Indexed OCR Text
Pages 341-360
٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب (٧٩٨) حديث وقد اتفق العلماء على وجوب الطواف من وراء الحجر حكاه ابن عبد البر، ونقل غيره أنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة ولا عن أحد من الصحابة فمن بعدهم أنه طاف من داخل الحجر، وكان عملاً مستمراً، قاله الحافظ (١). . وقال الخرقي: ويكون الحجر بالكسر داخلاً في طوافه لأنه من البيت، قال الموفق(٢): إنما كان كذلك لأنه عَزَّ اسمه أمر بالطواف بالبيت جميعه بقوله: ﴿وَلْيَطَوَّفُوْ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(٣)، والحجر منه، فمن لم يطف به لم يعتدّ بطوافه، وبهذا قال عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وقال أصحاب الرأي: إن كان بمكة قضى ما بقي، وإن رجع إلى الكوفة فعليه دم، ونحوه قال الحسن. ولنا، أنه من البيت بدليل ما روي عن عائشة، قالت: سألت رسول الله وله عن الحجر، فقال: ((هو من البيت))، وعنها قالت: قلت: يا رسول الله إني نذرت أن أصلّي في البيت، قال: ((صلّي في الحِجْر، فإن الحجر من البيت))، وفي لفظ: قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله وَ له بيدي، فأدخلني الحجر، وقال: ((صلّي فيه))، قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح، فمن ترك الطواف بالحجر لم يطف بجميع البيت فلم يصح، كما لو ترك الطواف ببعض البناء، انتهى. وهكذا حكى المذاهب الباجي. وفي ((الهداية))(٤): ويجعل طوافه من وراء الحطيم، وهو اسم لموضع فيه (١) انظر ((فتح الباري)) (٤٤٧/٣). (٢) ((المغني)) (٢٢٩/٥). (٣) سورة الحج: الآية ٢٩. (٤) (١٣٨/١) ط بيروت. ٣٤١ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب (٧٩٨) حدیث الميزاب سُمِّي به؛ لأنه حطم من البيت أي كسر، وسمي حِجْراً، لأنه حُجِرَ أي مُنِعَ، وهو من البيت، فلذا يجعل الطواف من ورائه، حتى لو دخل الفرجة التي بينه وبين البيت لا يجوز. وقال في موضع آخر (١): ومن طاف طواف الواجب في جوف الحجر، فإن كان بمكة أعاده؛ لأن الطواف من وراء الحطيم واجب، والطواف في جوف الحجر أن يدور حول الكعبة ويدخل الفرجتين اللتين بينها وبين الحطيم، فإن فعل ذلك، فقد أدخل نقصاً في طوافه، فما دام بمكة أعاده كله؛ ليكون مؤدياً للطواف على الوجه المشروع، وإن أعاد على الحجر خاصة أجزأه؛ لأنه تلافى ما هو المتروك، فإن رجع إلى أهله ولم يعده، فعليه دم؛ لأنه تمكّن نقصان في طوافه بترك ما هو قريب من الربع، ولا تجزيه الصدقة، انتهى. ثم ظاهر هذا الأثر والذي قبله أن الحجر كله من البيت، وأوضح منهما ما في ((البخاري)) (٢) برواية الأسود عن عائشة، قالت: ((سألت النبيّ وَّ عن الجدار أمن البيت هو؟ قال: نعم))، الحديث. قال الحافظ(٣): ظاهره أن الحجر كله من البيت، وكذا قوله عليه في رواية أخرى: ((أن أدخل الجدر في البيت))، وبذلك كان يفتي ابن عباس، كما رواه عبد الرزاق عنه يقول: ((لو وليت من البيت ما ولي ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البيت، فَلِمَ يطاف به إن لم يكن من البيت)»؟ وللترمذي والنسائي وأبي داود وأبي عوانة وأحمد بطرق عن عائشة قالت: ((كنت أحبّ أن أصلّي في البيت، فأخذ وَّ بيدي وأدخلني الحجر، (١) ((الهداية)) (١/ ١٦٢). (٢) ((صحيح البخاري)) (١٥٨٤). (٣) ((فتح الباري)) (٤٤٣/٣). ٣٤٢ ----- ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب (٧٩٨) حديث فقال ◌َله: صلّ فيه، فإنما هو قطعة من البيت ... )) الحديث، وهذه الروايات كلّها مطلقة، وقد جاءت روايات أصح منها مقيدة، منها لمسلم عن عائشة في حديث الباب: ((حتى أزيد فيه من الحجر)) وله من وجه آخر، فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلّمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريباً من سبعة أذرع))، وله من طريق آخر: ((وزدت فيها من الحجر ستة أذرع)). وللبخاري أن يزيد بن رومان أراه لجرير، فحزره جرير بن حازم ستة أذرع أو نحوها، ولسفيان بن عيينة في ((جامعه)) عن مجاهد: أن ابن الزبير زاد فيها ستة أذرع مما يلي الحجر، وله عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن الزبير: ستة أذرع وشبر، وهكذا ذكره الشافعي عن عددٍ لقيهم من أهل العلم من قريش، كما أخرجه البيهقي في ((المعرفة)). وهذه الروايات كلّها تجتمع على أنها فوق الستة ودون السبعة، وأمّا رواية عطاء عند مسلم عن عائشة مرفوعاً: ((لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع)) فهي شاذّة، والروايات السابقة أرجح، لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ . ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه، وهو أنه أُريد بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر، فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولذا وقع عند الفاكهي من حديث أبي عمرو بن عدي بن الحمراء: أن النبيّ وَلّ قال لعائشة في هذه القصة: ((ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع»، فيحمل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويجمع بين الروايات كلها بذلك، ولم أرَ من سبقني إلى ذلك، انتهى مختصراً. ثم قال تحت قول جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع: وقد ورد ذلك مرفوعاً كما تقدم، وأنها أرجح الروايات، وأن الجمع ممكن، وهو أولى من دعوى الاضطراب والطعن في الروايات المقيّدة لأجل الاضطراب، كما جنح ٣٤٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب (٧٩٨) حدیث إليه ابن الصلاح، وتبعه النووي؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذّر الترجيح أو الجمع، ولم يتعذّر ذلك لههنا، فيتعيّن حمل المطلق على المقيد، كما هي قاعدة مذهبهما . ويؤيّده أن الأحاديث المطلقة والمقيدة متواردة على سبب واحد، وهو أن قريشاً قصروا عن بناء إبراهيم، ولم تأتِ رواية قط صريحة في أن جميع الحِجْر من بناء إبراهيم، قال المحب الطبري في ((شرح التنبيه)) له: الأصح أن القدر الذي في الحجر من البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التي جاء فيها: ((أن الحجر من البيت)) مطلقة، فيحمل المطلق على المقيد، فإن إطلاق اسم الكل على البعض سائغ مجازاً، وإنما قال النووي ذلك نصرة، لما رجّحه من أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعي نصّ على إيجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه، ونقل غيره أنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة، ولا عن أحد من الصحابة، أنه طاف داخل الحِجْر وكان عملاً مستمراً، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت، وهذا متعقّب، فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كلّه من البيت، فقد نصّ الشافعي أيضاً، كما ذكره البيهقي في ((المعرفة))(١): أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش، كما تقدم. فعلى هذا، فلعلّه رأى إيجاب الطواف من وراء الحجر احتياطاً، وأمّا العمل فلا حجّة فيه على الإيجاب، فلعلّ النبيّ وَّل ومن بعده فعلوه استحباباً للراحة من تسوُّر الحجر، وأمّا ما نقله المهلّب عن ابن أبي زيد، أن حائط الحجر لم يكن مبنياً في زمن النبيّ ◌َّ ه وأبي بكر حتى كان عمر - رضي الله عنه -، فبناه، ووسّعه قطعاً للشك، وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت، ففيه نظر، وقد أشار المهلب إلى أن عمدته في ذلك ما في البخاري في ((باب (١) ((معرفة السنن والآثار)) (٩٩٢٤/٧)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٨٩/٥). ٣٤٤ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب (٧٩٨) حديث بنيان الكعبة)) في أوائل السيرة النبوية بلفظ: ((لم يكن حول البيت حائظٌ، كانوا يصلُّون حول البيت، حتى كان عمر - رضي الله عنه -، فبنى حوله حائطاً، جدره قصيرة، فبناه ابن الزبير))، فهذا إنما هو في حائط المسجد لا في الحِجْر، فدخل الوهم على قائله من هُهنا، ولم يزل الحجر موجوداً في عهد النبيّ بَّ، كما صرّح به كثير من الأحاديث الصحيحة. نعم في الحكم بفساد طواف من دخل الحجر، وخلى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظر، وقد قال بصحته جماعة من الشافعية كإمام الحرمين، ومن المالكية كأبي الحسن اللخمي، وذكر الأزرقي أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعاً وثلث ذراع، منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعاً، فعلى هذا، فنصف الحجر ليس من البيت، فلا يفسد طواف من طاف دونه، انتهى كلام الحافظ(١). وحاصل بحثه رحمه الله مسألتان، الأولى: أن الحِجر كلّه من البيت أو بعضه. وقد عرفت أن ميل النووي تبعاً لابن الصلاح إلى الأول، وحقّق الحافظ الثاني، وحكاه عن المحب الطبري والإمام الشافعي، وفي ((العيني)): قال زين الدين: إن الحجر كلّه من البيت، وهو ظاهر نصّ الشافعي في ((المختصر))، ومقتضى كلام جماعة من أصحابه كما حكاه الرافعي، وقال النووي: هو الصحيح، وعليه نص الشافعي، وبه قطع جماهير أصحابنا، قال: وهذا هو الصواب، وكذا رجحه ابن الصلاح قبله؛ إذ قال: اضطربت الروايات فيه، فتعيّن الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقين. وقال الرافعي: الصحيح أن ليس كلّه من البيت، بل الذي هو من البيت قدر ستة أذرع متصل بالبيت، وبه قال الشيخ أبو محمد الجويني وابنه إمام الحرمين والغزالي والبغوي، انتهى. (١) (فتح الباري)) (٤٤٧/٣). ٣٤٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب (٧٩٨) حديث وبه جزم ابن الهمام في شرح ((الهداية))(١) إذ قال: وليس الحجر كله من البيت، بل ستة أذرع منه فقط، لحديث عائشة عند مسلم، وتقدم في بناء إبراهيم ما حكاه العيني عن كتاب الأزرقي أن قريشاً نقصوا من طولها ستة أذرع وشبر، وتركوها في الحجر، وسيأتي في كلام ((الغنية)) عن الزيلعي: أنها ستة أذرع، وفي ((المجمع)): الحجر - بالكسر - اسم للحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي، وحكي فتح الحاء، وكلّه من البيت، أو ستة أذرع منه، أو سبعة أذرع، أقوال، انتھی. والثانية: أن من طاف داخل الحجر، وخلّى بينه وبين البيت سبعة أذرع، يصح طوافه أم لا؟ ورجح الحافظ الأوّل، وحكاه عن جماعة من الشافعية، كإمام الحرمين والمالكية كأبي الحسن اللخمي، قال النووي في ((مناسكه)): اختلف أصحابنا في الحجر، فذهب كثيرون إلى أن ستة أذرع منه من البيت، وما زاد ليس منه، حتى لو اقتحم جدار الحجر، وخَلَفَ بينه وبين البيت ستة أذرع صحّ طوافه، وبعضهم يقول: سبعة أذرع، وبهذا المذهب قال الشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين والبغوي، وزعم الرافعي أنه الصحيح، ودليل هذا المذهب ما في مسلم عن عائشة. والمذهب الثاني: أنه يجب الطواف بجميع الحجر، فلو طاف في جزء منه حتى على جداره لم يصح طوافه، وهذا هو الصحيح، وعليه نصّ الشافعي، وبه قطع جماهير أصحابنا؛ لأنه و ◌َ ي طاف خارج الحجر، وهكذا الخلفاء الراشدون، وأمّا حديث عائشة، فقال ابن الصلاح: قد اضطربت فيه الروايات، فتعيّن الأخذ بالأكثر؛ ليسقط الفرض بيقين، قال النووي: ولو سلم أن بعضه ليس من البيت لا يلزم منه أنه لا يجب الطواف خارجه؛ لأن المعتمد في باب الحج الاقتداء بفعله وَلّر، فيجب الطواف بجميعه سواء كان من البيت أم لا، انتهى. (١) ((فتح القدير)) (٣٨٩/٢). ٣٤٦ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب (٧٩٨) حديث وفي ((الروض المربع))(١): لو طاف على الشاذروان، لم يصح طوافه؛ لأنه من البيت، أو طاف على جدار الحجر - بالكسر - لم يصح طوافه؛ لأنه وَّل طاف من وراء الحجر والشاذروان، وقال: ((خذوا عنّي مناسككم))، انتهى. وهكذا في ((المغني))(٢). وقال الدردير(٣) في شرائط صحة الطواف: خروج كل البدن عن الشاذروان، قال ابن فرحون: بكسر الذال المعجمة. وقال النووي: بفتحها وسكون الراء، بناء لطيف ملصقٌ بحائط الكعبة مرتفع على وجه الأرض، قدر ثلثي ذراع، نقصته قريش من أصل الجدار حين بنوا البيت، فهو من أصل البيت، فلو طاف خارجه، ووضع إحدى رجليه عليه أحياناً لم يصح، وخروج كل البدن أيضاً عن مقدار ستة أذرع من الحجر - بالكسر -، والراجح أنه لا بدّ من الخروج عن جميع الحجر، ولا يعتدّ بالطواف داخله. قال الدسوقي: ما ذكره المصنف من أن الشاذروان من البيت، هو الذي عليه الأكثر من المالكية والشافعية، وذهب بعضهم إلى أنه ليس من البيت، قال - رحمه الله -: وبالجملة فقد كثر الاضطراب في الشَّاذِرْوَان، وصرّح جماعة من الأئمّة المقتدى بهم بأنه من البيت، فيجب على الشخص الاحتراز منه في طوافه، وقوله: ستة أذرع تبع المصنف - أي الشيخ خليل - في ذلك اللخمي، قال رحمه الله: والظاهر من قول مالك في ((المدونة)): لا يعتدّ بالطواف داخل الحِجْر، أنه لا بدّ من الخروج عن جميع الحجر الستة أذرع وما زاد عليها، وهو الذي يظهر من كلام أصحابنا، وجعله بعض أشياخنا أنه المعتمد، انتهى. (١) (٥٠٣/١). (٢) ((المغني)) (٢٢٩/٥). (٣) ((حاشية الدسوقي)) (٣١/٢). ٣٤٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٣٤) باب الرمل في الطواف وفي (غنية الناسك)): لو طاف على جدار الحجر، قال الزيلعي(١): ينبغي أن يجوز؛ لأن الحطيم كله ليس من البيت، بل ستة أذرع منه فقط، انتهى. لكنه يكره لترك السنة المواظب عليها. وأمّا الشاذروان، فليس من البيت عندنا، كما حقّقه في ((الفتح)) (٢)، وقالت الشافعية والمالكية: إنه من البيت، انتهى. (٣٤) الرمل في الطواف قال العيني (٣): الرمل بفتح الراء والميم سرعة المشي مع تقارب في الخطو، وفي ((المحكم)): رمل رملاً: إذا مشى دون العدو، وقال القزاز: هو العدو الشديد، وفي ((الجمهرة)): شبيه بالهرولة. وفي ((الصحاح)): هو الهرولة، وفي ((المغيث)): هو الخبب. وقيل: هو أن يهزَّ منكبيه ولا يسرع العدو، وفي ((كتاب المسالك)) لابن العربي: هو مأخوذ من التحرّك، وهو أن يحرّك الماشي منكبيه لشدّة الحركة في مشيه، انتهى. وقال الباجي(٤): هو الإسراع بالخبب، لا يحسر عن منكبيه ولا يحرّكهما، انتهى. وبسط في ((البحر العميق)) اختلافهم في تفسيره، وحكى عن ((منسك السروجي)) يقال للرمل: الخبب، ومن قال: هو دون الخبب، فقد أخطأ، انتهى . وفي ((التعليق الممجد))(٥): هو بفتح الراء وسكون الميم سرعة المشي مع تقارب الخطى، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في المشي، واتفقوا على كونه (١) (تبيين الحقائق)) (١٧/٢). (٢) انظر ((فتح القدير)) (٣٨٩/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (١٧٥/٧، ١٧٦). (٤) ((المنتقى)) (٢٨٤/٢). (٥) (٣٤٤/٢). ٣٤٨ ------- ------ -------- ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب مشروعاً، وسببه ما روي عن ابن عباس، أن النبيّ وَلّ وأصحابه لما قدموا مكة معتمرين في عمرة القضاء، قال المشركون: ((يقدم عليكم قوم، وهنتهم أي ضعفتهم حُمَّى يثرب، فأمرهم رسول الله وَّ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يأمرهم به في جميع الأشواط شفقة عليهم))، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. واختلفوا في أنه هل هو من السنن التي لا يجوز تركها، أم من السنن التي يُخَيَّرُ فيها؟ فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والجمهور إلى الأول، وروي ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وذهب جمعٌ من التابعين، كطاووس وعطاء والحسن والقاسم وسالم إلى الثاني. وروي ذلك عن ابن عباس، وهذا للرجل، وأما المرأة، فلا ترمل بالإجماع لكونه منافياً للستر، كذا في ((عمدة القاري))(١)، انتهى. وهكذا حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر في ((التمهيد)»، وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ما لنا وللرمل إنما كنّا رأينا المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبيّ وَّ فلا نحب أن نتركه . قال الحافظ: (٢) محصله أن عمر - رضي الله عنه - كان هَمَّ بترك الرمل في الطواف؛ لأنه عرف سببه، وقد انقضى، فَهَمَّ أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن تكون له حكمة ما اطلع عليها، فرأى أن الاتباع أولى من طريق المعنى، وأيضاً أن فاعل ذلك إذا فعله تذكَّرَ السبب الباعث على ذلك، فيَتَذَكَّر نعمة الله على إعزاز الإسلام وأهله. (١) ((عمدة القاري)) (١٧٧/٧). (٢) (فتح الباري)) (٤٧٢/٣). ٣٤٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب ثم قال: ويؤيّده أنهم اقتصروا عند مراءاة المشركين، إذا مرّوا من جهة الركنين الشاميين؛ لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية، فإذا مرّوا بين الركنين اليمانيين مشوا على هيئتهم، كما هو مبين في حديث ابن عباس، ولما رملوا في حجة الوداع أسرعوا في جميع كل طوفة، فكانت سنّة مستقلة. وقال الطبري: قد ثبت أن الشارع - عليه السلام - رمل، ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركاً لعمل، بل لهيئة مخصوصة، فكان كرفع الصّوت بالتلبية، فمن لَّى خافضاً صوتَه لم يكن تاركاً للتلبية، بل لصفتها، ولا شيء عليه، انتهى. ٠٠ ثم حكم الرمل عند الجمهور أنه سنة، قال الموفق (١): من نسي الرمل فلا إعادة عليه؛ لأن الرمل هيئة، فلا يجب بتركه إعادةٌ ولا شيءٌ، كهيئات الصلاة والاضطباع في الطواف، ولو تركه عمداً لم يلزمه شيء أيضاً، وهذا قول عامة الفقهاء، إلا ما حكي عن الحسن، والثوري، وعبد الملك بن الماجشون أن عليه دماً؛ لأنه نسك، وقد جاء في حديث مرفوعاً: ((من ترك نسكاً فعليه دم)). ولنا، أنه هيئة غير واجبة، فلم يجب بتركها شيء، كالاضطباع. والخبر إنما يصح عن ابن عباس، وقد قال ابن عباس: من ترك الرمل فلا شيء عليه، ولأن طواف القدوم لا يجب بتركه شيء، فترك صفة فيه أولى أن لا يجب بها؛ لأن ذلك لا يزيد على تركه، انتهى. قلت: وحكى الباجي(٢) رواية عن مالك، من ترك الرمل يعيد ما دام بمكّة، ثم رجع عنه قاله ابن القاسم، وأخرى له مثل الجمهور؛ لا شيء عليه، (١) («المغني)) (٢٢٢/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٤/٢). ٣٥٠ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٧٩٩) حديث ٧٩٩/ ١٠٧ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْثُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ رَمَلَ، مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ حَتَّى أَنْتَهَى إِلَيْهِ، ثَلَاثَةً أَْوَافٍ . أخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٣٩ - باب استحباب الرمل في الطواف، حديث ٢٣٥. وهي رواية ابن القاسم، وابن وهب، قال الأبي(١): مذهب ابن عباس أنه ليس بسنّة، وخالفه الجميع ورأوه سنة، حتى قال الحسن والثوري وابن الماجشون المالكي: عليه دم، وقاله أيضاً مالك، ثم رجع عنه، انتهى. قلت: ومال ابن حزم في ((المحلّى)) إلى وجوب الرمل. ١٠٧/٧٩٩ - (مالك عن جعفر) الصادق (بن محمد) الباقر (عن أبيه) محمد الباقر بن علي بن الحسين سبط رسول الله وَ ﴿ (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي ابن الصحابي (أنه قال: رأيت رسول الله صل#- رمل) بفتحتين، أي في طواف القدوم في حجة الوداع، كما سيأتي في كلام ابن عبد البر، وإليه مال الحافظ، كما تقدم في كلامه (من الحجر الأسود) أي ابتدأ الرمل من الحجر الأسود (حتى انتهى إليه) بعد تمام الشوط، وفعل ذلك في (ثلاثة أطواف)، أي في ثلاثة أشواط الأول. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٢): روى إسماعيل بن جعفر ويزيد بن الهاد وحاتم بن إسماعيل ويحيى القطان وغيرهم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله وَّر طاف في حجة الوداع سبعاً، رمل منها ثلاثة ومشى أربعاً، وهذا في حديث جابر الطويل الذي وصف فيه حجة رسول الله وله (١) ((إكمال إكمال المعلم) (٣٨٣/٣). (٢) (٧٣/٢). ٣٥١ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٧٩٩) حدیث من حين خروجه إليها إلى انقضاء جميعها، رواه عن جعفر بن محمد جماعة، وحكى عبد الله بن رجاء أن مالكاً سمعه بتمامه من جعفر، ويدلّ على صحة قوله أن مالكاً قطعه في أبواب من ((موطئه))، وأتى منه بما احتاج إليه في أبوابه، وروينا عن عبد الله بن رجاء أنه قال: حضر ابن جريج وعبيد الله وعبد الله العمريين والثوري وعلي بن صالح ومالك بن أنس عند جعفر بن محمد يسألونه عن حدیث الحج، فحدثهم به ورووه عنه، انتھی. وحديث الباب نصّ في استيعاب الرمل لجميع الطوفة، وحديث ابن عباس المذكور في سبب الرمل نص في عدم الاستيعاب، وأن يمشوا ما بين الركنين، وأجيب بأن حديث جابر متأخر؛ لكونه في حجة الوداع سنة عشر، بخلاف حديث ابن عباس الذي في عمرة القضاء سنة سبع، فهو ناسخ له، وقيل: إن الرمل سنة، فعذرهم النبيّ ◌َير في العمرة لضعفهم بالحمى. قال الباجي(١): إن جابراً عاين ما روى عام حجة الوداع، وابن عباس إنما روى عن غيره، فإنه لم يشاهد عام القضية لصغره، مع أنه يحتمل أن يكون النبيّ ◌َ* ترك رمل ما بين الركنين، وإن كان مشروعاً لحاجته إلى الإبقاء على أصحابه، فلما ارتفعت هذه العلّة لزم استدامة الرمل المشروع، انتهى. ومال ابن حزم الظاهري في ((المحلى)) (٢) إلى أن الرمل من الحجر الأسود إلى اليماني واجب، وفيما بينهما جائز. قال الموفق(٣): الرمل سنّة في الأشواط الثلاثة بكمالها، يرمل من الحجر إلى أن يعود إليه، لا يمشي في شيء منها، روي ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود وابن الزبير، وبه قال عروة (١) ((المنتقى)) (٢٨٤/٢). (٢) (٩٦/٧). (٣) («المغني)) (٢١٨/٥). ٣٥٢ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٧٩٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ الأَمْرُ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا. والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال طاووس وعطاء والحسن وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله: يمشي ما بين الركنين لرواية ابن عباس، ولنا، ما روى ابن عمر: أنه ◌ّل- رمل من الحجر إلى الحجر، وحديث جابر المذكور أخرجه مسلم. وهذا يقدم على حديث ابن عباس لوجوه، الأول: أنه مثبت، والثاني: أن رواية ابن عباس إخبار عن عمرة القضية، وهذا إخبار عن حجة الوداع، فيكون متأخراً، ويجب العمل به، والثالث: أن ابن عباس - رضي الله عنه - كان في تلك الحال صغيراً، والرابع: أن جُلَّة الصحابة عملوا بما ذكرنا، ولو علموا من النبيّ وَّ ما قال ابن عباس ما عدلوا عنه إلى غيره، ويحتمل أن ما رواه ابن عباس يختصّ بالذين كانوا في عمرة القضية لضعفهم والإبقاء عليهم، وما رويناه سنّة في سائر الناس، انتهى. قلت: ما حكى الموفق من مذهب الشافعي هو الصحيح عندهم، قال النووي: الصحيح من القولين، أنه يستوعب البيت بالرمل، وفي قول ضعيف: لا يرمل بين الركنين اليمانيين. (قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل) أي استمر (عليه أهل العلم ببلدنا) أي كون الرمل من الحجر إلى الحجر، وكونه في ثلاثة أشواط فقط دون باقي السبعة، وبه أخذ الثلاثة الباقية في المسألتين، وهو قول الجمهور (١). وقال ابن الزبير: يسنّ في الطواف السبع، وقال الحسن وابن جبير وعطاء: إنه لا رمل بين الركنين، كذا في ((المحلى))، وقال محمد في ((موطئه))(٢) بعد حديث جابر المذكور: وبه نأخذ، الرمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر، وهو قول أبي (١) انظر ((بذل المجهود)) (١٤٧/٩) و((جزء حجة الوداع)) (ص ١٠٥). (٢) انظر ((التعليق الممجد)) (٣٤٦/٢). ٣٥٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٨٠٠) حدیث ١٠٨/٨٠٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرْمُلُ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، إِلَى الْحَجَّرِ الأَسْوَدِ، ثَلَاثَةَ أَظْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ. حنيفة والعامّة من فقهائنا، انتهى. وتقدم في أوّل الباب أنه مذهب الجمهور خلافاً لما روي عن ابن عباس وبعض التابعين. ٨٠٠/ ١٠٨ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان يرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، ثلاثة أطواف) الأول (ويمشي أربعة أطواف) الأخر. زاد مسلم من طريق آخر عن نافع، وذكر - أي ابن عمر - أن رسول الله وَ لّ فعله، وله أيضاً بطريق آخر عن نافع عن ابن عمر، قال: رَمَل رسول الله وَّ من الحجر إلى الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً، فكان نافعاً يحدّث به على الوجهين مرفوعاً وموقوفاً، وقد يجمع بينهما، وعُلم منه أن الرمل، كما هو وظيفة الثلاثة الأُوَل، كذلك السكون والوقار وظيفة الأربعة الأُخَر، ولذا قال الحافظ: لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاث لم يقضه في الأربع؛ لأن هيئتها السكون، فلا تغیر، انتهى. وقال الموفق(١): الرمل لا يسنّ في غير الأشواط الثلاثة الأُوَل من طواف القدوم، أو طواف العمرة، فإن ترك الرمل فيها لم يقضه في الأربعة الباقية؛ لأنها هيئة فات موضعها، فسقطت، كالجهر في الركعتين الأوليين، ولأن المشي هيئة في الأربعة، كما أن الرمل هيئة في الثلاثة، فإذا رمل في الأربعة الأخيرة، كان تاركاً للهيئة في جميع طوافه. فإن ترك الرمل في شوط من الثلاثة الأُوَل، أتى به في الاثنين الباقيين. وإن تركه في اثنين، أتى به في الثالث، كذلك قال الشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وإن تركه في الثلاثة سقط ؛ لأن تركه للهيئة في بعض محلّها لا يسقطها في بقية محلها، كتارك الجهر في إحدى الركعتين الأوليين، لا يسقطه في الثانية، انتهى. (١) («المغني)) (٢٢٠/٥). ٣٥٤ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٨٠١) حدیث ١٠٩/٨٠١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ؛ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ، يَسْعَى الأَشْرَاطَ الْثَّلَاثَةَ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَا وَأَنْتَ تُحْسِي بَعْدَ مَا أَمَثَّا وبذلك صرّح ابن الهمام في ((الفتح)» (١)، زاد ابن عابدين: لأن ترك الرمل في الأربعة سنّة، فلو رمل فيها كان تاركاً للسنّتين(٢). ١٠٩/٨٠١ - (مالك، عن هشام بن عروة، أن أباه) وذكر الموفق عن عروة قال: كان أصحاب النبيّ وَل يقولون: لا إله إلا أنتا وأنت تُحْيِي بعد ما أَمَثَّا (كان إذا طاف بالبيت يسعى) كذا في النسخ الهندية وبعض المصرية بصيغة المضارع، وفي أكثر المصرية سعى بصيغة الماضي، والمعنى: يسرع المشي ويرمل في (الأشواط الثلاثة) الأول، جمع شوط بفتح الشين المعجمة، وهو الجري مرة إلى الغاية، والمراد لههنا الطوفة حول الكعبة، وفيه جواز تسمية الطوفة شوطاً، وروي عن مجاهد والشافعي كراهته. قال النووي في ((مناسكه)): كره الشافعي أن يسمى الطواف شوطاً ودوراً، وروي عن مجاهد، وقد ثبت في ((صحيحي البخاري ومسلم)) عن ابن عباس - رضي الله عنه - تسمية الطواف شوطاً، والظاهر أنه لا كراهية فيه، قال ابن حجر: قوله: كره الشافعي وتبعه على ذلك الأصحاب، وقوله: والظاهر أنه لا كراهة، يوافقه قوله: في ((المجموع))، هذا الذي استعمله ابن عباس يقدم على قول مجاهد، ثم الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يثبت في تسميته شوطاً نھي، فالمختار أنه لا یکره، انتهى. (يقول) في طوافه على حسب الدعاء والذكر (اللّهمّ: لا إله إلا أنتا، وأنت تحيي) بضمّ أوّله (بعدما أمتًا) بإشباع الألف في الموضعين على ما في جميع (١) ((فتح القدير)) (٣٨/٢). (٢) انظر ((رد المحتار)) (٥٤٨/٢). ٣٥٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٨٠١) حديث النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية بدون الألف في قوله: أنت، وفي آخره بعدما أمتنا بزيادة ضمير المتكلم المنصوب، والأوجه الأول، فإن عامّة الشراح وغيرهم حملوه على الشعر، قال الزرقاني(١): هذا بيت فيه زَحافُ الخَزْمِ بمعجمتين، وهوزيادة سبب خفيف في أوّله. وقال الباجي(٢): كان يقوله على حسب ما يتخيّره الإنسان من الذكر أو الدعاء، لا على أن هذا اللفظ مخصوص بالطواف ومسنون فيه، وروى ابن حبيب عن مالك أنّه قال: ليس العمل على قول عروة هذا، وإنما أراد أنه ليس . بذكرٍ معينٍ للطواف حتى لا يجزئ غيره، وفي ((البحر المحيط)»: سُئِل مالك عن قول عروة؟ فقال: ليس عليه العمل هذا أمر قد تُرك، وأراد مالك أنه ليس مما يستحب، بل المستحب تركه وأن لا يقصد إليه، انتهى. وقال ابن عبد البرّ(٣): هذا من الشعر الجاري مجرى الذکر فهو حسن، وإنما الشعر كلام، فحسنه حسن وقبيحه قبيح، وكان عروة شاعراً، والشعر ديوان العرب، وألسنتهم به رطبة، انتهى. وفي ((المدونة)) (٤): قلت: هل كان مالك يُوَسِّعُ في إنشاد الشعر في الطواف؟ قال: لا خير فيه، وقد كان مالك يكره القراءة في الطواف، فكيف الشعر؟ انتهى. وقال القاري(٥) في مباحات الطواف: إنشاد شعر محمود وكذا إنشاؤه، (١) (شرح الزرقاني)) (٣٠٣/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٧٥/٢). (٣) ((الاستذكار)) (١٢ / ١٤٢). (٤) (٣١٨/١). (٥) ((شرح اللباب)) (ص٨١). ٣٥٦ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٨٠٢) حديث يَخْفِضُ صَوْتَهُ بِذْلِكَ. ١١٠/٨٠٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيم. والمراد بالمحمود ما يباح في الشرع، وإلا فما يكون من قبيل الأشعار المستفاد منها العموم (١)، فهو داخل في المستحبات، والشعر المذموم حرام أو مكروه مطلقاً، وفي الطواف أقبح، ثم قال في المكروهات: وإنشاد شعر يخلو عن حمد وثناء، وقيل: مطلقاً، فيحمل على الكراهة التنزيهية؛ لأن الاشتغال بالأذكار والأدعية أفضل، انتهى. قال ابن الهمام(٢): وفي ((الكافي)) للحاكم الذي هو جمع كلام محمد: يكره له أن ينشد الشعر في طوافه، فإن فعله لم يفسد طوافه، ومنهم من فصل في الشعر بين أن يعرى عن حمد أو ثناء فيكره وإلاّ لا، وقيل: يكره في الحالين، كما هو ظاهر جواب الرواية(٣)، انتهى. (يخفض بها صوته) كي لا يشغل الناس بسماعه عمّا هم فيه، وهذا هو حكم الذكر والدعاء في الطواف والسعي وعلى الصفا والمروة وفي كل موضع مجمع منفرد، ينفرد كل أحد بالذكر والدعاء، فلو رفع كل إنسان صوته لآذى بعضهم بعضاً، وليس كذلك التلبية، فإنها شعار الحج، فلذلك شرع فيها الإعلان، قاله الباجي(٤). ١١٠/٨٠٢ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (أنه رأى) أخاه (عبد الله بن الزبير أحرم بعمرة من التنعيم) موضع معروف خارج (١) كذا في الأصل، والظاهر العلوم، اهـ، ((ش)). (٢) ((فتح القدير)) (٣٩٠/٢). (٣) كذا في الأصل، والظاهر جواب ظاهر الرواية. أهـ، ((ش)). (٤) ((المنتقى)) (٢٨٥/٢). ٣٥٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٨٠٢) حديث قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَسْعَى، حَوْلَ الْبَيْتِ، الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ. مكّة، وإنما أحرم منه اتّباعاً لعمرة عائشة - رضي الله عنها - حيث أمرها النبيّ وَّلّ بعد الفراغ من الحج أن تعتمر منه (قال) عروة: (ثم رأيته) أي أخي (يسعى) أي يرمل (حول البيت) الشريف (الأشواط الثلاثة) الأُول. قال الباجي(١): وأمكن تعريفها بالألف واللام؛ لأنها المعروفة بالرمل، وإنما رمل في طوافه؛ لأنه إنما شرع في طواف من قدم من الحل على وجه يتعقب طوافه السعي، وقد قال مالك في ((المختصر)): يرمل المعتمر مكي وغيره، ووجه ذلك ما قدمنا، أنه داخل من الحل على وجه يتعقب طوافه السعي، انتهى. وبوّب الإمام محمد في ((موطئه))(٢) على هذا الحديث ((باب المكي وغيره يحج أو يعتمر هل يجب عليه الرمل؟)) ثم بعدما ذكر هذا الحديث، قال: قال محمد: وبهذا نأخذ، الرمل واجب على أهل مكة وغيرهم في العمرة والحج، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. وفي ((المحلى)) (٣) لابن حزم من طريق عبد الرزاق بسنده إلى مجاهد قال: خرج ابن الزبير وابن عمر، فاعتمرا من الجعرّانة لما فرغ ابن الزبير من بناء الكعبة، قال مجاهد: وكنت جالساً عند زمزم، فلما دخل ابن الزبير ناداه ابن عمر - رضي الله عنهما - ارمل الثلاث الأول، فرمل ابن الزبير السبع كلّه، فهذه الآثار حجةٌ لمن قال: لسنّية الرمل للمكي أيضاً، وسيأتي الخلاف في ذلك. (١) ((المنتقى)) (٢٨٥/٢). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٤٦/٢). (٣) (٨٥/٥). ٣٥٨ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٨٠٣) حديث ١١١/٨٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن عُمَرَ كَانَ إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، لَمْ يَطْفْ بِالْبَيْتَِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنَّى، وكَانَ لا يَرْمُلُ إِذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ. ١١١/٨٠٣ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان إذا أحرم) بالحج مفرداً أو متمتعاً (من مكة لم يطف بالبيت) طواف القدوم؛ لأنه ليس على المكي، ويحتمل أن يراد به نفي طواف الركن قبل الإفاضة، فيكون احترازاً عما تقدم في أبواب المحصر من اجتزائه - رضي الله عنه - لطوافه الأول (ولا بين الصفا والمروة) لأنه مرتب على الطواف وهو لم يطف بعد (حتى يرجع من منى) فيطوف ويسعى بعد ذلك (وكان لا يرمل) بضمّ الميم، مضارع رمل بفتحها (إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة) يعني إذا أحرم من مكة لم يرمل في الطواف، واختلف في المراد بهذا الطواف كما سيأتي. وتوضيح ذلك يتوقف على خلافيتين في الرمل . أولاهما: أنهم اختلفوا في الرمل في أي طواف يكون؟ والجمهور على أنه يسن في طواف يتعقبه السعي. وقيل: في طواف القدوم سواء يسعى بعده أم لا . قال النووي (١): الرمل مستحب في الطوفات الثلاثة الأول من السبع، ولا يسن ذلك إلا في طواف العمرة وطواف واحد في الحج، واختلفوا في ذلك الطواف، وهما قولان للشافعي، أصحهما؛ أنه إنما يشرع في طواف يعقبه سعي، والثاني: يرمل في طواف القدوم سواء يسعى بعده أم لا، انتهى. وفي ((المسوى))(٢) عن ((المنهاج)): يختص الرمل بطواف يعقبه سعي، وفي قول بطواف القدوم، وجعل البغوي هذا القول أظهر، انتهى. (١) ((شرح مسلم)) (٧/٩/٥). (٢) (٣٦٩/١). ٣٥٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣٤) باب (٨٠٣) حديث قلت: وزاد في ((شرح المنهاج)): لو أراد السعي عقب طواف القدوم، ثم سعى ولم يرمل لم يقضه في طواف الإفاضة، وإن لم يسع رمل فيه وإن كان قد رمل في القدوم، انتهى. واختلفت الحنابلة أيضاً في ذلك، وجمهورهم على الثاني، ومختار القاضي الأول. قال الموفق(١): الرمل لا يسن في غير الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، أو طواف العمرة، ولا يسن في طواف سوى ما ذكرنا؛ لأنه وَله وأصحابه إنما رملوا في ذلك. وذكر القاضي: أن من ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم أتى بهما في طواف الزيارة؛ لأنهما سنّة أمكن قضاؤهما، وهذا لا يصح لما ذكرنا . ثم قال: قال القاضي: ولو طاف، فرمل، واضطبع، ولم يسعَ بين الصفا والمروة، فإذا طاف بعد ذلك للزيارة رمل في طوافه؛ لأنه يرمل في السعي بعده، وهو تبع للطواف، وهذا قول مجاهد والشافعي، وهذا لا يثبت بمثل هذا الرأي الضعيف، انتهى مختصراً. وفي ((الروض المربع))(٢) في بيان طواف القدوم: يرمل الأفقي في هذا الطواف فقط، ولا يسن رمل ولا اضطباع في غير هذا الطواف، انتهى. وقال الدردير (٣): ندب رمل رجل محرم بحج أو عمرة من كالتنعيم والجعرانة في الأشواط الثلاثة الأول من طوافه أو محرم من الميقات ولم يطف للقدوم لفقد شرطه، أو لنسيانه بل لو تعمد تركه، فيرمل بالإضافة بخلاف من طاف للقدوم، وترك الرمل فيه عمداً أو سهواً، فلا يندب الرمل في الإفاضة. (١) ((المغني)) (٢٢٠/٥). (٢) (٥٠٢/١). (٣) (الشرح الكبير)) (٤٣/٢). ٣٦٠