أربع لغات،
أضحية بضم الهمزة وكسرها جمعهما الأضاحي بتشديد الياء وتخفيفها، واللغة
الثالثة ضحية وجمعها ضحايا كعطية وعطايا، وأضحاة بفتح الهمزة وجمعها
أضحى، وبها سمّي يوم الأضحى، انتهى.
(والبدن) بسكون الدال وضمّها جمع بدنة متحركة (الثني) ككريم (فما
فوقه) أي فما يكون أكبر من الثني، وفي ((التعليق الممجد)) (٢): الثني من الإبل
ما له خمس سنين، وطعن في السادسة، ومن البقر ما له سنتان، وطعن في
(١) ((بذل المجهود)) (٣/١٣).
(٢) (٦١٠/٢).
٥٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٩) حديث
الثالثة، ومن الغنم ما له سنة وطعن في الثانية، كذا قال القاري، انتهى. وفي
(الدر المختار)) (١): الثني ابن خمس من الإبل، وحولين من البقر، وحول من
الشاة، انتهى.
قال ابن رشد(٢): أما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثني فما فوقه يجزئ
منها، وأنه لا يجزئ الجذع من المعز في الضحايا والهدايا؛ لقوله وصله لأبي
بردة: ((يجزئ عنك ولا يجزئ عن أحد بعدك))، واختلفوا في الجذع من
الضأن، فأكثر أهل العلم يقولون: بجوازه في الهدايا والضحايا، وكان ابن عمر
- رضي الله تعالى عنهما - يقول: لا يجزئ في الهدايا إلا الثني من كل جنس.
وقال الخرقيّ: ما لزم من الدماء، فلا يجزئ إلا الجذع من الضأن
والثني من غيره.
قال الموفق(٣): هذا في غير جزاء الصيد، مثل هدي المُتْعة وغيره، فلا
يجزئ إلا الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثني من غيره، وثني
المعز له سنة، وثني البقر له سنتان، وثني الإبل له خمس سنين، وبهذا قال
مالك والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر
والزهري: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء، وقال عطاء والأوزاعي: يجزئ
الجذع من كل شيء إلا المعز.
ولنا، على الزهري، ما روي عن أم بلال عن أبيها أن رسول الله وعليه
قال: لا يجوز إلا الجذع من الضأن أضحية، وعن عاصم بن كليب: كنّا مع
رجل من أصحاب النبيّ وَّر يقال له: مجاشع، فعَزَّتِ الغنم فأمر منادياً، فنادى
(١) (٦٣٥/٣).
(٢) (بداية المجتهد)) (١/ ٤٣٣).
(٣) ((المغني)) (٤٥٩/٥).
٥٤٠