Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٧ - ٧٨٨) حديث
٩٥/٧٨٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً أَوْ قُرَاداً عَنَّ بَعِيرِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذُلِكَ.
٩٦/٧٨٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي مَرْيَمَ؛
ذلك أدب لا شيء على تاركه، لا نعلم أحداً أوجب في ذلك شيئاً، وقد روي عن
ابن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا ينظران في المرآة وهما محرمان، انتهى.
وعَدَّ صاحب ((اللباب)) في المباحات النظر في المرآة للإطلاع على الهيئة.
٧٨٧/ ٩٥ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يكره أن ينزع
المحرم حلمة) بفتحتين، قال المجد: الصغيرة من القردان، أو الضخمة ضد (أو
قُراداً) بزنة غُراب، ما يتعلق بالبعير ونحوه، وهو كالقمل للإنسان (عن بعيره)
أما لو ركب القراد على نفسه، فلا بأس أن يدفعه؛ لأنه ليس مما يتولَّدُ عن
الإنسان، زاد في بعض النسخ الهندية بعد ذلك: ((أو يحله))، وكتب في
الحواشي ليس هذا إلا في نسخة الشرح، انتهى.
قلت: وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية ولا ((المصفى))، وذكر في
((المحلى)) بدله ((أو يحكه))، وقال: ((أو)) للتنويع لا للشك، انتهى.
(قال مالك: وذلك) أي ما روي عن ابن عمر من الكراهة (أحبُّ ما
سمعت إليّ) متعلق بأحب (في ذلك) أي في مسألة القراد بخلاف ما روي عن
أبيه من تقريده، وهذا الأثر متمسك للإمام مالك في ما اختاره، كما تقدم في
أول الباب، وقال محمد في ((موطئه)(١) بعد ذلك: قول عمر بن الخطاب
أعجب إلينا في ذلك من قول ابن عمر - رضي الله عنهما -.
٩٦/٧٨٨ - (مالك، عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم) المدني الخزاعي
(١) انظر ((التعليق الممجد)) (٣١٦/٢).
٢٠١

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٨) حديث
أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب عَنْ ظُفْرِ لَهُ انْكَسَرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَقَالَ
سَعِيدٌ: اقْطَعْهُ.
مولاهم، ويقال: مولى ثقيف، قال يحي القطان: لم يكن به بأس، وقال أبو
حاتم: شيخ مدني صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، كذا في
((التعجيل))(١) (أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له) بالضم «ناخن)) جمعه
أظفار وظفور وأظافر، كذا في ((الصراح))، قال الراغب: الظفر يقال في
الإنسان وفي غيره، قال تعالى: ﴿كُلَّ ذِى تُفِّرٍ﴾ أي ذي مخالب (انكسر وهو
محرم) وقد بقي شيء منه معلق (فقال سعيد: اقطعه).
قال الباجي(٢): وقد رواه ابن وهب أخبرني مالك عن عبد الله بن
أبي مريم قال: انكسر ظفري وأنا محرم، فتعلق فآذاني، فذهب إلى سعيد بن
المسيب فقال: اقطعه، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ففعلت،
وذلك أن قطع الظفر ممنوع للمحرم؛ لأنه من إماطة الأذى، وإلقاء التفث
المعتاد بطول السفر والإحرام، فإن قطعه، فإن ذلك على ضربين: أحدهما: أن
يقطعه لضرورة، والثاني: أن يقطعه لغير ضرورة.
والأول ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يقطعه لضرورة مختصة بالظفر،
والثاني: لضرورة غير مختصة بالظفر، الأول: مثل ما ذكرناه أن ينكسر الظفر،
فيبقى معلقاً يتأذى به، فهذا يقطعه، ولا شيء عليه فيه، ولا نعلم فيه خلافاً في
المذهب ما اقتصر على قطع ما يتأذى به، فإن قطع أكثر من ذلك افتدى. رواه
ابن وهب عن مالك، وذلك لأنه فيما زاد على الضرر متعدٍ، فتلزمه بذلك
الفدية. والقسم الثاني: مثل أن يكون بأصابعه قروح ولا يقدر على مداواتها إلا
بتقليم أظفاره، فإنه يقلمها ويفتدي، قاله مالك.
(١) انظر (تعجيل المنفعة)) (ص ٣٦٨).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦٦/٢).
٢٠٢

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٨) حديث
وذلك لأن الضرورة تبيح له تقليمها، إلا أنه لما لم يكن الضرر من جهة
الظفر لزمته الفدية .
والضرب الثاني: وهو أن يقلم أظفاره لغير ضرورة، فإنه مرتكب
للمحظور، تجب عليه بذلك الفدية، سواء فعل ذلك عامداً أو جاهلاً أو ناسياً؛
لأنه من إماطة الأذى المعتاد وإلقاء التفث، وذلك محظور على المحرم كحلق
الرأس، انتهى.
قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من قلم أظفاره،
إلا من عذر؛ لأن قطع الأظفار إزالة جزء يترفَّه به، فحرم كإزالة الشعر، فإن
انكسر، فله إزالته من غير فدية تلزمه، قال ابن المنذر: وأجمع كل من نحفظ
عنه من أهل العلم أن للمحرم أن يزيل ظفره إذا انكسر، ولأن ما انكسر يؤذيه
ويؤلمه، فأشبه الشعر النابت في عينه، فإن قص أكثر مما انكسر، فعليه الفدية
لذلك الزائد، كما لو قطع من الشعر أكثر مما يحتاج إليه، وإن احتاج إلى
مداواة قرحة لم يمكنه، إلا بقص أظفاره، فعليه الفدية لذلك. وقال ابن القاسم
صاحب مالك: لا فدية عليه.
ولنا؛ أنه أزال ما منع إزالته لضرر في غيره، فأشبه حلق رأسه دفعاً لضرر
قملة، وإن وقع في أظفاره مرض، فأزالها لذلك المرض، فلا فدية عليه؛ لأنه
أزالها لإزالة مرضها، فأشبه قصها لكسرها، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): إن قص أظافير يديه ورجليه، فعليه دم؛ لأنه من
المحظورات، لما فيه من قضاء التفث وإزالة ما ينمو من البدن، وإن قص أقل من
خمسة أظافير، فعليه صدقة بكل ظفر، وإن انكسر ظفر المحرم وتعلق، فأخذه،
فلا شيء عليه؛ لأنه لا ينمو بعد الانكسار، فأشبه اليابس من شجر الحرم، انتهى.
(١) ((المغني)) (١٤٦/٥).
(٢) (١٥٩/١).
٢٠٣

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٨) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌ، عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَكِي أُذْنَهُ. أَيَقْطُرُ فِي أُذُنِهِ مِنَ
الْبَانِ الَّذِي لَمْ يُطَيَّبْ،
(قال يحي: وسئل) ببناء المجهول (مالك عن الرجل يشتكي أذنه أيقطر)
بهمزة الاستفهام (في أذنه من البان الذي لم يطيب) هكذا في جميع النسخ
الهندية ومتن الزرقاني، وهو الصواب عندي، وفي جميع النسخ المصرية من
المتون والشروح ((من الألبان التي لم تطيب)) وهذا لو صح، فهو جمع لبن.
قال المجد: لبن كل شجرة ماؤها، انتهى.
ويحتمل على البعد أن يكون بمعنى اللبن المعروف، ويراد به الدهن
مجازاً. وأما على الأول فهو من البون والألف واللام زائدتان، قال المجد:
البان شجر، ولِحَبّ ثمره دُهْنٌ طيِّبٌ، وحَبُّه نافع للبَرَشِ، والنَّمَشِ، والكَلَفِ،
والحَصَفِ، والبَهَقِ، والسَّعَفَةِ، والجَرَبِ، وغير ذلك.
وفي ((المحيط)): ((بان)) بفتح الموحدة وألف وسكون نون، اسم عربي،
يقال له في الهندية: ((بكائن))، وأكثر ما يوجد في الحجاز، والحبش،
والمغرب، ثم بسط في فوائده مثل ما تقدم عن ((القاموس)) وأكثر منه، وقال:
دهنه ينفع وجعَ الأنف والأذن وطنّ الأذن، انتهى معرباً .
ومعنى قوله: ((لم يُطَيَّبْ)) أي لم يجعل فيه الطيب، فإنه كثيراً ما يستعمل
طلاء مع العنبر أيضاً، كما في ((المحيط))، يقال لغير المطيب: البان السمح،
ففي (المدونة)) (١): قال مالك: يدهن المحرم عند الإحرام وبعد حلاقة رأسه
بالزيت وما أشبهه وبالبان السمح، وهو البان غير المطيب، وأما كل شيء يبقى
ريحه، فلا يعجبني، انتهى.
قلت: فالبان الساذج من الأدهان التي لم تطيب عند المالكية، وأما عند
الحنابلة، فسيأتي قريباً في كلام الموفق أنه عَدَّ الساج في ما لا طيب فيه، لكن
عَدَّ صاحب ((الروض المربع)) في الطيب باناً أيضاً.
(١) (٢٩٥/١).
٢٠٤

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٨) حديث
وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ: لا أَرَى بِذْلِكَ بَأْساً. وَلَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ، لَمْ أَرَ
بِذْلِكَ بَأْساً .
وأما عند الحنفية، فهو من الأدهان المطيبة، كما عَدَّه فيها صاحب
((البدائع)) ((واللباب)) وغيرهما، وقال النووي في ((المناسك)): أما دهن البان
المغشوش، وهو المخلوط بالطيب، فهو طيب، وغير المخلوط ليس بطيب،
انتھی .
وتعقبه ابن حجر في ((شرحه)) فقال: الذي عليه الجمهور أن البان نفسه
طيب، وما قال الشيخان من أن المغلي في الطيب طيب، وغيره ليس بطيب،
توقف فيه ابن الرفعة بقول القاضي: يحرم على المحرم، سواء أَشَمَّه أو اتخذ
منه الدهن، واستعمله، أو عصر ماءه، واستعمله، وهو موافق لكلام الجمهور
وتبعه السبكي، فقال ما قالاه: يقتضي أن البان ليس بطيب، وهو بعيد، انتهى.
(وهو محرم) أي يقطره في حالة الإحرام.
(قال) مالك: (لا أرى بذلك بأساً) أي جائزاً (ولو جعله في فيه) أي
أدخله في فمه أكله أو لا (لم أر) مضارع مجزوم من الرؤية (بذلك) أي بجعله
في فيه (بأساً).
قال الباجي(١): استعمال الدهن الذي ليس بمطيب يكون في ثلاثة
مواضع، أحدها: أن يستعمله في باطن جسده بأن لا يظهر منه، كتقطيره في
الأذن والاستسعاط به والمضمضة، فإن هذا كله جائز للمحرم أن يفعله، ولا
شيء عليه فيه؛ لأنه بمنزلة أكله، وهو الذي ذكره مالك.
والثاني: أن يستعمله في ظاهر بدنه غير باطن يديه وقدميه، فإن فعل،
فهذا ممنوع، وعليه الفدية عند مالك وجميع أصحابه، قال ابن حبيب: وقد
روي إباحة ذلك. وبه أخذ الليث، وجه قول مالك أنه إزالة شعث؛ لأنه مما
(١) ((المنتقى)) (٢٦٧/٢).
٢٠٥

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٨) حديث
يفعل للجمال والتنظف، وإن دهن بطون قدميه أو يديه لشقوق بهما، فلا بأس
بذلك، وإن فعل ذلك لغير علة، فعليه الفدية.
ووجه ذلك أنهما ظاهران ظهور سائر الأعضاء، فإذا لم يقصد بدهنهما
دفع مضرة، فلا غرض في ذلك غير تحسين ظاهر الجسد وإزالة الشعث،
فوجبت بذلك الجزية، وإن قصد بذلك دفع المضرة أو القوة على العمل، فلا
فدية في ذلك؛ لأنهما وإن ظهرا فإنهما باطنان من ظاهر الجسد ويختصان
بالعمل، وبذلك فارقا سائر الأعضاء من الجسد، انتهى.
قال الموفق(١): أما المطيب من الأدهان كدهن الورد والبنفسج، فليس
في تحريم الأدهان به خلاف في المذهب، وأما ما لا طيب فيه كالزيتٍ
والشَّيْرَج ودهن البان الساذج، فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن
المحرم يدهن بالزيت والشَّيْرَج؟ فقال: نعم يدهن به إذا احتاج إليه ويتداوى
المحرم بما يأكل.
قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يدهن بدنه(٢)
بالشحم والزيت والسمن، ونقل الأثرم جواز ذلك عن ابن عباس وأبي ذر
والأسود بن يزيد، ونقل أبو داود عن أحمد أنه قال: الزيت الذي يؤكل لا
يدهن المحرم به رأسه، فظاهر هذا، أنه لا يدهن رأسه بشيء من الأدهان،
وهو قول عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي؛ لأنه يزيل
الشعث ويسكن الشعر، فأما دهن سائر البدن، فلا نعلم عن أحمد فيه منعاً.
وقد ذكرنا اجتماع أهل العلم على إباحته في اليدين (٣)، وإنما الكراهة في
(١): ((المغني)) (١٤٩/٥).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر عندي (یدیه)) اهـ، (ز).
(٣) والظاهر أن المراد ما تقدم قريباً عن ابن المنذر، فلم أر حكاية الإجماع فيهما غيره، اهـ، (ز)).
٢٠٦
--- --- --

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٨) حدیث
الرأس خاصة؛ لأنه محل الشعر، وقال القاضي: في إباحته في جميع البدن
روايتان، وقد روي عن ابن عمر أنه صدع، وهو محرم، فقالوا: ألا ندهنك
بالسمن؟ فقال: لا، قالوا: أليس تأكله؟ قال: ليس أكله كالادِّهان به، انتهى.
قلت: لكن صاحب ((الروض المربع)) (١) فرق بين الدهن المطيب وغيره، فأباح
الثاني دون الأول، ولم يُفَرِّق بين الرأس وغيره.
وقال النووي في ((المناسك)): أما الأدهان، فضربان: دهن هو طيب، ودهن
ليس بطيب كالزيت والشيرج والسمن، فلا يحرم الادِّهان به في غير الرأس
واللحية، وأما ما هو طيب كدهن الورد والبنفسج، فيحرم استعماله في جميع البدن
والثياب، ثم قال في مبحث شعر الرأس واللحية: يحرم عليه دهنهما بکل دهن،
سواء كان مطيباً أو غير مطيب كالزيت ودهن الجوز واللوز، ولو دهن الأقرعُ رأسه
بهذا الدهن، فلا بأس به، وكذا لو دهن الأمرد ذقنه، فلا بأس، ولو دهن محلوق
الشعر رأسه عصى على الأصح، ولزمه الفدية، انتهى.
وفي ((البدائع)) (٢): لو ادّهن بدهن، فإن كان مطيباً كدهن البنفسج والورد
والذنبق والبان وسائر الأدهان التي فيها الطيب، فعليه دم إذا بلغ عضواً كاملاً،
وإن كان غير مطيب بأن ادّهن بزيت أو بشيرج، فعليه دم في قول أبي حنيفة،
وعند أبي يوسف ومحمد عليه صدقة، وقال الشافعي: إن استعمله في شعره،
فعليه دم، وإن استعمله في بدنه، فلا شيء عليه، ولو داوى بالزيت جرحه أو
شقوق رجليه، فالكفارة عليه؛ لأنه ليس بطيب بنفسه، وإن كان أصل الطيب،
لكنه ما استعمله على وجه الطيب، فلا تجب به الكفارة بخلاف ما إذا تداوى
بالطيب أنه يجب به الكفارة؛ لأنه طيب في نفسه، فيستوي فيه استعماله للتطيب
أو لغيره.
(١) انظر (١ / ٤٧٧).
(٢) (٤١٦/١).
٢٠٧

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلا بَأْسَ أَنْ يَبْطَّ الْمُحْرِمُ خُرَاجَهُ،
وقد قال أصحابنا: إن الأشياء التي تستعمل في البدن على ثلاثة أنواع:
نوع هو طيب محض معدٌ للتطيب كالمسك ونحوه، وتجب به الكفارة على أي
وجه استعمل حتى قالوا: لو داوى عينه بطيب تجب عليه الكفارة؛ لأن العين
عضو كامل استعمل فيه الطيب. ونوع ليس بطيب بنفسه، ولا فيه معنى الطيب،
ولا يصير طيباً بوجه كالشحم، فسواء أكل أو ادهن به أو جعل في شقاق
الرجل، لا تجب الكفارة.
ونوع ليس بطيب بنفسه، لكنه أصل الطيب، يستعمل على وجه الطيب،
ويستعمل على وجه الإدام كالزيت والشيرج، فيعتبر فيه الاستعمال، فإن استعمل
باستعمال الأدهان في البطن، يعطى له حكم الطيب، وإن استعمل في مأكول
أو شقاق رجل، لا يعطى له حكم الطيب كالشحم، انتهى.
قال صاحب ((اللباب)): لا فرق بين الشعر والجسد في الدهن، انتهى.
هذا وقد تقدم شيء من الكلام على الأدهان في باب الطيب.
(قال مالك: لا بأس أن يبُطَّ) بضم الباء وشد الطاء أي يشق (المحرم
خراجه) هكذا في جميع النسخ المصرية بالخاء المعجمة، قال الزرقاني(١):
بضم المعجمة كغُراب: بثرة، والواحدة خراجة، انتهى، وفي (المجمع)): خراج
بضم المعجمة وخِفَّةِ راء: القرحة، وقال المجد: كالغراب: القروح، وفي
النسخ الهندية بالجيم، وفي ((الحاشية)): قال الشارح: بضم الجيم، ولكن في
((القاموس)): الجراح بالكسر جمع جراحة بالكسر، انتهى.
قلت: والمراد بالشارح صاحب ((المحلى))، فإنه ضبطه بضم الجيم، وفي
((مختار الصحاح)): جرحه من باب قطع، والاسم الجرح بالضم والجمع جروح،
ولم يقولوا: جراح إلا في الشعر، والجراح بالكسر جمع جراحة، انتهى.
(١) (شرح الزرقاني)) (٢٩١/٢).
٢٠٨

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
وَيَفْقَأَ دُمَّلَهُ، وَيَقْطَعَ عِرْقَهُ، إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذُلِكَ.
(٣٠) باب الحج عمن يحج عنه
(ويفقأ) بالهمز في آخره أي يشق، قال المجد: فقأ العين والبثرة
ونحوها، كمنع: كسرها أو قلعها أو بخقها (دُمّله) قال المجد: الدمل کَسُكّرٍ
وصُرَدٍ: الخراج، جمعه دماميل (ويقطع عرقه) قال المجد: العرق: الطريق
يعرقه الناس حتى يستوضح، وبالكسر للشجر والبدن، معروف، جمعه عروق
وأعراق وعراق (إذا احتاج إلى ذلك) قال صاحب ((المحلى)): وعليه الجمهور،
وعند الحسن عليه الفدية .
قال الباجي(١): لأن الإحرام لا يتعلق بقطع شيء من جلد جسده، وإنما
ذلك ممنوع لغير حرمة الإنسان، وهو مباح للضرورة كالحجامة، وقد احتجم
النبي ◌َّ وهو محرم، ومن هذا المعنى بطَّ جراحه، وفقأ دمله، وقطع عرقه
لحاجته إلى ذلك، وقد شرط مالك - رحمه الله - الحاجة إلى ذلك، انتهى.
قال الموفق(٢): الحجامة إذا لم يقطع شعراً، فمباحة من غير فدية في قول
الجمهور؛ لأنه تداوٍ بإخراج دم، فأشبه الفصد وربط الجرح، وكان الحسن يرى في
الحجامة دماً، ولنا؛ أنه ◌َّ احتجم ولم يذكر فدية، ولأنه لا يترفَّهُ بذلك، فأشبه
شرب الأدوية، وكذلك الحكم في قطع العضو عند الحاجة والختان، كل ذلك
مباح من غير فدية، انتهى. وتقدم بيان الاحتجام في بابه، وعَدَّ القاري في ((شرح
اللباب)) في ((مباحات الإحرام)) قطع العرق وانفقاء الدمل والقرح.
(٣٠) الحج عمن يُحج عنه
أي بيان الحج عن الغير، وفروع هذا الباب كثيرة جداً، نقتصر منها على
ما لا بد من معرفتها من عشرة أبحاث مفيدة مهمة :
(١) ((المنتقى)) (٢٦٧/٢).
(٢) ((المغني)) (١٢٦/٥).
٢٠٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
الأول: ما قال الموفق(١): لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من
يقدر على الحج بنفسه إجماعاً، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من
عليه حجة الإسلام، وهو قادر على أن يحج، لا يجزئ عنه أن يحج غيره عنه،
والحج المنذور كحجة الإسلام في إباحة الاستنابة عند العجز والمنع منها مع
القدرة؛ لأنها حجة واجبة، أما حج التطوع فينقسم أقسام ثلاثة:
أحدها: أن يكون ممن لم يُؤدِّ حجة الإسلام، فلا يجوز أن يستنيب في
حجة التطوع.
الثاني: أن يكون ممن قد أَدَّى حجة الإسلام، وهو عاجز عن الحج
بنفسه، فيصح أن يستنيب في التطوع.
والثالث: أن يكون قد أدّى حجة الإسلام، وهو قادر على الحج بنفسه،
فهل له أن يستنيب في حجة التطوع؟ فيه روايتان إحداهما: يجوز، وهو قول
أبي حنيفة، والثانية: لا يجوز وهو مذهب الشافعي، انتهى.
وفي (الهداية))(٢): تجوز الإنابة في الحج النفل حالة القدرة؛ لأن باب
النفل أوسع، انتهى. وقال الحافظ بعدما حكى عن ابن المنذر وغيره الإجماع
المذكور: أما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافاً للشافعي وعن أحمد روايتان،
انتھی .
الفرع الثاني: وجوب الحج على من يجد الاستطاعة بالغير، قال
الموفق (٣): من وجدت فيه شرائط وجوب الحج، وكان عاجزاً عنه لمانع
مأيوس من زواله، كزمانة أو مرض لا يرجى زواله، والشيخ الفاني متى وجد
(١) («المغني)) (٢٢/٥).
(٢) (١٧٩/١).
(٣) ((المغني)) (١٩/٥).
٢١٠
1

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
من ينوب عنه في الحج، ومالا يستنيبه به، لزمه الحج. وبهذا قال أبو حنيفة
والشافعي، وقال مالك: لا حج عليه، إلا أن يستطيع بنفسه؛ لأنه تعالى قال:
﴿َمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وهذا غير مستطيع.
ولنا، حديث امرأة من خثعم، وسئل علي - رضي الله عنه - عن شيخ لا
يجد الاستطاعة؟ قال: يُجَهِّزُ عنه، انتهى.
وقال ابن رشد (١): أما وجوبه باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة،
فعند مالك وأبي حنيفة لا تلزم، وعند الشافعي تلزم، فيلزم على مذهبه الذي
عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره، إذا لم يقدر هو ببدنه أن يحج عنه غيره،
وهي المسألة التي يعرفونها بالمعضوب، وهو الذي لا يثبت على الراحلة،
انتھی .
قلت: والمعضوب على ما في ((مناسك النوويّ)) و ((شرحه)) بالعين
المهملة والضاد المعجمة من العضب بمعنى الضعف، أو القطع لانقطاع
حركته، هذا هو الأشهر، ويجوز بالصاد المهملة كأنه قطع عصبه أو ضرب،
انتھی .
قلت: ويجب عند المالكية على الأعمى القادر على المشي بقائد ولو
بأجرة، صرح به الدردير، وكذا يجب على من يعتاد السفر بالمشي، ويمكن
وصوله ماشياً وإن لم يجد راحلة، وكذا من عادته التكفف بالناس، فيجب عليه
وإن لم يجد زاداً، كما بسطه العيني، وفسروا الاستطاعة بإمكان الوصول عادة،
كما جزم به الدردير، بخلاف الأئمة الثلاثة إذ فسروها بالزاد والراحلة، كما
قاله ابن رشد.
وما وقع من الاختلاف في مذهب الحنفية بين كلامي الموفق وابن رشد،
(١) ((بداية المجتهد)) (٣١٩/١).
٢١١

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
مبنيٌّ على اختلاف الروايات عنهم، كما بسطه ابن الهمام في ((الفتح)) (١) تحت
الاستطاعة، وقال القاري في ((شرح اللباب))(٢) في شرائط وجوب الأداء:
الأول منها: سلامة البدن عن الأمراض والعلل، فقيل: الصحيح أنه شرط
الوجوب فحسب على ما في ((النهاية))، وقال في ((البحر)): هو المذهب
الصحيح، وقيل: إنه من شرط الأداء على ما صححه قاضيخان في ((شرح
الجامع))، واختاره كثير من المشايخ، منهم ابن الهمام، فعلى الأول لا يجب
على الأعمى والمقعد والمعضوب أي الضعيف على ما في ((القاموس))، والمراد
ههنا الشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة.
قال ابن الهمام: ففي المشهور عن أبي حنيفة أنه لا يلزمهم الحج، قال
في ((البحر)): وهذا عند أبي حنيفة في ظاهر الرواية، وهو رواية عنهما، وقالا
في ظاهر روايتهما، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: إنه يجب على هؤلاء إذا
ملكوا الزاد والراحلة ومؤونة من يرفعهم ويضعهم، والخلاف المذكور فيمن
وجد الاستطاعة وهو معذور، أما إن وجدها، وهو صحيح، ثم طرأ عليه
العذر، فالاتفاق على الوجوب، انتهى مختصراً.
واستدل بحديث الباب من قال: بوجوب الاستنابة، وقال عياض: لا
حجة فيه؛ لأن قولها: إن فريضة الله ... إلخ، لا يوجب دخول أبيها في هذا
الفرض، وإنما الظاهر من الحديث أنها أخبرت أن فرض الحج بالاستطاعة
ينزل، وأبوها غير مستطيع، فسألت هل يباح لها أن تحج عنه، ويكون له في
ذلك أجر؟ ولا يخالفه قوله في رواية: ((فحُجِّي عنه))؛ لأنه أمر ندب وإرشاد
ورخصة لها أن تفعل، لما رأى من حرصها على تحصيل الأجر لأبيها، انتهى.
(١) ((فتح القدير)) (٣٢٩/٣).
(٢) (ص١٦).
٢١٢

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
قال الحافظ (١): وتُعُقِّب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن
الإجزاء، فيتم الاستدلال، ومال ابن عبد البر إلى أن القصة مختصة بالخثعمية،
انتھی .
والثالث: ما قال العيني(٢) تحت حديث الباب: فيه جواز الحج عن غيره
إذا كان معضوباً. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد
وإسحق، وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد، إلا
عن ميت لم يحج حجة الإسلام. وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال:
مشهورها: لا يجوز، ثانيها: يجوز من الولد، ثالثها: يجوز إن أوصى به، وعن
النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره، وهي رواية عن
مالك وإن أوصی به.
وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)): عن ابن عمر أنه قال: لا يحج أحد عن
أحد، ولا يصم أحد عن أحد، وكذا قال النخعي، وقال ابن عبد البر(٣):
اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث، فإن جماعة منهم ذهبوا إلى أن هذا
الحديث مخصوص به أبو الخثعمية لا يجوز أن يتعدى به إلى غيره، بدليل قوله
تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وكان أبوها ممن لا يستطيع، فلم يكن عليه
الحج، فلما لم يكن عليه لعدم استطاعته كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب،
وممن قال ذلك مالك وأصحابه؛ لأن الحج عندهم من عمل البدن، فلا ينوب
فيه أحد عن أحد قياساً على الصلاة.
وذكر ابن حزم من حديث إبراهيم بن محمد العدوي: ((أن امرأة قالت:
(١) ((فتح الباري)) (٧٠/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٧/ ٥٤٧).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٥٩/١٢).
٢١٣

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
إن أبي شيخ كبير، فقال النبي ◌َّ: حُجِّي عنه، وليس لأحد بعده))، وكذا رواه
محمد بن حبان الأنصاري أن امرأة قالت :... الحديث، وفيه ليس لأحد
بعده، وضعفهما بالإرسال وغيره، وقال القرطبي: مالك وأصحابه رأوا أن
ظاهر حديث الخثعمية مخالف؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ لأن
الأصل في الاستطاعة هي القوة بالبدن، فلما عارض ظاهر الحديث ظاهر
القرآن، رجح مالك ظاهر القرآن، انتهى مختصراً(١).
والرابع: ما قال الموفق(٢): من يرجى زوال مرضه، والمحبوس ونحوه
ليس له أن يستنيب، فإن فعل لم يجزئه وإن لم يبرأ، وبهذا قال الشافعي، وقال
أبو حنيفة: له ذلك، ويكون ذلك مراعىّ، فإن قدر على الحج بنفسه لزمه، وإلا
أجزأه ذلك؛ لأنه عاجز عن الحج بنفسه، أشبه المأيوس من برئه.
ولنا، أنه يرجو القدرة على الحج بنفسه، فلم يكن له الاستنابة، ولا
تجزئه إن فعل كالفقير، وفارق المأيوس من برئه؛ لأنه عاجز على الإطلاق آيس
من القدرة على الأصل، فأشبه الميت، ولأن النص إنما ورد في الحج عن
الشيخ الكبير، وهو ممن لا يرجى منه الحج بنفسه، فلا يقاس عليه إلا من كان
مثله، فعلى هذا إذا استناب من يرجو القدرة على الحج بنفسه، ثم صار مأيوساً
من برئه، فعليه أن يحج عن نفسه مرة أخرى، لأنه استناب في حال لا تجوز
الاستنابة فيها فأشبه الصحیح، انتهى.
وفي ((الغنية)) في شرائط الحج عن الغير: دوام العجز إن كان لعذر يرجى
زواله عادة كالحبس والمرض، فلو عجز فأحج عنه فرضاً، كان أمره موقوفاً،
فإن دام عجزه حتى مات ظهر أنه وقع مجزئاً عن فرضه، وإن قدر عليه وقتاً ما
(١) ((انظر ((شرح الزرقاني)) (٢٩٢/٢) و(بدائع الصنائع)) (١٢٤/٢، ٣١٣) و((مغني المحتاج))
(٤٦٨/١) و((الاستذكار)) (٥٩/١٢ وما بعدها) و((بداية المجتهد)) (١٢٨/٩).
(٢) («المغني)) (٢٢/٥).
٢١٤

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
من عمره ظهر أنه وقع نفلاً له، وإن كان لعذر لا يرجى زواله عادة كالزمانة
والعمى، لا يشترط دوامه إلى الموت إلى آخر ما سيأتي في الفرع الخامس،
وهذا الخلاف لا يتأتى على المشهور من مذهب مالك من منع النيابة عن
الحي، سواء كان صحيحاً أو مريضاً.
الخامس: ما في ((المغني))(١): أن من وجدت فيه شرائط وجوب الحج،
وكان عاجزاً عنه لمانع مأيوس من زواله، متى وجد من ينوب عنه لزمه ذلك،
ومتى أحج هذا عن نفسه، ثم عُوفي لم يجب عليه حج آخر، وهذا قول
إسحق، وقال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر: يلزمه؛ لأن هذا بدل
إياس، فإذا برأ، تَبَيَّنَّ أنه لم يكن مأيوساً منه فلزمه الأصل، ولنا، أنه أتى بما
أمر به، فخرج عن العهدة كأنه لم يبرأ، أو نقول: أدّى حجة الإسلام بأمر
الشارع، فلم يلزمه حج ثانٍ، كما لو حج بنفسه، ولأن هذا يُفضي إلى إيجاب
حجتين عليه، ولم يوجب الله عليه إلا حجة واحدة إلى آخر ما بسطه.
وفي (الفتح)): اختلفوا فيما إذا عُوْفِيَ في المعضوب، فقال الجمهور: لا
يجزئه؛ لأنه تبين أنه لم يكن ميئوساً منه، وقال أحمد وإسحق: لا تلزمه
الإعادة، انتهى.
قال النووي في ((المناسك)): ولو استناب المعضوب من يحج عنه، فحج
عنه، ثم زال العضب، وشفي لم يجزه على الأصح، بل عليه أن يحج، انتهى.
وفي ((الهداية)): والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت؛ لأن الحج فرض
العمر .
قال ابن الهمام(٢): وإنما شرط دوامه إلى الموت؛ لأن الحج فرض
(١) (١٩/٥ - ٢١).
(٢) ((فتح القدير)) (٦٧/٣).
٢١٥

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
العمر، فحيث تعلق به خطابه لقيام الشروط، وجب عليه أن يقوم هو بنفسه في
أول أعوام الإمكان، فإذا لم يفعل أثم، وتقرر القيام بها بنفسه في ذمته في مدة
عمره، وإن كان غير متصف بالشروط، فإذا عجز عن ذلك بعينه، وهو أن يعجز
عنه في مدة عمره، رخص له الاستنابة رحمة وفضلاً منه، فحيث قدر عليه وقتاً
ما من عمره بعدما استناب فيه لعجزٍ لَحِقَه، ظهر انتفاء شرط الرخصة، انتهى.
:
السادس: ما قال النووي: أما المعضوب، فلا يصح الحج عنه بغير إذنه
يعني في الفرض؛ لأنه قال بعد ذلك: وتجوز الاستنابة في حج التطوع للميت
والمعضوب على الأصح، انتهى.
قال الموفق(١): لا يجوز الحج والعمرة عن حي، إلا بإذنه فرضاً كان أو
تطوعاً؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه، فأما
الميت فتجوز عنه بغير إذن واجباً كان أو تطوعاً؛ لأن النبي ◌َّ أمر بالحج عن
الميت، وقد علم أنه لا إذن له، وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة، انتهى.
وأما عند الحنفية، ففيه تفصيل. قال القاري في ((شرح اللباب)): الرابع،
أي من شرائط حج الغير، الأمر بالحج، فلا يجوز حج غيره عنه، بغير أمره إن
أوصى به، فإن أوصى بأن يحج عنه، فتطوع عنه أجنبي أو وارث لم يجز، وإن
لم يوص، فتبرع عنه الوارث أو غيره، فحج بنفسه أو أحج غيره جاز، ولا
يشترط ذلك في الحج النفل، انتهى ملخصاً.
السابع: ما قال الموفق(٢): متى توفي من وجب عليه الحج، ولم يحج،
وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر، سواء فاته بتفريط
أو بغير تفريط، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت،
فإن أوصى بها فهي من الثلث، وبهذا قال الشعبي والنخعي، انتهى.
(١) ((المغني)) (٣٧/٥).
(٢) («المغني)) (٣٨/٥).
٢١٦

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
قلت: وعند الحنفية إذا تبرع أحد بدون الوصية، فهو مجزئ إن شاء الله
كما تقدم قريباً عن ((شرح اللباب))، وكذلك عند الشافعية. قال النووي: تجب
الاستنابة عن الميت إذا كان قد استطاع في حياته، ولم يحج، هذا إذا كان له
تركة، وإلا فلا يجب على الوارث، ويجوز للوارث والأجنبي الحج عنه، سواء
أوصى به أم لا، انتهى.
وفي ((العيني)) (١): فإن أوصى الميت بذلك، فعند مالك وأبي حنيفة يخرج
من ثلثه. وهو قول النخعي، وعند الشافعي الحجة الواجبة من رأس المال
كالدين وإن لم يوص، انتهى. ملخصاً .
والثامن: هل يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره؟ فقال أحمد
في روايته المشهورة عند أصحابه: لا يجوز ذلك، فإن فعل وقع إحرامه عن
حجة الإسلام، وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وإسحق. وقال أبو حنيفة
ومالك، وهي رواية لأحمد: يجوز ذلك لإطلاق حديث الخثعمية، ولم يسألها
النبي ◌َ﴾ أحججت عن نفسك؟ ويروى كذلك عن الحسن وإبراهيم وأيوب
السختياني وجعفر بن محمد. وقال أبو بكر عبد العزيز: يقع الحج باطلاً، ولا
يصح ذلك عنه، ولا عن غيره، ويروى ذلك عن ابن عباس، كذا في ((العيني))
و ((المغني))، واحتج الأولون بحديث شبرمة، أخرجه أحمد وأبو داود
وابن ماجه، وأجاب عنه الآخرون بأنه معلول وموقوف، كما بسطه العيني
والشيخ في ((البذل)»(٢).
والتاسع: ما قال الموفق(٣): يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة،
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٤٧/٧).
(٢) انظر ((بذل المجهود)) (٢٦/٩).
(٣) («المغني)) (٢٧/٥).
٢١٧

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
(٧٨٩) حديث
٧٨٩/ ٩٧ - وحدّثني يَحَيِىُ عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ ابْنُ
عَبَّاسِ
وكذا عكسه، في قول عامة أهل العلم، لا نعلم فيه مخالفاً، إلا الحسن بن
صالح، فإنه كره حج المرأة عن الرجل، قال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر
السنة، فإنه ◌َ﴿ أمر المرأة أن تحج عن أبيها، وعليه يعتمد من أجاز حج المرء
عن غيره، وفي الباب حديث أبي رزين، وأحاديث سواه، انتهى.
وفي ((الفتح)) (١): قال ابن بطال: لم يخالف في جواز حج الرجل عن
المرأة والمرأة عن الرجل إلا الحسن بن صالح، انتهى.
والعاشر: ما قال العيني: ظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه
لحديث الخثعمية، وعند محمد أن الحج يقع عن الحاج، وللآخر ثواب النفقة،
انتھی .
٧٨٩/ ٩٧ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سليمان بن يسار)
الهلالي (عن عبد الله بن عباس) - رضي الله عنهما ــ (قال: كان الفضل بن
عباس) أكبر ولد عباس، وبه يكنى العباس، وشقيق عبد الله وأمهما أم الفضل،
أردفه النبي ◌ّ﴾ حجة الوداع، وحضر غسله وَّ، قال عباس الدوري عن
ابن معين: قتل يوم اليرموك وعليه درع النبي ◌ّ، وقال الواقدي: مات
بطاعون عمواس سنة ١٨ هـ.
ثم الحديث أخرجه البخاري برواية ابن جريج عن الزهري عن سليمان
عن عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس، قال الحافظ(٢): كذا قال
ابن جريج، وتابعه معمر، وخالفهما مالك، وأكثر الرواة عن الزهري، فلم
(١) (٦٥/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٧/٤).
٢١٨

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
(٧٨٩) حدیث
يقولوا فيه: عن الفضل، وروى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب عن أبيه
عن ابن عباس أخبرني حصين بن عوف الخثعمي قال: ((قلت: يا رسول الله إن
أبي أدركه الحج، ولا يستطيع أن يحج ... )) الحديث. قال الترمذي: سألت
محمداً يعني البخاري عن هذا فقال: أصح شيء فيه ما روي عن ابن عباس عن
الفضل، قال: فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره، ثم
رواه بغير واسطة، انتهى.
قال: وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل؛ لأنه كان رِذْف النبي
صَلَلىالله
وسلم
حينئذٍ، وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع
الضعفة، وأخرج البخاري في ((باب التلبية والتكبير)) من طريق عطاء عن
ابن عباس؛ أن النبي # أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبي حتى
رمى الجمرة، فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة.
ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره
ابن عباس، فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصّة، وتارة عما شاهده،
ويؤيد ذلك ما وقع عند الترمذي وأحمد وابنه عبد الله والطبري من حديث
علي، مما يدل على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من
الرمي، وأن العباس كان شاهداً، ولفظ أحمد من طريق عبيد الله بن أبي رافع
عن علي قال: ((وقف رسول الله وَّل بعرفة، فقال: هذه عرفة، وهو الموقف))،
فذكر الحديث، وفيه: ثم أتى المنحر، فقال: «هذا المنحر، وكل منى منحر،
واستفتته)).
وفي رواية عبد الله: ((ثم جاءته جارية شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ
كبير، قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: حجي عن
أبيك، قال: ولَوَّى عنقَ الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لوَّيت عنق ابن عمك،
قال: رأيت شاباً وشابة، فلم آمن عليهما الشيطان))، وظاهر هذا أن العباس كان
حاضراً لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضاً كان معه، انتهى.
٢١٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣٠) باب
(٧٨٩) حدیث
رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ وَلّهِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَتْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ
الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ،
(رديف رسول الله (18) زاد البخاري من رواية شعيب عن الزهري: ((على
عجز راحلته))، وفيه جواز الإرداف، وهو من التواضع، ولا خلاف فيه إذا
أطاقته الدابة، وكان النبي سل# أردف أسامة من عرفة إلى المزدلفة ليلة النحر،
ثم أردف الفضل من المزدلفة غداة يوم النحر.
(فجاءته امرأة) قال الحافظ: لم تسم (من خثعم) بفتح الخاء المعجمة
وسكون المثلثة وفتح العين المهملة غير مصروف للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة،
لا العلمية ووزن الفعل، قاله القسطلاني. وقال القاري (١): أبو قبيلة من اليمن،
يجوز صرفه ومنعه، انتهى. وهي قبيلة مشهورة سميت باسم جدها، واسمه أفتل بن
أنمار، قال الكلبي: إنما سمي خثعم بجمل يقال له: خثعم، ويقال: إنه لما
تحالف وُلْدُ أفتل على إخوته نحروا بعيراً، ثم تختعموا بدمه أي تلطخوا به بلغتهم.
(تستفتيه) ويأتي بيان الاستفتاء قريباً (فجعل الفضل ينظر إليها) قال
الباجي(٢): يحتمل أن تكون قد سدلت على وجهها ثوباً، فإن المحرمة يجوز
لها ذلك لمعنى الستر، إلا أنه كان يبدو من وجهها ما ينظر إليه الفضل، انتهى.
وفي ((الفتح)) عن العياض: لعل الفضل لم ينظر نظراً يُنْكَرُ، بل خشي عليه
أن يؤول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب، انتهى.
(وتنظر) الخثعمية (إليه) وفي رواية شعيب: وكان الفضل رجلاً وضيئاً -
أي جميلاً - وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه
حسنها، كذا في ((الفتح))(٣). قال القرطبي: هذا النظر بمقتضى الطباع، فإنها
مجبولة على النظر إلى الصورة الحسنة.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٧/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦٧/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٧٠/٤).
٢٢٠
-۔۔
-----
---------- -----
------