Indexed OCR Text
Pages 421-440
٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٦) حديث فَرَجَعْتُ حَتَّى ذَهَبَ ذُلِكَ عَنِّي، ثُمَّ أَقْبَلْتُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ عِنْدَ بَاب الْمَسَجِدِ هَرَقْتُ الدِّمَاءَ، فَرَجَعْتُ حَتَّى ذَهَبَ ذُلِكَ عَنِّي، ثُمَّ أَقْبَلْتُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ هَرَقْتُ الدِّمَاءَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّمَا ذُلِكِ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَاغْتَسِلِي (فرجعت) إلى بيتي (حتى ذهب ذلك عني) في هذا اليوم أو في يوم آخر (ثم أقبلت) ثانياً (حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقتُ الدماء، فرجعتُ حتى ذهب ذلك عني، ثم أقبلت) ثالثاً (حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية من ذكرها الرجوع ثلاث مرات، ورقم في النسخ الهندية على الأخيرة علامة النسخة إشارة إلى أنه وقع في بعض النسخ ذكر الرجوع مرتين، وذكره في ((موطأ محمد)) أيضاً ثلاثاً (فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - اتّباعاً لما روي عن النبيّ 18َ في أبواب الاستحاضة: (إنما ذلك) بكسر الكاف (ركضة من الشيطان) والركض ضرب بالرجل، ولا ينافيه ما تقدم في ((باب الاستحاضة)). إنما ذلك عرق انفجر؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا ركض ذلك العرق، سال منه الدم، وللشيطان في هذا العرق الخاص تصرف، وله به اختصاص بالنسبة إلى جميع عروق البدن، كذا في ((التعليق الممجد))(١) عن ((آكام المرجان في أخبار الجان))، ويحتمل أن يكون النسبة إليه مجازاً؛ لأنه يحبه لما يدخل على المرأة في ذلك من الإلباس، انتهى. (فاغتسلي) قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد به الاغتسال من الحيض على حسب ما تفعله المستحاضة، ويحتمل أن يريد غسل ما بها من الدم، إن كان لم يجعل لها حكم الحيض، انتهى. وسيأتي البسط فيه عن سحنون وغيره. (١) (٣٦٩/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٦/٢). ٤٢١ ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٦) حديث ثُمَّ اسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، ثُمَّ طُوفِي. قال القاري: لعلّ أمرها بالغسل لتقدم حيضها، أو لتكميل طهارتها ونظافتها، وإلا فالمستحاضة تتوضأ إذا استمرّ دمها لكل وقت، وأمّا إذا نسيت عادتها، فيجب عليه لكل صلاة غسل، انتهى. (ثم استثفري) بالمثلثة والفاء أي تلجَّمي، والاستثفار أن تشُدَّ فرجها بخرقة عريضة، بعد أن تحتشي قطناً، وتوثقي طرفيها بشيء تشدّه على وسطها من ثفر الدابة التي يجعل تحت ذنبها، كذا في ((التعليق)) عن ((المجمع)) وغيره، (بثوب) يريد أن تتوقّى به مما يجري منها من الدم (ثم طوفي) قال محمد(١): وبهذا نأخذ، هذه المستحاضة، فلنتوضأ، وتستثفر بثوب، ثم تطوف، وتصنع ما تصنع الطاهرة، وهو قول أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا، انتهى. قال سحنون في كتاب ((تفسير الغريب)): سألت ابن نافع: أذلك من المرأة بعدما تلومت أيام الحيض، ثم شكت طول ذلك بها ومعاودته إياها؟ قال: لا، ولكن ذلك فيما نرى في يوم واحد ذهبت ثم رجعت، وذهبت ثم رجعت، ثم سألت، فرآه ابن عمر - رضي الله عنهما - من الشيطان، وقال غيره: يحتمل أنها ممن قعدت عن المحيض، فلا يكون ذلك دم حيض، وأمرها بالغسل احتياطاً، ويحتمل أنه رآها كالمستحاضة، والحيض له غاية ينتهي إليها، وقال أبو عمر: أفتاها ابن عمر - رضي الله عنهما - فتوى من علم أنه ليس بحيض، وقد رواه جماعة من رواة ((الموطأ)) بلفظ: ((أن عجوزاً استفتت ... إلخ))، ودلّ جوابه أنها ممن لا تحيض لقوله: ((ركضة)) يريد الاستحاضة، ولذا قال لها: طوفي، وإنما يحلّ الطواف لمن تحلّ له الصلاة، وأما قوله: ((اغتسلي)) فعلى مذهبه من ندب الاغتسال للطواف، لا أنه اغتسال للحيض، ولا لازم، (٢) انتهى (٢) (١) ((التعليق الممجد)) (٣٦٩/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٢/٢). ٤٢٢ --- ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٧) حديث ١٢٥/٨١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبى وَقَّاصٍ، كَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ مُرَاهِقاً خَرَجَ إِلَى عَرَفَةَ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ١٢٥/٨١٧ - (مالك، أنه بلغه أن سعد بن أبي وقاص، كان إذا دخل مكة مراهقاً) بفتح الهاء وكسرها، يعني ضاق عليه الوقت، حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة (خرج إلى عرفة، قبل أن يطوف بالبيت) طواف القدوم، (و)قبل أن يسعى (بين الصفا والمروة) لأنه مرتب على الطواف، ولم يجد له وقتاً (ثم يطوف) للإفاضة (بعد أن يرجع) عن منى، ويسقط عنه طواف القدوم لعذر ضيق الوقت. قال الباجي(١): يريد أنه يقتصر على طواف الإفاضة بعد الرجوع من منى، إلاّ أنه يسعى بعد الرجوع من منى، وإنما يسقط عنه ما كان يلزم غير المراهق من طواف الورود، فاقتصر على طواف الإفاضة، الذي يفعل بعد الرجوع من منى، ولا بد له لمن طاف طواف الورود، ولمن لم يطفه؛ لأنه من أركان الحج، إلاّ أنه من طاف طواف الورود، وسعى بعده لم يسع بعد طواف الإفاضة، ومن لم يطف للورود سعى بعد طواف الإفاضة؛ لأن السعي لا يكون إلا بعد طواف واجب، انتهى. (قال مالك: وذلك) أي ترك طواف الورود (واسع) أي جائز لضيق الوقت (إن شاء الله) للتبرّك، قال الباجي(٢): وقد روى محمد عن مالك أن للمراهق تعجيل الطواف وتأخيره، وقال أشهب: إن قدم يوم عرفة أحببت تأخير طوافه، وإن قدم يوم التروية أحببت تعجيله، وله في التأخير سعة، رواه عنه محمد. وفي ((المختصر)) عن مالك: إن قدم يوم عرفة، فليؤخر إن شاء، وإن شاء طاف (١) ((المنتقى)) (٢٩٧/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٧/٢). ٤٢٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٧) حدیث وَسُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يَقِفُ الرَّجُلُ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، يَتَحَدَّثُ وسعى، وإن قدم يوم التروية معه أهله، فليؤخر إن شاء، فإن لم يكن معه أهله، فلطف ولیسع؛ لأن حاله أخفّ واشتغاله أقل، وقول مالك: ذلك واسع، یرید أن ترك طواف الورود للمراهق واسع، ولا حرج عليه، ويحتمل أن اللفظ للتخيير، وهو فيه أظهر، انتهى. وبذلك قالت الحنفية والشافعية: إن طواف القدوم يسقط إذ ذاك. قال النووي في ((مناسكه)): من لم يدخل مكة قبل الوقوف، فليس في حقه طواف القدوم، بل الطواف الذي يفعله بعد الوقوف، هو طواف الإفاضة، فلو نوى به طواف القدوم وقع عن طواف الإفاضة، انتهى. وفي ((الهداية)(١): إن لم يدخل المحرم مكة، وتوجه إلى عرفات، ووقف بها، سقط عنه طواف القدوم؛ لأنه شرع في ابتداء الحج على وجه يترتب عليه سائر الأفعال، فلا يكون الإتيان به على غير ذلك الوجه سنة، ولا شيء عليه بتركه؛ لأنه سنة، وبترك السنة لا يجب الجابر، انتهى. وفيه خلاف للإمام أحمد إذ قال: يأتي به بعد الرجوع عن منى، ففي ((المغني)) (٢) بعد ما ذكر أن المتمتع يطوف طوافين بعد الرجوع عن منى: وكذلك الحكم في القارن والمفرد، إذا لم يكونا أتَيَا مكّة قبل يوم النحر، ولا طافا للقدوم، فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة، نصّ عليه أحمد، انتھی . (وسئل) ببناء المجهول (مالك) الإمام (هل) يجوز أن (يقف الرجل في) أثناء (الطواف بالبيت) احتراز عن السعي (الواجب عليه) صفة للطواف (يتحدث (١) (١/ ١٤٨). (٢) (٣١٥/٥). ٤٢٤ ----- - -- ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٧) حديث مَعَ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ ذُلِكَ لَهُ. مع الرجل، فقال: لا أحبّ ذلك له) قال الباجي(١): وهذا كما قال: يكره للرجل أن يقف في حال طوافه يحدث غيره، ولا سيما في الطواف الواجب، وهو وإن كان يكره في غير الواجب، فكراهيته في الواجب أشد، انتهى. وقال ابن حزم في ((المحلى)): ومن قطع طوافه لعذر أو لكلل، بنى على ما طاف، وكذلك السعي؛ لأنه قد طاف ما طاف كما أمر، فلا يجوز إبطاله، فلو قطعه عابثاً، فقد بطل طوافه؛ لأنه لم يطف، كما أمر، انتهى. وقال القاري(٢) في مستحبات الطواف: وترك الكلام المباح؛ لأنه ينافي الخضوع، انتهى. وأيضاً تعقب على صاحب ((اللباب)) إذا عَدَّه في المباحات أيضاً، فقال: اعلم أن المباح ما يستوي طرفاه من الفعل والترك، والمستحب ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه، وقد سبق له أن ترك الكلام مستحب، فلا يكون الكلام مباحاً، فتناقض قولاه، وقد صرّح ابن الهمام بأن المباح من الكلام في المسجد مكروه، يأكل الحسنات، فكيف في الطواف، وهو في حكم الصلاة، كما رواه الترمذي وغيره عن ابن عباس مرفوعاً: ((الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون، فمن تكلم فيه، فلا يتكلمن إلا بخير من ذكر الله))، انتهى. قلت: وهذا كله إذا لم تكن في الوقفة مدة تنافي الموالاة، وإلا فالموالاة، من شرائط الطواف عند المالكية، صرّح به الدردير، وكذا عند الحنابلة، صرّح به الموفق في ((المغني)) (٣)، وسننه عند الحنفية صرّح به القاري في ((شرح اللباب)). (١) ((المنتقى)) (٢٩٧/٢). (٢) ((شرح اللباب)) (ص ٨٠). (٣) («المغني)) (٢٤٨/٥). ٤٢٥ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب قَالَ مَالِكٌ: لَا يَطُوفُ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ. (٤١) باب البدء بالصفا في السعي (قال مالك: لا يطوف أحد بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، إلا وهو طاهر)، فإن الطهارة من شرائط الطواف، أو واجباته على الاختلاف بينهم، وهي مندوبة في السعي بالاتفاق، كما تقدم مفصّلاً. (٤١) البدء بالصفا في السعي قال الموفق(١): إن الترتيب شرط في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعتدّ بذلك الشوط، فإذا صار إلى الصفا اعتدّ بما يأتي به بعد ذلك؛ لأن النبيّ وَل﴿ بدأ بالصفا، وقال: ((نبدأ بما بدأ الله به))، وهذا قول الحسن، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، انتهى. وفي ((التمهيد))(٢): اختلف الفقهاء فيمن نكس السعي، فبدأ بالمروة قبل الصفا، فقال منهم قائلون: لا يجزئه، وعليه أن يلغي ابتداءه بالمروة، ويبني على سعيه بالصفا، منهم: مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة، ومن قال بقولهم، وقال بعض العراقيين: يجزئه ذلك، وإنما الابتداء عندهم بالصفا استحباب، وقد اختلف عن عطاء فروي عنه أنه يلغي الشوط، وعنه أن من جهل ذلك أجزأ عنه، انتهى. قال الشيخ في (المسوى))(٣) بعد حديث الباب: عليه أهل العلم. ففي ((المنهاج)): شرطه أن يبدأ بالصفا، وفي ((العالمكيرية)): إذا سعى معكوساً بأن (١) ((المغني)) (٢٣٧/٥). (٢) (٨٧/٢). (٣) (٣٧٦/١). ٤٢٦ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨١٨) حديث ١٢٦/٨١٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ، حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يُرِيدُ الصَّفَا، وَهُوَ يَقُولُ: ((نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَّ اللَّهُ بِ))، يبدأ بالمروة، فمن أصحابنا من قال يعتدّ به، ولكن يكره، والصحيح أنه لا يعتدّ بالشوط الأول، انتهى. وقال العيني في ((البناية)): لو بدأ بالمروة لا يعتدّ به بالإجماع، وشدَّ عطاء بن أبي رباح، فقال: إن بدأ فيه بالمروة أجزأه، انتهى. وعَدَّ صاحبُ ((اللباب))(١) البدء من الصفا في الشرائط، وبسط القاري في ((شرحه)): أن الأعدل الأصح القول بالوجوب من الأقوال الثلاثة الشرطية والوجوب والسنية. ١٢٦/٨١٨ - (مالك، عن جعفر) الصادق (بن محمد) الباقر (بن علي) زين العابدين بن الإمام حسين (عن أبيه) محمد الباقر (عن جابر بن عبد الله) هذا هو حديثه الطويل في الحجة النبوية، فرق منها جُمَلاً في أبواب متفرقة، وأخرجه مسلم (٢) برواية حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين ... الحديث، أخرجه أبو داود(٣) أيضاً مفصّلاً. (أنه قال: سمعت رسول الله ◌َلا يقول حين خرج من المسجد) بعدما طاف، وصلّى ركعتين (وهو يريد الصفاء وهو يقول) هكذا في جميع النسخ (نبدأ بما بدأ الله به) بصيغة الإخبار على جمع المتكلم، وفي رواية: ((أبدأ)) بصيغة (١) ((شرح اللباب)) (ص ٩٠). (٢) أخرجه مسلم في ((باب حجة النبيّ(َّ)) برقم (١٤٧). (٣) وأخرجه أبو داود في المناسك (١٩٠٥، ١٩٠٩) باب صفة حجة النبيّ لاَة (٢/ ١٨٢ - ١٨٧). ٤٢٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨١٨) حديث الإخبار أيضاً على الإفراد، كما في مسلم برواية حاتم عن جعفر، قال النووي: قد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد صحيح ((ابدأوا)) بصيغة الجمع، انتھی. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد))(١): ولفظ الأمر في هذا الحديث لا يوجد من رواية من يحتجّ به، وهو حجة للجمهور في أن الابتداء بالصفا واجب، وأصرح منه في الدلالة رواية النسائي: ((ابدأوا بما بدأ الله به)) بصيغة الأمر للجمع، واستدلّ بالحديث من قال: إن الواو أيضاً للترتيب، قال الخطابي: فيه أنه اعتبر تقديم المبدوء به في التلاوة فقدَّمه، وأن الظاهر في حق الكلام أن المبدوء مقدم في الحكم على ما بعده. وأجاب من أنكر ذلك بأن الترتيب واجب بفعله و 1، أو بقوله، وإلا لم يحتج إلى أمره وَل*، بل فهموا الترتيب من نفس الآية، قال ابن عبد البر: مذهب أصحابنا المالكيين أنهم يذهبون إلى أن أفعال رسول الله وم له على الوجوب أبداً، حتى يقوم الدليل على أنها أريد بها الندب، وقد يحتمل أن يحتجّ بقوله وَليقول: ((نبدأ بما بدأ الله))، على أن الواو لا توجب الترتيب؛ لأنها لو كانت توجب الترتيب لم يحتج أن يقول رسول الله وَر ذلك؛ لأنهم أهل اللسان نزل القرآن به، انتهى. وتوضيح ذلك أنهم اختلفوا لههنا في مسألة خلافية أصولية، وهي كما في (نور الأنوار)): أن الواو عندنا لمطلق العطف من غير تعرض لمقارنة، كما زعمه بعض أصحابنا، ولا للترتيب، كما زعمه بعض أصحاب الشافعي لحديث الباب، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢): إن الحديث دليل على أن النسق (١) (٩٧/٢). (٢) (٨٠/٢). ٤٢٨ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨١٨) حديث بالواو جائز أن يقال فيه: قبل وبعد؛ لقوله وَ لجر: ((نبدأ بما بدأ الله به))، وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء وأهل الأمصار وأهل العربية، فمذهب مالك في أكثر الروايات عنه، وأشهرها أن الواو لا توجب التعقيب، وبذلك قال أصحابه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وداود بن علي، قالوا فيمن غسل ذراعيه، أو رجليه قبل أن يغسل وجهه: إن ذلك يجزئه، إلاّ أن مالكاً يستحب لمن نكس وضوءه، ولم يصلِّ أن يستأنف الوضوء، فإن صلّى لم يأمره بالإعادة. وقد روى عليّ بن زياد عن مالك: من غسل ذراعيه، ثم وجهه، ثم ذكر مكانه أعاد غسل ذراعيه، وإن لم يذكر حتى صلّى أعاد الوضوء والصلاة، قال عليّ: ثم بعد ذلك لا يعيد الصلاة، ويعيد الوضوء لما يستقبل، وذكر أبو مصعب عن مالك وأهل المدينة: أن من قدّم في الوضوء يديه على وجهه، ولم يتوضأ على ترتيب الآية، فعليه الإعادة لما صلّى. وكل من ذكرنا مع مالك من العلماء يستحب أن يكون الوضوء نسقاً، والحجة لمالك ومن ذكرنا من العلماء أن سيبويه وسائر البصريين من النحويين قالوا في قول الرجل: أعطِ زيداً وعمرواً ديناراً: إن ذلك يوجب الجمع بينهما في العطايا، ولا يوجب تقدمة زيد على عمرو، فكذلك قول الله عزّ وجلّ : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية، إنما يوجب ذلك الجمع بين الأعضاء المذكورة ولا يوجب النسق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَاُلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل الحج، وكذلك قوله عزّ اسمه: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾، وجائز لمن وجب عليه إخراج الزكاة في حين وقت الصلاة أن يبدأ بإخراج الزكاة، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى آهلِهِ﴾. ولا يختلف العلماء أنه جائز لمن وجب عليه في قتل الخطأ إخراج الدية ٤٢٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨١٨) حديث فَبَدَأَ بِالْصَّفَا . وتحرير الرقبة، أن يخرج الدية ويسلمها قبل تحرير الرقبة، وهذا كلّه منسوق بالواو، ومثله كثير في القرآن، فدلّ على أن الواو لا توجب رتبة، وقد روي عن عليّ وعبد الله بن مسعود أنّهما قالا: ما أبالي بأيّ أعضائي بدأت في الوضوء إذا أقمت وضوئي وهم أهل اللسان، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُّتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الْرَّكِينَ﴾(١)، ومعلوم أن السجود بعد الركوع، وإنما أراد الجمع لا الرتبة. وأمّا الذين ذهبوا إلى إبطال وضوء من لم يأت به على الترتيب منهم الشافعي وأصحابه إلا المزني، ومنهم أحمد بن حنبل والقاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك، ذكره في ((مختصره))، وحكاه عن أهل المدينة، فمن الحجّة لهم أن الواو توجب الرتبة والجمع، وحكى ذلك بعض أصحاب الشافعي في ((كتاب الأصول)) له عن نحويّي الكوفة، الكسائي والفراء وهشام بن معاوية أنّهم قالوا في واو العطف: إنما توجب الجمع، وتدلّ على تقدمة المقدم، ثم بسط أبو عمر في الكلام على دلائل الفريقين، والجواب عمّا استدلّ به من قال بالترتيب. (فبدأ بالصفا) وختم بالمروة، وبه قال الجمهور، خلافاً للطحاوي من الحنفية وبعض الشافعية، حيث ذهبوا إلى أن الذهاب من الصفا إلى المروة، والعودة منها إلى الصفا مجموع ذلك شوط واحد. قال القسطلاني (٢): يحسب الذهاب من الصفا مرة، والعود من المرة مرة ثانية، قال النووي في (الإيضاح)): هذا هو المذهب الصحيح الذي قطع به جماهير العلماء من أصحابنا وغيرهم، وعليه عمل الناس في الأزمنة المتقدمة والمتأخرة، وذهب جماعة من أصحابنا إلى أنه يحسب الذهاب والعود مرة واحدة، قاله من (١) سورة آل عمران: الآية ٤٣. (٢) ((إرشاد الساري)) (٤/ ١٩٠). ٤٣٠ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨١٨) حديث أصحابنا أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكر الصيدلاني، وهذا قول فاسد لا اعتدادَ به ولا نظر إليه، انتهى. وقال الموفق(١): يحتسب بالذهاب سعية، وبالرجوع سعية، وحكي عن ابن جرير وبعض أصحاب الشافعي أنّهم قالوا: ذهابه ورجوعه سعية، وهذا غلط؛ لأن جابراً قال في صفة حجّة النبيّ وَّ﴾: فلما كان آخر طوافه، على المروة قال: لو استقبلت ... الحديث. وهذا يقتضي أنه آخر طوافه، ولو كان على ما ذكروه كان آخر طوافه عند الصفا في الموضع الذي بدأ منه، ولأنه في كل مرة طائف بهما، فينبغي أن يحتسب بذلك مرة، كما أنه إذا طاف بجميع البيت احتسب به مرة، انتهى. وقال ابن الهمام(٢): ظاهر المذهب أن كلاً من الذهابِ إلى المروة والمجيء منها إلى الصفا شوط، وعند الطحاوي لا، فقيل: الرجوع إلى الصفا؛ ليس معتبراً من الشوط، بل لتحصيل الشوط الثاني، ويعطي بعض العبارات أنه من الصفا إلى الصفا؛ لما ذكروا في وجه إلحاقه بالطواف، حيث كان من المبدأ، أعني الحجر إلى المبدأ، وعنده(٣) في مراده من ذلك اشتباه، وأيّاً ما كان فإبطاله بحديث جابر الطويل حيث قال فيه: فلمّا كان آخر طوافه بالمروة، الحديث، لا ينتهض. أمّا على الأوّل فلأن آخر السعي عند الطحاوي لا شكّ أنه بالمروة ورجوعه عنها إلى حال سبيله، فإنّه إنما كان يحتاج إلى الرجوع إلى الصفا، ليفتتح الشوط، وقد تمّ السعي، وعلى الثاني إذا كان الشوط الأخير صحّ أن يقال عند رجوعه فيه من المروة: هذا آخر طوافه بالمروة؛ لأنه لا يرجع بعد (١) ((المغني)) (٢٣٧/٥). (٢) (فتح القدير)) (٢/ ٣٦٢). (٣) هكذا في الأصل والظاهر عندي. ٤٣١ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨١٩) حديث ١٢٧/٨١٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ كَانَ، إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا، هذه الوقفة إليها بها، وإن احتاج إلى رجوعه إلى الصفا لتتميم الشوط، وما دفع به أيضاً من أنه لو كان كذلك، لكان الواجب أربعة عشر شوطاً . وقد اتّفق رواة نسكه عليه السلام أنه إنما طاف سبعة، فموقوف على أن مسمى الشوط ما من الصفا إلى المروة، أو من الصفا إلى الصفا في الشرع، وهو ممنوع؛ إذ يقول: هذا اعتباركم لا اعتبار الشرع لعدم النقل عنه عليه الصّلاة والسّلام في ذلك، وأقلّ الأمور إذ لم يثبت عن الشارع تنصيص في مسماه أن يثبت احتمال أنه كما قلتم أو كما قلت، فيجب الاحتياط فيه، وذلك باعتبار قولى فيه . ويقوّيه أن لفظ الشوط أطلق على ما حوالي البيت، وعرف قطعاً أن المراد به من المبدأ إلى المبدأ، فكذا إذا أطلق في السعي، إذ لا منص على المراد، فيجب أن يحمل على المعهود منه في غيره، فالوجه أن إثبات مسمى الشوط في اللغة يصدق على كل من الذهاب من الصفا إلى المروة، والرجوع منها إلى الصفا، وليس في الشرع ما يخالفه، فيبقى على المفهوم اللغوي، وذلك أنه في الأصل مسافة يعدوها الفرس، كالميدان ونحوه مرة واحدة، ومنه قول سليمان بن صرد لعليّ: أن الشوط بطيء أي بعيد. فسبعة أشواط حينئذ قطع مسافة مقدرة سبع مرات، فإذا قال: طاف بين كذا وكذا سبعاً، صدق بالتردد من كل من الغايتين إلى الأخرى سبعاً، بخلاف طاف بكذا، فإن حقيقته متوقفة على أن يشمل بالطواف ذلك الشيء، فإذا قال: طاف به سبعاً كان بتكريره تعميمه بالطواف سبعاً، فمن هنا افترق الحال بين الطواف بالبيت، حيث لزم فيه كونه من المبدأ إلى المبدأ، أو الطواف بين الصفا والمروة، حيث لم يستلزم ذلك، انتهى. ١٢٧/٨١٩ - (مالك، عن جعفر بن محمد بن عليّ عن أبيه) محمد الباقر (عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَ له كان إذا وقف على الصفا) قال ابن ٤٣٢ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨١٩) حدیث يُكَبِّرُ ثَلَاثاً، وَيَقُولُ: ((لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ عبد البر في ((التمهيد))(١): أُحِبُّ للمرتقي على الصفا والمروة أن يعلو عليهما، حتى يبدو له البيت، لما رواه عبد الرزاق عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله وَلّ كان يصعد على الصفا والمروة، حتى يبدوَ له البيت، وهو حديث انفرد به عبد الرزاق عن مالك، فإن لم يفعل فلا حرج، انتهى. قلت: لكنه مؤيّد بحديث الباب، ولفظه عند مسلم برواية حاتم المذكورة: أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت. قال النووي في ((شرح مسلم)) (٢): ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقي خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب، فلو تركه صحّ سعيه، لكن فاتته الفضيلة، وقال أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا: لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا، والصواب الأول، قال أصحابنا: لكن يشترط أن لا يترك شيئاً من المسافة بينهما، فليلصق عقبيه بدرج الصفا، وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجهما، وهكذا في المرات السبع، يشترط في كل مرة أن يلصق عقبيه بما يبدأ منه، وأصابعه بما ينتهي إليه، انتهى. قلت: وكذلك عَدَّ الصعودَ عليهما من سنن السعي الموفقُ والدرديرُ والقاري، فالمسألة إجماعية عند الأربعة، خلافاً لبعض الشافعية. (يكبّر ثلاثاً ويقول: لا إله إلاّ الله وحده) نصب على الحالية، قال القاريّ: حال مؤكدة أي منفرداً بالألوهية أو متوحّداً بالذات (لا شريك له) في الألوهية. فيكون تأكيداً أو في الصفات، فيكون تأسيساً (له الملك) بضمّ الميم (وله الحمد) (١) ((التمهيد)) (٩١/٢). (٢) (٤ / ١٧٧). ٤٣٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨١٩) حديث وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدْعُو، زاد في رواية أبي داود(١): ((يُحيي ويُميت)). (وهو على كل شيء قدير)، زاد في رواية مسلم وأبي داود: ((لا إله إلّ الله أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده))، ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، الحديث. (يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو) أي بعد ذلك أو بين ذلك، كما تقدم في رواية مسلم وأبي داود، قال النووي: يكرّر بهذا الذكر، ويدعو ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا: يكرّر الذكر ثلاثاً والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول، انتهى. قال الشيخ في ((البذل))(٢): إن لفظ ((ثم)) لمجرد الترتيب دون التراخي، أي دعا في أثناء الذكر والتوحيد، انتهى. وعلى هذا، فلا إشكال بما ذكره الطيبي أن كلمة ((ثم)) تدلّ على تأخير الدعاء من ذلك الذكر، وكلمة ((بين)) تقتضي توسطه بين الذكر، فلم يبقَ فاقة إلى أجوبة، بسطها الطيبي والقاري وغيرهما . قال الباجي(٣): وصفة الإتيان به قال ابن حبيب: يقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، ثم يقول: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ثم يدعو بما استطاع ثم يرجع، فيكبّر ثلاثاً، ويهلّل مرة كما ذكرنا، ثم يدعو، ثم يعيد التكبير والتهليل، يفعل ذلك سبع مرات، فيكون إحدى وعشرين تكبيرة وسبع تهليلات، والدعاء بين ذلك، ولا يدع الصلاة على النبيّ وَّر، قال: وهذا كله مرويٌّ، وليس بلازم، ومن شاء زاد، ومن شاء نقص، أو دعا بما أمكنه، قال (١) ((سنن أبي داود)) (٢/ ١٨٤) رقم الحديث (١٩٠٥). (٢) (بذل المجهود)) (١٨١/٩). (٣) ((المنتقى)) (٣٠٠/٢). ٤٣٤ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨٢٠) حديث وَبَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذُلِكَ . أخرجه مسلم في الحديث الطويل، في صفة الحجة النبوية، عن جابر، في: ١٥ - كتاب الحج، ١٩ - باب حجة النبيّ ◌َّر، حديث ١٤٧. ١٢٨/٨٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَهُوَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو يَقُولُ: اللّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، أبو محمد: وما ذكره ابن حبيب من التهليل والتكبير والدعاء على الصفا والمروة مروي عن ابن عمر رضي الله عنه. قال الباجي(١): وعندي أن لفظ الحديث يقتضي غير الصفة التي أوردها ابن حبيب، وذلك أن حديث جابر يقتضي تكبير ثلاث مرات، ثم تهليل مرة، ثم تكبير ثلاث مرات، ثم تهليل مرة، ثم تكبير ثلاث مرات، ثم تهليل مرة، ثم الدعاء بعد، وكيفما فعل من ذلك أجزأه، انتهى. (ويصنع على المروة مثل ذلك) استدلّ به العزّ بن عبد السلام على أن المروة أفضل من الصفا؛ لأنها تقصد بالذكر والدعاء أربع مرات بخلاف الصفا، فإنها تقصد ثلاثاً، وأما البداءة بالصفا، فليس بوارد؛ لأنه وسيلة، قال الحافظ (٢): وفيه نظر؛ لأن الصفا، تقصد أربعاً أيضاً، أولها عند البداءة، فكل منهما مقصود بذلك، ويمتاز الصفا بالابتداء، وعلى التنزل يتعادلان، ثم ما ثمرة هذا التفصيل مع أن العبادة المتعلقة بهما لا تتمّ إلا بهما معاً. وجزم الشهاب القرافي تلميذ العزّ بأن الصفا أفضل؛ لأن السعي منه أربعاً، ومن المروة ثلاثاً، وما كانت العبادة فيه أكثر، فهو أفضل، انتهى. ١٢٨/٨٢٠ - (مالك، عن نافع أنه سمع عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (وهو على الصفا يدعو يقول) في دعائه (اللَّهُمَّ إِنك قلت: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُرْهُ) (١) (المنتقى)) (٣٠٠/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٥٠٣/٣). ٤٣٥ ٢٠ - كتاب الحج (٤١) باب (٨٢٠) حديث وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ، كَمَا هَدَيْتَنِي لِلإِسْلَامِ، أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنِّي، حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ. فحمل الدعاء على ظاهره من الطلب، لا أن المراد العبادة، كما هو قول آخر في تفسير الآية، ووجه الربط على الأول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾، أن الدعاء أخصّ من العبادة، فمن استكبر عن الدعاء استكبر عن العبادة، فالوعيد إنما هو لمن تركه استكباراً، ومن فعل ذلك كفر، وبسط في ((الكوكب الدري)) وهامشه و((بذل المجهود)) الكلام على مراد الآية وربط الجملتين، (وإنك لا تخلف الميعاد) كما قلت في القرآن المجيد. (وإنّي أسألك كما هديتني) بتاء الخطاب (للإسلام أن لا تنزعه) بفتح التاء وكسر الزاي، أي لا تخرجه (مني حتى تتوفاني وأنا مسلم) فإن العبرة بالخواتيم، قال أبو عمر: فيه التأسّي بإبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿وَأَجْتُبْنِى وَيَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾(١)، وبيوسف عليه السلام في قوله: ﴿تَوَفَِّى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾ (٢)، وبنبيِّنَا وَّ في قوله: (وإذا أردت بالناس فتنة فتوفّني غير مفتون))، قال إبراهيم النخعي: لا يأمن الفتنة والاستدراج إلا مفتون، ولا نعمة أفضل من نعمة الإسلام، فبه تزكوا الأعمال، انتهى. قال أبو عمر (٣): ولا حدَّ في الذكر والدعاء عند أحد من العلماء، وإنما هو بحسب ما يقدر عليه المرء ويحضره. وقال الدردير (٤) في سنن السعي: الرابعة دعاء بلا حدّ عند الصفا والمروة لمن يرقى وغيره، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٥): يحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويكبّر ثلاثاً، قيد للثلاثة من الحمد (١) سورة إبراهيم، الآية ٣٥. (٢) سورة يوسف، الآية ١٠١. (٣) ((الاستذكار)) (٢٠٩/١٢). (٤) ((الشرح الكبير)) (٤١/٢). (٥) (ص٨٦). ٤٣٦ : ٢٠ - كتاب الحج (٤٢) باب (٤٢) باب جامع السعي والثناء والتكبير، ويهلّل، ويصلّ على النبيّ وَّة، ثم يدعو للمسلمين ولنفسه بما شاء من المأثور وغيره، انتهى. (٤٢) جامع السعي ذكر الشيخ في ((البذل)) (١) تبعاً للعيني، اختلف فيه أهل العلم على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ركن لا يصح الحجّ إلاّ به، وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر، وبه قال الشافعي ومالك في المشهور، وأحمد في أصح الروايتين عنه وإسحاق وأبو ثور. والقول الثاني: أنه واجب يجبر بدم، وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومالك في ((العتبية))، كما حكاه ابن العربي. والثالث: أنه ليس بركن ولا واجب، بل هو سنة ومستحب، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية، انتهى. وحكى الخطابي من مذهب عائشة - رضي الله عنها -: أنه تطوع، قال الحافظ في ((الفتح)) بعدما حكى الأقوال الثلاثة المذكورة: واختلف عن أحمد، كهذه الأقوال الثلاثة، وعند الحنفية تفصيلٌ فيما إذا ترك بعض السعي، كما هو عندهم في الطواف بالبيت، وأغرب ابن العربي، فحكى الإجماع على أن السعي ركن في العمرة، وإنما الاختلاف في الحج، وأغرب الطحاوي، فقال في كلام له على المشعر الحرام: قد ذكر الله أشياء في الحج، لم يُرِدْ بذكرها إيجابَها في واحد من الأمة، من ذلك قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآَبِ اللَّهِ﴾ الآية، وكلٌّ أجمع على أنه لو حجّ ولم يطّوَّف بهما أن حجّه قد تمّ وعليه دم، وقد أطنب ابن المنير في الردّ عليه، انتهى. قال العينيّ(٢): ما ذهب إليه الحنفية مذهب الحسن وقتادة والثوري حتى (١) ((بذل المجهود)) (٩/ ١٧٠). (٢) ((عمدة القاري)) (٢٣٢/٧). ٤٣٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤٢) باب يجب بتركه دم، وعن عطاء: سنة لا شيء فيه، ونقل المروزي عن أحمد: أنه مستحب، واختار القاضي وجوبه وانجباره بالدم، وقال ابن قدامة: هو أقرب إلى الحق، انتهى. وقال الموفق(١): اختلفت الرواية في السعي، فروي عن أحمد: أنه ركن لا يتمّ الحجّ إلاّ به، وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: طاف رسول الله صل* وطاف المسلمون، يعني بين الصفا والمروة، فكانت سنّة، ولعمري ما أتمّ الله حجَّ من لم يطف بين الصفا والمروة، وعن حبيبة بنت أبي تجراة(٢) قالت: دخلت مع نسوةٍ من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله وَله، وهو يسعى بين الصفا والمروة، وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه، حتى إني لأقول: إني لأرى ركبتيه. وسمعته يقول: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي))، رواه ابن ماجه. وروي عن أحمد أنه سنّة لا يجب بتركه دم. وروي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾(٣)، ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه، فإن هذا رتبة المباح، وإنما تثبت سنيّته بقوله: ﴿مِن شَعَابِرِ اللهِ﴾، وروي أن في مصحف أبيّ وابن مسعود: ﴿فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما﴾، وهذا إن لم يكن قرآناً فلا ينحظُ عن رتبة الخبر؛ لأنهما يرويانه عن رسول الله وَّر، وقال القاضي: هو واجب وليس بركن، إذا تركه وجب عليه دم، وهو مذهب الحسن والثوري وأبي حنيفة وهو أَوْلى؛ لأن دليل من أوجبه دلّ على مطلق الوجوب، لا على (١) ((المغني)) (٢٣٨/٥). (٢) هي إحدى نساء بني عبد الدار، يقولون: إنهم من الأزد، حلفاء بني عبد الدار، صحابية، انظر ترجمتها في: ((الطبقات الكبرى)) (١٨٠/٨). (٣) سورة البقرة: الآية ١٥٨. ٤٣٨ ٢٠ - كتاب الحج (٤٢) باب كونه لا يتم الحجّ إلّ به، وقول عائشة في ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة، وحديث بنت أبي تجراة، قال ابن المنذر: يرويه عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا في حديثه، ثم هو يدلّ على أنه مكتوب، وهو الواجب. وأما الآية فإنها نزلت لما تحرّج ناسٌ من السعي في الإسلام، لِمَا كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية لأجل صنمين كانا على الصفا والمروة، كذلك قالت عائشة، انتهى. وحديث بنت أبي تجراة أخرجه صاحب ((المشكاة)) برواية ((شرح السنة))، وبسط العيني في ((البناية)) تضعيفه، وقال القاري (١): رواه أحمد مع اختلاف في لفظه، ورواه الدارقطني والشافعي والبيهقي بإسناد حسن بلفظ: ((أنه عليه الصلاة والسلام استقبل الناس في المسعى، وقال: يا أيها الناس اسعوا، فإن الله قد كتب عليكم السعي))، وقد قال جمعٌ من الصحابة كابن عباس وابن الزبير وأنس وغيرهم من التابعين: إن السعي تطوّع؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يََّوَّفَ بِهِمَأْ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ الآية، فالأوسط الأعدل، أنه واجب لا فرض، قال ابن الهمام: ورواه الشافعي، وابن أبي شيبة، والدارقطني، وقال صاحب ((التنقيح)): إسناده صحيح، والجواب أنا قلنا بموجبه؛ إذ مثله لا يزيد على إفادة الوجوب، وقد قلنا به. وأما الركن، فإنما يثبت عندنا بدليل مقطوع به، فإثباته بهذا الحديث إثبات بغير دليل . واعلم أن سياق الحديث يفيد، أن المراد بالسعي المكتوب الجري الكائن في بطن الوادي إذا رجعته، لكنه غير مراد بلا خلاف يُعلم، فيحمل على أن المراد بالسعي التطوف بينهما، واتّفق أنه - عليه الصّلاة والسّلام - قاله لهم عند الشروع في الجري الشديد المسنون، لما وصل إلى محله شرعاً، أعني بطن الوادي، ولا يسنّ جري شديد في غير هذا المحل، بخلاف الرمل في الطواف، إنما هو مشي، فیه تصلب شديد. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٢/٥). ٤٣٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤٢) باب (٨٢١) حديث ١٢٩/٨٢١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ثم قيل في سبب شرعية الجري في بطن الوادي: إن هاجر - رضي الله عنها - لما تركها إبراهيم عطشت، فخرجت تطلب الماء، وهي تلاحظ إسماعيل خوفاً عليه، فلما وصلت إلى بطن الوادي يغيب عنها، فسعت لتسرع الصعود فتنظر إليه، فجعل ذلك نسكاً إظهاراً لشرفهما وتفخيماً لأمرهما . وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن إبراهيم عليه السلام - لما أمر بالمناسك، عرض الشيطان له عند السعي، فسبقه إبراهيم، أخرجه أحمد. وقيل: إنما سعى سيّدنا ونبيّنا - عليه الصّلاة والسلام - إظهاراً للمشركين الناظرين إليه في الوادي الجَلْد، ومحمله ما كان من السعي في عمرة القضاء، ثم بقي بعده كالرمل؛ إذ لم يبق في حجّة الوداع مشرك بمكّة، والمحقّقون على أنه لا يشتغل بطلب المعنى فيه. وفي نظائره من الرمي وغيره، بل هي أمور توقيفية، يحال العلم فيها إلى الله تعالى. والمسعى هو المكان المعروف اليوم لإجماع السلف والخلف عليه كابراً عن كابر، ولا ينافيه كلام الأوزاعي: أن أكثره في المسجد، كما توهم ابن حجر، انتهى. وتقدم في ما تفعل الحائض في الحج أن السعي يتوقف على الطواف عند الجمهور، ولا يصح بدونه. ١٢٩/٨٢١ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه، أنه قال: قلت لعائشة) - رضي الله عنها - (أم المؤمنين) لقوله عزّ اسمه: ﴿وَأَزْوَجُ أُمَّهَُهُمُّ﴾ وهل يقال لهنّ: أمّهات المؤمنات أيضاً؟ قولان مرجحان. (وأنا يومئذ حديث السن) أي صغير العمر، فيه اعتذار عن سؤاله، وأن التباسه عليه نشأ لحداثة سنّه، ولم يكن بعد فِقْهٌ، ولا عِلْمٌ من سنن النبيّ وَّ ما يتأوّل به نص القرآن (أرأيت) بكسر التاء (قول الله) أي أخبريني عن مفهوم قوله (تبارك وتعالى). ٤٤٠