Indexed OCR Text
Pages 601-620
٢٠ - كتاب الحج .... (١٧) باب (٧٤٩) حديث فَقَالَ سَعِيدٌ: نَعَمْ، قَدِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ . أخرجه البخاريّ موصولاً عن ابن عمر في: ٢٦ - كتاب العمرة، ٢ - باب من اعتمر قبل الحج. عنده أنه سمع رسول الله وَلّ في مرضه الذي قبض فيه، ينهى عن العمرة قبل الحج، انتهى. فلعل سعيداً روى هذا الحديث فاحتاجوا إلى السؤال عنه (فقال سعيد: نعم قد اعتمر رسول الله (َّ) ثلاث عمر (قبل أن يحج). قال ابن عبد البر(١): يتصل هذا الحديث من وجوه صحاح، وهو أمر مجمع عليه، لا خلاف بين العلماء في جواز العمرة قبل الحج لمن شاء. وفي ((البخاري)): أن عكرمة بن خالد سأل ابن عمر عن العمرة قبل الحج، فقال: لا بأس، وقال ابن عمر: اعتمر النبي وَ﴿ل قبل أن يحج، قال الحافظ(٢): ولأحمد وابن خزيمة، فقال: لا بأس على أحد أن يعتمر قبل الحج، ولأحمد عن عكرمة بن خالد، قال: قدمت المدينة في نفر من أهل مكة، فلقيت عبد الله بن عمر، فقلت: إنا لم نحج قط أفنعتمر من المدينة؟ قال: نعم وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله وَر عمره كلها قبل حجه، قال: فاعتمرنا، انتهى. قلت: ويشكل على هذا ما تقدم من حديث أبي داود عن سعيد بن المسيب، وأجاب عنه الخطابي بأن في إسناد هذا الحديث مقالاً، وإن ثبت يُحْمَل على الاستحباب، وإنما أمر بتقديم الحج، لأنه أعظم الأمرين وأتمهما، ويخاف عليه الفوت لتعين وقته، بخلاف العمرة ليس لها وقت موقوت، وأيام السنة كلها تتسع لها، وقد قدمه تعالى: ﴿وَأَنِقُوْ اَّْ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(٣)، هكذا في ((البذل)) (٤)، واستدل بأثر الباب وما في معناه على أن فريضة الحج ليست على الفور. (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦٣/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٥٩٩/٣). (٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٤) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٠٧/٩). ٦٠١ ٢٠ - كتاب الحج (١٧) باب (٧٥٠) حدیث ٥٨/٧٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي شَوَّالٍ، فَأَذِنَ لَهُ. قال العيني(١): وفي (التوضيح)): هذا من ابن عمر قد يدل على أن فرض الحج نزل قبل اعتماره، إذ لو اعتمر قبله ما صح استدلاله على ما ذكره، ويتفرع على ذلك فرض الحج، هل هو على الفور أو التراخي؟ والذي جنح إليه ابن عمر يدل على أنه على التراخي، وهو الذي يعضده الأصول أن في فرض الحج سعة، ولو كان وقته مضيقاً لوجب إذا أخّره إلى سنة أخرى أن يكون قضاء لا أداء، فلما ثبت أن يكون أداء في أي وقت أتى به، علم أنه ليس على الفور، انتهى. قال العيني: هذا أخذه من كلام ابن بطال، وفي دعواه أنه على التراخي بما ذكره نظر؛ لأنه لا يلزم من صحة تقديم أحدِ النُسكين على الآخر نفي الفورية، وفي (الفتح) (٢): قال ابن بطال: هذا يدل على أن فرض الحج كان قد نزل قبل اعتماره، ويتفرع عليه، هل الحج على الفور أو التراخي؟ وهذا يدل على التراخي، قال الحافظ: ونُوزع في ذلك، إذ لا يلزم من صحة تقديم أحد النسكين على الآخر نفي الفورية، انتهى. وتقدم الخلاف في المسألة في أول المناسك. ٥٨/٧٥٠ - (مالك، عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب أن عمر بن أبي سلمة) ربيب النبي وَلّر (استأذن) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب أن يعتمر في شوال) ولعله استأذن لما أنه سمعه، قال: أتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج، فخاف أن لا يجد عليه عمر - رضي الله عنه - على العمل بما لا يرضاه (فأذن له) عمر - رضي الله عنه - وعلم منه أن قوله المذكور إرشاد لمصلحة، وليس بحتم. (١) ((عمدة القاري)) (٤٠٤/٧). (٢) (فتح الباري)) (٥٩٩/٣). ٦٠٢ ٢٠ - كتاب الحج ....... (١٧) باب (٧٥٠) حدیث فَاعْتَمَرَ ثُمَّ قَفَلَ إِلَى أَهْلِهِ، وَلَمْ يَحُجَّ. (فاعتمر) ابن أبي سلمة (ثم قفل) أي رجع (إلى أهله ولم يحج) فعلم منه ومما سبق جواز العمرة في أشهر الحج، وهو المقصود من هذه الآثار، وعلم أيضاً ما بَوَّبَ به محمد في ((موطئه))(١) على هذا الأثر ((باب الرجل يعتمر في أشهر الحج ثم يرجع إلى أهله من غير أن يحج)) أي: في تلك السنة فلا يكون متمتعاً؛ لأنه مشروط باجتماع العمرة والحج معاً في أشهر الحج . قال ابن قدامة في ((المغني))(٢): إن اعتمر في أشهر الحج، ولم يحج ذلك العام، بل حج من القابل، فليس بمتمتع، لا نعلم فيه خلافاً، إلا قولاً شاذاً عن الحسن فيمن اعتمر في أشهر الحج، فهو متمتع، حج أو لم يحج، والجمهور على خلاف ذلك، انتهى. وهكذا حكى عن الحسن غير واحد، منهم ابن رشد (٣) إذ قال: إنه كان يقول: عمرة في أشهر الحج متعة، أي: عليه هدي المتمتع، انتهى. وفيه دليل أيضاً على جواز الرجوع بعد العمرة. قال الباجي: فإن اعتمر في أشهر الحج، فلا يكره الرجوع إلى أفقه إلا ما يروى عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وطاووس، فإنه روي عنهم المنع من ذلك، والدليل على إباحته أن عُمَرَ النبي ◌َ﴿ أكثرها كانت في ذي الحجة، ولم يحج مع شيء منها، انتهى. قلت: ولفظ ذي الحجة سهو من الناسخ، والصواب ذي القعدة. (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٣٨/٢). (٢) ((المغني)) (٣٥٤/٥). (٣) ((بداية المجتهد)) (١/ ٣٣٢). ٦٠٣ ٢٠ - كتاب الحج (١٨) باب (١٨) باب قطع التلبية في العمرة (١٨) قطع التلبية في العمرة أي: متى يقطعها المعتمر؟ والمسألة خلافية، قال ابن قدامة(١): يقطع المتعمر التلبية إذا استلم الركن، وبهذا قال ابن عباس، وعطاء، وعمرو بن ميمون، وطاووس، والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر، وعروة، والحسن: يقطعها إذا دخل الحرم، وقال سعيد بن المسيب: يقطعها حين يرى عرش مكة، وحكي عن مالك: إن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل إلى الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل قطع التلبية حين يرى البيت، انتهى. وزاد العيني (٢) على المذاهب المذكورة فقال: وقال قوم: لا يقطعها حتى يدخل بيوت مكة، وقال الليث: إذا بلغ الكعبة قطعها، وقال ابن حزم والذي يقول به، فهو قول ابن مسعود: إنه لا يقطعها حتى يتم جميع عمل العمرة، انتهى. وما حكي عن مالك هو مختار الفروع، فقال الدردير: ومعتمر الميقات يلبي للحرم أي: إليه، لا إلى رؤية البيوت، والمعتمر من الجعرانة والتنعيم يلبي إلى دخول بيوت مكة، انتهى. قال الدسوقي: قوله: ((لا إلى رؤية البيوت)) أي: خلافاً لابن الحاجب، انتهى. وحكى الباجي(٣) عن ((المختصر)): أن محرم الميقات يقطعها إذا دخل الحرم، ومحرم الجعرانة حين دخول مكة، ومحرم التنعيم عند رؤية البيت، ثم قال ابن قدامة(٤): ولنا ما روي عن ابن عباس يرفع الحديث: كان يمسك عن (١) («المغني)) (٢٥٥/٥). (٢) ((عمدة القاري)) (٨٣/٧). (٣) ((المنتقى)) (٢٢٩/٢). (٤) انظر: ((المغني)) (٢٥٦/٥). ٦٠٤ -- -- - - --- ٢٠ - كتاب الحج ..... (١٨) باب ٠ ٠ ٠ ٠٠ التلبية في العمرة، إذا استلم الحجر، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ◌َّ اعتمر ثلاث عُمَرٍ، ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر، انتهى. قلت: حديث ابن عباس أخرجه الترمذي باللفظ المذكور، ورواه أبو داود بلفظ: إن النبي ◌ُّ﴾ قال: ((يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر)). قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١): لم ينصف المنذري في عزوه للترمذي، فإن لفظ الترمذي من فعل النبي ◌ّ﴾، ولفظ أبي داود من قوله، فهما حديثان، لكنه قلد أصحاب الأطراف إذ جعلوهما حديثاً واحداً، انتهى. قلت: وأخرجه البيهقي برواية زهير والحسن بن صالح عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ◌ّر: أنه كان يلبي في العمرة حتى يستلم الحجر، وفي الحج حتى يرمي الجمرة، ثم قال: رفعه خطأ، وقد روي عن المثنى بن الصباح عن عطاء مرفوعاً، وإسناده أضعف مما ذكرنا، ثم أخرج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: اعتمر النبي وَ ◌ّر ثلاث عمر، كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر، ثم روي عن أبي بكرة مرفوعاً: أنه خرج معه ◌َّ في عمرة، فما قطع التلبية حتى استلم الحجر، ثم قال: إسناده غير قوي، انتھی. وأنت خبير بأن الضعاف تكسب قوة بالاجتماع، وحديث ابن عباس صححه الترمذي، كما تقدم في ((المحلى)) (٢)، روى ابن أبي شيبة: كان ابن عباس يلبي في العمرة حتى يستلم الحجر، وله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: اعتمر النبي وقّ ثلاث عمر، كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم (١) (١١٥/٢). (٢) (١٣٥/٧) وفي ((الاستذكار)) (٢٠٤/١١) وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يزال المعتمر يُلِّي حتى يفتتح الطواف. ٦٠٥ ٢٠ - كتاب الحج (١٨) باب (٧٥١) حديث ٥٩/٧٥١ _ حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ، إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ . قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَحْرَمَ مِنَ التَّنْعِيمِ: إِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَرَى الْبَيْتَ. قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَمِرُ مِنْ بَعْضِ الْمَوَاقِيتِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ غَيْرِهِمْ، مَتَى الحجر، وله عن الحكم قال: كان أصحاب ابن مسعود يلبون في العمرة حتى يستلمون الحجر، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير، انتهى. ٥٩/٧٥١ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه؛ أنه كان يقطع التلبية في العمرة، إذا دخل الحرم) وبه قال مالك في المعتمر من المواقيت كما تقدم، والظاهر أن عروة كان يحرم من ميقات المدينة، لأنه مدنيٍّ. (قال يحيى: قال مالك فيمن اعتمر) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: فيمن أحرم وهو المراد من قوله: ((اعتمر)) أي: أحرم للعمرة (من التنعيم: إنه لا يقطع التلبية حتى) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: إنه يقطع التلبية حين يرى البيت، والمؤدى واحد (يرى البيت) وتقدم أن ذلك رواية المختصر، والمعروف في المذهب أن معتمر الجعرَّانة أو التنعيم يُلبِّي إلى دخول بيوت مكة. وفي ((المدونة)): قال ابن القاسم: قال مالك: والمحرم بالعمرة من ميقاته يقطع التلبية إذا دخل الحرم ثم لا يعود إليها، والذي يحرم من غير ميقاته مثل الجعرانة والتنعيم يقطعون إذا دخلوا بيوت مكة، قال: فقلت له: أو المسجد، قال: أو المسجد کل ذلك واسع، انتهى. (قال يحيى: سئل) ببناء المجهول (مالك عن الرجل يعتمر من بعض المواقيت) أيّ ميقات كان (وهو من أهل المدينة أو غيرهم) من الآفاقيين (متى ٦٠٦ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب (٧٥١) حدیث يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ؟ قَالَ: أَمَّا الْمُهِلُّ مِن الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَّةَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذُلِكَ. (١٩) باب ما جاء في التمتع يقطع التلبية؟، فقال: أما المهل من المواقيت، فإنه يقطع التلبية إذا انتهى إلى الحرم) وعلى ذلك سائر كتب المالكية. (قال) مالك (وبلغني أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يصنع ذلك) كما تقدم في ((باب قطع التلبية))، أي: للحاج برواية نافع عنه. وأخرجه البيهقي(١) من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سئل متى يقطع المعتمر التلبية؟ فقال: قال ابن عمر: إذا دخل الحرم، وقال ابن عباس: حتى يمسح الحجر، قلت: يا أبا محمد، أيهما أحب إليك؟ قال: قول ابن عباس. (١٩) ما جاء في التمتع قال الحافظ(٢): المعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة، والإهلال بالحج في تلك السنة، ويطلق في عرف السلف على القران أيضاً، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الَّ﴾ أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، ومن التمتع أيضاً القران، لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر، ومن التمتع أيضاً فسخ الحج إلى العمرة، انتهى. وقال الراغب: المُتُوْعُ الامتداد والارتفاع، يقال: متع النهار ومتع النبات: إذا ارتفع في أول النبات، والمتاع: انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعه الله (١) ((سنن الكبرى)) (٤٣/٥)، و((الأم)) (٢٥٤/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٤٢٣/٣). ٦٠٧ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب بكذا، ومتعة النكاح هي: أن الرجل كان يشارط المرأة بمال معلوم يعطيها إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فارقها من غير طلاق، ومتعة الحج: ضم العمرة إلیه، انتهى. وقال القاري في ((شرح اللباب)): التمتع في اللغة بمعنى التلذذ والانتفاع بالشيء، وفي الشريعة: الترفق بأداء النسكين في أشهر الحج في سنة واحدة من غير إلمام بينهما إلماماً صحيحاً، وإنما سمي متمتعاً لانتفاعه بالتقرب إلى الله تعالى بالعبادتين، أو لتمتعه بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة، أو لانتفاعه بسقوط العود إلى الميقات، ولا يبعد أن يقال لتمتعه بالحياة حتى أدرك إحرام الحجة، انتهى. وقال الموفق في ((المغني))(١): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات، وقدم مكة ففرغ منها، وأقام بها، وحج من عامه، أنه متمتع، وقال أيضاً: لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من اعتمر في غير أشهر الحج عمرة، وحل منها قبل أشهر الحج، أنه لا يكون متمتعاً، إلا قولين شاذين، أحدهما عن طاووس أنه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج، ثم أقمت حتى الحج، فأنت متمتع، والثاني عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهي متعة، قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً قال بواحد من هذين القولين، انتهى. واختلفت نقلة المذاهب في بيان معنى التمتع في اصطلاح الأئمة، وبيان شرائطه، فاحتجت إلى أصولهم كدأبي في هذا ((الأوجز))، وبسط الباجي(٢) في بيان شرائطه عندهم، فقال: له ستة شروط لا يكون متمتِّعاً إلا باجتماعها، (١) (٣٥١/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٢٨/٢). ٦٠٨ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب فمتى انخرم منها شرط لم يكن متمتعاً، أحدها: أن يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد، والثاني: أن يكون في عام واحد، فلو اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام إلى عام ثانٍ، فحج لم يكن متمتعاً . والثالث: أن يفعل العمرة أو شيئاً منها في أشهر الحج، وليس من شرطها أن يحرم بها في أشهر الحج، فلو أحرم في رمضان أو شعبان، فاستدام ذلك وأتى ببعض أفعالها ولو بشوط واحد من السعي في أشهر الحج كان متمتعاً، فإن لم يبق عليه غير الحلاق فليس بمتمتع؛ لأن الحلاق تحلُّلٌ من النسك، وليس من أفعال العمرة، الرابع: تقديم العمرة على الحج، الخامس: أن يحلَّ من العمرة قبل الإحرام بالحج، فإنه إذا أردف الحج على العمرة في وقت يصح له ذلك، كان قارناً ولم يكن متمتعاً . قلت: واختلف عندهم في وقت الإرداف، كما تقدم في القران، وهذا الشرط لجواز العمرة لا صحتها، قال الدردير(١): وصح إحرامه بالحج بعد سعي العمرة قبل حلقها، ثم إن أتم عمرته قبل أشهر الحج يكون مفرداً، وإن فعل بعض ركنها في وقته يكون متمتعاً، انتهى. قال الدسوقي قوله: ((وصح)) أي: وإن كان لا يجوز القدوم على ذلك لاستلزامه تأخير حلق العمرة، انتهى. والسادس: أن لا يكون مكياً، انتهى. واختلفت أقوالهم في المراد بالمكي، وهذا الشرط باعتبار ابتداء إحرام العمرة، قال الدسوقي: فلو قَدِمَ آفاقيٌّ محرماً بعمرة في أشهر الحج ونية السكنى بمكة، ثم حج من عامه، وجب عليه هدي التمتع، وليس كالمقيم، انتهى. وزاد الدردير: عدم عوده لبلده أو مثله في البعد بعد أن حَلَّ من عمرته قبل الإحرام بالحج، فلو أحرم ثم عاد لا يسقط عنه الدم، وقال في شرط كونهما عن شخص واحد تردّدٌ، ورجح هو (١) ((الشرح الكبير)) (٢٨/٢). ٦٠٩ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب عدم الاشتراط، فلو حج عن نفسه واعتمر عن غيره يجب الدم، وهل هذه الشروط التي بعد الخامس لوجوب دم التمتع فقط أو لوجوب الدم، والتسمية معاً؟ قولان للمالكية، قال الدسوقي: تظهر ثمرة الخلاف فيمن حلف أنه متمتع، ولم يستوف الشروط، فيحنث على الأول دون الثاني. قلت: وظاهر ((الموطأ)) هو الثاني، كما سيأتي التنبيه عليه، ولا يشترط عندهم صحة العمرة، قال الدسوقي: ولو فسدت في أشهر الحج، ثم حج من عامه قبل قضائها، فمتمتعٌ، وحجه تام وعليه قضاء عمرته، انتهى. وأما عند الشافعية ففي ((شرح المنهاج)): أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده، ويفرغ منها، ثم ينشئ حجاً من مكة في أشهر الحج، ومن ميقات بلده غير شرط، فلو أحرم دونه كان متمتعاً، ويلزمه مع دم المجاوزة دم التمتع، وقوله: ((من مكة)) شرط لدم التمتع لا للتسمية، وكذا يشترط لدمه أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وأن تقع نية إحرام العمرة في أشهر الحج من سنة الحج. فلو نوى الإحرام بالعمرة مع آخر جزء من رمضان ثم أتى بأعمالها كلها في شوال، لم يلزمه دم التمتّع، وأن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات، وهذه الشروط لوجوب الدم لا لاسم التمتع، ومن ثم قال أصحابنا: يصح التمتع والقران من المكي، خلافاً لأبي حنيفة - رضي الله عنه -، انتهى مختصراً. ....... . وقال القسطلاني(١): هو أن يحرم من على مسافة القصر من حرم مكة بعمرة أولاً من ميقات بلده في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، وينشئ حجاً من مكة من عامها ولم يعد لميقات من المواقيت ولا لمثله مسافة، وسمي تمتعاً لتمتع صاحبه بمحظورات الإحرام بينهما، وخرج بالقيود المذكورة ما لو أحرم (١) ((إرشاد الساري)) (٤/ ٧١). ٦١٠ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب بالحج أوّلاً، وما لو أحرم بالعمرة في غير أشهره؛ وإن وقع أعمالها في أشهره؛ لأنه لم يجمع بينهما في وقت الحج، وما لو أحرم في أشهر الحج من الحرم، أو من دون مسافة القصر، وما لو أحرم بها من مسافة القصر فأكثر، لكن لم يحج من عامها، أو حج من عامها، لكن عاد قبل إحرامه به، أو بعده وقبل التلبس بنسك إلى ميقات، أو مثله مسافة ولو أقرب مما أحرم به بالعمرة، وهذه القيود إنما قيود للتمتع الموجب للدم، لا في صدق اسم التمتع، انتهى. وقال ابن قدامة(١): من اعتمر في أشهر الحج، فطاف وسعى، ثم أحرم بالحج ولم يكن خرج من مكة إلى ما تقصر فيه الصلاة، فهو متمتّع، والشروط التي يجب الدم على من اجتمعت فيه خمسة. الأول: أن يحرم بالعمرة في أشهره، فإن أحرم بها في غير أشهره لم يكن متمتِّعاً، سواء وقعت أفعالها في أشهره، أو في غير أشهره، نص عليه أحمد، ولا نعلم خلافاً في أن من اعتمر في غير أشهر الحج عمرة، وحلَّ منها قبل أشهره أنه لا يكون متمتعاً، إلا قولين شاذّين عن طاووس وعن الحسن تقدم ذكرهما في أول الباب. الثاني: أن يحج من عامه، فإن اعتمر في أشهر الحج ولم يحج ذلك العام، بل حج من القابل فليس بمتمتع، لا نعلم فيه خلافاً إلا قولاً شاذاً عن الحسن، فيمن اعتمر في أشهر الحج، فهو متمتع، حج أو لم يحج. الثالث: أن لا يسافر بين العمرة والحج سفراً بعيداً تقصر في مثله الصلاة، نص عليه [أحمد]، وبه قال إسحاق، وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات، فلا دم عليه، وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره بطلت متعته وإلا لا، وقال مالك: إن رجع إلى مصره، أو إلى غيره أبعد من مصره، بطلت (١) ((المغني)) (٣٥١/٥). ٦١١ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب متعته وإلا لا، وقال الحسن: هو متمتع وإن رجع إلى مصره، واختاره ابن المنذر. والرابع: أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج على العمرة قبل حله منها فيصير قارناً، ولا يلزمه دم المتعة، ولكن عليه دم للقران، انتهى. قلت: وتقدم في أول القران أن المتمتع سائق الهدي يكون قارناً عند الحنابلة، وإن أحرم بالحج بعد الفراغ من سعي العمرة أيضاً، ولا يجوز له التحلل لسوق الهدي، بل يبقى محرماً، ويدخل عليها الحج ويصير قارناً، وبذلك جزم عامة فروع الحنابلة. لكن ظاهر كلام الشيخ ابن القيم في ((الهدي)) (١) إذ عدَّ من الأوهام قول صاحب ((المغني)): إنه ◌َّ كان متمتِّعاً سائق الهدي، ورجَّح عن نفسه بوجوهٍ كثيرة أنه وَّ كان قارناً يدل على أنهما قسمان مختلفان، فتأمل. والخامس: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وسيأتي الكلام في المراد به والاختلاف فيه، وهذا الشرط لوجوب الدم عليه، وليس بشرط لكونه متمتعاً، فإن متعة المكي صحيحة، لأن التمتع أحد الأنساك الثلاثة، فصح من المكي كالنسكين الآخرين، وقد نقل عن أحمد ليس على أهل مكة متعة، ومعناه: ليس عليه دم المتعة، لأن المتعة له لا عليه، فيتعين حمله على ما ذكرناه، انتهى. وذكر صاحب ((نيل المآرب)) له سبعة شروط، فأضاف على الخمسة المذكورة شرطين آخرين، فقال: السادس: أن يحرم بالعمرة من الميقات أو من مسافة قصر أو أكثر عن مكة. والسابع: أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو أثنائها، ولا يعتبر كون النسكين عن واحد، انتهى. وحكاهما ابن قدامة أيضاً عن القاضي، لكن ردّهما . (١) ((زاد المعاد)) (١٣١/٢). ٦١٢ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب وأما عند الحنفية فذكر له ((شارح اللباب)) أحد عشر شرطاً. الأول: أن يطوف للعمرة كله أو أكثره في أشهر الحج. الثاني: أن يقدم إحرام العمرة على الحج، وهذا مستغنٍ بقوله. الثالث: أن يطوف للعمرة كله أو أكثره قبل إحرام الحج. الرابع: عدم إفساد العمرة. والخامس: عدم إفساد الحج. السادس: عدم الإلمام أي: النزول بالأهل إلماماً صحيحاً، وهو أن يرجع إلى وطنه حلالاً، والعبرة بالمقام والتوطن، لا بالمولد والمنشأ ووجود الأهل، فيصح تمتع الآفاقي وإن كان معه أهله، ولا يصح من المكي وإن لم يكن له أهل، والإلمام الفاسد أن يرجع حراماً إلى وطنه أعمّ من أن يكون محرماً بعمرته أو حجه، والرجوع إلى داخل الميقات بمنزله مكة وإلى خارجه غير بلده قيل: هو كمكة، وقيل : هو كمصره. والسابع: أن يكون طواف العمرة كله أو أكثره والحج في سفر واحد، فإن كان أكثر الطواف في السفر الأول لم يكن متمتعاً، وهذا الشرط على قول محمد خاصة على ما في المشاهير، وأما على قولهما المشهور عنهما فلا، ولا يرد عليه قولهم في تفسير التمتع: هو الترفق بأداء النسكين في سفر واحد، لأن من قيد به كصاحب ((الهداية)) صرح بنفسه أن بالعود محرماً لا يبطل تمتعه، والظاهر أنه شرط إلا أنه أعمّ من أن يكون حقيقة أو حكماً. الثامن: أداؤهما في سنة واحدة، فلو طاف للعمرة في أشهر الحج من هذه السنة، وحج من السنة الأخرى لم يكن متمتعاً، وإن لم يَلُمَّ بينهما . التاسع: عدم التوطن بمكة، فلو اعتمر، ثم عزم على المقام بمكة أبداً أي: بالتوطن فيها لا يكون متمتعاً . العاشر: أن لا يدخل عليه أشهر الحج، وهو حلال بمكة أي: قبل الاعتمار، سواء كان مكياً أو مستوطناً بها أو مقيماً فيها أو مسافراً منها أو محرماً، ولكن قد طاف للعمرة أكثره قبلها إلا أن يعود إلى أهله، فيحرم بعمرة ٦١٣ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب (٧٥٢) حديث ٦٠/٧٥٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ حَدَّثَه، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، عَامَ حَجَّ .... مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فيكون حينئذ متمتعاً، الحادي عشر: أن يكون من أهل الآفاق وهو من كان داره خارج الميقات، والعبرة للتوطن، انتهى. ٦٠/٧٥٢ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم (عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل) بن الحارث (بن عبد المطلب) الهاشمي النوفلي المدني من رواه الترمذي والنسائي، قال الحافظ(١): ذكره ابن حبان في ((الثقات)): له في السنن حديثه عن سعد في التمتع، وجزم ابن عبد البر بأن الزهري تفرد بالرواية عنه، قال: ولا يعرف إلا برواية الزهري عنه، انتهى. وفي ((التقريب))(٢): مقبول من الثالثة. : (أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبي وقاص) مالك الزهري أحد العشرة المبشرة (والضحاك بن قيس) الأمير المشهور صحابي أخو فاطمة بنت قيس، كما في ((المحلى)) (عام حج) أول حجة بعد الخلافة، كما جزم به الزرقاني، وصاحب ((المحلى)) وغيرهما، أمير المؤمنين (معاوية بن أبي سفيان) وكان أول حجة حجها بعد الخلافة سنة ٤٤هـ وآخر حجة حجها سنة ٥٧هـ، ذكره ابن جرير، والمراد الأولى، لأن سعداً مات سنة ٥٥هـ على الصحيح (وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج). وبسط الشيخ في ((الكوكب الدري))(٣): أن مذاكرتهما يحتمل أن تكون في (١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٥١/٩). (٢) (١٧٥/٢). (٣) (٩٦/٢). ٦١٤ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب (٧٥٢) حديث فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ: لا يَفْعَلُ ذُلِكَ إِلا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي. فَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَدْ نَهِى عَنْ ذُلِكَ. فسخ الحج إلى العمرة أو في المتعة المعروفة الشاملة للقران والتمتع الاصطلاحيين . قلت: وظاهر سياق التمتع بالعمرة إلى الحج يؤيد الثاني، والباعث على التوجيه الأول نسبة الضحاك فاعله إلى الجهل، واستدلاله بآية الإتمام، ونهي عمر - رضي الله عنه -، فهذه كلها ترشد إلى الاحتمال الأول، وسيأتي البسط في ذلك قريباً . (فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك) وفي النسخ المصرية: لا يفعل ذلك، والمعنى واحد (إلا من جهل أمر الله) فإنه عز اسمه قال: ﴿وَأَتِقُواْ الْحَّ وَالْعُهْرَةَ لِلَّهِ﴾(١)، والأمر بالإتمام ينافي الفسخ، وهذا الاستدلال ظاهر على الاحتمال الأول، أي: مناظرتهما في الفسخ، وأما على الاحتمال الثاني فلا يبعد أن يكون معنى إتمامهما عند الضحاك إفرادهما، كما روي عن غيره. قال السيوطي في ((الدر)): أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: ﴿وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهَّ﴾ قال: من تمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحج، وسيأتي عند المصنف في ((باب العمرة)) أن عمر بن الخطاب قال: ((افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإن ذلكم أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج)) (فقال سعد: بئس ما قلت) بتاء الخطاب، فإن نسبة الجهل إلى فاعل المتعة، سواء كانت متعة الفسخ أو الثانية مما لا ينبغي فإنهما فعلتا بأمره كله . (يا ابن أخي) قاله ملاطفة وتأنيساً، فإنه صحابي صغير (فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك) اختلف السلف في المتعة التي نهى عنها (١) سورة البقرة: الآية ١٩٦. ٦١٥ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب (٧٥٢) حديث عمر، قال المازري(١): قيل: المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحج ثم الحج، قال عياض: ظاهر حديث جابر وعمران وأبي موسى: أن المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ الحج إلى العمرة، ولذا كان عمر - رضي الله عنه - يضرب الناس عليها، ولا يضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة أن فسخ الحج إلى العمرة كان خصوصاً في تلك السنة لحكمة، ورجح النووي الثاني، إذ قال: والمختار أن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - وغيرهما: إنما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه، ومرادهم نهي أولوية للترغيب في الإفراد، انتهى. وقد أخرج مسلم(٢) عن أبي موسى: ((أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فُتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد، حتى لقيه بعد، فسأله، فقال عمر: قد علمت أن النبيِ وَ ل﴿ قد فعله، ولكن كرهت أن يظلوا مُعَرِّسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم)) . فبَيَّن عمر فيه العلة التي لأجلها كره التمتع، فكأنه رأى عدم الترقُّه للحاج بكل طريق، وتقدم في ((باب القران)) في وجوه نهي عثمان: أن مختار المشايخ في غرض عمر - رضي الله عنه - بالنهي كثرة المشي إلى البيت، وأن يزار البيت في كل عام مرتين، كما تقدم قريباً. وسيأتي في باب العمرة ما قاله عمر - رضي الله عنه -: ((افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦٥/٢). (٢) ((صحيح مسلم)) (١٢٢٢) من كتاب الحج (٥٧). ٦١٦ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب (٧٥٢) حديث الحج))، قال الباجي(١): وفسر ذلك عبد الله بن عمر، وذلك أنه سئل عن متعة الحج فأمر بها، قيل له: إنك تخالف أباك؟ فقال: إن عمر لم يقل الذي تقولون، وإنما قال: ((أفردوا الحج من العمرة، فإنه أتم لعمرة))، لأن العمرة لا تتم في أشهر الحج إلا أن يهدي، وأراد أن يزار البيت في غير أشهر الحج، فجعلتموها أنتم حراماً، وعاقبتم الناس عليها، وعمل بها رسول الله ◌َّ، فإذا أكثروا عليه، قال: كتاب الله أحق أن تتبعوه أم عمر - رضي الله عنه -؟. وهذا الذي ذهب إليه ابن عمر هو الصحيح أن عمر - رضي الله عنه - لم ينه عنها على وجه التحريم، والدليل على ذلك ما روي عنه أنه أنكر النهي عنها، وقال: أنا أفعل ذلك، ولعله كان يرى أن اعتقاد تفضيل المتعة خطأ، فكان ينهى عن ذلك، ويعاقب عليها لا على إباحة المتعة، وقد روي عنه: أنه قال للصُبي بن معبد، وقد أخبره أنه تمتّع، وأنكر ذلك عليه: ((هديت لسنة نبيك))، انتهى. قلت: حديث الصبي بن معبد في ((السنن)) وابن حبان ومسانيد أحمد وإسحاق والطيالسي وابن أبي شيبة عن أبي وائل عن الصبي بن معبد قال: ((أهللت بهما معاً، فقال عمر: هديت لسنة نبيك (َّ﴾))، ومنهم من طوّله، كذا في ((الدراية)). وقال ابن القيم في ((الهدي)) (٢): صح عن عمر بن الخطاب من غير وجه أنه قال: ((لو حججت لتمتعت ثم لو حججت لتمتعت))، ذكره الأثرم في ((سننه)) وغيره، وذكره عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن سالم بن عبد الله وأنه سئل عن نهي عمر عن متعة الحج؟ قال: لا، أَبَعْدَ كتاب الله؟ وذكر عن نافع أن رجلاً قال (١) ((المنتقى)) (٢٢٦/٢). (٢) انظر: ((زاد المعاد)) (١٧٥/٢). ٦١٧ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب (٧٥٣) حديث فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَه، وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ. نهي عمر عن التمتع، أخرجه البخاريّ عن أبي موسى في: ٢٥ - كتاب الحج، ١٢٥ - باب الذبح قبل الحلق. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٢٢ - باب نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام، حديث ١٥٤. ٦١/٧٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لأَنْ أَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ وَأَهْدِيَ، له: أنهى عمر عن مُتعة الحج؟ قال: لا. وذكر عن ابن عباس أنه قال: هذا الذي يزعمون أنه نهى عن المتعة - يعني عمر - سمعته يقول: لو اعتمرت، ثم حججت، لتمتعت . ٠٠٠٠ وقال ابن حزم: صح عن عمر الرجوع إلى القول بالتمتع بعد النهي عنه، انتهى. قلت: والصواب الذي لا معدل عنه أن نهيه - رضي الله عنه - كان المُتعة الفسخ بالتحريم، وللتمتع للأولوية، كما يدل عليه قوله: ((أتم لعمرتكم)) وسيأتي في ((باب العمرة)). (فقال سعد: قد صنعها رسول الله وَ له وصنعناها معه) فنسبة الجهل إلى فاعله مما لا ينبغي، ثم نسبة متعة الفسخ إليه وقّيّ مجاز لكونه سبب فعلهم، وآمراً لهم، وراضياً لهم فعله، وكارهاً توفقهم فيه، ومنكراً عليهم تبطؤهم بذلك، كذا في ((الكوكب)) (١)، وأما نسبة المتعة المعروفة إليه وَ ل فظاهر، لأنها تشمل القران أيضاً . ٦١/٧٥٣ - (مالك، عن صدقة بن يسار) ضد اليمين (عن عبد الله بن عمر أنه قال: والله لأن أعتمر قبل الحج) في أشهره، كما يدل عليه قوله (وأهدي) فإن الهدي إنما يجب في العمرة في أشهره إذا حج في عامه، وأما التطوع فلا فرق فيه قبل الحج وبعده. (١) ((الكوكب الدري)) (٩٦/٢). ٦١٨ ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب (٧٥٤) حدیث أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ. ٧٥٤/ ٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي شَوَّالٍ، أَوْ ذِي الْقِعْدَةِ، أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، قَبْلَ الْحَجِّ، وقد روى الجصاص في ((أحكام القران))(١) برواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: لأن أعتمر في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة في شهر يجب علَيَّ فيه الهديُ، أحبُّ إليَّ من أن أعتمر في شهر لا يجب عليَّ فيه الهدي، (أحبُّ إليَّ) بإلى الجارة الداخلة على ضمير المتكلم (من أن اعتمر بعد الحج في ذي الحجة) تأكيد في الرد على منع من التمتع من الصحابة، وإيماء إلى رد من قال: بأفضلية الإفراد بشرط أن يعتمر بعد الحج، وفي ((الموازية)) عن مالك: ما يعجبني قول ابن عمر هذا، وإفراد الحج من الميقات أحبُّ إليّ، ضرورة كان أو غير ضرورة. ٦٢/٧٥٤ - (مالك، عن عبد الله بن دينار عن) مولاه (عبد الله بن عمر أنه كان يقول: من اعتمر في أشهر الحج في شوال، أو ذي القعدة، أو ذي الحجة قبل الحج) لا بعده ولو في ذي الحجة، قال الباجي(٢): قوله: قبل الحج يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريد أن جميع ذي الحجة من أشهر الحج من عامه، ثم خص قبل الحج دون ما بعده بحكم التمتع، وإن كان جميع الشهر حكمه واحد في أنه من أشهر الحج، والثاني: أن يريد أن ما قبل الحج من أشهره دون ما بعده، فقال: أو ذي الحجة قبل الحج، وأراد بيان أن ذلك من أشهر الحج دون ما بعده . وقد اختلف الفقهاء في ذلك، واختلف فيه قول مالك، فروى أشهب عن (١) (٢٩٨/١). (٢) ((المنتقى)) (٢٢٧/٢). ٦١٩ .. ... ٢٠ - كتاب الحج (١٩) باب (٧٥٤) حدیث مالك في ((المجموعة)): أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، وروى ابن حبيب عن مالك: أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وعشر ليال(١)، وليس يوم النحر عنده من أشهر الحج، وإن كانت ليلته منها، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿اُلْحَجُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَنٌ﴾ (٢) فأتى بلفظ الجمع، ولا يخلو أن يكون اثنان أو ثلاثة، ولا خلاف أنه لم يرد ههنا شهرين، فلم يبق إلا أن يريد ثلاثة. ووجه آخر من الآية أنه قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَّثَ﴾(٣) وهو الجماع، وأنه معلوم وممنوع يوم النحر، فوجب أن يكون من أشهر الحج، فإن قلنا: إن جميع ذي الحجة من أشهر الحج، ففائدة ذلك أن تأخير طواف الإفاضة إلى آخره لا يلزم به الدم، وإن قلنا: إن عشر ذي الحجة من أشهر الحج، فإن فائدة ذلك أن يوم النحر يحصل بانقضائه التحلل، انتهى. وفي ((الأنوار)): أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه، كما في ((شرح أبي الحسن)) على المشهور، وقال في ((حاشية العدوي)): قيل: العشر الأول منه. وفائدة الخلاف تظهر في تأخير طواف الإفاضة، فعلى المشهور يلزم دم إلا بتأخيره للمحرم، وعلى مقابله إذا أخّره إلى حادي عشرة، انتهى. وفي ((مختصر الخليل)): ووقته شوال لآخر الحجة، قال الدردير(٤): أي ابتداء وقته بالنسبة للحج شوال لفجر يوم النحر، ويمتدُّ زمن الإحلال لآخر الحجة، (١) كذا في الأصل، اهـ ((ز)). (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٧. (٣) سورة البقرة: الآية ١٩٧. (٤) ((الشرح الكبير)) (٢١/٢). ٦٢٠