Indexed OCR Text

Pages 301-320

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٢٩) باب وقت إرسال زكاة الفطر
ونسبه الحافظ في ((التعجيل)) (١): هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن
المغيرة المخزومي، فزاد في نسبه هشاماً آخر، روى عن النبي ◌َّ مرسلاً،
وعن بعض الصحابة متصلاً، قال البخاري: كان والي المدينة، زاد غيره: في
خلافة عبد الملك، وهو خال هشام بن عبد الملك، ثم عزله الوليد بن عبد
الملك، وولّى عمرَ بن عبد العزيز، ذكره ابن حبان في ((الثقات)»، وهو الذي
ضرب سعيد بن المسيب بالسياط، ومقت الناس هشاماً لذلك، ومعنى قوله:
((وهو المد الأعظم)) أي الأكبر.
قال الباجي(٢): واختلف أصحابنا في مقداره، فمنهم من قال: مدان إلا
ثلث بمد النبي ◌َّ، ومنهم من قال: مدان به، انتهى.
قال ابن رشد(٣): في كفارة الظهار عن مالك - رضي الله عنه - في ذلك
روايتان؛ أشهرهما أن ذلك بمد هشام لكل واحد، وذلك مدان بمد النبي صَلّ،
وقيل: هو أقل، وقيل: هو مد وثلث، والرواية الثانية بمد النبي صَلّر، ووجه
الرواية الأولى اعتبار الشبع غالباً، أعني الغداء والعشاء، انتهى.
وقال ابن العربي: قد كنت أعظم أن يكون مالك على جلالة قدره
واستهانته بمن يخالف السنة، يقول في الظهار: يطعم مداً بمد هشام فيجري
اسمه ومده على لسانه مع أنه بدعة، حتى رأيت أشهب قد روى عنه حسب ما
بيناه في ((كتاب الأحكام))، فحمدت الله عليه، انتهى.
(٢٩) وقت إرسال زكاة الفطر
وفيه أربع مسائل: الأولى: وقت وجوب صدقة الفطر، والثانية: جواز
(١) ((تعجيل المنفعة)) (ص٤٣١).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٠/٢).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٢/ ١١٣).
٣٠١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حدیث
٥٥/٦٩١ _ حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ
...
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِظْرِ إِلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ
التقديم على وقت الوجوب، والثالثة: الوقت المستحب، والرابعة: التأخير عن
يوم الفطر، وتقدم الكلام على المسألة الأولى، وسيأتي على البواقي قريباً.
٥٥/٦٩١ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان
يبعث) ببناء الفاعل، أي يرسل (بزكاة الفطر إلى الذي تُجمع) ببناء المجهول
(عنده) وهو من نصبه الإمام لقبضها، وهو المتعين في رواية ((الموطأ)) بلفظ:
((الذي تجمع عنده))، ولفظ البخاري: وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يعطيها
للذين يقبلونها .
قال الحافظ(١): أي الذي نصبه الإمام لقبضها، وبه جزم ابن بطال، وقال
ابن التيمي: معناه من قال: أنا فقير، والأول أظهر، وتعقبه العيني (٢) فقال: بل
الثاني أظهر على ما لا يخفى، وأيد الحافظ مختاره؛ أي الأول بقوله: ويؤيده
ما وقع في نسخة الصغاني عقب الحديث. قال أبو عبد الله - أي البخاري -:
كانوا يعطون للجمع، لا للفقراء، وقد وقع في رواية ابن خزيمة من طريق عبد
الوارث عن أيوب قلت: متى كان ابن عمر - رضي الله عنه - يعطي؟ قال: إذا
قعد العامل، قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين،
ولحديث مالك في ((الموطأ)» هذا، وأخرجه عنه الشافعي، وقال: هذا حسن،
وأنا أستحبه، يعني تعجيلها قبل الفطر، انتهى.
قلت: والأوجه عندي أن الأوجه في رواية البخاري هو مختار العيني،
كما يدل عليه ظاهر اللفظ، وفي رواية ((الموطأ)» المتعين مختار الحافظ، وهما
محمولان على الحالتين، لا ينبغي أن تحملا على محل واحد، فإن ابن عمر
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٧٦/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٩١/٦).
٣٠٢
-

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حديث
- رضي الله عنه - يعطي الصدقات لمن يقبلها، وهو الفقير إذا سأله أحد أو
وجده، وإن لم يجد الفقير، أو لم يسأله أحد من الفقراء، فيبعثه إلى من يجمع
من العمال، براءةً للذمة، وتعجيلاً في الفراغ عن الفريضة، فتأمل، فإنه لطيف.
ثم قال الحافظ: ويدل أيضاً على ذلك أي على مختاره ما أخرجه
البخاري في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة، قال: ((وكلني رسول الله وَل بحفظ
زكاة رمضان)) الحديث. وفيه أنه ((أمسك الشيطان ثلاث ليال)) فدل على أنهم
كانوا يعجلونها، وعكسه الجوزقي، فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم
الفطر، وهو محتمل للأمرين، انتهى. قلت: فعلى هذا لا حجة فيه لأحد
الفريقين .
ثم ذكر الباجي(١) ههنا عدة مسائل مناسبة للباب يفيد ذكرها؛ الأولى: ما
قاله: وذلك يقتضي أنه كان نصب لها الإمام أو من كان إليه الأمر رجلاً يرسل
إليه، فتجتمع عنده حتى يضعها في وقتها حيث رأى.
والثانية: ما قاله أيضاً: قال مالك: وإذا كان الإمام عدلاً فإرسالها إليه
أحبُّ إليّ، وذلك أن أهل الحاجة والفاقة إنما يقصدون الإمام، ويطلبون منه؛
لكون بيت المال بيديه، فإذا كان من أهل العدل فدفع هذه الحقوق إليه أولى؛
ليضعها في نوائب المسلمين، وما يعتريه من ضروراتهم ومواضع حاجتهم.
والثالثة: ما قاله أيضاً، فإن أخرجها من هي عليه دون أن يرسلها أجزأته؛
لأنها ليست من الأموال الظاهرة التي يبعث إلى الإمام فيها، وإنما هي إلى
أمانة من يخرجها، وقال الدردير: ندب دفعها للإمام العدل ليفرقها، وظاهر
((المدونة)) الوجوب، انتهى.
والرابعة: لا يرسل الإمام فيها من يطلب الناس بها، كما يفعل في زكاة
(١) انظر: ((المنتقى)) (١٩٠/٢، ١٩١).
٣٠٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حديث
الماشية، وإنما ينصب لذلك من يثقه من أهل الدين والفضل، فمن شاء أن
يرسل إليه فطرته قبضها، ومن ولي إخراجها لم يطلب منه شيئاً .
قلت: وجملة هذه الفروع تتعلق بمسألة شهيرة مختلفة بين الأئمة من أن
الأولى تفريق الزكاة بنفسها أو أداؤها إلى الإمام، قال الموفق(١): يُسْتحب
للإنسان أن يليّ تفرقة الزكاة بنفسه، ليكون على يقين من وصولها إلى
مستحقها، سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. قال الإمام أحمد:
أعجب إليّ أن يخرجها، وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز، وقال الحسن،
ومكحول، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران: يضعها رب المال في
مواضعها، وقال الثوري: احلِفْ لهم واكذُبْهم، ولا تعطهم شيئاً إذا لم يضعوها
مواضعها .
وقد روي عن أحمد أنه قال: أما صدقة الأرض فيعجبني دفعها إلى
السلطان، وأما زكاة الأموال كالمواشي، فلا بأس أن يضعها في الفقراء
والمساكين، فظاهر هذا أنه استحب دفع العشر خاصة إلى الأئمة، وذلك لأن
العشر قد ذهب قوم إلى أنه مؤونة الأرض، فهو كالخراج، يتولاه الأئمة
بخلاف سائر الزكاة، والذي رأيت في ((الجامع))، قال: أما صدقة الفطر
فيعجبني دفعها إلى السلطان.
ثم قال أبو عبد الله: قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون
بها الخمور، قال: ادفعها إليهم.
وقال ابن أبي موسى وأبو الخطاب: دفع الزكاة إلى الإمام العادل أفضل،
وهو قول أصحاب الشافعي، وممن قال بدفعها إلى الإمام: الشعبي ومحمد بن
علي وأبو رزين والأوزاعي؛ لأن الإمام علم بمصارفها، ودفعها إليه يُبَرِّتُه ظاهراً
(١) انظر: ((المغني)) (٩٢/٤).
٣٠٤

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حديث
وباطناً، ودفعها إلى الفقير لا يُبَرِّثُّه باطناً لاحتمال أن يكون غير مستحق لها،
ولأنه يخرج من الخلاف وتزول عنه التهمة، وكان ابن عمر - رضي الله عنه -
يدفع زكاته إلى من جاءه من سُعاة ابن الزبير أو نجدة الحروري.
وقد روي عن سهل بن أبي صالح قال: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت:
عندي مال، وأريد أن أخرج زكاته، وهؤلاء القوم على ما نرى فما تأمرني؟
قال: ادفعها إليهم، فأتيت ابن عمر - رضي الله عنه - فقال مثل ذلك، فأتيت أبا
هريرة فقال مثل ذلك، وأتيت أبا سعيد، فقال مثل ذلك، ويروى مثله عن
عائشة .
وقال مالك وأبو حنيفة وأبو عبيد: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام؛
لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية (١)، ولأن أبا بكر - رضي الله عنه -
طالبهم بها وقاتلهم عليها، وقال: لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى
رسول الله ﴿ لقاتلتهم عليها، ووافقه الصحابة على هذا، وللشافعي قولان،
كالمذهبين، ولنا، على جواز دفعها بنفسه أنه دفع الحق إلى مستحقه، فأجزأه،
كزكاة الأموال الباطنة، ولأنه أحد نوعي الزكاة، فأشبه النوع الآخر.
والآية تدل على أن للإمام أخذها، ولا خلاف فيه، ومطالبة أبي بكر
- رضي الله عنه - لهم بها لكونهم لم يؤدوها، ولو أدّوها إلى أهلها لم يقاتلهم
عليها؛ لأن ذلك مختلف في إجزائه، فلا تجوز المقاتلة من أجله، ولا يختلف
المذهب إن دفعها إلى الإمام، سواء كان عادلاً أو غير عادل، وسواء كانت من
الأموال الظاهرة أو الباطنة يبرأ بدفعها، سواء تلفت في يد الإمام أو لم تتلف،
وسواء صرفها في مصرفها أو لم يصرفها، لما ذكرنا عن الصحابة، ولأن الإمام
نائب عنهم شرعاً، فيبرئ بدفعها إليه، كولي اليتيم إذا قبضها له، ولا يختلف
(١) سورة التوبة: الآية ١٠٣.
٣٠٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حديث
قَبْلَ الْفِطْرِ، بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ .
أيضاً في أن صاحب المال يجوز أن يفرقها بنفسه، انتهى ملخصاً. وتقدم البسط
في مذهب الحنفية في ذلك في باب آخر الصدقة.
وأما عند المالكية، فتقدم قريباً في أبحاث الباجي حكم الفطرة، وأما
حكم الزكاة، فقال الدردير: دُفِعَت وجوباً للإمام العدل في صرفها وأخذها وإن
كان جائزاً في غيرهما إن كانت ماشية أو حرثاً، بل وإن كانت عيناً، انتهى.
(قبل الفطر بيومين أو ثلاثة) قال الباجي(١): يريد أنه كان يبعث بها إليه
لتكون عنده إلى أن يجب خروجها، فيخرجها عنه، ولا يجوز لمن وليها عن
نفسه أن يخرجها قبل وجوبها، هذا هو المشهور من مذهب مالك، وروي عن
ابن القاسم، إن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه، وبه قال أصبغ، وهذا
مبنيٌّ على أن الزكاة يجوز إخراجها قبل وجوبها، انتهى.
والحاصل أن الأثر يخالف المشهور من قول مالك، وأوّله الباجي بأن
الإخراج المذكور في الأثر كان بطريق الأمانة إلى من تجمع عنده، ثم يخرجها
عن المالك في وقته، ولا حاجة إلى التأويل في قول ابن القاسم، وهذا كله
على مختار الباجي.
-
:
وفي ((الشرح الكبير))(٢) للدردير: وجاز إخراجه قبل الوجوب باليومين أو
الثلاثة كما في ((الجلاب))، وفي ((المدونة)): باليوم أو اليومين، وهل الجواز
مطلقاً يعني سواء دفعها بنفسه أو لمن يفرقها أو الجواز إن دفعها لمفرِّق؟
تأويلان، محلها إذا لم يبق بيد الفقير إلى وقت الوجوب وإلا أجزأت اتفاقاً .
قال الدسوقي: قوله: وفي ((المدونة))، أي وهو المعتمد، فلا يجوز
إخراجها قبله بثلاثة أيام، وما في ((الجلاب)) ضعيف، وإن كان موافقاً للموطأ،
(١) ((المنتقى)) (١٩٠/٢).
(٢) (٥٠٨/١).
٣٠٦

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حديث
٠
وقوله: تأويلان، الراجح منهما الأول، واختلفت الأئمة في ذلك، قال
العراقي: المشهور من مذاهب العلماء جواز تقديمها قبل الفطر، لكن اختلفوا
في مقدار التقديم، فاقتصر أكثر الحنابلة على رواية ابن عمر في البخاري بلفظ :
((يوم أو يومين))، وقالوا: لا يجوز تقديمها بأكثر من يومين، وقال بعضهم:
يجوز من بعد نصف الشهر كأذان الفجر، والدفع من مزدلفة، والمشهور عن
الحنفية جواز تعجيلها من أول الحول، وعندهم في ذلك خلاف بسطه شارح
((الإحياء))، ومنع ابن حزم تقديمها قبل وقتها أصلاً.
قال الموفق(١): يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين، لا يجوز أكثر
من ذلك، يقول ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين، وقال
بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر، كما يجوز تعجيل أذان
الفجر، والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل، وقال أبو حنيفة: يجوز تعجيلها
من أول السنة؛ لأنها زكاة فأشبهت زكاة المال، وقال الشافعي: يجوز من
أول رمضان؛ لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين
جاز تعجيلها .
ولنا، ما روى الجوزجاني بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً: ((أغنوهم عن
الطواف في هذا اليوم)) والأمر للوجوب، ومتى قدمها بالزمان الكثير لم
يحصل إغناؤهم بها يوم العيد، والتقديم بيوم أو يومين جائز، لحديث
البخاري عن ابن عمر: ((كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين))، وهذا إشارة
إلى جميعهم، فيكون إجماعاً، والتعجيل بهذا القدر لا يُخِلُّ بالمقصود،
فالظاهر أنها تبقى، أو بعضها إلى يوم العيد، فيستغنى بها عن الطواف يوم
العيد، انتهى.
(١) ((المغني)) (٣٠٠/٤).
٣٠٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حديث
وَحدّثَنِي عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ
يُخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ،
وفي ((نيل المآرب)): وتجزئ قبل العيد بيومين ولا تجزئ قبلهما، انتهى.
وفي ((حاشية شرح الإقناع))(١): أن لها خمسة أوقات: وقت جواز، ووقت
وجوب، ووقت فضيلة، ووقت كراهة، ووقت حرمة، فوقت الجواز أول
الشهر، والوجوب إذا غربت الشمس، والفضيلة قبل الخروج لصلاة العيد،
والكراهة تأخيرها عن صلاته إلا لعذر من انتظار قريب أو أحوج، والحرمة
تأخيرها عن يوم العيد، انتهى.
وفي ((البدائع))(٢): لو عَجَّل الصدقة لم يذكر في ظاهر الرواية، وروى
الحسن عن أبي حنيفة (٣): أنه يجوز التعجيل سنة وسنتين، وعن خلف بن
أيوب: أنه يجوز تعجيلها إذا دخل رمضان، ولا يجوز قبله، وذكر الكرخي في
((مختصره)): أنه يجوز التعجيل بيوم أو يومين. وقال الحسن بن زياد: لا يجوز
تعجيلها أصلاً، ثم ذكر وجوه هذه الأقوال كلها .
وقال في آخره: والصحيح أنه يجوز التعجيل مطلقاً، وذكرُ السنة والسنتين
في رواية الحسن ليس على التقدير، بل هو لبيان استكثار المدة، أي يجوز وإن
كثُرت المدة، ووجهه أن الوجوب إن لم يثبت فقد وجد سبب الوجوب، وهو
رأس يمونه، ويلي عليه، والتعجيل بعد وجود السبب جائز، كتعجيل الزكاة
والعشور وكفارة القتل، انتهى.
(يحيى، عن مالك أنه رأى أهل العلم يستحبون أن يخرجوا زكاة الفطر
(١) (٣٥١/٢).
(٢) (٢٠٧/٢).
(٣) انظر مذهب الإمام أبي حنيفة في (تبيين الحقائق)) (٣١١/١)، و((فتح القدير)) (٢٣٢/٢)،
و((البحر الرائق (٢٧٤/٢ - ٢٧٥)، و((حاشية ابن عابدين)) (٣٦٧/٢)، و((بدائع الصنائع
(٢٠٧/٢).
٣٠٨

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حديث
إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُوا إِلَى الْمُصَلّى.
رواه البخاريّ مرفوعاً عن ابن عمر في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٧٦ - باب
الصدقة قبل العيد.
ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٥ - باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل
الصلاة، حديث ٢٢ و ٢٣.
إذا طلع الفجر من يوم الفطر قبل أن يغدوا إلى المصلى) قال الأبي في
((الإكمال)): استحب مالك والجمهور إخراجها في هذا الوقت ليستغني المساكين
عن السؤال في هذا اليوم.
قال الموفق(١): المستحب إخراجها يوم الفطر قبل الصلاة، لأن النبي
أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة في حديث ابن عمر - رضي الله
عنه -، وفي حديث ابن عباس: من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن
أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، فإن أخّرها عن الصلاة ترك
الأفضل لما ذكرنا من السنة، ولأن المقصود منها الإغناء عن الطواف، والطلب
في هذا اليوم، فمتى أخّرها لم يحصل إغناؤهم في جميعه لا سيما في وقت
الصلاة، ومال إلى هذا القول عطاء ومالك وموسى بن وردان وإسحاق
وأصحاب الرأي.
وقال القاضي: إذا أخرجها في بقية اليوم لم يكن فعلاً مكروهاً لحصول
الغناء بها في اليوم، وقال سعيد بسنده إلى ابن عمر: ((أمرنا رسول الله وَلٍ أن
نخرج)) فذكر الحديث، قال: فكان يؤمر أن يخرج قبل أن يصلي، فإذا انصرف
رسول الله وَ﴾ قسمه بينهم وقال: ((أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم))، وقد
ذكرنا من الخبر والمعنى ما يقتضي الكراهة، انتهى.
وحكى العيني (٢): الاستحباب عن جماعة من الصحابة والتابعين، وعَدَّ
(١) ((المغني)) (٤/ ٢٩٧).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٧٨/٦).
٣٠٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ الْغُدُوِّ،
مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وبَعْدَهُ.
أسماءهم، منهم: مالك والشافعي وإسحاق وأهل الكوفة، قال: ولم يحك فيه
خلاف، وحكى الخطابي الإجماع فيه، وقال ابن حزم: هو واجب، فيحرم
تأخيرها عن ذلك الوقت، انتهى. وحكي الاستحباب في فروع الأئمة الأربعة.
وفي ((البدائع)) (١): المستحب أن يخرج قبل الخروج إلى المصلى، لأن
رسول الله و كذا كان يفعل، ولقوله وَلير: ((أغنوهم عن المسألة في مثل هذا
اليوم))، فإذا أخرج قبل الخروج إلى المصلى استغنى المسكين عن السؤال في
يومه ذلك، فيصلي فارغ القلب مطمئن النفس، انتهى.
(قال مالك: وذلك واسع) أي جائز (إن شاء الله) هكذا في النسخ الهندية
والمصرية، إلا في نسخة الباجي ففيها بلفظ: ((إن شاءوا)) بصيغة الجمع،
والضمير للناس، وأما على بقية النسخ، فذكر الجملة للتبرك (أن يؤدوا) بصيغة
الجمع والضمير إلى الناس، وفي بعض النسخ المصرية: أن تؤدى ببناء
المجهول، والضمير إلى الصدقة (قبل العدو من يوم الفطر وبعده) أي بعد
الغدو، وتقدم الكلام على التعجيل.
واختلفوا في آخر الوقت والتأخير، وتقدم قريباً عن ((المغني)) كراهة التأخير
إلى بعد الصلاة، ثم قال: فإن أَشَّرها عن يوم العيد أثم ولزمه القضاء، وحكي
عن ابن سيرين والنخعي الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد، وروى محمد بن
يحيى الكخَّال قلت لأبي عبد الله: فإن أخرج الزكاة ولم يعطها؟ قال: نعم، إذا
أعدَّها لقوم، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، واتباع السنة أولى، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(٢): وتكره في باقي يوم العيد بعد الصلاة،
(١) (٢٠٧/٢).
(٢) (٣٩١/١).
٣١٠
-1- --

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٩) باب
(٦٩١) حديث
ويقضيها بعد يومه ويكون آئماً بتأخيرها عنه لمخالفته أمره عليه الصلاة والسلام
بقوله: ((أغنوهم في هذا اليوم))، رواه الدارقطني، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع)) (١) وهامشه: وقت الكراهة تأخيرها عن صلاته إلا
لعذر من انتظار قريب أو أحوج، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذر كغيبة
ماله أو المستحقين، فلو أَخَّرها بلا عذر عصى، وصارت قضاءً، فيقضيها
وجوباً فوراً، انتهى.
قال الباجي(٢): قول مالك: وذلك واسع، يريد أنه لا يفيد الإخراج
والأداء بالغدو إلى المصلى، لأن وقت الأداء واسع، وإن كان وقت الوجوب
قد انقضی، انتھی.
وفي ((الشرح الكبير))(٣): لا تسقط الفطرة بمضي زمانها لترتبها في الذمة
كغيرها من الفرائض، وأثم إن أخّرها عن يوم الفطر مع القدرة، وفي ((الدر
المختار)): تجب موسعاً في العمر عند أصحابنا، وهو الصحيح (بحر)) عن
((البدائع))، وقيل: مضيّقاً في يوم الفطر عيناً، فبعده يكون قضاء، واختاره
الكمال في ((تحريره)) ورجحه في ((تنوير البصائر)). قال ابن عابدين: قوله: هو
الصحيح، لما عليه المتون بقولهم، وصح لو قدّم أو أخّر، ففي أي وقت أدى
كان مؤدياً لا قاضياً، انتهى.
وبسط في ((شرح الإحياء)) أقوال مَنْ منع تأخيرها من الحنفية، وفي
(البدائع)) (٤): أما وقت أدائها فجميع العمر عند عامة أصحابنا، ولا تسقط
(١) (٣٥١/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٩١/٢).
(٣) (٥٠٨/١).
(٤) (٢٠٧/٢).
٣١١

١٩ - كتاب الزكاة
(٣٠) باب
(٦٩٢) حديث
(٣٠) باب من لا تجب عليه زكاة الفطر
٥٦/٦٩٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي
عَبِیدِ عَبِيدِهِ،
بالتأخير عن يوم الفطر، وقال الحسن بن زياد: إذا لم يؤدها حتى مضى اليوم
سقطت، وجه قول الحسن أن هذا حق معروف بيوم الفطر، فيختص أداؤه به
كالأضحية، ووجه قول العامة أن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت، فيجب في
مطلق الوقت غير عين، وإنما يتعين بتعيينه فعلاً أو بآخر العمر، كالأمر بالزكاة
والعشر والكفارات وغير ذلك، وفي أي وقت أدى كان مؤدياً لا قاضياً، كما
في سائر الواجبات الموسعة، غير أن المستحب أن يخرج قبل الخروج إلى
المصلى، انتهى.
ومال الشيخ ابن القيم (١) إلى أنها تفوت بالفراغ من الصلاة كما لا تصح
الأضحية قبل الصلاة، وحكى الشوكاني(٢) عن ابن رسلان الاتفاق على حرمة
تأخيرها عن يوم العيد.
(٣٠) من لا تجب عليه زكاة الفطر
قال الزرقاني (٣): هذه الترجمة مفهوم الترجمة الأولى أتى بها وبمدخولها
زيادةً في البيان، للنص على أعيان المسائل.
٥٦/٦٩٢ - (قال مالك: ليس على الرجل في عبيد عبيده) هكذا في
النسخ المصرية، وفي الهندية: في عبيده، والصواب الأول؛ لأن الصدقة واجبة
على عبيده على الخلاف بينهم في تقييد المسلم وغيره، وأما عبيد العبيد فليس
(١) ((زاد المعاد)) (٢١/٢).
(٢) ((نيل الأوطار)) (١٤٩/٣).
(٣) (١٥٢/٢).
٣١٢
...

١٩ - كتاب الزكاة
(٣٠) باب
(٦٩٢) حديث
٠٠
عليه صدقة عند مالك؛ لأنه لا يمونهم إذ نفقتهم على سيدهم كما قاله في
((المدونة))، قاله الزرقاني.
وقال الباجي(١): ليس عليه صدقة؛ لأن عبيد عبيده ليسوا في ملكه، وإنما
يكونون في ملكه بعد أن ينتزعهم بدليل أنه لو أعتق عبيده لم يعتقوا بعتقهم،
ولكانوا ملكاً لهم إلا أن يستثنيهم، ولا تجب عليه نفقتهم، فلا زكاة عليه فيهم،
انتھی .
قال العيني في ((شرح البخاري))(٢): وتجب ــ أي عندنا - عن عبيد العبيد،
وبه قال الشافعي، وقال مالك(٣): لا شيء فيهم، انتهى.
وفي ((البدائع))(٤): أما عبد عبده المأذون، فإن كان على المولى دين فلا
يخرج في قول أبي حنيفة، لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون،
وعندهما يخرج لأنه يملكه، وإن لم يكن عليه دين فلا يخرج بلا خلاف بين
أصحابنا؛ لأنه عبد التجارة ولا فطرة في عبد التجارة عندنا، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)): قال أصحابنا: لا يجب على عبيد العبد إن كانوا
للتجارة، وإن كانوا للخدمة يجب إن لم يكن على العبيد دين مستغرق، فإن كان
عليهم دين مستغرق لا يجب عند أبي حنيفة، وعندهما يجب بناء على أن
المولى هل يملك كسب عبده إن كان عليه دين أم لا؟، انتهى.
وقال الموفق(٥): أما عبيد عبيده، فإن قلنا: إن العبد لا يملكهم بالتمليك
(١) ((المنتقى)) (١٩١/٢).
(٢) (عمدة القاري)) (٥٩٠/٦).
(٣) قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه ليس على السيد زكاة الفطر في عبيد
عبيده، كما أنه ليس عليه أن يُزِّي عما بيد عبده من المال. ((الاستذكار)) (٣٦٩/٩).
(٤) (٢/ ٢٠٠).
(٥) ((المغني)) (٣٠٥/٤).
٣١٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٣٠) باب
(٦٩٢) حديث
وَلَا فِي أَجِيرِهِ، وَلا فِي رَقِيقِ امْرَأَتِهِ، زَكَاةٌ،
فالفطرة على السيد، لأنهم ملكه، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وقول أبي الزناد،
ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وإن قلنا: يملك بالتمليك، فقد قيل: لا
تجب فطرتهم على أحد، لأن السيد لا يملكهم، وملك العبد ناقص، والصحيح
وجوب فطرتهم، لأن فطرتهم تتبع النفقة، ونفقتهم واجبة فكذلك فطرتهم، ولا
يعتبر في وجودها كمال الملك، انتهى.
(ولا في أجيره) أي من استأجره للخدمة ونحوها ولو استأجره بأكله، قال
الباجي: ولا فطرة عليه في أجيره وإن التزم نفقته، لأن نفقة الأجير ليست
بلازمة بالشرع، وإنما هي إجارة تشترط في العقد كما تشترط الزيادة من
الإجارة وجنسها .
:
(ولا في رقيق امرأته زكاة) بالرفع اسم ليس، قال الباجي(١): وعلى الزوج
أن ينفق على خادمها، وذلك أن المرأة لا تخلو أن تكون ممن يخدم نفسها أو
ممن لا تخدم نفسها، فإن كانت ممن يخدم نفسها فليس عليه إخدامها، وإن
كان لها خادم فنفقتها عليها، وكذلك فطرتها، وإن كانت ممن لا تخدم نفسها
فهو مُخَيَّر بين ثلاثة أحوال: أن يُكْرِيَ لها من يخدمها، أو يشتري لها خادماً
يشغلها بخدمتها، أو ينفق على خادمها، وقيل: إنه مُخَيَّر بين أربعة أشياء ثلاثة
تقدمت .
والرابع: أن يخدمها بنفسه، فإن اختار النفقة على خادمها كان عليه أن
يؤدي عنها زكاة الفطر؛ لأنها تابعة للنفقة بالشرع، وكذلك إن كانت ممن يخدم
بأكثر من خادم واحد، انتهى.
وقال الأبي(٢) على المشهور: يخرجها عن خادمها، وفي وجوبها (٣) على
(١) ((المنتقى)) (٢ /١٨٤).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (١١٨/٣).
(٣) كذا في الأصل، والمعنى ظاهر (ز)).
٣١٤

١٩ - كتاب الزكاة
(٣٠) باب
(٦٩٢) حديث
إلا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَخْدُمُهُ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ .
أكثر من خادم إلى خمس إن اقتضاه شرفها، ثالثها عن خادمين فقط، انتهى.
قال الموفق(١): فإن كان لامرأته من يخدمها بأجرة، فليس على الزوج
فطرته، لأن الواجب الأجر دون النفقة، وإن كان لها نظرتَ، فإن كانت ممن
لا يجب لها خادم، فليس عليه نفقة خادمها ولا فطرته، وإن كانت ممن يُخْدَمُ
مثلُها، فعلى الزوج أن يُخْدِمها، ثم هو مُخَيَّر بين أن يشتري لها خادماً، أو
يستأجر، أو ينفق على خادمها، فإن اشترى لها خادماً، أو اختار الإنفاق على
خادمها، فعليه فطرته، وإن استأجر لها خادماً، فليس عليه نفقته ولا فطرته،
سواء شرط عليه مؤونته أو لم يشرط، لأن المؤونة إذا كانت أجرة فهي من مال
المستأجر، وإن تبرع بالإنفاق على من لا تلزمه نفقته، فحكمه حكم من تبرع
بالإنفاق على أجنبي، انتهى.
(إلا من كان منهم) أي من عبيد العبيد (يخدمه) أي الرجل (ولا بد له منه
فتجب عليه) صدقة فطره.
قال الباجي(٢): وأما الإخدام فعلى ضربين؛ أحدهما: أن يكون مرجع
الرقبة بعد الخدمة إلى ملك، والثاني: أن يرجع إلى حرية، فإن كان رجوعها
إلى رق، فاختلف أصحابنا في ذلك. فقال ابن القاسم وابن عبد الحكم: النفقة
وزكاة الفطر على من له الخدمة، وقال أشهب، ورجع إليه ابن القاسم: النفقة
على من له الخدمة، والزكاة على من له الرقبة.
وقال ابن الماجشون: إن كانت الخدمة تطول، فالنفقة والفطرة على من
له الخدمة، وإن كانت قصيرة كالوجائب والإجارة، فالنفقة والفطرة على من له
الرقبة، وقال سحنون: طالت مدة الخدمة أو قصرت، النفقة والفطرة على من
(١) ((المغني)) (٣٠٢/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٤/٢).
٠
٣١٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٣٠) باب
(٦٩٢) حديث
وَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي أَحَدٍ مِنْ رَقِيقِه الْكَافِرِ، مَا لَمْ يُسْلِمْ،
لِتِجَارَةِ كَانُوا، أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةِ.
له مرجع الرقبة، ثم ذكر وجوه هذه الأقاويل، ثم قال: وإن كان العبد يرجع
إلى حرية، فقال مالك: نفقته وفطرته على من له الخدمة، ووجه ذلك أنه
محبوس في الرق بسببه دون غيره، فأشبه العبد الذي يملك رقبته، انتهى.
(قال مالك: وليس عليه زكاة في أحد من رقيقه) زاد في النسخ المصرية
بعد ذلك لفظ: ((الكافر)) صفة لرقيقه ولا حاجة إليه؛ لقوله (ما لم يسلم) أي ما
دام لم يسلم سواء (لتجارة كانوا، أو لغير تجارة) فإذا أسلموا وجب عليه
فطرتهم مطلقاً، سواء كانوا للتجارة أو لا، وعند الحنفية: ليس عليه صدقة
الفطر عن عبيد التجارة مطلقاً، وتجب عن عبيد الخدمة مطلقاً، سواء كانوا
مسلمين أو كافرين، لأن الذي يجب عليه وهو المولى مسلم، وتقدم الكلام
على ذلك مبسوطاً، أعاده المصنف لمناسبة الباب.
(كمل كتاب الزكاة) وشرحه (بحمد اللَّه) عز وجل (وعونه) وحسن توفيقه،
فله الحمد والمنة، وليست هذه العبارة من قوله: ((كمل ... )) إلى آخرها، إلا
في النسخ الهندية، والله أعلم وعلمه أتم، وأسأله العون على التمام خالصاً
لوجهه الكريم.
٢٧ ذو القعدة سنة ألف وثلاث مائة وخمسين هجرية سنة ١٣٥٠ هـ يوم
الثلاثاء .
٣١٦

٢٠ - كتاب الحج
بسم الله الرحمن الرحيم
(٢٠) كتاب الحج
(٢٠) كتاب الحج
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا بتقديم الكتاب على التسمية،
وتقديم الحج على الكتب الآتية، قال الزرقاني(١): ختم الإمام - رحمه الله
تعالى - بخامس أركان الإسلام على الموجود في النسخ الصحيحة المقروءة،
وإن كان يوجد في كثير من النسخ تقديم الأيمان والنذور وكتاب الجهاد على
الحج، فإنه لا يظهر له وجهٌ ولا مناسبة ولا حسنُ تصنيف، وإن أمكن أن
يتعسف توجيهه لذلك بأن الأيمان والنذور تعلقاً ما بالصيام، من جهة أنه قد
يحلف به أو ينذره، فألحقهما به، وللجهاد به نوعُ تعلقٍ من جهة أن الصيام
جهادٌ للنفس على ترك شهواتها، كما أن في جهاد الكفار ذلك، إذ هي لا
ترضى بالتعب لا سيما المؤدي للعطب، انتهى.
ونقدم ههنا أيضاً عدة أبحاث مفيدة كدأبنا في هذا الكتاب.
الأول: في نعته، قال الموفق (٢): هو في اللغة: القصد، وعن الخليل:
الحج كثرة القصد إلى من تُعَظّمه، انتهى. قال القاري(٣): الحج بالفتح والكسر
كما قرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ﴾(٤) في السبعة، لغةً
القصد، وقيل: القصد إلى ما يعظم، وقيل: مرة بعد أخرى، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٢/٢).
(٢) ((المغني)) (٥/٥).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٢/٥).
(٤) سورة آل عمران، الآية ٩٧.
٣١٧

٢٠ - كتاب الحج
وقال الحافظ (١): نقل الطبري أن الكسر لغةُ أهلِ نجدٍ، والفتح لغيرهم،
ونقل الحسين الجعفي أن الفتح اسم، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه،
انتھی .
قال الزجاج: يقرأ بالفتح والكسر والأصل الفتح، وقال العيني(٢): قرئ
بهما وأكثرهم على الفتح، وفي ((أمالي الهجري)): أكثر العرب يكسرون الحاء
فقط، وقال ابن السكيت: بالفتح القصد، وبالكسر القوم الحجاج. والحجة
بالفتح الفعلة من الحج، وبكسر الحاء التلبية والإجابة، انتهى.
وقال ابن رشد في ((مقدماته))(٣): الحج في اللغة القصد مرة بعد أخرى،
وقيل للحاج حاج؛ لأنه يأتي البيت أول قدومه، فيطوف به قبل يوم عرفة، ثم
يعود إليه بعده لطواف الإفاضة، ثم يعود إلى منى، ثم يعود إليه ثالثة لطواف
الصدر، فلتكرار العودة إليه مرة بعد أخرى، يقال له: حاج، انتهى.
وقال قطرب: الحج الحلق، يقال: احجج شجتك، وذلك أن يقطع
الشعر من نواحي الشجة ليدخل الحجاج في الشجة، فيكون المعنى حج فلان
أي حلق، قال القفّال: وهذا محتمل؛ لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن
شَآءَ اللَّهُ عَامِينَ تُحِلْقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾(٤) أي حجاجاً وعماراً، قاله الرازي
في ((الكبير)).
والثاني: في تعريفه شرعاً، واقتفينا في ذلك فروع الأئمة الأربعة، ففي
((الشرح الكبير))(٥): هو شرعاً، وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة، وطواف
(١) ((فتح الباري)) (٣٧٨/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤/٧).
(٣) (١/ ٤٠٢).
(٤) سورة الفتح: الآية ٢٧.
(٥) (٢/٢).
٣١٨

٢٠ - كتاب الحج
بالبيت سبعاً، وسعي بين الصفا والمروة، كذلك على وجه مخصوص بإحرام،
وفي ((مقدمات ابن رشد)): هو قصد البيت على صفةٍ ما في وقتٍ ما تقترن به
أفعال ما، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (١): هو شرعاً زيارة مكان مخصوص في زمن
مخصوص بفعل مخصوص، انتهى. وقال شارح (الإقناع))(٢): هو قصد الكعبة
للنسك الآتي بيانه، زاد البجيرمي: أي مع أفعال الحج ((ع ش))، فاندفع ما
يقال: إن كلامه يقتضي أن الحج الشرعي قصد الكعبة للنسك، وإن لم يأت
القاصد بالأركان، انتهى. وقال الموفق: هو في الشرع اسم لأفعال مخصوصة،
انتهى. وفي ((الروض المربع)) (٣): قصد مكة لعمل مخصوص في زمن
مخصوص، انتهى .
والثالث: في سببه، قال العيني: وسببه البيت، لأنه يضاف إليه، ولذا لا
يجب في العمر إلا مرة واحدة لعدم تكرار السبب، انتهى. قال الحافظ (٤):
أجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر، انتهى. وفي ((شرح الإقناع)»(٥):
وكالقضاء عند إفساد التطوع، وأما حديث البيهقي الآمر بالحج في كل خمسة
أعوام فمحمول على الندب، اهـ.
قال السيوطي في ((الدر)): أخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) وابن أبي
شيبة في ((مسنده)) وأبو يعلى والبيهقي عن أبي سعيد الخدري(٦) قال: قال
(١) (٥١٦/٣).
(٢) (٤١٩/٢).
(٣) (٤٥٣/١).
(٤) (فتح الباري)) (٣٧٨/٣).
(٥) انظر: (٤٢٣/٢).
(٦) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٠٦/٣).
٣١٩

٢٠ - كتاب الحج
رسول الله وَله: ((يقول الله تبارك وتعالى إن عبداً صححت له جسمه وأوسعت
له في رزقه، يأتي عليه خمس سنين لا يفد إليّ لمحروم)»، انتهى. ثم أخرج
برواية أبي يعلى عن خباب بن الأرت مرفوعاً بمعناه، قلت: ودليل الندب
حديث الأقرع بن حابس المشهور قال وَر: (بل مرة واحدة فمن زاد فهو تطوع))
أخرجه أبو داود ومسلم وغيرهما .
والرابع: اختلفوا هل هو على الفور أو التراخي؟ ذكر في ((شرح الإحياء):
ممن قال: إنه على التراخي، الشافعي والثوري والأوزاعي. وممن قال: على
الفور، مالك وأحمد. واختلف فيه عند أصحابنا، قال أبو يوسف: هو في أول
أوقات الإمكان، فمن أخّره عن العام الأول أثم، وهو أصح الروايتين عن أبي
حنيفة، كما في ((المحيط))، و ((الخانية))، و((شرح المجمع))، وفي ((القنية)): إنه
المختار، قال القدوري: وهو قول مشايخنا، وبالتراخي قال محمد، لكن جوازه
مشروط بأن لا يفوته، حتى لو مات ولم يحج أثم عنده أيضاً .
ووقت الحج عند الأصوليين يسمى مشكلاً لوجهين: الوجه الأول: أنه
يشبه المعيار؛ لأنه لا يصح في عام واحد إلا حج واحد، ويشبه الظرف؛ لأن
أفعاله لا تستغرق أوقاته. والوجه الثاني: أن أبا يوسف لما قال: بتعيين أشهر
الحج من العام الأول جعله كالمعيار، ومحمد لما قاله: بعدمه جعله كالظرف
ولم يجزم كلٌّ منهما بما قال، فإن أبا يوسف لو جزم بكونه معياراً، لقال: من
أخّره عن العام الأول يكون قضاءً لا أداءً مع أنه لا يقول به، بل يقول: إنه
يكون أداء.
ويقال: إن التطوع في العام الأول لا يجوز مع أنه لا يقول به، بل
يقول: إنه يجوز، وأن محمداً لو جزم بكونه ظرفاً لقال: إن من أخّره عن العام
الأول لا يأثم أصلاً، أي لا في مدة حياته، ولا في آخر عمره، مع أنه لا
يقول به، بل يقول: إن من مات ولم يحج أثم في آخر عمره، فحصل
٣٢٠