Indexed OCR Text

Pages 441-460

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢١) حديث
قال الرازي في ((الكبير)) (١): إن تعلق الآية بما قبلها من وجوه، الأول:
أن الله تعالى بَيَّنَ أنه إنما حَوَّلَ القبلةَ إلى الكعبة، ليتمّ إنعامه على محمدٍ وَّل
وأمّته بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قال: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾، وكان
السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم، على ما ذكر في قصة بناء الكعبة،
وسعي هاجر بين الجبلين، فلما كان الأمر كذلك، ذكر الله هذا الحكم عقيب
تلك الآية.
والثاني: أنه تعالى لما قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾(٢)، إلى
قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾، قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾(٣)، وإنما
جعلهما كذلك؛ لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل، مما جرى عليهما من
البلوى، واستدلّوا بذلك على أن من صبر على البلوى، لا بدّ أن يصل إلى
أعظم الدرجات وأعلى المقامات.
والثالث: أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة، أحدها: ما يحكم العقل
بحسنه، لا في أول الأمر، فذكر هذا القسم أولاً، وهو قوله: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ
وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾(٤)، فإن كل عاقل يعلم، أن ذكر المنعم بالمدح
والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول، وثانيها: ما يحكم العقل
بقبحه في أوّل الأمر، إلاّ أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه، مثل إنزال
الآلام والفقر والمحن، فإن ذلك كالمستقبح في العقول، إلاّ أن الشرع لما ورد
به وبيّن الحكمة فيه، وهي الابتلاء والامتحان على ما قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ
(١) ((تفسير الرازي)) (١٥٦/٤).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٥٥.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٥٨.
(٤) سورة البقرة: الآية ١٥٢.
٤٤١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢١) حديث
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ
الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ اُلْأَمْوَالِ﴾(١)، فحينئذٍ يعتقد المسلم حسنه، وكونه حكمة
وصواباً .
وثالثها: الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه، بل يراه
كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرّة، مثل أفعال الحجّ من السعي بين الصفا
والمروة، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأوّلين؛ ليكون قد نبّه
على جميع أقسام تكاليفه، ذاكراً لكلّها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء.
(﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾) جبلا السعي اللذان يُسْعَى من أحدهما إلى الآخر،
والصفا في الأصل جمع صفاة، وهي الصخرة والحجر الأملس، والمروة في
الأصل حجر أبيض برّاق، قاله القسطلاني. وبسط الرازي في اشتقاقهما. (﴿مِن
شَعَّيْرِ اللَّهِ﴾) من أعلام دينه، جمع شعيرة، وهي العلامة، وفي ((التفسير
العزيزي)): جمع شعيرة أو شعارة بمعنى العلامة، ويطلق في عرف الشرع على
أمكنة العبادة كالكعبة، وأزمنتها كشهر رمضان، وعلامتها كالختان وغيرها.
قال الرازي(٢): أمّا شعائر الله، فهي أعلام طاعته، وكل شيء جعل علماً
من أعلام طاعة الله، فهو من شعائر الله، وشعائر الحج معالم نسكه، ومنه
المشعر الحرام، ومنه إشعار السنام، والشعائر جمع شعيرة، وهو مأخوذ من
الإشعار الذي هو الإعلام، ومنه قولك: شعرت بكذا، أي علمت، والشعائر
إمّا أن نحملها على العبادات أو على النسك، أو نحملها على مواضع العبادات
والنسك، فإن قلنا بالأول حصل في الكلام حذف؛ لأن نفس الجبلين لا يصح
وصفهما بأنهما دين ونُسك، فالمراد به أن الطواف بينهما والسعي من دين الله
تعالى، وإن قلنا بالثاني استقام ظاهر الكلام؛ لأن هذين الجبلين يمكن أن يكونا
(١) سورة البقرة: الآية ١٥٥.
(٢) ((تفسير الرازي)) (١٥٦/٤).
٤٤٢

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢١) حديث
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فَمَا
عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلّا، لَوْ كَانَ
كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا،
موضعين للعبادات، وكيف كان، فالسعي بينهما من شعائر الله ومن أعلام دينه،
والسعي ليس عبادة تامّة في نفسه، بل إنما يصير عبادة، إذا صار بعضاً من أبعاض
الحج، فلهذا السر بَيَّنَ الله تعالى الموضع الذي يصير فيه السعي عبادة.
فقال: (﴿فَمَنْ حَجَّ أَلْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾)(١)، أي إثم عليه،
وأصل الجناح الميل، وقيل: الميل إلى الباطل، كما بسطه الرازي (﴿أَنْ يَطَّوَفَ)
بتشديد الطاء أصله يتطوّف، فأبدلت التاء طاء لقرب مخرجهما، وأدغمت الطاء في
الطاء (﴿بِهِمَا﴾) أي يسعى بينهما (فما على الرجل)، ولفظ البخاري: ((فوالله ما
على أحد جناح)) (شيء) من الإثم والملام (أن لا يطوف بهما) إذ مفهوم الآية، أن
السعي ليس بواجب؛ لأنها دلت على نفي الجناح، وذلك يدلّ على إباحته مساوي
الطرفين من الفعل والترك.
قال الحافظ(٢): محصله أن عروة احتجّ للإباحة باقتصار الآية على رفع
الجناح، فلو كان واجباً لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد
المستحب بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك، ومحصل
جواب عائشة - رضي الله عنها - أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرّحة
برفع الإثم عن الفاعل، أما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة
في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين، انتهى.
(قالت عائشة) رادّةً عليه (كلا) استفتحت كلامها بكلا على معنى التأكيد
في الردع، وأخبرته أنه (لو كان) الأمر (كما تقول لكانت) الآية (فلا جناح عليه
أن لا يَطَوّف بهما) بزيادة حرف النفي، كما قرئ به في الشواذ، ثم بيَّنت عائشة
(١) سورة البقرة: الآية ١٥٨.
(٢) (فتح الباري)) (٤٩٩/٣).
٤٤٣

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢١) حديث
إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هُذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةٌ
حَذْوَ قُدَیْدٍ ،
أن الاقتصار في الآية على نفي الإثم على الفاعل له سبب خاص فقالت: (إنما
نزلت هذه الآية في الأنصار) بالراء المهملة في جميع نسخ ((الموطأ))، وروايات
((الصحيحين)) وغيرهما، وعزاه الخطابي لأكثر الروايات، وأن في بعضها
الأنصاب بالموحدة بدل الراء، قال: فإن كان محفوظاً فهو جمع نصب، وهو
ما ينصب من الأصنام؛ ليعبد من دون الله، انتهى.
(كانوا يُهِلُّون) أي يحجّون قبل أن يسلموا، كما في رواية البخاري (لمناةَ)
بميم مفتوحة فنون مخفّفة مجرور بالفتحة للعلمية والتأنيث، وسُمِّيت مناة؛ لأن
النسائك كانت تُمْنَى، أي تراق عندها، اسم صنم كان في الجاهلية، وقال ابن
الكلبي: كانت صخرةً نصبها عمرو بن لحي لهذيل، فكانوا يعبدونها، كذا في
(الفتح))، وفي ((المجمع)): صنم بين مكة والمدينة لهذيل وخزاعة، وهاؤه
للتأنيث، وسيأتي قريباً أنه كان للأنصار وغسان، فلعلّه يكون لجميعهم، ولفظ
البخاري: لمناة الطاغية، قال الحافظ: والطاغية صفة إسلامية لمناة.
(وكانت مناة حذو) بفتح المهملة وسكون المعجمة، أي مقابل (قديد)
بضم القاف، وفتح الدال المهملة، بعدها تحتية ثم مهملة، قرية جامعة بين مكة
والمدينة كثيرة المياه، قاله البكري. وفي رواية البخاري(١): ((التي كانوا
يعبدونها عند المشلل)) بميم مضمومة، فشين معجمة مفتوحة، فلامين، الأولى
مشددة مفتوحة، ثنية مشرفة على قديد، وكان لغيرهم صنمان، بالصفا إساف
بكسر الهمزة وتخفيف السين المهملة، وبالمروة نائلة بالنون، والهمزة والمد.
قال الأبي: إنما هما فيما يقال: رجل اسمه إساف بن عمرو، وامرأة
اسمها نائلة بنت وهب، زنيا في داخل الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فنصبا
(١) أخرجه البخاري في الحج (١٦٤٣)، باب وجوب الصفا والمروة.
٤٤٤

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢١) حديث
وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
عند الكعبة، وقيل: على الصفا والمروة، ليعتبر الناس بهما ويتّعظوا، ثم
حوّلهما قصي بن كلاب، فجعل أحدهما ملاصق الكعبة، والآخر بزمزم، ونحر
عندهما، وأمر بعبادتهما، فلما فتح النبيّ وَّة مكة كسرهما.
(وكانوا) أي الأنصار التي تُهِلُّ لمناة (يتحرّجون) بالحاء المهملة والجيم،
يحترزون ويتأثّمُون (أن يطوفوا) في الجاهلية (بين الصفا والمروة) لكراهيتهم
ذينك الصنمين، وحبّهم صنمهم الذي بالمشلل أي مناة، وفي مسلم(١) من رواية
سفيان عن الزهري: وإنما كان من أهل المناة الطاغية التي بالمشلل، لا
يطوفون بين الصفا والمروة، وفيه أيضاً من رواية يونس عن الزهري: أن
الأنصار كانوا قبل أن يُسلموا، هْمُ وغسان يُهِلَّون لمناة، وكان ذلك سنّة في
آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة.
وفي رواية معمر عن الزهري: إنّا كنّا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيماً
لمناة، أخرجه البخاري تعليقاً، ووصله أحمد وغيره، فطرق الزهري متفقة،
وظاهرها أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة، ويقتصرون
على الطواف بمناة، فسألوا عن حكم الإسلام في ذلك، وتحرّجوا في الطواف
بينهما، لتحرّجهم في الجاهلية .
وأخرج مسلم من طريق أبي معاوية عن هشام هذا الحديث: فخالف
جميع ما تقدم، ولفظه: ((إنما كان ذلك؛ لأن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية
الصنمين على شط البحر، يقال لهما: إساف ونائلة، فيطوفون بين الصفا
والمروة، ثم يحلون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا
يصنعون في الجاهلية))، فهذه الرواية تخالف ما تقدم في أمرين، الأول: أنهما
كانا على شطّ البحر، والثاني: أنها تقتضي أن تحرُّجهم إنما كان لئلا يفعلوا في
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٧٧)، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحجّ إلا به.
٤٤٥

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢١) حديث
الإسلام شيئاً كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ لأن الإسلام أبطل أفعال الجاهلية،
إلاّ ما أذن الشارع، وهذا لم يرد فيه الإذن، أما الأول فوهمٌ، قال الحافظ (١):
نبّه عليه عياض، فقال: قوله: ((لصنمين على شط البحر)) وهم، فإنهما ما كانا
قطّ على شط البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، إنما كانت مناة مما يلي
جهة البحر، انتهى.
وقال الأبي(٢): كذا وقعت هذه الرواية، وهو غلط، والصواب ما في
الأخرى (يُهِلُّون لمناة)) وهو المعروف؛ لأن مناةَ صنمٌ كان نصبه عمرو بن لحي
في جهة البحر، قال ابن الكلبي: مناة صخرة لهذيل، وأما إساف ونائلة فلم
يكونا بجهة البحر، انتهى. وكذا حكاه النووي عن القاضي عياض مفصّلاً.
وأما الثاني فيجمع بما تقدم، أن الأنصار والعرب كانوا فريقين،
أحدهما: عُبَّادُ مناة ومحبّوها، وثانيهما: عباد إساف ونائلة، وعُبَّاد الصفا
والمروة، فتحرّجوا بعد الإسلام، لئلا يُضاهي فعلُهم فعلَ الجاهلية، ويؤيّد ذلك
حديث أنس عند البخاري بلفظ: ((أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟
قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ﴾)) الآية.
وروى النسائي بإسناد قوي عن زيد بن حارثة قال: كان على الصفا
والمروة صنمان من نُحاس يقال لهما: إساف ونائلة، كان المشركون إذا طافوا
تمسحوا بهما ... الحديث. وروى الطبراني وابن أبي حاتم في ((التفسير))
بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال: قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا
والمروة من أمر الجاهلية، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَاِرٍ
اللهِ ﴾ الآية .
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٠/٣).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٨٩/٣).
٤٤٦

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢١) حديث
.
وروى الفاكهي وإسماعيل القاضي في ((الأحكام)) بإسناد صحيح عن
الشعبي، قال: كان صنم بالصفا يُدْعَى إساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان
أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى بهما، وقالوا: إنما كان
ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما،
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾، وذكر الواحدي في ((أسبابه)) عن ابن
عباس نحو هذا، وزاد فيه: يزعم أهل الكتاب: أنهما زنيا في الكعبة فمسخا
حجرين، فوضعا على الصفا والمروةٍ، ليُعْتبر بهما، فلما طالت المدة عُبِدا،
والباقي نحوه. وروى الفاكهي بإسناد صحيح إلى أبي مجلز نحوه.
وفي (كتاب مكة)) لعمر بن شبّة بإسناد قوي عن مجاهد في هذه الآية،
قال: قالت الأنصار: إن السعي بين هذين من أمر الجاهلية، فنزلت، فهذا كلّه
يؤيّد رواية أبي معاوية المذكور في مسلم.
قال الحافظ (١): ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين،
منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من
كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهري، واشترك الفريقان في الإسلام
على التوقف عن الطواف بينهما؛ لكونه كان عندهم جميعاً من أفعال
الجاهلية، فيجمع بين الروايتين بهذا، وقد أشار إلى نحو هذا الجمع
البيهقي، انتهى.
قلت: وهذا الجمع أولى مما ذكره الحافظ من الاحتمال الثاني من
الحذف والاختصار في الروايات، ويؤيّده نصّاً ما في رواية البخاري وغيره من
الزيادة في حديث الباب، قال الزهري: فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن،
فقال: إن هذا لِعِلْمٌ ما كنتُ سمعتُه، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يذكرون
(١) (فتح الباري)) (٥٠١/٣).
٤٤٧

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢١) حديث
فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ،فَ لهَ عَنْ ذُلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ
أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ .
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٧٩ - باب وجوب الصفا والمروة،
وجُعِلَ من شعائر الله.
:
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٤٣ - باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة
ركن لا يصح الحجّ إلّا به، حديث ٢٥٩ و٢٦٠ و٢٦١.
أن الناسَ إلاّ مَنْ ذكرت عائشة - رضي الله عنها - ممن كان يُهِلُّ بمناة، كانوا
يطوفون كلهم بالصفا والمروة، الحديث(١).
قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): كان السبب في نزول هذه الآية
عند عائشة سؤال من كان لا يطوف بهما في الجاهلية لأجل إهلاله لمناة،
وعلى ما ذكر ابن عباس وأبو بكر بن عبد الرحمن، أن ذلك كان لسؤال من
كان يطوف بين الصفا والمروة، وقد كان عليهما الأصنام، فتجنب الطواف بهما
بعد الإسلام، وجائز أن يكون سبب نزولها سؤال الفريقين، انتهى.
(فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله وَيّر عن ذلك) أي عن السعي بين
الصفا والمروة (فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ
حَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾(٣)) تقدم تفسير الآية
قريباً، والحكمة في التعبير بهذا السياق مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهّموا
من كونهم كانوا يفعلونه في الجاهلية، أنه لا يستمر في الإسلام، فخرج
الجواب مطابقاً لسؤالهم.
(١) أخرجه البخاري (١٦٤٣) ((فتح الباري)) (٤٩٨/٣).
(٢) (٩٦/١).
(٣) سورة البقرة: الآية ١٥٨.
٤٤٨

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٢) حديث
١٣٠/٨٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّ
سَوْدَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، كَانَتْ عِنْد عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَرَجَتْ
تَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فِي حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ، مَاشِيَةً. وَكَانَتِ أَمْرَأَةً
ثَقِيلَةً، فَجَاءَتْ حِينَ أَنْصَرَفَ النَّاسُ مِنَ الْعِشَاءِ، فَلَمْ تَقْضِ طَوَافَهَا،
حَتَّى نُودِيَ بِالأَولَى مِنَ الصُّبْحِ، فَقَضَتْ طَوَافَهَا، فِيَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ.
قال الباجي(١): قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾، بيان أنه لا يريد
بقوله: ((فلا جناح)) الإباحة، وإنما هو إنكار على من يظن أن في ذلك إثماً
وحرجاً، وبمنزلة أن يسأل سائل عن صيام رمضان، هل فيه إثم؟ فيقال: هو
فرض، فلا يأثم به أحد، وأجاد شيخ المشايخ مولانا الشاه عبد العزيز
الدهلوي في ((تفسيره)) تفسير الآية بالاختصار.
١٣٠/٨٢٢ - (مالك، عن هشام بن عروة؛ أن سودة بنت عبد الله بن عمر)
لم أجد ترجمتها (كانت تحت) وفي النسخ المصرية: كانت عند (عروة بن
الزبير) أي في نكاحه (فخرجت) إلى المسعى (تطوف بين الصفا والمروة) الجملة
حال مقدرة، ويحتمل أن تكون مستأنفة، كذا في ((المحلى)) (في حج أو عمرة)
شٌّ من الراوي (ماشية) حال من ضمير تطوف (وكانت امرأة ثقيلة) كناية عن
سمنها (فجاءت) إلى المسعى (حين انصرف الناس من) صلاة (العشاء) لتطوف
ولتسعى ليلاً؛ لأنه أستر، وتقلّ الزحمة في المسعى إذ ذاك (فلم تقض) أي لم
تتمّ (طوافها) أي السعي بينهما (حتى نودي) ببناء المجهول (بالأول) أي بالأذان
الأول (من) أذاني (الصبح) وفي نسخة الباجي بالأولى من الصبح، والتأنيث
باعتبار الدعوة، فإنه ◌َ﴿ل سمّاه بها، كما ورد عند سماعه: اللّهمّ ربّ هذه
الدعوة التامّة والصلاة القائمة، الحديث. قال القاري: سمّي الأذان دعوة؛ لأنه
يدعو إلى الصلاة والذِّكر، انتهى.
(فقضت) أي أكملت (طوافها فيما بينها) أي صلاة العشاء (وبينه) أي بين
(١) ((المنتقى)) (٣٠٢/٢).
٤٤٩

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٢) حديث
:
النداء الأول، أو فيما بين الأولى من الصبح، وبين انصراف الناس عن صلاة
العشاء، والمؤدى واحد، وهو أنها لثقلها لا تكمل طوافها، إلا فيما بين العشاء
إلى الصبح، ومع ذلك لم ترخص في الركوب مع ثقلها وشدّة تعبها في السعي.
قال الباجي(١): وكانت امرأة ثقيلة لا تكمل طوافها لثقلها، إلاّ فيما بين
العشاء وبين الأذان للصبح، ومع ذلك كانت تطوف بينهما ماشية، ولا تترخص
بالركوب، وقد روى معمر أنها كانت تستريح في أثناء سعيها، ومعنى ذلك أن
الجلوس في أثناء السعي لعذرٍ، ليس بممنوع ما لم يخرج إلى حد القطع،
وذلك أن فيه معونة على العبادة، وتسبّباً إلى إتمامها، وأما الجلوس لغير علّة
فممنوع في الجملة؛ لأنه قطع لما شرع فيه من العبادة التي حكمها الاتّصال،
فإن فعل فقال أشهب: إن كان شيئاً خفيفاً، فلا شيء عليه، وبئس ما صنع،
وإن طال الجلوس حتى يكون تاركاً للسعي الذي كان فيه، فإنه يستأنف ولا
یبني .
ووجه ذلك أنها عبادة، حكمها الاتّصال، فإذا شغل فيها بعمل يسير ليس
منها لم يقطعها، وإذا كان في حكم التارك لها لطول جلوسه، فقد عدم ما يثبت
عليه من الاتّصال، فوجب استئنافها، فإن لم يستأنف وأتمّ سعيه على ما تقدّم
منه، فقال أشهب: لا شيء عليه، ووجه ذلك أن اتّصاله ليس بشرط في
صحته، وإنما هو من صفاته وأحكامه وفضائله، انتهى.
وقال الدسوقي(٢): إن انتقض وضوؤه، أو تذكَّر حدثاً، أو أصابه حقن
استحبّ له أن يتوضأ ويبني، فإن أتمّ سعيه. كذلك أجزأه. واستخفَّ مالك
اشتغاله بالوضوء، ولم يره مخلاً بالموالاة الواجبة في السعي ليسارته، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٣٠٢/٢).
(٢) ((حاشية الدسوقي)) (٤٣/٢).
٤٥٠

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٢) حديث
قلت: وسيأتي في ((الموطأ)) عن مالك: أنه لم يحب الوقوف للتحدث.
وقال الموفق(١): أما السعي بين الصفا والمروة، فظاهر كلام أحمد أن
الموالاة غير مشترطة فيه، فإنه قال في رجل كان بين الصفا والمروة، فلقيه قادم
فيسلم عليه ويسائله؟، قال: نعم، أمر الصفا سهل، إنما كان يكره الوقوف في
الطواف بالبيت، فأما بين الصفا والمروة فلا بأس. وقال القاضي: تشترط
الموالاة فيه قياساً على الطواف. وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد. والأول
أصح، فإنه نسك لا يتعلق بالبيت، فلم تشترط له الموالاة كالرمي والحلاق.
وقد روى الأثرم: أن سودة بنت عبد الله بن عمر امرأة عروة بن الزبير
سعت بين الصفا والمروة، فقضت طوافها في ثلاثة أيام، وكانت ضخمة، وكان
عطاء لا يرى بأساً أن يستريح بينهما، ولا يصح قياسه على الطواف؛ لأن
الطواف يتعلق بالبيت، وهو صلاة، وتشترط له الطهارة والستارة، فاشترطت له
الموالاة بخلاف السعي، انتهى.
وقال النووي: يستحب الموالاة بين مرات السعي وبين الطواف والسعي،
فلو تخلّل بينهما فصل لم يضرّ، بشرط أن لا يتخلّل بينهما ركن، فلو طاف
للقدوم، ثم وقف بعرفة لم يصح سعيه بعد الوقوف مضافاً إلى طواف القدوم،
بل عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة، وإذا لم يتخّل ركن، فلا فرق بين تأخير
السعي عن الطواف وتأخير بعض مرات السعي عن بعض، وكذا بعض مرات
الطواف عن بعض، حتى لو رجع إلى وطنه، ومضى عليه سنون كثيرة، جاز أن
يبني على ما مضى من سعيه وطوافه، لكن الأفضل الاستئناف، انتهى.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (٢): ومن قطع طوافه لعذر، أو لكلل بنى
(١) ((المغني)) (٢٤٨/٥).
(٢) (١٨٩/٥).
٤٥١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٢) حديث
وَكَانَ عُرْوَةُ، إِذَا رَآهُمْ يَطُوفُونَ عَلَى الدَّوَابِّ، يَنْهَاهُمْ أَشَدَّ
النَّهْي. فَيَعْتَلُّونَ بِالْمَرَضِ حَيَاءً مِنْهُ، فَيَقُولُ لَنَا، فِيمَا بَيْنَا وَبَيْنَهُ: لَقَدْ
خَابَ هُؤُلَاءِ وَخَسِرُوا .
على ما طاف، وكذلك السعي؛ لأنه قد طاف ما طاف كما أمر، فلا يجوز
:
إبطاله، فلو قطعه عابثاً فقد بطل طوافه؛ لأنه لم يطف كما أمر، انتهى. وعَدَّ
:
:
أصحاب الفروع من الحنفية كالقاري في ((شرح اللباب))(١) وغيره في غير
الموالاة بين أشواط السعي وبين أجزاء الشوط الواحد من السنن، حتى حكى
القاري عن ((الكبير)): لو فرق السعي تفريقاً كثيراً، كأن سعى كل يوم شوطاً، أو
أقلّ لم يبطل سعيه، ويستحبّ أن يستأنف، يعني إن فعله بغير عذر، انتهى.
(وكان عروة إذا رآهم) أي الناس (يطوفون على الدواب) والمراكب
(ينهاهم أشدّ النهي فيعتلّون) بفتح التحتانية وتشديد اللام افتعال من العلّة، أي
يتمسكون يقال: اعتلّ فلان، إذا تمسك بحجة (له بالمرض حياء منه) أي من
عروة، ولا يكونون مرضى في الحقيقة (فيقول) عروة (لنا فيما بيننا وبينه) أي
مخاطباً لنا خاصة (لقد خاب هؤلاء) من أجر من أتى بالعبادة على الوجه
المأمور به (وخسروا) ما غنم من أتى بالعبادة على وجهها .
قال الباجي(٢): وقد روي عن ابن أبي مليكة أنه قال لعائشة: أي أمتاه!
ما منعك من العمرة عام الأول، فقد انتظرناك؟ فقالت: الصفا والمروة لا
أستطيع أن أمشي بينهما، وأكره أن أركب بينهما. وروي عن مجاهد: لا
يركب بينهما إلا من ضرورة، وبه قال مالك، فإن كانت ضرورة فقد قال ابن
نافع: لا بأس أن يسعى الرجل راكباً من مرض أو نحو ذلك، وقال عطاء:
يركب بينهما من شاء، والدليل على ما نقول ما روي عنه وَ ل أنه سعى ماشياً،
(١) (ص٩٨).
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٢/٢).
٤٥٢

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٢) حديث
وأفعاله على الوجوب، ومن جهة القياس أنه سعي ذو عدد سبع، فكان حكمه
المشي مع القوة أصل ذلك الطواف، انتهى.
وقال ابن عبد البرّ في ((التمهيد)) (١): ومما يدلّ على كراهة الطواف راكباً
من غير عذر أني لا أعلم خلافاً بين علماء المسلمين، أنهم لا يستحبون لأحد
أن يطوف بين الصفا والمروة على راحلته راكباً، ولو كان طوافه وَلّه راكباً لغير
عذر، لكان ذلك مستحباً عندهم، أو عند من صحّ عنده منهم، وقد روينا عن
عائشة وعروة كراهية أن يطوف أحد بين الصفا والمروة راكباً، وهو قول جماعة
الفقهاء، وأما مالك فلا أحفظ له فيه نصّاً، إلاّ أنه قال: من طاف بالبيت
محمولاً، أو راكباً من غير عذر، لم يجزه وأعاد. وكذلك السعي بين الصفا
والمروة عندي في قوله: بل السعي أوكد ماشياً، لما ورد فيه من اشتداد
رسول الله قال في سعيه ماشياً على قدميه. وقال الليث بن سعد: الطواف
بالبيت وبين الصفا والمروة سواء لا يجزئ واحد منهما راكباً، إلا أن يكون له
عذر، وكذلك قال أبو ثور: من سعى بين الصفا والمروة راكباً لم يجزه؛ وعليه
أن يعيده. وقال مجاهد: لا يركب إلا من ضرورة، وهو قول مالك، انتهى.
قلت: وكذلك قالت الحنفية، فقد عَدّ القاري في ((شرح اللباب)) السعي
ماشياً في الواجبات، وأوجب الدم بترك المشي بلا عذر، وكذا في ((رد
المحتار))(٢) و((البدائع))(٣) و((الغنية)) وغيرها، وعَدَّه النووي في السنن، فقال:
الخامسة الأفضل أن لا يركب في سعيه إلا لعذر، كما سبق في الطواف،
انتهى. قال ابن حجر في ((شرحه)»: صريح في عدم كراهة الركوب ولو لغير
عذر، وهو كذلك، بل قال في ((المجموع)) اتفاقاً، وما نقله الترمذي وغيره عن
(١) (٩٥/٢).
(٢) (٥٦٩/٢).
(٣) (٣١١/٢).
٤٥٣

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فِي عُمْرَةٍ،
فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى يَسْتَبْعِدَ مِنْ مَكَّةَ: أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَسْعَى،
الشافعي من كراهته إلا لعذر ضعيف، لكن يؤيّده أن فيه خروجاً من خلاف من
منع الركوب، انتهى.
وكذلك عند الحنابلة، فقد قال الموفق(١)، بعدما حكى اختلاف روايات
الإمام أحمد الثلاثة في الطواف: فأما السعي راكباً فيجزئه لعذر ولغير عذر؛
لأن المعنى الذي منع الطواف راكباً غير موجود فيه، انتهى. وكذا في ((الشرح
الكبير))(٢) لابن قدامة، ولكن عَدَّ صاحب ((نيل المآرب)) المشي مع القدرة في
شرائط صحة السعي، وكذا صاحب ((الأنوار الساطعة)).
ولا يذهب عليك أن السعي في كلامهم يطلق على معنيين، الأول:
المشي بين الصفا والمروة، وهو المذكور لههنا، والثاني: شدة المشي بين
الميلين الأخضرين، وهو مندوب وسنّة عند الجمهور، منهم الحنفية، كما بسط
في فروعهم، وهو المرجح عند المالكية، كما سيأتي قريباً .
(قال مالك: من نسي السعي بين الصفا والمروة في عمرة، فلم يذكر حتى
يستبعد من مكة) أي يخرج منها حتى يصير بعيداً منها (أنه يرجع فيسعى) أي
يجب عليه الرجوع إلى مكة والسعي، قال الباجي (٣): معناه أنه يسعى بعد أن
يقدم من الطواف ما يلزم أن يتّصل به السعي، وقد روى ذلك ابن عبد الحكم
عن مالك، ولا نعلم فيه خلافاً في المذهب، ووجه ذلك أن من سنة السعي
اتّصاله بالطواف؛ لأنه ركن من أركان الحج، لا تعلق له بالبيت، فوجب أن
يتعقّب ما له تعلق بالبيت، فإذا كان من سنّته اتّصاله بالطواف، لزم إعادة
الطواف ليتعقبه السعي، انتهى.
(١) ((المغني)) (٢٥١/٥).
(٢) (٤١٥/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٣٠٣/٢).
٤٥٤

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٢) حديث
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ، فَلْيَرْجِعْ، فَلْيَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. حَتَّى
يُتِمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةَ، ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى، وَالْهَدْيُّ.
(وإن كان قد أصاب النساء) وأفسد العمرة (فليرجع) إلى مكة أيضاً (فليسع
بين الصفا والمروة. حتى يتمّ ما بقي عليه من تلك العمرة) لأن ركنها وهو
السعي باقٍ عليه، والحاصل: أن الرجوع إلى مكة واجبٌ، سواء أفسدها
بالوطء وغيره أو لم يفسدها، ولا فرق بينهما في وجوب الرجوع وإتمام ما
بقي، وإنما الفرق بينهما في وجوب القضاء، فلو أفسدها بالوطء وغيره يجب
القضاء أيضا .
ولذا قال: (ثم عليه) بعدما أتمّ العمرة الفاسدة (عمرة أخرى) قضاء لما
أفاتها (والهدي) أيضاً في القضاء للفساد، وقال الباجي: لأننا قد بينًا أن السعي
بينهما من أركان نسك الحج أو العمرة، فالمكلّف ما لم يأت بذلك باقٍ على
إحرامه، لا يخرج عنه بتحلّله، كما لو ترك طوافه بالبيت، وذلك مبنيّ على
مسألتين، إحداهما: أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة، والثانية: أن
النسك لا يخرج منه بالتحّل قبل التمام، فإذا كان السعي بينهما من أركان
الحج والعمرة لم يتم إلا به، فلا يصح الخروج منهما قبل الإتيان به، فيرجع
من حيث ذكره باقياً على إحرامه، فإن كان لم يدخل على إحرامه فساداً رجع،
فأتمّ نسكه، وإن كان قد أدخل عليه فساداً رجع، فأتم عمرته التي أفسد، ثم
قضاها وأهدى، انتهى.
وأمّا عند الحنفية ففي ((شرح اللباب))(١): لو ترك السعي كلّه أو أكثره،
فعليه دم لتركه الواجب، وحجّه تام أي صحيح، لكنه ناقص يجبر بالدم خلافاً
للشافعي، فإنه يقول: إنه ركن لا يتمّ الحجّ إلاّ به، ثم قال: وكذا الحكم في
سعي العمرة، انتهى.
(١) (ص١٩٤).
٤٥٥

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٢) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌ، عَنِ الرَّجُلِ يَلْقَاهُ الرَّجُلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
فَيَقِفُ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ؟ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ لَهُ ذُلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ نَسِيَ مِنْ طَوَافِهِ شَيْئاً، أَوْ شَكَّ فِيهِ، فَلَمْ يَذْكُرْ
إِلَّا وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ سَعْيَهُ، ثُمَّ يُتِمُّ طَوَافَهُ
بِالْبَيْتِ، عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ،
(وسئل) ببناء المجهول (مالك) الإمام (عن الرجل يلقاه الرجل) الآخر
(بين الصفا والمروة) أي وهو ساع (فيقف معه يحدثه) أي يشتغل معه في
التكلم، (فقال: لا أحب له ذلك)(١). قال في ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة:
إنه يكره الحديث في الطواف والسعي، إذا كان يشغله عن غيره، وكذا البيع
والشراء، كما في ((الحاوي))، انتهى.
قلت: وبذلك قالت الجمهور، كما تقدم قريباً؛ أن الموالاة من سنن
السعي حتى قيل بوجوبها .
(قال مالك: من نسي من طوافه شيئاً) شوطاً أو أكثر (أو شكّ فيه) أي في
الطواف هل أتمّه أم لا؟ قال الباجي(٢): من شكّ في شوط من طوافه وهو
يسعى، فإنه يرجع، فيتمّ طوافه على ما استيقن، ثم يعيد الركعتين والسعي،
ووجه ذلك أنه يلزمه أن يأتي بالطواف على يقين، ليتحقّق براءة ذمّته، فعليه أن
يتم الطواف على اليقين، ثم يأتي بعده بما هو بعده في الرتبة، انتهى. (فلم
يذكر) ذلك (إلا وهو يسعى بين الصفا والمروة، فإنه يقطع سعيه، ثم يتم طوافه
بالبيت على ما يستيقن) فيبني على الأقل كما تقدم مفصّلاً.
قال الباجي: فإن كان بقي عليه شوط أو أكثر من ذلك بنى عليه، وإن
(١) قال ابن عبد البر: إن العلماء يكرهون الكلام بغير ذكر الله في الطواف بالبيت وبين الصفا
والمروة إلا فيما لا بدّ منه لأنه موضع ذكر ودعاء. ((الاستذكار)) (١٢ /٢٢٤).
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٤/٢).
٤٥٦

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٣) حديث
وَيَرْكَعُ رَكْعَتَي الطَّوَافِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ سَعْيَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
١٣١/٨٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾، كَانَ، إِذَا نَزَلَ مِنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
كان بقي عليه بعض شوط، فهل يتم ذلك الشوط أو يبتدئه؟ الذي يقتضيه قول
أصحابنا أنه يبتدئ الشوط من أوّله، انتهى. (ويركع ركعتي الطواف) أي
يعيدهما بعد إتمام الطواف باليقين (ثم يبتدئ سعيه بين الصفا والمروة) ولا يعتدّ
بما سعى قبل ذلك؛ لأن صحته بتقدم الطواف، قاله الزرقاني(١).
وقال الباجي: فعليه أن يتم الطواف على اليقين، ثم يأتي بما هو بعده في
الرتبة، انتهى.
قلت: وعند الحنفية إتيان أكثره، وهو أربعة أشواط يقوم مقام الكل،
فيكفي الدم لو ترك الأقل من طواف الزيارة، أو طواف العمرة، ولكل شوط
صدقة في الأقل من طواف الصدر، واختلف في موجب طواف القدوم، كما
بسط في ((شرح اللباب))(٢) .
١٣١/٨٢٣ - (مالك، عن جعفر) الصادق (بن محمد عن أبيه) الباقر (عن
جابر بن عبد الله) - رضي الله عنهما - (أن رسول الله وَ لو كان، إذا نزل بين
الصفا والمروة) اختلفت نسخ ((الموطأ)» في هذه الكلمة جداً، ففي جميع النسخ
الهندية غير ((المصفى)): بين الصفا والمروة، وفي ((المصفى))(٣): إذا نزل من
الصفا والمروة، وكذلك في أكثر النسخ المصرية، وكذا في نسخة ((التنوير))(٤)،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٨/٢).
(٢) انظر (ص١٩١).
(٣) (٣١٧/١).
(٤) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٤٣).
٤٥٧

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٣) حديث
وعلى هامش ((المنتقى))(١): ((إذا نزل من الصفا مشى))، يعني بإسقاط لفظ
المروة، والبداية بلفظة ((من))، وفي الزرقاني (٢): ((إذا نزل بين الصفا والمروة))،
كذا رواه ابن وضَّاح، ولابن يحيى بإسقاط قوله: ((المروة))، وكأنه اكتفى بلفظ
(بین)) المفيدة لذلك، انتهى.
:
وحاصله: إسقاط لفظ المروة مع إثبات لفظ ((بين))، وفي ((التمهيد))(٣)
لابن عبد البرّ: ((إذا نزل بين الصفا والمروة)»، هكذا قال يحيى عن مالك في
هذا الحديث: ((إذا نزل بين الصفا والمروة))، وغيره من رواة ((الموطأ)) يقول:
((إذا نزل من الصفا مشى، حتى إذا انصبت قدماه في بطن المسيل سعى))، ولا
أعلم لرواية يحيى وجهاً إلا أن تحمل ما رواه الناس؛ لأن ظاهر قوله: ((نزل
بين الصفا والمروة)) يدلّ على أنه كان راكباً، فنزل بين الصفا والمروة، وقول
غيره: ((نزل من الصفا))، والصفا جبل لا يحتمل إلا ذلك.
وقد يمكن أن يكون اشتبه على يحيى برواية ابن جريج عن أبي الزبير عن
جابر: ((أن رسول الله ◌َ# طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين
الصفا والمروة))، إلى آخر ما بسطه.
وعُلِم من ذلك كلّه، أن الصواب في رواية يحيى بين الصفا والمروة،
والأوجه ما في رواية غيره من الصفا والمروة، والمعنى إذا نزل من الصفا في
شوط ومن المروة في آخر، ويمكن أن يؤول إليه لفظ يحيى كما لا يخفى،
ولفظ محمد في ((موطئه)) (٤): ((حين هبط من الصفا مشى، حتى إذا انصبّت
(١) (٣٠٥/٢).
(٢) (٣١٨/٢).
(٣) ((التمهيد)) (٢ / ٩٣).
(٤) (ص١٦٠).
٤٥٨

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٣) حديث
مَشَى حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَْنِ الوَادِي، سَعَى حَتَّى يَخْرُجَ
منه.
أخرجه مسلم في الحديث الطويل، في صفة الحجّة النبوية، عن جابر في:
١٥ - كتاب الحج، ١٩ - باب حجة النبيّ ◌َّل، حديث ١٤٧.
قدماه))، الحديث. وفي حديث جابر الطويل عند أبي داود، وبرواية حاتم بن
إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بلفظ: ((فبدأ بالصفا فرقي عليه
حتى رأى البيت، فكبّر الله وحده، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبّت قدماه
رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد، مشى حتى أتى المروة)).
ولفظ مسلم بهذا السند: «فبدأ بالصفا، فرقي عليه ثم نزل إلى المروة،
حتى انصبّت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدتا. مشى حتى أتى المروة))
(مشى) على هينته (حتى إذا انصَبَّتْ قدماه) قال عياض: جاز من قولهم: صبّ
الماء وانصبَّ أي انحدرت (في بطن الوادي) أي المسعى، وهو في الأصل
مَفْرَجٌ بين جبال أو تلال أو آكام، كذا في ((القاموس))، قاله القاري. (سعى) أي
عدا وأسرع في المشي، وفي رواية مسلم وغيره، بدله: (رمل))، وهو بمعنى
سعى (حتى يخرج منه)، أي من المسعى، فيمشي على عادته، إلى أن يصعد
على الجبل الآخر، قال الباجي(١): السعي بين العلمين، وهو الذي يقتضيه
الحديث المذكور، وقد أعلمت الخلف ذينك الموضعين، حتى صار إجماعاً.
وصفة السعي أن يكون سعيها بين سعيين، وهو الخَبَبُ، رواه محمد عن
أشهب عن مالك، فإن ترك السعي ببطن المسيل، فقد اختلف فيه قول مالك،
قال في ((المبسوط)): قد كان مرة يقول: عليه الدم، ثم رجع، فقال: لا شيء
عليه، وإنما ذلك على الرجال دون النساء، انتهى.
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٢): واختلف قول مالك وأصحابه، فيمن
(١) ((المنتقى)) (٣٠٥/٢).
(٢) (١٠٣/٢).
٤٥٩

٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٣) حدیث
ترك الرمل في الطواف والهرولة في السعي، ثم ذكر ذلك وهو قريب، فمرة قال
مالك: يعيد، ومرة قال: لا يعيد. وبه قال ابن القاسم، واختلف قول مالك
أيضاً، فيما حكاه ابن القاسم عنه، هل عليه دم مع حاله هذه، إذا لم يعد أم لا
شيء عليه؟ فمرة قال: لا شيء عليه، ومرة قال: عليه دم، وقال ابن القاسم:
هو خفيف، ولا يرى فيه شيئاً، وكذلك روى ابن وهب في ((موطئه)) عن مالك:
أنه استخفّه، ولم يرَ فيه شيئاً، وروى معن بن عيسى عن مالك: أن عليه دماً،
وقال ابن القاسم: رجع عنه مالك، وقال عبد الملك بن الماجشون: عليه دم،
وهو قول الحسن البصري وسفيان الثوري، انتهى.
قلت: وصرّح أصحاب الفروع المالكية، كالشيخ خليل وغيره بسنية
الإسراع بين الميلين، وخصّ الدردير ذلك بالذهاب إلى المروة فقط، لا في
العود منها إلى الصفا، لكن رجّح الدسوقي (١) التعميم، وقال النووي: في هذا
الحديث استحباب السعي الشديد في بطن الوادي، حتى يصعد، ثم يمشي باقي
المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من
المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو
مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة، هذا مذهب
الشافعي وموافقيه، انتهى.
وقال الموفق(٢): إن الرمل في بطن الوادي سنّة مستحبة؛ لأن النبيّ
وَسَّام
صَ لى الله
سعى، وسعى أصحابه، فروت صفية بنت شيبة عن أم ولد شيبة قالت: رأيت
رسول الله ◌َّ يسعى بين الصفا والمروة، ويقول: ((لا يُقْطَعُ الأبطحُ إلّا شدّاً)»
وليس ذلك بواجب، ولا شيء على تاركه، فإن ابن عمر - رضي الله عنهما -
قال: إن أسْعَ بين الصفا والمروة فقد رأيتُ رسولَ الله وَّهِ يسعى، وإن أمْشِ
(١) ((حاشية الدسوقي)) (٤١/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٣٨/٥).
٤٦٠
-----