Indexed OCR Text
Pages 121-140
٢٠ - كتاب الحج (٢٦) باب (٧٧٨) حدیث أما لو أرسله من بعيد بحيث يظن أنه يأخذ الصيد قبل الحرم، فأدخله فيه، وقتله فيه، أو أخرجه، وقتله خارجه، فلا جزاء، ولكن لا يؤكل، ولو رمى من الحرم على صيد في الحل فالجزاء. ولا يؤكل على المشهور نظراً الابتداء الرمية، وهو قول ابن القاسم، ومقابله قول أشهب وعبد الملك: إنه يؤكل، ولا جزاء فيه نظراً لمحل الإصابة، أو رمى من الحل للحرم فالجزاء ولا يؤكل اتفاقاً، انتهى بزيادة من الدسوقي. وقال الموفق في ((المغني)) (١): إذا رمى الحلال من الحِلِّ صيداً في الحرم، فقتله، أو أرسل كلبه عليه، فقتله ضمنه، وبهذا قال الثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي، وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى: لا جزاء عليه في جميع ذلك؛ لأن القاتل حلال في الحل، وهذا لا يصح، فإن النبي بَّ قال: ((لا ينفر صيدها))، ولم يفرق بين من هو في الحل والحرم. وقد أجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم، وهذا من صيده، ولأن صيد الحرم معصوم بمحله بحرمة الحرم، فلا يختص تحريمه بمن في الحرم، وإن انعكست الحال، فرمى من الحرم صيداً في الحل، أو أرسل كلبه عليه، فلا ضمان عليه، قال أحمد فيمن أرسل كلبه في الحرم، فصاد في الحل: فلا شيء عليه، وحكي عنه رواية أخرى في جميع الصور: يضمن، وعن الشافعي ما يدل عليه، ولنا؛ أن الأصل حل الصيد، فحرم صيد الحرم بقوله وَله: ((لا ينفر صيدها))، وبالإجماع، فبقي ما عداه على الأصل، ولأنه صيد حل صاده حلال، فلم يحرم كما لو كانا في الحل، ولأن الجزاء إنما يجب في صيد الحرم، أو صيد المحرم، وليس هذا بواحد منهما، انتهى. (١) ((المغني)) (١٨١/٥). ١٢١ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٢٧) باب الحكم في الصيد وقال القاري في ((شرح اللباب))(١): لو رمى حلال من الحرم صيد الحل ضمن، خلافاً لزفر - رحمه الله -، وكذا ضمن لو رمى من الحل إلى صيد في الحرم، ولو رمى صيداً في الحل فهرب، فأصابه السهم في الحرم ضمن. وفي ((البدائع))(٢) و ((الحاوي)): قال محمد: وهو قول أبي حنيفة فيما أعلم، وقال الكرماني: عليه الجزاء ولا يؤكل، وهذه المسألة مستثناة من أصل أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأن عنده المعتبر في الرمي حالة الرمي، دون حالة الإصابة في جميع المسائل، إلا في هذه المسألة احتياطاً في وجوب الضمان؛ لأنه اجتمع فيه جهة الموجب والمسقط، فترجح جانب الموجب احتياطاً، وصرح في ((المبسوط)): أنه لا يلزمه جزاء، ولكن لا يحل تناوله. وعلى هذا إرسال الكلب، ولو رماه في الحل وأصابه في الحل، فدخل الحرم، فمات فيه لم يكن عليه جزاء، ولكن لا يحل أكله احتياطاً، وفي ((الكبير)): يحل أكله قياساً ويكره استحساناً، ولو كان الرامي في الحل والصيد في الحل، إلا أن بينهما قطعة من الحرم، فمر فيها السهم لا شيء عليه، ولا بأس بأكله أيضاً؛ لأن الرمي والإصابة حصلا في الحل، ومرور السهم في الحرم إذا لم يصب الصيد، لا يكون اصطياداً في الحرم، كذا في ((المبسوط))، انتھی . (٢٧) الحكم في الصيّد يعني بيان ما يحكم به في جزاء الصيد، وبدأ المصنف بالآية الشريفة؛ لأنها أصل في إثبات الجزاء، وبيان حكمه، وجامعة لفروع كثيرة في الباب، فقال : (١) ص (٣٠٧). (٢) انظر: (بدائع الصنائع)) (٢٠٩/٢). ١٢٢ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث ٧٧٩ /٨٧ - قَالَ مَالِكٌ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُوْ اُلْصَّيْدَ ٧٧٩/ ٨٧ - (قال يحيى: قال مالك: قال الله تبارك وتعالى) اختلف في سبب نزوله، قال مقاتل في ((تفسيره)): كان أبو اليسر، واسمه عمرو بن مالك الأنصاري، محرماً في عام الحديبية بعمرة، فقتل حمارَ وحشٍ، فنزلَتْ، وقال ابن إسحق، وموسى بن عقبة، وآخرون: نزلت في كعب بن عمرو، وكان محرماً في عام الحديبية، فقتل حمارَ وحشٍ، كذا في العيني(١). (﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾(٢)) قال الرازي في ((الكبير))(٣): في المراد بالصيد قولان: الأول: أنه الذي توحش سواء كان مأكولاً أو لم يكن، فعلى هذا المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل، ضمنه، ولا يجاوز به قيمة شاة، وهو قول أبي حنيفة، وقال زفر: يجب بالغاً ما بلغ. الثاني: أن الصيد هو ما يُؤكل لحمه، فعلى هذا لا يجب الضمان في قتل السبع، وهو قول الشافعي. وسلَّم أبو حنيفة أنه لا يجب الضمان في قتل الفواسق الخمس، حجة الشافعي - رحمه الله - القرآن والخبر. أما القرآن، فلأن الصيد ما يحلّ أكله لقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمً﴾ (٤) فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية، وحل صيد البر خارج الإحرام، فثبت أن الصيد ما يحل أكله، والسبع، ولا يحل أكله، فوجب أن لا يكون صيداً، وإذا ثبت أنه ليس بصيد، وجب أن لا يكون مضموناً؛ لأنّ الأصل عدم الضمان، (١) ((عمدة القاري)) (٧/ ٤٧٢). (٢) سورة المائدة: الآية ٩٥. (٣) (٨٥/١٢). (٤) سورة المائدة: الآية ٩٦. ١٢٣ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية، فبقي ما ليس بصيد على وفق الأصل . وأما الخبر، فهو الحديث المشهور ((خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم)) والاستدلال به بوجوهٍ، بسطها الرازي، منها أنه ورد في رواية ((والسبع الضاري)) وهي نصٌّ في المسألة، ثم قال: وحجة أبي حنيفة أن السبع صيد، لقول الشاعر: ليث تربي ربية فاصطيدا ولقول علي - رضي الله عنه -: وإذا ركبت فصيدي الأبطال صيد الملوك أرانب وثعالب والجواب أن دلالة الآية لا يعارضها شعر مجهول، وشعر علي - رضي الله عنه - غير وارد؛ لأن عندنا الثعلب حلال اهـ. وبقول الشافعي قال أحمد، كما صرح في فروعه. قال الموفق(١): الصيد ما جمع ثلاثة أشياء، هو أن يكون مباحاً أكله لا مالك له ممتنعاً، فيخرج بالوصف الأول كل ما ليس بمأكول لا جزاء فيه، كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات، والطير، وسائر المحرمات، قال أحمد: إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله، اهـ. وبقول الحنفية قال مالك، قال الزرقاني(٢): أريد بالصيد ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، إلا المستثنيات عند مالك، وقيل: المراد ما يؤكل لحمه؛ لأنه الغالب فيه عرفاً، اهـ قال الباجي: والدليل على ما نقول قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا (١) انظر: ((الشرح الكبير على المغني)) (٢٨٤/٣). (٢) (٢٨٥/٢). ١٢٤ ------------ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَهُ ج دُمْتُمْ حُمًا﴾ والصيد اسم واقع على متوحشٍ يصطاد، سواء كان مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل، ولذلك يصح أن يقال: اصطاد فلانٌ سبعاً، كما يقال: اصطاد ظبياً، اهـ. وفي ((الهداية)) (١): الصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة، قال صاحب ((العناية)): لا فرق في الصيد بين المملوك والمباح والمأكول وغيره، لتناول اسم الصيد ذلك كله، اهـ. (﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾﴾) في محل نصب على الحال من فاعل تقتلوا، وحرم جمع حرام، يقال: رجل حرام وامرأة حرام. واختلف المفسرون فقيل: معناه وقد أحرمتم بأحد النسكين، وقيل: دخلتم في الحرم، وقيل: هما مرادان، والثالث اعتمده الفقهاء، وتقدم في أول الباب أن له معنى آخر، وهو الدخول في الشهر الحرام، وليس بمراد ههنا بلا خلاف (﴿وَمَنْ قَلَهُ﴾) لعله تعالى ذكر القتل دون الذبح للتعميم، قاله الزرقاني والبيضاوي وغيرهما . وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): إنه يدل على أن كل ما يقتله المحرم، فهو غير ذكي؛ لأنه تعالى سماه قتلاً، والمقتول لا يجوز أكله، وإنما يجوز أكل المذبوح، وما ذُكِّي لا يسمى مقتولاً، وكذلك قوله وَل: ((خمس يقتلهن المُحْرِم في الحل والحرم)) دل على أن هذه الخمسة ليست مما يؤكل؛ لأنه مقتول غير مذكى، ولذا قال أصحابنا: من قال: لله عليّ ذبح شاة، أن عليه أن يذبح، ولو قال: الله عليّ قتل شاة، لم يلزمه شيء، اهـ. وهذا أحد الأبحاث المهمة في هذا اللفظ . والثاني: ما قال الجصاص: إن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَهُ﴾ ينتظم الواحد (١) (١/ ٢٧٧) طبع الهند. (٢) (٤٦٧/٢). ١٢٥ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ والجماعة إذا قتلوا في إيجاب جزاء تام على كل واحد؛ لأن ((من)) يتناول كل واحد على حياله في إيجاب جميع الجزاء عليه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾(١) قد اقتضى إيجاب الرقبة على كل واحد من القاتلين إلى آخر ما بسطه مفصلاً، والمسألة خلافية سيأتي بيانها بعد تفسير الآية في قول مالك: الأمر عندنا أن من أصاب الصيد، وهو محرم حكم عليه بالجزاء. والثالث: ما قال الرازي في ((التفسير الكبير)): إن قوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ﴾ يفيد المنع من القتل ابتداء والمنع منه تسبباً، فليس له أن يتعرض إلى الصيد ما دام محرماً، لا بالسلاح، ولا بالجوارح من الكلاب والطيور، سواء كان صيد الحل أو الحرام، اهـ. والرابع: أن الكناية راجعة إلى الصيد، وهو بعمومه يتناول جميع أنواعه، فهو حجة للجمهور في وجوب الجزاء لجميع أنواع الصيد خلافاً لداود. قال الموفق(٢): لا خلاف بين أهل العلم في وجوب ضمان الصيد من الطير، إلا ما حكي عن داود: أنه لا يضمن ما كان أصغر من الحمام؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وهذا لا مثل له، ولنا عموم قوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، اهـ. وسيأتي بيانه في فدية ما أصيب من الطير، والوحش. (﴿مِنكُمْ﴾) متعلق بمحذوف، وقع حالاً من فاعل قتله، أي كائناً منكم (﴿مُتَعَمِّدًا﴾) حال منه أيضاً، وتقدم أن قيد العمد ليس للاحتراز عند الجمهور خلافاً لأهل الظاهر (﴿فَجَزَاءٌ﴾) أي فعليه جزاء (﴿مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾). (١) سورة النساء: الآية ٩٢. (٢) («المغني)) (٤١٠/٥). ١٢٦ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث ههنا عدة مسائل مفيدة. الأولى: في القراءة والنحو، وهي برفع جزاء بلا تنوين وخفض، مثل على أن جزاء مصدر مضاف لمفعوله تخفيفاً، وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ الباقون، فجزاء بالرفع منوناً على الابتداء، والخبر محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف، وفي ((الجمل)): قال الواحدي: لا ينبغي إضافة الجزاء إلى المثل؛ لأن عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثله، فإنه لا جزاء عليه لما لم يقتله، وقال مكي: وكذلك بعدت القراءة بالإضافة عند جماعة؛ لأنها توجب جزاء مثل الصيد المقتول، قال: ولا التفات إلى هذا الاستبعاد، فإن أكثر القراء عليها . وقد أجاب الناس عن ذلك بأجوبة سديدة، منها: أن جزاء مصدر مضاف لمفعوله تخفيفاً، والأصل، فعليه جزاء مثل ما قتل أي أن يجزي مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول: عجبت من ضرب زيداً، ثم من ضرب زيد، ذكر ذلك الزمخشري وغيره، ومنها: أن مثل زائدة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ ومنها : أن الإضافة بيانية، اهـ. وفي ((الجلالين)) (١): عليه جزاء هو مثل ما قتل من النعم، قال صاحب (الجمل))(٢): قوله: ((من النعم)) حال من مثل أو صفة له، أو خبر ثانٍ عن المبتدأ الذي قدره الشارع، اهـ. وفي ((المدارك)): ((من النعم)) حال من الضمير في ((قتل)) إذ المقتول يكون من النعم، أو صفة لجزاء، اهـ. وسيأتي في كلام صاحب ((الهداية))(٣): أن المراد ما قتل من النعم الوحشي. (١) (ص ١٥٦). (٢) (٥٢٦/١) ط بيروت. (٣) انظر: ((الهداية)) (١٦٦/١) ط بيروت. ١٢٧ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث والثانية: في المراد بالمماثلة، وهي باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي، وباعتبار القيمة عند أبي حنيفة، فقال: يُقَوَّمُ الصيدُ حيث صيد، فإن بلغت ثمن هدي يخير بين أن يهدي ما قيمته قيمته وبين أن يشتري بها طعاماً، فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، وإن لم يبلغ يُخَيَّر بين الإطعام والصوم، كذا في ((البيضاوي)). قلت: وبالأول قال أحمد، كما بسطه الموفق في ((المغني))(١) وقال: أجمع الصحابة على المثل، فقال عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية : في النعامة بدنة، وحكم أبو عبيدة وابن عباس في حمار الوحش ببدنة، وحكم عمر - رضي الله عنه - فيه ببقرة، وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة، وإذا حكموا بذلك في الأزمنة المختلفة والبلدان المتفرقة دل ذلك على أنه ليس على وجه القيمة، ولأنه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة إما برؤية أو إخبار، ولم يُنْقَل عنهم السؤال عن ذلك حال الحكم، ولأنهم حكموا في الحمام بشاة، ولا يبلغ قيمة شاة في الغالب، انتهى. وقال الباجي(٢): والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾(٣) فوجه الدليل من الآية أن قوله تعالى يقتضي أن مثل المقتول، من النعم هو الجزاء، والقيمة لا ينطلق عليها مثل للمقتول، لا لغة ولا شرعاً، وإنما المثل ما يشبهه، وأشبه النعم بالنعامة البدنة من جهة الخلقة، ومما يؤكد ما قلناه ما بَيَّنَه الله تعالى بقوله: ﴿هَدِّيَّا بَلِغَ اُلْكَمْبَةِ﴾ وهذا يقتضي أنهما يحكمان به هدياً، وهذا يوجب اختصاصه بالمثل من النعم. (١) (٤٠٢/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٣/٢). (٣) سورة المائدة: الآية ٩٥. ١٢٨ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث ودليلنا من جهة السنة ما رواه جابر مرفوعاً: ((في الضبع كبش))، وأيضاً إجماع الصحابة، فإنهم قضوا بذلك في آفاق مختلفة وأزمان متفرقة، تختلف فيها القيم مع علم كل أحد أن قيمة البدنة أكثر من قيمة النعامة، وشاعت قضاياهم بذلك في الآفاق والأمصار، فلم يعلم لهم مخالف، ولا منكر لحكمهم، فثبت أنه إجماع، انتهى. وبسط العيني في الكلام على هذه الآثار. قلت: والآثار عنهم مختلفة جداً كما سيأتي شيء من ذلك في آخر هذا البحث، ولا يمكن الجمع بينها، إلا بالحمل على تغير القيمة باختلاف الزمان. وقال الجصاص: روى الحجاج عن عطاء ومجاهد وإبراهيم في المثل: إنه القيمة ودراهم، انتهى. وقال أبو السعود(١): ولنا أن النص أوجب المثل، والمثل المطلق في الكتاب والسنة وإجماع الأمة والمعقول، يراد به، إما المثل صورة ومعنى، وإما المثل معنى، وإما المثل صورةً بلا معنى. فلا اعتبار له في الشرع أصلاً، وإذا لم يكن إرادة الأول إجماعاً تعينت إرادة الثاني لكونه معهوداً في الشرع، كما في حقوق العباد، ألا يُرَى أن المماثلة بين أفراد نوع واحد مع كونها في غاية القوة والظهور لم يعتبرها الشرع، ولم يجعل الحيوان عند الإتلاف مضموناً بفرد آخر من نوعه مماثل له في عامة الأوصاف، بل مضموناً بقيمته، مع أن المنصوص عليه في أمثاله، إنما هو المثل، قال تعالى: ﴿فَأَعْتَّدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾(٢) فحيث لم تعتبر تلك المماثلة القوية مع تيسر معرفتها، وسهولة مراعاتها، فلأن لا تعتبر ما بين أفراد أنواع مختلفة من المماثلة الضعيفة الخفية مع صعوبة مأخذها، وتعسر المحافظة عليها، أولى وأحرى، ولأن القيمة قد أريدت فيما لا نظير له إجماعاً، فلم يبق غيره مراداً، إذ لا عموم للمشترك في (١) ((تفسير أبي السعود)) (٨٠/٣). (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٤. ١٢٩ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث مواقع الإثبات، والمراد بالمروي إيجاب النظير باعتبار القيمة لا باعتبار العين، ثم الموجب الأصلي للجناية والجزاء المماثل للمقتول إنما هو قيمته، لكن لا باعتبار أن يعمد الجاني إليها، فيصرفها إلى المصارف ابتداءً، بل باعتبار أن يجعلها معياراً، فيقدر بها إحدى الخصال الثلاث، فيقيمها مقامها، إلى آخر ما بسطه . وفي ((الهداية)) (١): والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يُقَوَّمَ الصَّيْدُ في المكان الذي قتل فيه، أو في أقرب المواضع منه، إذا كان في برية، فيُقَوِّمُه ذوا عدل، ثم هو مُخَيَّرُ في الفداء، إن شاء ابتاع بها هديا وذبحه إن بلغت هديا، وإن شاء اشترى بها طعاماً، وتصدق على كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من تمر، وإن شاء صام. وقال محمد والشافعي: يجب في الصيد النظير فيما له نظير، ففي الظبي شاةٌ، وفي الأرنب عَنَاق، وفي اليَرْبوع جفرة(٢) - وهي التي بلغت أربعة أشهر - وفي النعامة بدنة لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ﴾ ومثله من النعم ما يشبه المقتول صورةً؛ لأن القيمة لا تكون نَعماً، والصحابة أوجبوا النظير من حيث الخلقة والمنظر، وقال رقم: (الضبع صيد وفيه شاة)). وما ليس له نظير عند محمد - رحمه الله - تجب فيه القيمة مثل العُصفور والحمام وأشباههما، وإذا وجبت القيمة كان قوله كقولهما، والشافعي - رحمه الله - يوجب في الحمامة شاةً، ويُثْبِتُ المشابهة بينهما من حيث إن كل واحد منهما يعبّ(٣) ويهدر، ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن المثل المطلق هو (١) ((الهداية)) (١٦٥/١)، ط بيروت. (٢) بفتح الجيم وسكون الفاء الأنثى من أولاد المعز. (٣) هو من العبّ: وهو شرب الماء بلا مصٍّ. ١٣٠ --- ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث المثل صورةً ومعنىً، ولا يمكن الحمل عليه، فحمل على المثل معنى لكونه معهوداً في الشرع، كما في حقوق العباد، أو لكونه مراداً بالإجماع، أو لما فيه من التعميم، وفي ضده التخصيص، والمراد بالنصّ - والله أعلم - فجزاءُ قيمةٍ ما قتل من النعم الوحشي، واسم النعم يطلق على الوحشي والأهلي، كذا قاله أبو عبيدة والأصمعي، والمراد بما رُوي التقدير به دون إيجاب المعين. قال صاحب العناية(١): قوله: والمراد بما روي جوابٌ، أي عن مستدله، يعني أن إيجاب النبي ◌ُّ والصحابة - رضي الله عنهم - هذه النظائر لم يكن باعتبار أعيانها، إذ لا مماثلة بين الضبع والشاة خِلقة، وإنما كان باعتبار التقدير بالقيمة، إلا أنهم كانوا أرباب المواشي، فكان الأداء عليهم منها أيسر، وهو نظير قول علي - رضي الله عنه - في ولد المغرور: يفك الغلام بالغلام والجارية بالجارية، والمراد القيمة، انتهى. قال العيني: (٢) احتج أبو حنيفة، فيما ذهب إليه بالمعقول والأثر، أما المعقول، فهو أن الحيوان غير مضمون بالمثل، فيكون مضموناً بالقيمة كالمملوك، ومثل الحيوان قيمته؛ لأن المثل المطلق هو المثل صورةً ومعنىّ، فإذا تعذر ذلك حمل على المثل المعنوي وهو القيمة. وأما الأثر فهو: ما روي عن ابن عباس أنه فسر المثل بالقيمة، فحمل على المثل معنىً لكونه معهوداً في الشرع، يوضحه أن المماثلة بين الشيئين عند اتحاد الجنس أبلغ منه عند اختلاف الجنس، فإذا لم تكن النعامة مثلاً للنعامة كيف تكون البدنة مثلاً للنعامة، وإذا تعذر اعتبار المماثلة صورةً، وجب اعتبارها بالمعنى وهو القيمة، ولأن القيمة أريدت بهذا النص في الذي لا مثل (١) ((العناية مع فتح القدير)) (١٠/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٧٥/٧). ١٣١ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث له بالإجماع، فلا يبقى غيره مراداً، لأن المثل مشترك، والمشترك لا عموم له، انتھی . قلت: ويؤيد الحنفية اختلاف الصحابة في الأمثال. فقد قال الموفق(١): في حمار الوحش بقرة، روي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - وبه قال عروة ومجاهد والشافعي. وعن أحمد: فيه بدنة، روي ذلك عن أبي عبيدة وابن عباس. وبه قال عطاء والنخعي، وفي الضب جدي، قضى به عمر وأربد. وبه قال الشافعي، وعن أحمد: فيه شاة، لأن جابر بن عبدالله وعطاء قالا فيه ذلك، وفي الأرنب عناق، قضى به عمر، وبه قال الشافعي، وقال ابن عباس: فيه حمل، وقال عطاء: فيه شاة، مختصراً. وسيأتي في محله البسط فيه. قال ابن رشد (٢): سبب الاختلاف أن المثل يقال على المثل الذي هو مثل، وعلى الذي هو مثل في القيمة، لكن حجة من رأى أن الشبيه أقوى من جهة اللفظ، أن إطلاق لفظ المثل على الشبيه في لسان العرب أظهر، وأشهر منه على المثل في القيمة، لكن لمن حمل ههنا المثل على القيمة دلائل حركته إلى اعتقاد ذلك. أحدها: أن المثل الذي هو العدل هو منصوص عليه في الإطعام والصيام، وأيضاً فإن المثل إذا حمل ههنا على التعديل كان عاماً في جميع الصيد، فإن من الصيد ما لا يلقى له شبيه، وأيضاً فإن المثل فيما لا يوجد له شبيه هو التعديل، وليس يوجد للحيوان المصيد في الحقيقة شبيه إلا من جنسه، وقد نص أن المثل الواجب فيه من غير جنسه، فوجب أن يكون مثلاً في التعديل والقيمة . (١) ((المغني)) (٤٠٣/٥). (٢) ((بداية المتجهد)) (٣٦٠/١). ١٣٢ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث وأيضاً فإن الحكم في الشبيه قد فرغ منه، فأما الحكم بالتعديل، فهو شيء يختلف باختلاف الأوقات، ولذلك هو كل وقت يحتاج إلى الحكمين المنصوص عليهما، وعلى هذا يأتي التقدير في الآية بمشابه، فكأنه قال: ومن قتله منكم متعمداً فعليه قيمة ما قتل من النعم، أو عدل القيمة طعاماً، أو عدل ذلك صياماً، اهـ. والثالثة: قال الأكثر: في الكبير كبير، وفي الصحيح صحيح، وفي الصغير صغير، وفي الكسير كسير، وخالف مالك فقال: في الكبير والصغير كبير، وفي الصحيح والمعيب صحيح، كذا في ((الفتح)(١). وقال الباجي (٢): يجب في صغار الصيد ما يجب في كباره، وفي معيبه ما يجب في سليمه. وبه قال عمر وابن عمر، وقال أبو حنيفة: تجب في ذلك كله القيمة على أصله، وقال الشافعي: يجب في فرخ النعامة فصيل، وفي ولد الظبي سخلة، وفي المعيب من الوحش معيب من النعم، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿هَدّيًّا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾ فَقَّد ذلك بما يصح أن يكون هدياً، دون ما لا یجزی فیه، اهـ. وقال الموفق(٣): قال أصحابنا: في كبير الصيد مثله من النعم، وفي الصغير صغير، وفي الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، وفي الصحيح صحيح، وفي المعيب معيب، وقال مالك: في الصغير كبير، وفي المعيب صحيح، لقوله تعالى: ﴿هَدِّيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ولا يجزئ في الهدي صغير ولا معيب. ولنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ومثل الصغير صغير، ولأن (فتح الباري)) (٤/ ٢١). (١) (٢) ((المنتقى)) (٢٥٥/٢). (٣) ((المغني) (٤٠٥/٥). ١٣٣ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث يَحْكُمُ بِهِ، ما ضمن باليد والجناية اختلف ضمانه بالصغر والكبر كالبهيمة، والهدي في الآية معتبر بالمثل، وقد أجمع الصحابة على الضمان بما لا يصح هدياً كالجفرة، والعناق، والجدي، فإن فدى المعيب بصحيح، فهو أفضل، وإن فداه بمعيب مثله جاز، وإن اختلف العيب، مثل أن فدى الأعرج بأعور لم يجز؛ لأنه ليس بمثله، وإن فدى أعور من إحدى العينين بأعور من أخرى جاز؛ لأن هذا اختلاف يسير ونوع العيب واحد، وإنما اختلف في محله، وإن فدى الذكر بأنثى جاز؛ لأن لحمها أطيب وأرطب، وإن فداها بذكر جاز في أحد الوجهين والآخر لا يجوز، اهـ. وقد عرفت أن العبرة عندنا للقيمة وهي تتفاوت، وفي ((شرح اللباب)): إن : كان الصيد مأكول اللحم، فيجب قيمته بالغة ما بلغت هديين أو أكثر، وإن كان غير مأكول، فتجب قيمته أيضاً غير أنه لا يجاوز ما في ظاهر الرواية، حتى لو قتل فيلاً لا يجب عليه أكثر من شاة، وذكر الكرخي أنه لا يبلغ دماً، بل ينقص من ذلك، وقال زفر: يجب قيمته بالغة ما بلغت كما في مأكول اللحم، اهـ. وفي ((الدر المختار))(١): الجزاء في حيوان لا يؤكل لا يزاد على شاة، لأن الفساد في غير المأكول ليس إلا بإراقة الدم فلا يجب فيه إلا دم، اهـ. قلت: وسيأتي عند المصنف في فدية الطير والوحش مأخذ المصنف، ثم إذا قُوِّمَ الصيد فهل يُقَوَّمُ حياً أو مذبوحاً؟ يأتي بيانه في مسألة الإطعام. (﴿ يَحَكُمُ بِهِ﴾) أي بالمثل أو الجزاء قولان لأهل التفسير بناء على اختلافهم في الفروع، فهما قولان للفقهاء. وأجمل شيخ مشايخنا الشاه ولي الله في ((المسوى)) (٢) الكلام على قوله (١) (٦٢٠/٢). (٢) (٣٥١/١). : ١٣٤ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث ذَوَا عَدْلٍ مِّنَكُمْ تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية، فقال: معناه على قول أبي حنيفة، يجب على من قتل الصيد جزاء، هو مثل ما قتل أي مماثلة في القيمة يحكم بكونه مماثلاً في القيمة، ذوا عدل، إما كائن من النعم حال كونه هدياً، وإما كفارة طعام مساكين، وعلى قول الشافعي، يجب على من قتل الصيد جزاء، إما ذلك الجزاء مثل ما قتل في الصورة والشكل يكون هذا المماثل من جنس النعم يحكم بمثليته ذوا عدل يكون جزاء حال كونه هدياً، وإما ذلك الجزاء كفارة، اهـ. (﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾) يعني حكمان عادلان، وذوا تثنية ذو بمعنى صاحب (﴿ مِنكُمْ﴾) أي من المسلمين، قال الرازي في ((الكبير))(١): احتج به من نصر قول أبي حنيفة في إيجاب القيمة، فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهدة ظاهرة لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد، وجوابه أن وجوه المشابهة بين النعم وبين الصيد مختلفة وكثيرة، فلا بد من الاجتهاد في تمييز الأقوى من الأضعف. ثم في الآية عدة مسائل خلافية . الأولى: في حكم الحكمين، قال العيني(٢): قال مالك والشافعي وأحمد ومحمد: الخيار في تعيين الهدي أو الإطعام أو الصيام إلى الحكمين، فإذا حكما بالهدي فالمعتبر فيما له مثل، ونظير من حيث الخلقة ما هو مثل، كما ذكرنا، والمعتبر فيما لا مثل له القيمة، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الخيار للقاتل في أن يشتري بها - يعني بقيمة المقتول - لأن الوجوب عليه، وحكم الحكمين لتقدير القيمة، ((وهدياً)) نصب على الحال في حال الإهداء، كذا في ((العيني)). (١) (٩٣/٦). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٧٦/٧). ١٣٥ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث وهكذا قال غير واحد من نقلة المذاهب لا سيما الفقهاء، لكن الظاهر من ملاحظة كتب الفروع، أنهم توهموا في نقل المذاهب، بل الصواب ما قال الرازي في ((الكبير)) (١) ولفظه: زعم جمهور الفقهاء أن الخيار في تعيين أحد هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد، وقال محمد بن الحسن: إلى الحكمين. حجة الجمهور أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الثلاثة على التخيير، فوجب أن يكون قاتل الصيد مُخَيَّراً بين أيها شاء، وحجة محمد أنه تعالى جعل الخيار إلى الحكمين، فقال: يحكم به ذوا عدل منكم هدياً أي كذا وكذا، اهـ. وقال الموفق(٢): قاتل الصيد مخيَّر في الجزاء بأحد هذه الثلاثة بأيها شاء كفَّر، موسراً كان أو معسراً، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية ثانية أنها على الترتيب، ورواية ثالثة أنه لا إطعام في الكفارة، اهـ مختصراً. وسيأتي ذكر هاتين الروايتين في موضعهما . وفي ((الروض المربع))(٣): يخيّر بجزاء صيد بين ذبح مثل، إن كان له مثل أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعاماً، فيطعم كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً، ويخير بما لا مثل له بعد أن يقوّمه بدراهم بين إطعام وصيام، اهـ. قال النووي في ((المناسك)): أما ما كان له مثل، فهو مخير إن شاء أخرج المثل وإن شاء قومه دراهم واشترى به طعاماً وتصدق به، وإن شاء صام عن كل مُدٍّ يوماً، وإن كان مما لا مثل له فهو مخير، إن شاء أخرج بالقيمة طعاماً، وإن شاء صام عن كل مد يوماً، قال ابن حجر في ((شرحه)): ولا بد في القيمة من عدلین، اهـ. (١) (١٠١/٦). (٢) («المغني)) (٤١٥/٥). (٣) (٤٨٦/١). ١٣٦ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث وهكذا في ((شرح الإقناع))(١) ونصه: هو على التخيير بين ثلاثة أمور، إن كان الصيد مما له مثل، أخرج المثل من النعم يحكم فيه بمثله من النعم عدلان، أو قوّمه واشترى بقيمته طعاماً وتصدق به، أو صام عن كل مد يوماً، وإن كان الصيد مما لا مثل له، أخرج بقيمته طعاماً، ويرجع في القيمة إلى عدلين، أو صام عن كل مد يوماً، انتهى. وكذا في ((التوشيح))، و((الأنوار))، و ((شرح المنهاج»، وغيرها من كتب الفروع. وقال الدردير(٢): الجزاء يكون بحكم عدلين، ولا بد من لفظ الحكم، فلا يكفي الفتوى، فقيهين أي عالمين بأحكام الصيد، مثل الصيد، أو إطعام بقيمة الصيد، أو صيام أيام بعدد الأمداد، وأو للتخيير؛ لأن كفارة الجزاء ثلاثة أنواع على التخيير، قال الدسوقي: قوله بحكم عدلين، فلا يكفي إخراجه وحده بدون حكمين يحكمان عليه به، وقوله: لا بد من لفظ الحكم أي في كل نوع اختاره من الأنواع الثلاثة بأن يقولا له: حكمنا عليك بشاة مثلاً قدرها كذا، أو بكذا مداً من الطعام، أو بصوم كذا، بعد أن يختار النوع الذي يكفر به. انتهى. وفي ((الهداية))(٣): الجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يُقَوَّمَ الصيد في المكان الذي قتل فيه، أو في أقرب المواضع منه [إذا كان في بَرّية] فيقومه ذوا عدل، ثم هو مخير في الفداء إن شاء ابتاع بها هدياً، وذبحه إن بلغت هدياً، وإن شاء اشترى بها طعاماً، وتصدق، وإن شاء صام. وقال محمد والشافعي: يجب في الصيد النظير فيما له نظير، ثم الخيار إلى القاتل في أن يجعله هدياً، أو طعاماً، أو صوماً عند أبي حنيفة وأبي (١) انظر ((الإقناع)) (٥٢٢/١). (٢) ((الشرح الكبير)) (٨٠/٢). (٣) (١٦٥/١)، بيروت. ١٣٧ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث يوسف، وقال محمد والشافعي: الخيار إلى الحكمين في ذلك، فإن حكما بالهدي يجب النظير، وإن حكما بالطعام أو بالصيام، فعلى ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لهما أن التخيير شرع رفقاً بمن عليه، فيكون الخيار إليه، ولمحمد والشافعي قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا﴾ الآية إلى آخر ما بسطه. وقد عرفت أن النقل عن الشافعي - رحمه الله - ليس بسديد، وعلم من هذا كله أن وظيفة الحكمين تعيين قيمة الصيد عند الشيخين من الحنفية، وعند محمد تعيين أنواع الكفارة، وعند الأئمة الثلاثة تعيين مقدار الجزاء من النظير، أو القيمة بعد أن يختار القاتل أحد أنواع الكفارة، فتأمل. والثانية: ما قال الموفق(١): المتلف من الصيد قسمان؛ أحدهما، ما قضت فيه الصحابة، فيجب فيه ما قضت، وبهذا قال عطاء والشافعي وإسحق، وقال مالك: يستأنف الحكم فيه؛ لأنه تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾، ولنا، قوله : ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم))، ولأنهم أقرب إلى الصواب وأبصر بالعلم، فكان حكمهم حجة على غيرهم كالعالم مع العامي، والثاني، ما لم تقضٍ فيه الصحابة، فيرجع إلى قول عدلين من أهل الخبرة، انتھی . .- . وقريب منه ما قال الرازي في ((التفسير الكبير))(٢) فقال: قال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت فيه الصحابة، أو لم تحكم إلى آخر ما ذكره، وفي ((الفتح)) (٣): قال الأكثر: إن الحكم في ذلك، ما حكم به السلف لا يتجاوز ذلك، وما لم يحكموا فيه يستأنف فيه الحكم، وما اختلفوا فيه يجتهد فيه، (١) ((المغني)) (٤٠٢/٥). (٢) (٦ /٩٤). (٣) (٤/ ٢١) . ١٣٨ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث وقال الثوري: الاختيار في ذلك للحكمين في كل زمن. وقال مالك: يستأنف الحكم والخيار إلى المحكوم عليه، وله أن يقول للحكمين: لا تحكما علي إلا بإطعام، انتهى. وقد عرفت فيما تقدم أن العبرة عند الحنفية للقيمة في الموضع الذي قتل فيه، أو في أقرب المواضع. الثالثة: ما في ((الكبير)): قال الشافعي: يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين إذا كان أخطأ فيه، فإن تعمد لا يجوز لأنه يُفَسَّقُ به، وقال مالك: لا يجوز كما في تقويم المتلفات. حجة الشافعي - رحمه الله - أنه تعالى أوجب أن يحكم به ذوا عدل، وإذا صدر عنه القتل خطأ كان عدلاً، فإذا حكم به هو وغيره فقد حكم ذوا عدل، وأيضاً روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسُه ظبياً، فسأل عمر - رضي الله عنه - فقال عمر: احكم، فقال: أنت عدلٌ يا أمير المؤمنين فاحكم، فقال عمر - رضي الله عنه -: إنما أمرتك أن تحكم، وما أمرتك أن تزكيني، فقال: أرى فيه جدياً جمع الماء والشجر، فقال: افعل ما ترى، وعلى هذا التقدير قال أصحابنا : يجوز أن يكونا قاتلين، انتهى. وبقول الشافعي - رحمه الله - قال أحمد، كما في ((العيني))(١) وكذا في ((المغني))(٢) إذ قال: يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين، وبهذا قال الشافعي وإسحق وابن المنذر، وقال النخعي: ليس له ذلك؛ لأن الإنسان لا يحكم لنفسه . ولنا عموم قوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ والقاتل مع غيره ذوا عدل. وقد روى (١) ((عمدة القاري)) (٧ /٤٧٧). (٢) ((المغني)) (٤٠٥/٥). ١٣٩ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث سعيد في ((سننه))، والشافعي في ((مسنده)) عن طارق بن شهاب قال: خرجنا حُجَّاجاً فأوطأ رجل منا، يقال له: أربد؛ ضباً، ففزر(١) ظهره، فقدمنا على عمر - رضي الله عنه - فسألنا أربد؟ فقال له: احكم يا أربد فيه، قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين. فذكر نحوه، ثم قال: فأمره عمر - رضي الله عنه - أن يحكم فيه وهو القاتل، وأمر أيضاً كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم، انتهى. وفي ((الفتح)) (٢): روى ابن أبي شيبة من طريق الحكم عن شيخ من أهل مكة أن حماماً كان على البيت، فذرق على يد عمر، فأشار عمر بيده، فطار فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حية فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة. وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه، انتهى. قال الباجي(٣): ولا يجوز أن يكون المحكوم عليه أحدهما، وبه قال الحسن البصري، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾، والحاكم يجب أن يكون غير المحكوم عليه، فكأنه قال: يحكم به عدل منكم عليكم، ألا ترى أنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ﴾، والمشهود له منهم، ولا يجوز أن يكون أحد الشهيدين، انتهى مختصراً، وكذا صرح الدردير بأنه لا يكفي حكمه على نفسه. وقال ابن رشد(٤): اختلفوا هل يكون أحد الحكمين قاتل الصيد؟ فذهب مالك إلى أنه لا يجوز، وقال الشافعي: يجوز، واختلف أصحاب أبي حنيفة (١) فزر ظهره: شققه. (٢) (٤٦/٤). (٣) ((المنتقى)) (٢٥٥/٢). (٤) ((بداية المجتهد)) (٣٥٩/١). ١٤٠ e mmmms