Indexed OCR Text

Pages 221-240

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
الكفر ممن كان من أهل القتال، فمتى أسلم سقط عنه بالإسلام المجازاة على
الكفر، إذ غير جائز عقاب التائب في حال المهلة وبقاء التكليف، ولهذا
الاعتبار أسقطها أصحابنا بالموت.
وقد روى المسعودي عن محمد بن عبد الله الثقفي: أن دهقاناً أسلم فقام
إلى علي - رضي الله عنه - فقال له علي - رضي الله عنه -: ((أما أنت فلا جزية
عليك، وأما أرضك فلنا))، وروي عن محمد قال: أسلم رجل فأخذ بالخراج،
وقيل له: إنك متعوذ بالإسلام، فقال: إن في الإسلام لمعاذاً إن فعلت، فقال
عمر - رضي الله عنه -: ((أجل، والله إن في الإسلام معاذاً إن فعل)) فرفع عنه
الجزية، وروى حماد بن سلمة عن حميد قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من
شهد شهادتنا، واستقبل قبلتنا، واختتن، فلا تأخذوا منه الجزية، فلم يفرق
هؤلاء السلف بين الجزية الواجبة قبل الإسلام، وبين حاله بعد الإسلام في
نفيها عن كل مسلم.
وقد كان آل مروان يأخذون الجزية عمن أسلم من أهل الذمة إلى أن ولي
عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى عامله بالعراق عبد الحميد بن عبد الرحمن: أما
بعد، فإن الله تعالى بعث محمداً ﴿﴿ل داعياً ولم يبعثه جابياً، فإذا أتاك كتابي هذا
فارفع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة. إلى آخر ما قاله الجصاص.
وفي ((الزيلعي)) (١): قال ابن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث عن
محمد بن قيس عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي عن عمر وعلي قالا: إذا
أسلم وله أرض وضعنا عنه الجزية، وأخذنا خراجها، انتهى. وهذا نص في
الباب .
وفي ((الجوهر النقي)): ذكر صاحب ((الاستذكار)) (٢) عن الشافعي قال: إذا
(١) ((نصب الراية)) (٤٤٢/٣).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣١١/٩).
٢٢١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
أسلم في بعض السنة أخذت منه بحسابه، وحكى عن مالك وأبي حنيفة
وأصحابه وابن حنبل أنه يسقط ما مضى قال: وهو الصواب لعموم قوله وَلَّى:
(ليس على المسلم جزية))، وقول عمر - رضي الله عنه -: ((ضعوا الجزية عمن
أسلم))، ولا يوضع إلا ما مضى، والحديث ذكره البيهقي(١) في هذا الباب،
وذكر فيه أن رجلاً أسلم فكتب إليه عمر - رضي الله عنه -: أن لا تؤخذ منه
الجزية، انتهى.
وقال ابن العربي (٢): فإذا تقررت الجزية على الكافر، ثم أسلم، قال
الشافعي: يُغَرِّمُها لأنها حق وجب في الذمة، وقال مالك وأبو حنيفة: يسقط ما
وجب منها بنفس الإسلام، واعتمد الشافعي على أنه عوض عن سكنى الدار،
واعتمد الحنفيون على أنها عوض عن إباحة الدم، واعتمد العراقيون منهم على
أنها وجبت عقوبة، والإسلام قد عصم الدم، وأسقط العقوبة، ومذهب مالك
قريب من هذا، ولكنه أصرح منه، فإنه قال: إنما وجبت صغاراً لهم، والمسلم
لا صغار عليه، فقد سقط شرط الأداء فسقطت في نفسها، انتهى.
(مسألة) إذا ثبتت الجزية على الذي سقطت بموته، وبه قال أبو حنيفة،
وقال الشافعي: لا تسقط بموته، ودليلنا أن هذه عقوبة، فوجب أن تسقط
بالموت كالحدود، قاله الباجي.
وقال الرازي في ((تفسيره)): تسقط الجزية بالإسلام والموت عند أبي
حنيفة - رضي الله عنه -، وعند الشافعي - رضي الله عنه -: لا تسقط.
وقال الموفق(٣): إن مات الذمي بعد الحول لم تسقط الجزية عنه في
(١) ((السنن الكبرى)) (١٩٩/٩).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٢٣/٣).
(٣) ((المغني)) (٢٢٢/١٣).
٢٢٢
--
-----
..- **

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: مَضَتِ السُّنَةُ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتاب،
وَلا عَلَى صِبْيَانِهِمْ.
٠٠
ظاهر كلام أحمد، ذكره أحمد وهو مذهب الشافعي، وحكى أبو الخطاب عن
القاضي: أنها تسقط بالموت، وهو قول أبي حنيفة، ورواه أبو عبيد عن عمر بن
عبد العزيز، ولأنها عقوبة، فتسقط بالموت كالحدود، ولأنها تسقط بالإسلام،
فتسقط بالموت كما قبل الحول، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(١): قال القفال: اختلف قول الشافعي في أن الجزية
تجب بالعقد، وتستقر بانقضاء الحول، أو تجب بانقضائه، وبنى عليهما إذا
مات في أثناء الحول هل تسقط؟ فإن قلنا بالعقد لم تسقط وإلا سقط، انتهى.
وقال في موضع آخر: ولو أسلم ذمي، أو نبذ العهد، أو مات بعد سنين،
وله وارث مستغرق أخذت جزيتهن منه في الأوليين، ومن تركته في الثالثة مقدمة
على حق الورثة كالخراج وسائر الديون، أما إذا لم يخلف وارثاً، فتركته فيء أو
أسلم أو نبذ العهد أو مات في خلال سنة فقسط لما مضى كالأجرة، انتهى. وفي
((هامشه)»: قوله: فقُسِّط بناء على وجوبها بالعقد وهو المعتمد، انتهى.
(قال مالك: مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب، ولا على
صبيانهم) لقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَّوْمِ الْآَخِ﴾(٢)
الآية، والنساء والصبيان لا يقاتلون.
قال ابن رشد (٣): اتفقوا على أنها إنما تجب بثلاثة أوصاف: الذكورية،
والبلوغ، والحرية، وأنها لا تجب على النساء ولا على الصبيان إذ كانت إنما
هي عوض من القتل، والقتل إنما هو متوجه بالأمر نحو الرجال البالغين، إذ قد
(١) (٢٧٩/٤).
(٢) سورة التوبة: الآية ٢٩.
(٣) (بداية المجتهد)) (٤٠٤/٢).
٢٢٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
وَأَنَّ الْجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ إِلا مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا الْحُلُمَ.
نهى عن قتل النساء والصبيان، وكذلك أجمعوا أنها لا تجب على العبيد، انتهى.
قال الموفق(١): لا جزية على صبي ولا زائلِ العقلِ ولا امرأةٍ، لا نعلم
بين أهل العلم خلافاً في هذا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي
وأبو ثور، وقال ابن المنذر: لا أعلم عن غيرهم خلافهم، وقد دل على صحة
هذا أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد: وأن اضربوا الجزية،
ولا تضربوها على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه
المواسي، رواه سعيد وأبو عبيد والأثرم، وقول النبي ولار لمعاذ: ((خذ من كل
حالم ديناراً)) دليل على أنها لا تجب على غير بالغ، ولأنها تؤخذ لحقن الدم،
وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها، انتهى.
(وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم) أي البلوغ،
لما تقدم أنها لا تؤخذ من الصبيان، وقد روي عن معاذ بن جبل - رضي الله
عنه - قال: بعثني رسول الله وَ﴾ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم
ديناراً، وشرطوا في ذلك الحرية أيضاً، ففي ((شرح الإقناع)) (٢): والثالثة من
الشرائط: الحرية، فلا يصح عقدها مع الرقيق.
وتقدم عن ابن رشد أن الأوصاف الثلاثة: الذكورية، والبلوغ، والحرية،
شرط إجماعاً .
قال: واختلفوا في أصناف من هؤلاء، منها في المجنون والمقعد والشيخ
وأهل الصوامع والفقير هل يتبع بها ديناً متى أيسر أم لا؟ وكل هذه مسائل
اجتهادية ليس فيها توقيت شرعي، وسبب اختلافهم مبني على هل يقتلون أم
لا؟ أعني هؤلاء الأصناف، انتهى(٣).
(١) ((المغني)) (٢١٦/١٣).
(٢) (٢٧٦/٤).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٤٠٤/١).
٢٢٤

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الدِّمَّةِ، وَلا عَلَى الْمَجُوسِ
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): قال تعالى: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٢) الآية. فكان معقولاً من فحوى الآية
ومضمونها أن الجزية مأخوذة ممن كان منهم من أهل القتال ومن يمكنه أداؤه
من المحترفين، ولذلك قال أصحابنا: إن لم يكن من أهل القتال فلا جزية
عليه، فقالوا: من كان أعمى أو زمناً أو مفلوجاً أو شيخاً كبيراً فانياً، وهو
موسر فلا جزية عليه.
وفي ((شرح الإقناع))(٣): المذهب وجوبها على زمن وشيخ وهرم وأعمى
وراهب وأجير، لأنها كأجرة الدار، وعلى فقير عجز عن كسب، انتهى.
(مسألة) قال الباجي(٤): ولا جزية على الرُّهبان، وبه قال أبو حنيفة، وهو
أحد قولي الشافعي، وللشافعي قول آخر: إن عليهم الجزية، وهذا مبني على
أصلين، أحدهما: أن لا جزية على الفقير والراهب إنما ترك له من المال
اليسير، فهو من جملة الفداء(٥)، والثاني: أن الراهب لا يقتل وهو محقون الدم
من غير عقد، كالمرأة، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): لا تؤخذ الجزية من راهب بصومعته؛ لأنهم لا
يقتلون، فلا تجب عليهم الجزية، والراهب يؤخذ مما بيده ما يزيد على بلغته،
فلا يبقى في يده إلا بلغته فقط.
(قال مالك: وليس على أهل الذمة ولا على المجوس) ولا على غيرهم من
(١) (٩٦/٣).
(٢) سورة التوبة: الآية ٢٩.
(٣) (٢٧٨/٤).
(٤) ((المنتقى)) (١٧٦/٢).
(٥) كذا في الأصل، والظاهر ((الفقراء)»، انتهى. ز.
٢٢٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
فِي نَخِيلِهِمْ، وَلا كُرُومِهِمْ، وَلا زُرُوعِهِمْ، وَلا مَوَاشِيهِمْ صَدَقَةٌ. لأنَّ
الصَّدَقَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَظْهِيراً لَهُمْ وَرَدَّاً عَلَى فُقَرَائِهِمْ.
ووُضِعَتِ الْجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ صَغَاراً لَهُمْ. فَهُمْ، مَا كَانُوا
بِبَلَدِهِمْ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَيْهِ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيءٌ سِوَى الْجِزْيَةِ. فِي
شَيءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
الكفار (في نخيلهم، ولا كرومهم، ولا زروعهم، ولا مواشيهم صدقة)، يعني لا
صدقة على أهل الذمة مجوساً كانوا أو غيرهم، في شيء من الأموال التي
تؤخذ منها الصدقة، وهي العين والحرث والماشية، والدليل على ذلك ما احتج
به مالك بقوله: (لأن الصدقة إنما وضعت على المسلمين تطهيراً لهم) قال
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَّوَلِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾(١) الآية، وقال ◌َّ: ((إن الله لم يفرض
الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم)) رواه أبو داود والحاكم وصححه،
والكفرة ليسوا ممن يطهر إنما المشركون نجس.
(ورداً على فقرائهم) قال النبي وَلّ: ((تؤخذ من أغنيائهم فترد على
فقرائهم)) رواه البخاري وغيره، وفقراء الكفرة لم ترد عليهم؛ لأنهم ليسوا بمحل
للزكاة (ووضعت) ببناء المجهول (الجزية على أهل الكتاب صغاراً) أي إذلالاً
(لهم) قال تعالى: ﴿حَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾(٢). فإنما تؤخذ من
الكفرة على وجه الصغار والإذلال، فلما فارقت الزكاة هذه الأوصاف كلها
فارقتها في محل الوجوب، نعم لا يمنعون من التقلب في التجارات والتعرض
للمكاسب بالعمل والتجارة (فهم ما كانوا) أي ما داموا مقيمين (ببلدهم الذي
صالحوا عليه، ليس عليهم شيء سوى الجزية في شيء من أموالهم) .
قال أبو عمر: هذا إجماع، إلا أن من العلماء من رأى تضعيف الصدقة
(١) سورة التوبة: الآية ١٠٣.
(٢) سورة التوبة: الآية ٢٩.
٢٢٦
.----...

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
على بني تغلب دون جزية. قاله الثوري، وأبو حنيفة والشافعي وأحمد قالوا:
يؤخذ منهم مثلاً ما يؤخذ من المسلم، ففي الركاز الخمسان، وما فيه العشر
عشران، وما فيه ربع العشر نصف العشر، وكذلك من نسائهم، ولا شيء عن
مالك في بني تغلب وهم عند أصحابه وغيرهم من النصارى سواء، وقد عَمَّ الله
عز وجل أهل الكتاب في أخذ الجزية، فلا معنى لإخراج بني تغلب منهم، قاله
الزرقاني(١).
قال ابن رشد (٢): أما أهل الذمة فإن الأكثر على أن لا زكاة على
جميعهم، إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب، أعني
أن يؤخذ منهم مثلاً ما يؤخذ من المسلمين في كل شيء، وممن قال بهذا القول
الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري. وليس عن مالك في ذلك قول، وإنما
صار هؤلاء لهذا؛ لأنه ثبت أنه فعل عمر بن الخطاب بهم، وكأنهم رأوا أن
مثل هذا هو توقيف، ولكن الأصول تعارضه، انتهى.
قال القاري(٣): وتغلب بن وائل من العرب من ربيعة تنصَّرُوا في
الجاهلية، فلما جاء الإسلام زمن عمر - رضي الله عنه - دعاهم إلى الجزية،
فأبوا، وقالوا: نحن عرب، خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض الصدقة،
فقال: لا آخذ من مشرك صدقة، فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة:
يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس شديد، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا
تُعِنْ عليهم عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث عمر في
طلبهم، وضعف عليهم.
(١) (١٤٢/٢).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١ /٤٠٦).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٧٢/٨).
٢٢٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
فأجمع الصحابة على ذلك، ثم الفقهاء، ففي كل أربعين لهم شاتان ولا
زيادة حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، ففيها أربع شياه، وعلى هذا في البقر
والإبل، وفي رواية: قال عمر - رضي الله عنه -: هذه جزية سموها ما شئتم،
انتھی .
وهكذا قال الموفق في ((المغني))(١)، ثم قال بعد ذلك: فاستقر ذلك من
قول عمر - رضي الله عنه - ولم يخالفه أحد من الصحابة فصار إجماعاً، وقال
به الفقهاء بعد الصحابة، منهم ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة،
وأبو يوسف، والشافعي، ويروى عن عمر بن عبد العزيز، أنه أبى على نصارى
بني تغلب إلا الجزية، وقال: لا والله إلا الجزية، وإلا فقد آذنتكم بالحرب،
والحجة لهذا عموم الآية فيهم.
وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن
لي فيهم رأي، لأقتلن مقاتلتهم، ولأسبِيَنّ ذراريَّهم، فقد نقضوا العهد، وبرئت
منهم الذمة حين نصروا أولادهم، وذلك أن عمر - رضي الله عنه - صالحهم
على أن لا يُنَصِّرُوا أولادهم، والعمل على الأول لما ذكرنا من الإجماع. وأما
الآية فإن المأخوذ منهم الجزية باسم الصدقة، فإن الجزية يجوز أخذها من
العروض، انتهى.
وقال السرخسي: وبنو تغلب قوم من النصارى من العرب كانوا بقرب
الروم، فلما أراد عمر - رضي الله عنه - أن يُوَِّّفَ عليهم الجزية أبوا، فشاور
عمر - رضي الله عنه - في ذلك الصحابة، وكان الذي يسعى بينهم كردوس
التغلبي فقال: يا أمير المؤمنين صالحهم، فإنك إن تناجزتهم لم تطقهم،
فصالحهم عمر - رضي الله عنه - على أن يؤخذ منهم ضِعْفَ ما يؤخذ من
(١) (٢٢٤/١٣).
٢٢٨
------

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
٠٠٠٠
٠٠٠٠
المسلمين، ولم يتعرض لهذا الصلح بعده عثمان - رضي الله عنه - فلزم أول
الأمة وآخرها .
فإن قيل: أليس علياً - رضي الله عنه - أراد أن ينقض حين رآهم قَلُّوا
وذَلُّوا؟ قلنا: قد شاور الصحابة في ذلك، ثم اتفق معهم على أنه ليس لأحد أن
ينقض هذا الصلح، وذكر محمد - رحمه الله - في ((النوادر)): أن صلحهم في
الابتداء كان ضغطة، ولكن تأيد بالإجماع، وبقول رسول الله وَلا، أن ملكاً
ينطق على لسان عمر - رضي الله عنه - وقال: أينما دار عمر - رضي الله عنه -
يدور الحق معه، انتھی.
قال الموفق(١): فإن بذل التغلبي أداء الجزية، وتحط عنه الصدقة، لم
يقبل منه؛ لأن الصلح وقع على هذا فلا يغير، ويحتمل أن يقبل منه؛ لقوله
تعالى: ﴿حَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾، وهذا قد أعطى الجزية، وإن أراد الإمام نقض
صلحهم، وتجديد الجزية عليهم، كفعل عمر بن عبد العزيز، لم يكن له ذلك؛
لأن عقد الذمة على التأبيد. وقد عقده معهم عمر بن الخطاب، فلم يكن لغيره
نقضه، ما داموا على العهد، انتهى.
ثم قال السرخسي: وما أخذ من صدقات بني تغلب، يوضع موضع
الجزية؛ لأن عمر - رضي الله عنه - لما صالحهم قال: هذه الجزية فسموها ما
شئتم، ولأنه ليس بصدقة؛ لأن الصدقة اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل،
وهو ليس بأهل لهذا التقرب، انتهى.
وقال الشيخ في ((المسوى)): وفي ((الأنوار)): لو قال قوم: لا نؤدي
الجزية باسمها، ونؤدي باسم الصدقة، فللإمام إجابتهم إذا رأى ذلك، ويأخذ
منهم ضِعْفَ الصدقة، فمن خمس من الإبل شاتين ومن عشرين ديناراً ديناراً،
(١) («المغني)) (٢٢٦/١٣).
٢٢٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
إِلا أنْ يَتَّجِرُوا فِي بِلادِ الْمُسْلِمِينَ. وَيَخْتَلِفُوا فِيهَا. فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ
الْعُشْرُ فِيمَا يُدِيرُونَ مِنَ التَّجَارَاتِ. وَذُلِكَ أَنَّهُمْ، إِنَّما وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ
الْجِزْيَةُ، وَصَالَحُوا عَلَيْهَا، عَلَى أَنْ يُقَرُوا بِلادِهِمْ،
ثم المأخوذ حقيقة جزية مصرفه مصرفها، وظاهره أنه يؤخذ في كل سنة، سواء
باع السلعة فيها أو لا، وعليه الشافعي وأبو حنيفة، انتهى.
وقال الموفق(١): إن بني تغلب كانوا ذوي قوة وشوكة، لحقوا بالروم،
وخيف منهم الضرر إن لم يصالحوا، فإن وجد هذا في غيرهم، فامتنعوا من أداء
الجزية، وخيف الضرر بترك مصالحتهم، فرأى الإمام المصالحة على أداء الجزية
باسم الصدقة، جاز ذلك، إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم من الجزية أو
زيادةً. قال علي بن سعيد: سمعت أحمد يقول: أهل الكتاب ليس عليهم في
مواشيهم صدقة، ولا في أموالهم، إنما تؤخذ منهم الجزية، إلا أن يكونوا صولحوا
على أن تؤخذ منهم، كما صنع عمر - رضي الله عنه - في بني تغلب، انتهى.
(إلا أن يَتَجِرُوا في بلاد المسلمين) يعني لا شيء عليهم غير الجزية، ما
داموا في البلدان التي أقروا على المقام فيها، وما كان في حكمها من البلاد،
نعم إن خرجوا إلى بلاد الإسلام (ويختلفوا فيها) بتأنيث الضمير في النسخ
المصرية الراجع إلى بلاد المسلمين، وبتذكيره في النسخ الهندية الراجع إلى
التجارة، وفي ((المجمع)): يختلف إلى فلان أي يجيء ويذهب، انتهى.
(فيؤخذ منهم العشر) غير الجزية (فيما يديرون من) أموال (التجارات)
والأصل في ذلك فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بحضرة الصحابة
وموافقتهم، ولم يخالف عليه أحد فثبت أنه إجماع، قال الباجي: وظاهر هذا
الأثر أنهم يؤخذ منهم العشر فيما يديرون من أموال التجارة مطلقاً بلا تفريق بين
الحنطة والقطنية، وسيأتي في الباب الآتي التفريق بينهما، (وذلك أنهم إنما
وضعت عليهم الجزية، وصالحوا عليها على أن يقروا ببلادهم)
(١) ((المغني)) (٢٢٧/١٣).
٢٣٠

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٨١) حديث
ويُقَاتَلُ عَنْهُمْ عَذُوُّهُمْ. فَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مِنْ بِلَادِهِ إِلَى غَيْرِهَا يَنْجُرُ
إِلَيْهَا، فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ. مَنْ نَجَرَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، وَمِنْ
أَهْلِ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ الْيَمَنِ،
أَوْ مَا أَشْبَّهَ هذَا مِنَ الْبِلَادِ، فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ. وَلا صَدَقَةَ عَلَى أَهْلِ
الْكِتَابِ، وَلَا الْمَجُوسِ فِي شَيءٍ مِنْ أَمِّوَالِهِمْ وَلا مِنْ مَوَاشِيهِمْ وَلَا
ثِمَارِهِمْ وَلَا زُرُوعِهِمْ. مَضَتْ بِذْلِكَ السُّنَّةُ. وَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ
﴿ يَكُونُونَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِرَاراً
فِي بِلادِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِمْ كُلَّمَا اخْتَلَفُوا الْعُشْرُ.
(ويقاتل) ببناء المجهول (عنهم عدوهم) فليس عليهم غير الجزية ما داموا
فيها (فمن خرج منهم من بلاده) التي أقروا عليها (إلى غيرها) من البلاد (يتجر
إليها، فعليه العشر) أيضاً مثلاً (من تجر منهم من أهل مصر إلى الشام) أو عكسه
(ومن أهل الشام إلى العراق) أو عكسه (ومن أهل العراق) وغيرها (إلى المدينة،
أو اليمن، أو ما أشبه هذا من البلاد، فعليه العشر) أيضاً إذا أخرج ماله ببيع أو
شراء .
(ولا صدقة على أهل الكتاب) اليهود والنصارى (ولا المجوس) ولا غيرهم
من الكفار (في شيء) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك: (من أموالهم ولا)
وليست هذه الزيادة في النسخ الهندية (من مواشيهم ولا ثمارهم ولا زروعهم)
قال الزرقاني: أعاده لقوله: (مضت بذلك السنة) فلا تكرار فيه؛ لأنه ذكره أولاً
بتعليله ثم أخبر أن أصله السنة بياناً لدليله، انتهى. قلت: وتقدم الكلام على
هذه المسألة قريباً .
(ويقرون على دينهم ويكونون على ما كانوا عليه) بالشروط المعتبرة
المعلومة في الفروع (وإن اختلفوا في العام الواحد مراراً إلى بلاد المسلمين،
فعليهم كلما اختلفوا العشر) يعني أن عليهم في كل سفرة سافروها، فباعوا
واشتروا على مذهب ابن القاسم، أو وصلوا بمال على مذهب ابن حبيب، أن
٢٣١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٥) باب
(٦٨١) حدیث
لأَنَّ ذُلِكَ لَيْسَ مِمَّا صَالَحُوا عَلَيْهِ، وَلا مِمَّا شُرِطَ لَهُمْ. وَهَذا الَّذِي
أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِلَدِنَا .
(٢٥) باب عشور أهل الذمة
يؤخذ منهم عشر ذلك، قاله الباجي(١).
قال الزرقاني(٢): وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يؤخذ منهم في العام
الواحد إلا مرة واحدة. قلت: وتقدم الكلام عليه في زكاة العروض.
ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((الهداية)): إن مَرَّ الحربِيُّ على عاشر
فعشره، ثم مر مرة أخرى، لم يعشره حتى يحول الحول؛ لأن الأخذ في كل
مرة استئصال المال، وحق الأخذ لحفظه، ولأن حكم الأمان الأول باقٍ، وبعد
الحول يتجدد الأمان؛ لأنه لا يمكن من المقام إلا حولاً، والأخذ بعده لا
يستأصل المال، وإن عشره فرجع إلى دار الحرب، ثم خرج من يومه ذلك
عشره أيضاً؛ لأنه رجع بأمان جديد، وكذا الأخذ بعده لا يفضي إلى
الاستئصال، انتهى.
قال العيني في ((البناية)): وبه قال إسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، وعن
عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز: لا يكرر في السنة، انتهى. (لأن ذلك)
أي عدم التكرار (ليس مما صالحوا عليه ولا مما شرط لهم، وهذا الذي أدركت
عليه أهل العلم ببلدنا) وتقدم الخلاف وما ورد فيه من الآثار في زكاة العروض،
فارجع إليه .
(٢٥) عشور أهل الذمة
قال ابن رشد في ((البداية)) (٣): الجزية عندهم ثلاثة أصناف، جزية عنوية،
(١) ((المنتقى)) (١٧٨/٢).
(٢) (شرح الزرقاني)) (١٤٣/٢).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٤٠٥/١).
٢٣٢
----------

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٥) باب
٠٫٠٠٠٠٠
وهي التي تكلمنا فيها، أعني التي تفرض على الحربيين بعد غلبتهم، وجزية
صلحية، وهي التي يتبرعون بها ليكف عنهم، وأما الجزية الثالثة فهي العشرية،
وذلك أن جمهور العلماء على أنه ليس على أهل الذمة عشر، ولا زكاة أصلاً
في أموالهم، إلا ما روي عن طائفة منهم، أنهم ضاعفوا الصدقة على نصارى
بني تغلب .
واختلفوا هل يجب العشر عليهم في الأموال التي يتّجرون بها إلى بلاد
المسلمين بنفس التجارة أو الإذن، إن كانوا حربيين أم لا تجب إلا بالشرط؟
فرأى مالك وكثير من العلماء أن تجار أهل الذمة الذين لزمتهم بالإقرار في
بلدهم الجزية، يجب أن يؤخذ منهم ما يجلبونه من بلد إلى بلد العشر، إلا ما
يسوقون إلى المدينة خاصة، فيؤخذ منهم فيه نصف العشر، ووافقه أبو حنيفة في
وجوبه بالإذن في التجارة، أو بالتجارة نفسها، وخالفه في القدر، فقال:
الواجب عليهم نصف العشر، ومالك لم يشترط عليهم في العشر الواجب عنده
نصاباً ولا حولاً .
وأما أبو حنيفة فاشترط في وجوب نصف العشر عليهم الحول والنصاب
وهو نصاب المسلمين، وقال الشافعي: ليس يجب عليهم عشر أصلاً، ولا
نصف عشر في نفس التجارة، ولا في ذلك شيء محدود، إلا ما اصطلح عليه
أو اشترط، فعلى هذا تكون الجزية العشرية من نوع الجزية الصلحية، وعلى
مذهب مالك وأبي حنيفة تكون جنساً ثالثاً من الجزية غير الصلحية والتي على
الرقاب، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع)»(١): ولا يأذن له - أي الذمي - في دخوله الحجاز غير
حرم مكة، إلا لمصلحة لنا، كرسالة وتجارة فيها كبير حاجة، فإن لم يكن فيها
(١) (٤/ ٢٨٣).
٢٣٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٥) باب
كبير حاجة لم يأذن له، إلا بشرط أخذ شيء من متاعها، كالعشر، ولا يقيم بعد
الإذن إلا ثلاثة أيام، ولا يدخل حرم مكة ولو لمصلحة، لقوله تعالى: ﴿فَلَ
يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ والمراد جميع الحرم، والمعنى في ذلك أنهم أخرجوا
النبي ◌َّ، فعوقبوا بالمنع من دخوله بكل حال، فإن كان رسولاً خرج إليه
الإمام بنفسه أو نائبه ليسمعه، انتهى.
وفي ((حاشيته)): قوله: كالعشر أي أو نصفه بحسب اجتهاد الإمام، ولا
يؤخذ في كل سنة إلا مرة، ويجوز أن يؤخذ في كل مرة إن شرطوا ذلك عليه
ووافقوه.
وقال الموفق(١): من يجز من أهل الذمة إلى غير بلده، أخذ منه نصف العشر
في السنة، اشتهر هذا عن عمر - رضي الله عنه -، وصحت الرواية عنه به، وقال
الشافعي: ليس عليه إلا الجزية، إلا أن يدخل أرض الحجاز، فينظر في حاله، فإن
كان الرسالة، أو نقل مِيْرَة، أَذِنَ له بغير شيء، وإن كان لتجارة لا حاجة بأهل
الحجاز إليها، لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضاً بحسب ما يراه، والأولى أن
يشترط نصف العشر؛ لأن عمر - رضي الله عنه - شرط نصف العشر على من دخل
الحجاز من أهل الذمة، ولنا؛ قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس على المسلمين
عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى)) رواه أبو داود(٢).
وروى الإمام أحمد عن أنس بن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك إلى
العشور، فقلت: أتبعثني إلى العشور من بين عُمَّالك؟ قال: أما ترضى أن
أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب؟ أمرني أن آخذ من المسلمين رُبعَ
العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر، وهذا كان بالعراق.
(١) ((المغني)) (٢٢٩/١٣).
(٢) أخرجه أبو داود في: باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات، من كتاب
الخراج والفيء والإمارة (٣٠٤٦).
٢٣٤
.---------..

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٥) باب
.
وروى أبو عبيد في ((كتاب الأموال))(١) بإسناده عن لاحق بن حميد: أن
عمر - رضي الله عنه - بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة، فجعل على أهل
الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهماً درهماً، وفي حديث
زياد بن حدير: أن عمر - رضي الله عنه - أمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب
العشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر.
واشتهرت هذه القصص، ولم تُنْكَر فكانت إجماعاً، وعمل به الخلفاء
بعده، ولم يأت تخصيص الحجاز بنصف العشر في شيء من الأحاديث علمناه،
لا عن عمر - رضي الله عنه - ولا عن غيره من أصحاب النبي ◌َّ، بل ظاهر
أحاديثهم أن ذلك في غير الحجاز، وما وجب من المال في الحجاز وجب في
غيره، كالديون والصدقات، ولا تؤخذ منهم في السنة إلا مرة، نص عليه أحمد
في رواية جماعة من أصحابه.
وقال: كذا روي عن عمر - رضي الله عنه - حين كتب أن لا يأخذ في
السنة إلا مرة، وهذا قول الشافعي في الداخلين أرض الحجاز، انتهى.
ثم قال ابن رشد (٢): وسبب اختلافهم أنه لم يأت في ذلك عن
رسول الله 18 سنة يرجع إليها، وإنما ثبت أن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - فعل ذلك بهم، فمن رأى أن فعل عمر - رضي الله عنه - هذا إنما فعله
بأمر كان عنده في ذلك من رسول الله وَ لا أوجب أن يكون ذلك سنتهم، ومن
رأى أن فعله هذا كان على وجه الشرط، إذ لو كان على غير ذلك لذكره،
قال: ذلك ليس بسنة لازمة لهم إلا بالشرط.
وحكى أبو عبيد في (كتاب الأموال)) عن رجل من أصحاب النبي وَلّ لا
أذكر اسمه الآن، أنه قيل له: لم كنتم تأخذون العشر من مشركي العرب؟
(١) (ص٦٨).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٤٠٦/١).
٢٣٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٥) باب
(٦٨٢) حديث
٤٦/٦٨٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ
سَالِمُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ
النَّبَطِ، مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ، نِصْفَ الْعُشْرِ. يُرِيدُ بِذْلِكَ أَنْ يَكْثُرَ
الْحَمْلُ إِلَى الْمَدِينَةِ.
فقال: لأنهم كانوا يأخذون منا العشر إذا دخلنا إليهم، قال الشافعي: وأقل ما
يجب أن يشارطوا عليه هو ما فرضه عمر - رضي الله عنه - وإن شورطوا على
أكثر فحسن، قال: وحكم الحربي إذا دخل بأمان حكم الذمي، انتهى.
٤٦/٦٨٢ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن
أبيه) عبد الله بن عمر (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (كان يأخذ من
النبط) بنون فموحدة مفتوحتين، قال الباجي(١): وهم كفار أهل الشام، عقد لهم
عقد الذمة، وفي ((لسان العرب)): النبيط والنبط كالحبيش والحبش، في
((التقدير)): جيل ينزلون السواد، وفي ((المحكم)): ينزلون سواد العراق، وهم
الأنباط، والنسب إليهم نبطي، وفي ((الصحاح)): ينزلون بالبطائح بين العراقين،
ويقال: إنما سُمُّوا نبطاً لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين.
وفي ((المجمع)): النبط بفتحتين، والنبيط، بفتح، فكسر فتحتية: قوم من
العرب دخلوا في العجم والروم واختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، وذلك
لمعرفتهم بإنباط الماء أي استخراجه لكثرة فلاحتهم، انتهى.
فكانوا يختلفون إلى المدينة بالحنطة والزبيب وغير ذلك من أقوات أهل
الشام، فكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخفّف عنهم في الحنطة
والزيت، فيأخذ منهم (من الحنطة والزيت) وفي نسخة: والزبيب بدل الزيت،
وصُوِّبَتْ (نصف العشر يريد بذلك) أي بالتخفيف عليهم (أن يكثر الحمل) أي
المحمول منهما (إلى المدينة) فترخص بذلك الحنطة والزيت بالمدينة، لأنهما
(١) ((المنتقى)) (١٧٨/٢).
٢٣٦

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٥) باب
(٦٨٢) حديث
ويَأْخُذُّ مِنَ الْقُطْنِيَّةِ الْعُشْرَ.
معظم القوت (ويأخذ) منهم (من القطنية) تقدم المراد منها فيما لا زكاة فيه من
الثمار (العشر) كاملاً على الأصل فيما اتّجروا، وذلك لأن غلاء القطاني لا
يكاد يضر بالناس ضرراً كثيراً.
قال الزرقاني (١): وبهذا قال مالك في رواية ابن عبد الحكم وغيره اتباعاً
العمر، وتقدم في الباب قبله أنه يؤخذ منهم العشر، ولم يستثن حنطة ولا زيتاً
بالمدينة ولا بمكة، انتهى.
وظاهر تبويب المصنف أنه حمله على أهل الذمة، وهو نص كلام الباجي
كما تقدم، وظاهر كلام الموفق(٢) أنه حمله على الحربي، إذ قال: إذا دخل
إلينا منهم تاجر حربي بأمان أخذ منه العشر، وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ منه
شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئاً، فنأخذ منهم مثله، لما روي عن أبي مجلز
قال: قالوا لعمر: كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال: كيف
يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم؟ قالوا: العشر، قال: فكذلك خذوا منهم.
ولنا ما رويناه أن عمر - رضي الله عنه - أخذ منهم العشر، واشتهر ذلك
فيما بين الصحابة، وعمل به الخلفاء الراشدون بعده، ويؤخذ منهم العشر من
كل مال للتجارة في ظاهر كلام الخرقي.
وقال القاضي: إذا دخلوا في نقل ميرة بالناس إليها حاجة، أذن لهم في
الدخول بغير عشر يؤخذ منهم، وهذا قول الشافعي، لأن دخولهم نفع
للمسلمين، ولنا، عموم ما رويناه، وروى صالح عن أبيه عن عبد الرحمن بن
مهدي عن مالك فذكر أثر الباب، ثم قال: وهذا يدل على أنه يخفف عنهم إذا
رأى المصلحة فيه، وله الترك أيضاً إذا رأى المصلحة، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٣/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٣٣/١٣).
٢٣٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٥) باب
(٦٨٣) حديث
٦٨٣ /٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ
السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ غُلاماً عَامِلاً مَعَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ
عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ، فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،
فَكُنَّا نَأْخُذُ مِنَ النَّبَطِ الْعُشْرَ.
وقال محمد في ((موطئه))(١): ((باب العشر))، ثم قال بعد ذكر أثر الباب:
قال محمد: يؤخذ من أهل الذمة مما اختلفوا فيه للتجارة من قطنية أو غير
قطنية نصف العشر في كل سنة، ومن أهل الحرب إذا دخلوا أرض الإسلام
بأمان العشر من ذلك كله، وكذلك أمر عمر بن الخطاب زياد بن حدير وأنس بن
مالك حين بعثهما على عشور الكوفة والبصرة، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله
عنه -، انتهى. قلت: وتقدمت الآثار في ذلك في زكاة العروض.
٤٧/٦٨٣ - (مالك، عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد) الكندي (أنه
قال: كنت غلاماً) قال الباجي: هكذا رواه يحيى غلاماً يريد بذلك شاباً، ورواه
مطرف وأبو مصعب ((كنت عاملاً)) يريد أنه كان عاملاً على أخذ العشر من أهل
الذمة القادمين من سائر الآفاق، انتهى.
وعُلِم منه أن الصواب في رواية يحيى لفظ: ((غلاماً)) واختلفت نسخ
((الموطأ)) في ذلك، ففي بعضها غلاماً، وفي بعضها بدله عاملاً، وفي أكثر
المصرية(٢) جمعهما معاً بلفظ: ((غلاماً عاملاً)) والصواب الأول.
(مع عبد الله بن عتبة بن مسعود) الهذلي ابن أخي عبد الله بن مسعود
- رضي الله عنهم - (على سوق المدينة) أي على أخذ العشر من أهل الذمة
وغيرهم القادمين من الآفاق (في زمان عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (فكنا
نأخذ من النبط العشر) ظاهره العموم بلا تخصيص الحنطة والزيت، وأضاف
ذلك إلى زمان عمر - رضي الله عنه -، لأن ما كان يفعل فيه كان بمشورة
(١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٤٣/٢).
(٢) وكذا في نسخة ((الاستذكار)) (٣١٦/٩).
٢٣٨
---

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(٦٨٤ - ٦٨٥) حديث
٤٨/٦٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابِ: عَلَى
أَيِّ وَجْهٍ كَانَ يَأْخُذُّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنَ النَّبَطِ الْعُشْرَ؟ فَقَالَ ابْنُ
شِهَابٍ: كَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَلْزَمَهُمْ ذُلِكَ عُمَرُ.
(٢٦) باب اشتراء الصدقة والعود فيها
٤٩/٦٨٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
أَبيِهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَقُولُ:
مے
الصحابة غالباً، فإذا لم يثبت فيه خلاف، ولا ظهر، فهو إجماع وحجة يجب
المصير إليها، والعمل بها، قاله الباجي(١).
٤٨/٦٨٤ - (مالك، أنه سأل ابن شهاب) الزهري (على أي وجه) أي
طريق، وحجة (كان يأخذ عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (من النبط العشر؟
فقال ابن شهاب: كان ذلك يؤخذ منهم في الجاهلية) وهي ما قبل البعثة، وقيل:
ما قبل فتح مكة (فألزمهم ذلك عمر) - رضي الله عنه - والظاهر أنه توقيف
منه وَّ، ولو سُلِّمَ أنه كان باجتهاد منه، فكان بمحضر من الصحابة، ولم
يخالفه في ذلك أحد، فهو إجماع سكوتي، وتقدم في زكاة العروض مسلك
الحنفية ومستدلهم .
(٢٦) اشتراء الصدقة والعود فيها
٤٩/٦٨٥ - (مالك، عن زيد بن أسلم) العدوي (عن أبيه) أسلم مولى
عمر - رضي الله عنه - (أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب) الحديث أخرجه
الشيخان(٢) بعدة طرق، وذكر العيني(٣) الاختلاف في سنده (وهو يقول:
(١) ((المنتقى)) (١٧٨/٢).
(٢) أخرجه البخاري في ((الزكاة)) (١٤٩٠)، ((فتح الباري)) (٣٥٢/٣)، وأخرجه مسلم
(١٢٣٩/٣)، باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدّق عليه، من كتاب الهبات.
(٣) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٤٢).
٢٣٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(٦٨٥) حديث
حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
حملت) بتخفيف الميم أي أركبت رجلاً (على فرس) أي تصدّقت به ليقاتل
عليه. قال الحافظ: واسم هذا الفرس الورد، أهداه تميم الداري للنبي وَلّ،
فأعطاه عمر، فحمل عليه. أخرجه ابن سعد عن سهل بن سعد، ولم أقف على
اسم الرجل الذي حمله علیه، انتهى.
قال الزرقاني(١): ولا يعارضه ما رواه مسلم، ولم يسق لفظه، وساقه
أبو عوانة عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن عمر - رضي الله عنه - حمل
على فرس، فأعطاه وَلّ رجلاً، لأنه يحمل على أن عمر - رضي الله عنه - لما
أراد أن يتصدق به فوّض إليه و # اختيار من يتصدق به عليه أو استشاره فيمن
يحمله عليه، فأشار إليه، فنسبت إليه العطية كونه أمر بها، انتهى. ويحتمل أن
عمر - رضي الله عنه - وقفه فأعطاه وَلّ استعمالاً للوقف لمصرفه كما سيأتي
(عتيق) أي كريم سابق، واحد العتاق.
قال الباجي: العتاق من الخيل الكرام السابقة منها، وقال الزرقاني:
العتيق الفائق من كل شيء(٢)، انتهى.
(في سبيل الله) قال الباجي (٣): الحمل عليها في سبيل الله على وجهين؛
أحدهما: أن يعلم من فيه النجدة والفروسية فيهبه له، ويُمَلِّكه إياه لما يعلم من
نجدته ونكايته للعدو، فهذا يُمَلِّكه الموهوب له ويتصرف فيه بما يشاء من بيع
وغيره. والوجه الثاني: وهو الأظهر أن يكون دفعه إلى من يعلم من حاله
مواظبة الجهاد في سبيل الله على سبيل التحبيس له، فهذا ليس للموهوب له أن
یبیعه، انتھی.
(١) (١٤٤/٢).
(٢) قال أبو عمر: الفرس العتيق هو الفارِهُ. ((الاستذكار)) (٣٢٤/٩).
(٣) ((المنتقى)) (١٧٩/٢).
٢٤٠
-----