Indexed OCR Text
Pages 81-100
١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث ففي ((الروضة)): يجب على الإمام تعميم الأصناف والتسوية بينهم وإن تفاوتت حاجاتهم، إلا العامل فيعطى قدر أجرة عمله، انتهى. وهكذا في ((شرح الإقناع)) وغيره. قال الغزالي في ((الإحياء)) (١): العاملون هم السُّعاة، ولا يزاد واحد منهم على أجرة المثل، فإن فضل شيءٌ من الثمن عن أجر مثلهم رُدَّ على بقية الأصناف، وإن نقص كمل من مال المصالح، انتهى. وهكذا عند الحنابلة ففي ((نيل المآرب)): يعطى للجميع من الزكاة بقدر الحاجة إلا العامل فيعطى بقدر أجرته، وفي ((الشرح الكبير)): يعطى العامل وإن كان غنياً؛ لأنها أجرته فلا تنافي الغنى، وبدئ بالعامل ويدفع له جميعها إن کانت قدر عمله، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٢): ويعطى بقدر عمله ما يكفيه، وأعوانه بالوسط، لكن لا يزاد على نصف ما يقبضه. والبحث الثاني: بعدما علم من الاتفاق على أنه يعطى بقدر عمله اختلفوا فيما يؤخذ له من المال الذي جباه، وعلم مما سبق أنه لا يزاد على الثمن عند الشافعية، فلو احتيج يؤخذ من مال المصالح، ولا يزاد على النصف عند الحنفية، ويجوز إعطاء الكل أيضاً عند المالكية(٣). والبحث الثالث: بعد اتفاقهم على أنه يعطى ولو غنياً لعمالته، اختلفوا في العامل الهاشمي، قال الطحاوي: كان أبو يوسف يكره ذلك إذا كانت جعالته (١) ((إحياء علوم الدين)) (١/ ٢٢٢). (٢) (٣٣٧/٣). (٣) في ((الاستذكار)) (٢٠٤/٩): وليس للعامل على الصدقات فريضة مُسمَّاة إلا على قدر ما يرى الإمام. ٨١ ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث منها، وخالفه فيه آخرون فقالوا: لا بأس أن يجعل منها للهاشمي؛ لأنه يجعل على عمله، وذلك قد يحل للأغنياء، قال العيني: أراد الطحاوي بقوله: آخرون مالكاً والشافعي في قول وأحمد في رواية ومحمد بن الحسن، فإنهم قالوا: لا بأس أن يكون العامل هاشمياً، ويأخذ عمالته منها؛ لأن ذلك على عمله، انتهى. 1 قلت: والمرجح عند الجمهور هو الأول، ففي ((الدر المختار)) (١): يعطى عامل ولو غنياً لا هاشمياً، وكذا استثني الهاشمي من العامل في ((الشرح الكبير)) وفي ((حاشية شرح الإقناع)) (٢)، ويشترط فيه أن لا يكون هاشمياً ولا مطلبياً ولا مولى لهما، وكذلك قُيّد في ((نيل المآرب)) وغيره العامل بغير ذوي القربى، وفي ((شرح الإحياء)): المعتمد عند أحمد عدم صحة تولية الهاشمي، واختاره ابن الكمال في ((إصلاح الإيضاح))، انتهى. وفي ((المغني))(٣): ظاهر قول الخرقي أن ذوي القربى يُمْنَعون الصدقة وإن كانوا عاملين، وذكر في باب قسم الفيء والصدقة ما يدل على إباحة الأخذ لهم عِمالة، وهو قول أكثر أصحابنا؛ لأن ما يأخذونه أجرٌ، فجاز لهم أخذه، ولنا، حديث أبي رافع، وما روى مسلم أنه اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب، الحديث، سيأتي بيانه. وفي ((شرح الإحياء)) أيضاً: قال أصحابنا: ما يأخذه العامل أجرة على عمله وليس من الزكاة، ولذا يأخذ وإن كان غنياً إلا أن فيه شبهة الصدقة، فلا يأخذه العامل الهاشمي تنزيهاً لقرابة الرسول و # عن شبهة الوسخ، والغني لا يوازيه في استحقاق الكرامة فلم تعتبر الشبهة في حقه. (١) (٣٣٤/٣). (٢) (٣٦٢/٢). (٣) (٤/ ١١٢). ٨٢ ۔ ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث وقال القاري في ((شرح النقاية)): وليس ما يأخذه أجرة؛ لأنها لا تكون إلا على عمل معلوم ومدة معينة، ولا صدقة لأنه يأخذ وإن كان غنياً، ويحل به العِمالة بالإجماع، لكن فيه شبهة الصدقة فلم يجز أخذها للعامل الهاشمي صيانة لقرابته ◌َّي عن أوساخ الناس، انتهى. قلت: وقد ورد النهي عن استعمال الهاشمي نصاً عند أبي داود(١) عن أبي رافع: أن النبي وَ﴿ بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني، فإنك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي وَلّ أسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولى القوم من أنفسهم، وإنّا لا تَحِلُّ لنا الصدقة، انتهى. قال القاري(٢): رواه الترمذي وصححه والنسائي وأحمد وابن حبان في صحيحه وصححه الحاكم، انتهى. وروى مسلم وأبو داود وغيرهما، أنه اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين، أي عبد المطلب بن ربيعة، والفضل إلى رسول الله وَل# فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيب الناس، فبينما هم في ذاك إذ جاء علي - رضي الله عنه - فقال: لا والله لا يستعمل أحداً، الحديث. وفي آخره قوله وَلّ: ((إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحِلّ لمحمد ولآل محمد)). والرابع: ما في ((شرح الإحياء)) وغيره: هل يجوز أن يكون العامل كافراً؟ عن الإمام أحمد فيه روايتان، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجوز وإن الإسلام شرط في العامل، قال يحيى بن محمد: ولا أرى أن مذهب أحمد في إجازة أن يكون الكافر على عمل الزكاة على أنه يكون عاملاً عليها، وإنما أرى (١) ((سنن أبي داود)) (١٢٣/٢) رقم الحديث (١٦٥٠). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٩/٤). ٨٣ ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث أن إجازة ذلك إنما هو على أن يكون سوّاقاً لها، ونحو ذلك من المهن التي يلا بسها مثله، انتهى. قال الموفق(١): جملته أنه يجوز للعامل أن يأخذ عمالته من الزكاة، سواء كان حُرّاً أو عبداً، وظاهر كلام الخرقي يجوز أن يكون كافراً، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾. وهذا لفظ عام يدخل فيه كل عامل على أي صفة كان، ولأن ما يأخذ على العِمالة أجرة على عمله، فلم يمنع من أخذه كسائر الإجارات، والرواية الأخرى: لا يجوز أن يكون العامل كافراً؛ لأن من شرط العامل أن يكون أميناً، والكفر ينافي الأمانة، انتهى. والخامس: ما قاله الجصاص: أن نصب السُّعاة يدل على أن أخذ الصدقات إلى الإمام، وأنه لا يجوز أن يعطي رب الماشية صدقتها الفقراء، فإن فعل لأخذها الإمام ثانياً ولم يحتسب له بما أدى، وذلك لأنه لو جاز لأرباب الأموال أداؤها إلى الفقراء لما احتيج إلى عامل لجبايتها فيضر بالفقراء والمساكين، فدل ذلك على أن أخذها إلى الإمام، وأنه لا يجوز له إعطاؤها الفقراء، انتهى. وبسط في ((البدائع))(٢) الكلام على أن للإمام المطالبة بأداء الواجب في السوائم والأموال الظاهرة، فقال: أما بيان من له المطالبة بأداء الواجب، فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان من له الولاية، وبيان شرائط ثبوت الولاية، وبيان القدر، أما الأول فمال الزكاة نوعان: ظاهر: وهو المواشي والمال الذي يمر به التاجر على العاشر، وباطن: وهو الذهب والفضة وأموال التجارة في مواضعها، أما الظاهر فللإمام ونوابه، وهم المصدّقون من السُّعاة والعشَّار ولايةُ الأخذ في المواشي والأموال الظاهرة. (١) ((المغني)) (٤/ ١٠٧). (٢) (١٥/٢). ٨٤ --------- m -* ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وإشارة الكتاب، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾(١)، وأما السنة فإنه ◌َّ كان يبعث المصدِّقين إلى أحياء العرب والبلدان لأخذ الصدقات من الأنعام والمواشي في أماكنها، وعلى ذلك فعل الأئمة من بعده من الخلفاء الراشدين، وكذا المال الباطن إذا مرَّ به التاجر على العاشر كان له أن يأخذ في الجملة، لأنه لما سافر به، وأخرجه من العمران صار ظاهراً، والتحق بالسوائم. وهذا لأن الإمام إنما كان له المطالبة بزكاة المواشي في أماكنها لمكان الحماية، لأن المواشي في البراري لا تكون محفوظة إلا بحفظ السلطان وحمايته، وهذا المعنى موجود في مال يمر به التاجر على العاشر، فكان كالسوائم، وعليه إجماع الصحابة، فإن عمر - رضي الله عنه - نصب العشّار، وقال لهم: خذوا من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصفه، ومن الحربي العشر، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يُنْقَلْ أنه أنكر عليه واحد منهم فكان إجماعاً، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب بذلك إلى عُمَّاله، وقال: أخبرنى بهذا من سمعه من رسول الله مح ليهله وأما الباطن الذي يكون في المصر، فقال عامة مشايخنا: إن رسول الله وَله طالب بزكاته وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - طالبا، وعثمان - رضي الله عنه - طالب زماناً، ولما كثُرت أموال الناس، ورأى أن في تتبعها حرجاً على الأمة، فوّض الأداء إلى أرباب الأموال، وذكر أبو منصور الماتريدي السمرقندي لم يبلغنا أن النبي ◌ّل بعث في مطالبة المسلمين زكاة الوَرِقْ وأموال التجارة، ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، ومنهم من كان يحمل إلى الأئمة فيقبلونها، انتهى ملخصاً، وسيأتي شيء من ذلك في صدقة الفطر. (١) سورة التوبة: الآية ١٠٣. ٨٥ ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث أَوْ لِغَارِمِ، (أو لغارم) قال الزرقاني(١): أي مدينٌ بشروط في الفروع، انتهى. واختلف قول مالك - رضي الله عنه - في الغارم، كما حكى الباجي، وفي (الأنوار الساطعة)) من فروع المالكية: والغارم هو المدين الذي ليس عنده ما يُوفِّي به دين الغرماء من الآدميين الذين يتحاصون فيه، فيعطى من الزكاة بشروط كونه مسلماً حراً غير هاشمي، انتهى. وقريب منه ما في ((الشرح الكبير)): وقيده بأن استدان في مصلحة شرعية لا في فساد كشرب خمر وقمار، ولا إن استدان لأخذ الزكاة كأن يكون عنده ما يكفيه فتوسع في الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ منها، فلا يعطى منها إلا أن يتوب، وإنما يعطى المدين إن أعطى لرب الدين ما بيده من العين، وفضل غير العين ثم بقيت عليه بقية، انتهى. وفي ((نيل المآرب)) وغيره: الغارم ضربان، الأول: من تداين للإصلاح بين الناس أو تحمّل إتلافاً أو نهباً عن غيره، فيأخذ منها ولو مع غنى، والثاني: من تداين لنفسه في أمر مباح أو محرم وتاب وأعسر - أي يأخذ بالفقر -، انتهى. وفي فروع الشافعية: الغارم ثلاثة أقسام: الأول: من تداين لتسكين فتنة بين طائفتين في قتيل لم يظهر قاتله، فتحمل الدّية تسكيناً للفتنة، فيعطى من الزكاة ما يقضي به دينه ولو غنياً ترغيباً له في هذه المكرمة. والثاني: من تداين لنفسه أو عياله في مباح، فيعطى من الزكاة وقت الحاجة، بأن يحلّ الدين ولم يقدر على وفائه. والثالث: من تداين لضمان، فإن ضمن بإذن المضمون لم يعط من الزكاة إلا إن عسر مع الأصيل، فإن ضمن بلا إذنه لم يعط إلا إن أعسر وإن لم يُعْسر (١) (١٢٥/٢). ٨٦ ..- --- ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث أَوْ لِرَجُلِ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلِ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ، فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسكِينِ. فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ)). الأصيل، انتهى ما في ((الأنوار الساطعة)) (١)، وفي ((الهداية))(٢): الغارم من لزمه دین ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه، انتهى . (أو لرجل) غني (اشتراها) أي الزكاة من الفقير، ولا فرق عند الجمهور في شراء صدقته أو صدقة غيره، وفرق بينهما جماعة. قال الموفق(٣): ليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه، روي ذلك عن الحسن، وهو قول قتادة ومالك، وقال أصحاب مالك: إن اشتراها لم ينقض البيع، وقال الشافعي وغيره: يجوز لحديث الباب، ولنا ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: حملت على فرس في سبيل الله، الحديث متفق عليه، وفيه قوله وَلير: ((لا تبتعه ولا تعد في صدقتك))، وأجاب عنه من أباحه، باحتمال أنه كان حبساً في سبيل الله، وباحتمال أنه يعطيه رخصاً، كما سيأتي مفصلاً في بابه. (بماله) وليس هذا من باب دفع الصدقة إليه إلا مجازاً، وإنما الصدقة قد بلغت محلها بدفعها إلى الفقير (أو لرجل) غني (له جار) ليس بقيد احترازي، بل على سبيل التمثيل (مسكين) المراد به ما يشمل الفقير أيضاً (فَتُصُدِّقَ) ببناء المجهول (على المسكين) بشيء (فأهدى) أي أهدى ذلك الشيء (المسكين) بالرفع (للغني) وهذا أيضاً كالذي قبله يحل للغني، لأن الصدقة قد بلغت محلها، وقد قال النبي ◌َّر في قصة بريرة: ((هو لها صدقة ولنا هدية)). (١) (ص٤٠٨). (٢) (٢٠٥/١) ط. الهند. (٣) ((المغني)) (٦٥١/٢). ٨٧ ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ، أَنَّ ذُلِكَ لا يَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الاجْتِهَادِ مِنَ الْوَالِيِ. فَأَيُّ الأَصْنَافِ وهذا كله في صدقة الواجب، أما صدقة التطوع فهي بمنزلة الهدية تحل للغني والفقير(١). (قال يحيى: قال مالك: الأمر عندنا في قَسْم الصدقات)، في من يعطي من الأصناف الثمانية ومقدار ما يعطى (أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي) أي الخليفة أو نائبه، ولا يلزمه تعيين شيء مقدر، كالسُّبْع والثمن النوع منها مخصوص (فأتيّ) بشدّ الياء والإضافة (الأصناف) من المذكورين في آية ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ الصدقة، وهي قوله عز اسمه: ﴿٤ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (﴾﴾(٢ وجمعها بعضهم في قوله: وإني لها المحتاج لو كنت تعرفُ صرفت زكاة الحسن لِمَ لا بدأت بي ورقُّ سبيلٍ وغارمٌ ومُؤَلَّفُ ففقير ومسكين وغازٍ وعامل كذا في ((الأنوار))(٣)، و(شرح الإقناع))(٤). وأجاد شيخ مشايخنا الدهلوي في بيان المصارف فقال: مصارف الزكاة ثمانية، الفقير: وهو عند الشافعي من لا مال له ولا حِرْفة تقع موقعاً، وعند أبي حنيفة: من له أدنى شيء، وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام، وهو مستغرق في الحاجة، والمسكين: وهو عند الشافعي من له مال أو حرفة (١) انظر ((شرح الزرقاني)) (١٢٥/٢). (٢) سورة التوبة: الآية ٦٠. (٣) (ص٤٠٦). (٤) (٣٥٨/٢) وفيه: وإني أنا المحتاج. ٨٨ -- - ---------- --- ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث ولا يغنيه، وعند أبي حنيفة: من لا شيء له فيحتاج إلى المسألة لقُوته. والعامل: له مثل عمله سواء كان فقيراً أو غنياً، وعليه أهل العلم. قال الشيخ: والمؤلفة قلوبهم قسمان: من أسلم ونيته ضعيفة، أو له شرفٌ يُتَوَقّع بإعطائه إسلام غيره، فيُعْطون من الزكاة على الأصح من مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: سقط سهمهم لغلبة الإسلام. وفي ((الهداية)): على ذلك انعقد الإجماع، قال ابن همام(١): أي إجماع الصحابة في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه -، فإن عمر رَدّهم، ثم ذكر القصة، والرقاب: هم المكاتبون: عند الشافعية والحنفية. والغارم: عند الحنفية من لزِمه دينٌ ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه، أو كان له مال على الناس لا يمكنه أخذه، وعند الشافعية قسمان، من استدان لنفسه في غير معصية، والأظهر اشتراط الحاجة، أو استدان لإصلاح البين، ويُعْطى مع الغناء، وسبيل الله: غُزاة لا فيء لهم يشترط فقرهم عند أبي حنيفة، وعند الشافعي: يعطون مع الغناء، وابن السبيل: الغريب المنقطع عن ماله عند أبي حنيفة، ومنشئ سفر أو مجتاز، له حاجة عند الشافعية، وشرط هؤلاء الأصناف الإسلام عند أهل العلم، اهـ. قلت: ومسلك الحنابلة في ذلك بنحو من مسلك الشافعية، وأما عند المالكية ففي ((الأنوار الساطعة))(٢) من مسالك المالكية: الفقير عندهم من يملك شيئاً لا يكفيه عامه ولو ملك نصاباً، والمسكين من لا يملك شيئاً فهو أحوج من الفقير، والعامل كالساعي والجابي والقاسم والكاتب والحاشر الذي يجمع أرباب الأموال إلى الساعي. (١) انظر: ((فتح القدير)) (٢٠١/٢) وفيه: (فإن عمر ردّهم .. إلخ). (٢) انظر: ((الأنوار الساطعة)) (ص٤٠٦). ٨٩ ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حدیث كَانَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالعَدَدُ، أُوثِرَ ذُلِكَ الصِّنْفُ، بِقَدْرِ مَا يَرَى الْوَالِي. وعَسَى أَنْ يَنْتَقِلَ ذُلِكَ إِلَى الصِّنْفِ والمؤلف قلبه كافرٌ يُعْطَى لِيُسْلم، وقيل: مسلم قريب العهد بالإسلام يُعْطى ليتمكَّن من الإسلام، والرقيق المؤمن يشترى من الزكاة لأجل العتق، بشرط أن يكون خالصاً من شوائب الحرية، فلا يصح عتق المدبر والمكاتب ونحوه، والغارم المدين الذي ليس عنده ما يوفي به دينه، والمجاهد في سبيل الله يعطى ولو غنياً على المشهور، وابن السبيل: الغريب المنقطع يعطى بشرط الاحتیاج، انتهى. قلت: وفي ((الشرح الكبير)): المشهور من المذهب انقطاع سهام المؤلفة قلوبهم بعزة الإسلام، والمراد بهم الكفرة المرجى إسلامهم، وأما المؤمن قریب العهد، فباقٍ لم ینسخ. وقال الموفق(١): الأصناف الثمانية التي سمى الله تعالى أحكامهم كلها باقية، وبهذا قال الحسن والزهري، وقال الشعبي ومالك والشافعي: انقطع سهم المؤلفة قلوبهم بعد رسول الله وَّله، وقد أعزَّ الله تعالى الإسلامَ وأغناه عن أن يتألف عليه رجال، فلا يُعْطَى مشرٌ تألفاً، وقد رُوِيَ هذا عن عمر - رضي الله عنه -، ولنا كتاب الله وسنة رسوله، اهـ. (كانت فيه الحاجة) بأن يكونوا أشد فقراً من غيرهم(والعدد) أي كانوا أكثر عدداً وأقل مرافق (أوثر) ببناء المجهول (ذلك الصنف) والإيثار على ضربين، أن يعطى صنف الحاجة الأكثر، ويعطى غيرهم الأقل، أو يعطى صنف الحاجة الجميع، ولا يعطى غيرهم شيئاً (بقدر ما يرى الوالي) أي مقدار الإيثار على حسب رأي الوالي. (وعسى أن ينتقل ذلك) أي الإيثار والعطاء لأجل الحاجة (إلى الصنف (١) انظر: ((المغني)) (١٢٤/٤). ٩٠ ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث الآخَرِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَعْوَامِ. فَيُؤْثَرُ أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْعَدَدِ، حَيْثُمَا كَانَ ذُلِكَ. وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. الآخر بعد عام أو عامين أو أعوام) لأن الشدة والحاجة لا تبقى على حال واحدة، بل ينتقل من قوم إلى قوم، وتلك الأيام نداولها بين الناس (فيؤثر) الإمام (أهل الحاجة، والعدد حيثما كان ذلك) أي الحاجة والعدد، وفي النسخ المصرية: حيثما كانوا أي أهل الحاجة. (وعلى هذا) القول (أدركتُ مَنْ أَرْضَى) مفعول لأدركت (مِنْ أَهلِ العلم) بيان لِمَنْ. وفي الحاشية عن ((المحلى)): وهو قول أبي حنيفة وأحمد حيث يجوز صرفها عندهم إلى صنف واحد، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يجب استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة في القرآن في القسمة إن كان هناك عامل، وإلا فاستيعاب السبعة، ويجب التسوية بين الأصناف لا بين آحاد الأصناف، كذا في ((المنهاج)). قال البيضاوي: واختار بعض أصحابنا جواز صرفها إلى صنف واحد، كما هو قول الثلاثة الباقية، انتهى. وقد قال حذيفة وابن عباس: إذا وضعتَها في صنف واحد أجزأك، قال أبو عمر: ولا أعلم لهما مخالفاً من الصحابة، انتهى(١). قال الموفق(٢): وإن أعطاها كلها في صنف واحد أجزأه إذا لم يخرجه إلى غني، وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير والحسن والنخعي وعطاء، وإليه ذهب الثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي، وروي عن النخعي: إن كان المال كثيراً يحتمل الأصناف قسمه عليهم، وإن كان قليلاً جاز وضعه في صنف واحد، وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم (١) ((شرح الزرقاني)) (١٢٥/٢)، وانظر: ((الاستذكار)) (٢٠٤/٩). (٢) («المغني)) (١٢٧/٤). ٩١ ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث الأولى فالأولى، وقال عكرمة والشافعي: يجب أن يقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الأصناف الستة، وروى الأثرم عن أحمد كذلك، وهو اختيار أبي بكر. ولنا، قوله مَّ لمعاذ: («تُؤخذ من أغنيائهم وتُرَدُّ في فقرائهم))، فأخبر بردِّ جملتها في الفقراء، وهم صِنْفٌ واحدٌ، ولم يذكر سواهم، ثم أتاه بعد ذلك مال، فجعله في صنف ثانٍ سوى الفقراء وهم المؤلفة: الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وغيرهما، قسم فيهم الذهيبة التي بعث بها علي من اليمن، وفي حديث سلمة بن صخر البياضي: أنه أمر له بصدقة قومه، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف، لم يجز دفعها إلى واحد، والآية أريد بها بيان الأصناف الذين يجوز لهم الدفع. وفي ((الروض المربع)) (١): ويجوز صرفها إلى صنف واحد، لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوَهَا اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾(٢)، ولحديث معاذ حين بعثه النبيِ وَّة، الحديث. وفيه: ((فَتُرَدُّ على فقرائهم))، متفق عليه، فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفٌ واحد، ويجوز الاقتصار على إنسان واحد، لأنه عليه السلام أمر بني زُرَيق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر، وقال لقبيصة: ((أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها))، انتهى. -------- وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٣): روى أبو داود الطيالسي بسنده إلى علي وابن عباس قالا: إذا أعطى الرجل صنفاً واحداً من الأصناف الثمانية أجزأه، وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة، وعن سعيد بن جبير (١) (٤٠٤/١). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٧١. (٣) (١٣٩/٣). ٩٢ --- ١٩ - كتاب الزكاة (١٧) باب (٦٦٥) حديث وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وأبي العالية، ولا يروى عن الصحابة خلافه، فصار إجماعاً من السلف، لا يسع أحداً خلافه لظهوره واستفاضته من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائهم عليهم، وروى الثوري بسنده عن معاذ بن جبل: أنه كان يأخذ العروض في الزكاة، ويجعلها في صنف واحد من الناس، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس، انتهى. ثم بسط الكلام على الدلائل، فذكر الآيات والروايات التي تقدمت وغيرها . وفي (البدائع)): (١) ولنا السنّة المشهورة وإجماع الصحابة وعمل الأمة إلى يومنا هذا، والاستدلال: أما السنة فحديث معاذ المذكور، وحديث أبي سعيد الخدري أنه قال: بعث علي - رضي الله عنه - وهو باليمن إلى النبي ◌َّ مذهبة في ترابها، فقسمها النبي ◌ُّ بين الأقرع بن حابس وثلاثة أخر، فغضبت قريش والأنصار، وقالوا: تعطي صناديد نجد، فقال النبي وَلَّ: ((إنما أتألّفُهم)) ولو كان كل صدقة مقسومة على الثمانية بطريق الاستحقاق، لما دفع النبي بَل المذهبة إلى المؤلفة قلوبهم دون غيرهم. ثم ذكر الإجماع وعمل الأئمة والاستدلال، وأخرج ابن أبي شيبة عِدَّة آثار فيمن أخرج الصدقة إلى صنفٍ واحد، منها عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يأخذ العرض في الصدقة، ويعطيها في صنف مما سمَّى الله تعالى. وقال الحافظ في ((الدراية))(٢) في الاقتصار على صنف واحد: هو مروي عن عمر وابن عباس، أما حديث عمر فأخرجه ابن أبي شيبة، وإسناده منقطع، وأما حديث ابن عباس فأخرجه البيهقي والطبراني عنه في أيِّ صنف وضعته أجزأك، وإسناده حسن، وفي الباب عن حذيفة وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي (١) ((بدائع الصنائع)) (١٥٦/٢). (٢) (ص ٢٠٥) ط. الهند. ٩٣ ١٩ - كتاب الزكاة (١٨) باب (٦٦٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ، إلا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الإمَامُ. (١٨) باب ما جاء في أخذ الصدقات والتشديد فيها ٦٦٦/ ٣٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيقَ قَالَ: لَوْ مَنَعُونِي وأبي العالية وميمون بن مهران وكلها عند ابن أبي شيبة، واحتج أبو عبيد بدفع النبي ◌َّ الذهب الذي أتي من اليمن للمؤلفة، وهو في الصحيح من حديث أبي سعيد، وبقصة سلمة بن صخر حين ظَاهَرَ أمَرَ له بصدقة قومه، وهو واحد، انتھی . (قال مالك: وليس للعامل على الصدقات فريضة مُسَمَّاة) أي ليس لما يعطى العامل حدٍّ مُعَيَّنٌ (إلا على قدر ما يرى الإمام) أنه يجزيه في عِمَالته، فيرى بعد سعيه وقربه ومشقته ويسارته وغير ذلك من الأمور، وتقدم قريباً أنهم أجمعوا على أن العامل لا يعطى جزءاً معلوماً، وإنما ذلك على قدر عمله. (١٨) ما جاء في أخذ الصدقات أي - استيفائها - والتشديد فيها أي في أموال الصدقات من التوقي عن استعمالها لمن ليس مصرفها من الأغنياء وغيرهم. ٣٠/٦٦٦ - (حدثني يحيى عن مالك: أنه بلغه أن أبا بكر الصديق) والحديث مشهور وصله الشيخان(١) وغيرهما من طريق الزهري عن عبيد الله بن عتبة أن أبا هريرة قال: لما توفي رسول الله ◌َّ الحديث (قال: لو منعوني (١) أخرجه البخاري في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ١ - باب وجوب الزكاة، ومسلم في: ١ - كتاب الإيمان، ٨ - باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله» (حديث ٣٢). ٩٤ ١٩ - كتاب الزكاة (١٨) باب (٦٦٦) حديث عِقَالاً عقالاً) قال العيني(١): اختلف العلماء فيها قديماً وحديثاً، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعقال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهو قول الكسائي والنضر بن شميل وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء . قال الخطابي: يقال: أخذ المتصدق عقال هذا العام، إذا أخذ منهم صدقته، وفي نسخة لأبي داود: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: العقال صدقة سنة، وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد به الحبل الذي يعقل به البعير، وهو محكي عن الإمام مالك وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو مأخوذ مع الفريضة، لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع قبضها برباطها، وفي حديث محمد بن سلمة: أنه يعمل الصدقة في عهد رسول الله وَلير، فكان يأمر الرجل إذا جاء بالفريضة أن يأتي بعقالهما وقرائنهما، وقيل: معنى وجوب الزكاة فيه إذا كان من عروض التجارة، فبلغ مع غيره فيها قيمة نصاب، وقيل: أراد به الشيء التافه الحقير فضُرِبَ العقال مثلاً له، وقيل: كان من عادة المصدق إذا أخذ الصدقة أن يعمد إلى قَرَن - بفتح القاف والراء -، وهو الحبل الذي يقرن به بين بعيرين، لئلا يشرد الإبل، فيسمى عند ذلك: القران، وكل قرنين منها عقال . وفي ((المحكم)): العقال: القلوص الفتية، وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: العقال: القلوص، وقال النضر بن شميل: إذا بلغ الإبل خمساً وعشرين وجبت فيها بنت مخاض من جنس الإبل فهو العقال، وقال أبو سعيد الضرير: كل ما أخذ من الأموال والأصناف في الصدقة من الإبل والغنم والثمار من العشر ونصفه، فهذا كله في صنفه عقال؛ لأن المؤدى عقل به عنه طلبة السلطان، وعقل عنه الإثم الذي يطلبه الله تعالى به، انتهى مختصراً بزيادة. (١) ((عمدة القاري)) (٦/ ٣٣٧). ٩٥ ١٩ - كتاب الزكاة (١٨) باب (٦٦٦) حديث لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ . وفي ((هامش أبي داود)) عن ((مرقاة الصعود)) للسيوطي: قال المبرد: إذا أخذ المتصدق أعناق الإبل أخذ عقالاً، وإذا أخذ أثماناً قيل: أخذ نقداً، وقيل: أراد ما يساوي العقال من حقوق الصدقة، وفي ((البذل))(١) عن القاري: قال النووي: ذكروا فيه وجوهاً، أصحها وأقواها قول صاحب ((التحرير)): إنه ورد مبالغة؛ لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد، فيقتضي قلة وحقارة، انتھی . قلت: وهذا أرجح الأقوال عندي، وإليه يظهر ميل الباجي(٢) إذ قال: ويحتمل عندي أن يكون قصد بذلك المبالغة في تتبع الحق، وأنه لا يأخذ منهم إلا جميع ما كان يأخذه منهم رسول الله وَّي، وهذا كما يقول القائل في الشاة: والله لا تركت منها شعرة، ولا يريد بذلك الشعرة، فإنه لا يمكن تتبعها، انتهى. وقيل: إن الراجح مكانه لفظ عناقاً، كما ورد في بعض الروايات، وهو مختار البخاري إذ قال: وهو أصح، وإليه يظهر ميل أبي داود إذ أيده بعدة روايات، لكن الروايات رويت بكلا اللفظين بطرق، كما ذكر بعضها الشيخ في ((البذل)) فالترجيح مشكل. (الجَاهَدْتُهُمْ عَليهِ) ولفظ أبي داود: ((والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله (وَلّ لقاتلتهم على منعه))، وروى الحاكم في ((الإكليل))(٣): عن عبد الرحمن الظفري، وكانت له صحبة قال: بعث رسول الله وح لول إلى رجل من أشجع لتؤخذ صدقته، فأبى أن يعطيها، فردّه إليه الثانية، فأبى، ثم رده إليه الثالثة وقال: ((إن أبى فاضرب عنقه))، قال عبد الرحمن بن عبد العزيز: قلت (١) انظر: ((بذل المجهود في حل أبي داود)) (١٠/٨). (٢) انظر: ((المنتقى)) (١٥٧/٢). (٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٣٨/٦). ٩٦ ١٩ - كتاب الزكاة (١٨) باب (٦٦٧) حديث ٣١/٦٦٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّهُ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَناً فَأَعْجَبَهُ. فَسَأَنَ الَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ هُذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ، قَدْ سَمَّاهُ. فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَّعَمِ الصَّدَقَةِ، وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا لِي مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي، فَهُوَ هُذَا. فَأَدْخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ . الحكيم، يعني ابن عباد: ما أرى أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قاتل أهل الردة إلا على هذا الحديث، قال: أجل، والحديث استدل به من قال: إن للإمام أخذ الزكاة مطلقاً، كما قال به المالكية، أو زكاة الأموال الظاهرة فقط، كما قال به الحنفية، وسيأتي بيان ذلك في صدقة الفطر. ٣١/٦٦٧ - (مالك، عن زيد بن أسلم أنه قال: شرب عمر بن الخطاب) مرة (لبناً فأعجبه) أي استطابه، فأنكره بالاستدلال القلبي أو بالإلهام الغيبي (فسأل الذي سقاه: من أين) حصل لك (هذا اللبن)؟ قال الغزالي: سأل عمر - رضي الله عنه - إذ رابه فإنه أعجبه طعمه، ولم يكن على ما كان يألفه كل ليلة، وهذا من أسباب الريبة، وحمله على الورع، كذا في ((المرقاة))(١). (فأخبره أنه ورد) أي مر (على ماءِ قد سماه) ونسي اسمه، أو لم يتعلق غرضه بتسميته (فإذا) للمفاجأة (نَعَمْ) بفتحتين (من نَعَم الصدقة) وردت هذا الماء (وهم) أي الرُّعاة (يسقون) النعم من الماء (فحلبوا لي) يوجد لفظ ((لي)) في جميع النسخ، لكن رقم عليه علامة النسخة (من ألبانها فجعلته) أي اللبن (في سقائي) بكسر السين أي وعائي (فهو هذا. فأدخل عمر بن الخطاب يده فاستقاءه) أي فتقيّأه حتى أخرجه من جوفه، قال الطيبي: هذا غاية الورع والتنزه عن الشبه، وقال ابن حجر: كأن الشارح لم يستحضر قول أئمته: إن كل من أكل وشرب حراماً لزمه أن يتقيّأه إن أطاقه، وإن عذر في تناوله، انتهى. (١) (مرقاة المفاتيح)) (١٧١/٤). ٩٧ ١٩ - كتاب الزكاة (١٨) باب (٦٦٧) حديث قال القاري(١): وفيه أنه لا دلالة في الحديث على كون ذلك اللبن حراماً، لأن القابض إذا أخذه على وجه الاستحقاق، وأهداه لغير المستحق على فرض أن عمر - رضي الله عنه - غير مستحق، فلا شك في حِلَّته، كما في حديث بريرة أنه لها صدقة، وأيضاً لا فائدة في استقائه، إذ لا يمكن ردُّه إلى صاحبه، وإنما هو تنقية الباطن من أثر الحرام أو الشبهة، وهذا لا شبهة أنه ورع، انتھی. قال ابن عبد البر(٢): محمله عند أهل العلم أن الذي سقاه ليس ممن تحل له الصدقة إذ لعله غني أو مملوك، فاستقاءه لئلا ينتفع به، وأصله محظور وإن لم يأته قصداً، وهذا نهاية الورع، ولعله أعطى مثل ذلك أو قيمته للمساكين، ولو كان الذي حلب له بهذا اللبن مستحقاً للصدقة، لما حرم على عمر قصد شربه، كما لم يحرم على النبي 18 أكل اللحم الذي تصدق به على بريرة، وقال: هو عليها صدقة ولنا هدية، وما فعله عمر - رضي الله عنه - ليس بواجب، لأنه استهلكه بالشرب، ولا فائدة في قذفه، إلا المبالغة في الورع، انتھی . ..... .. قلت: وحلبهم له يحتمل وجهين، أما إن كان مستحقاً ومحلاً لذلك، فالتشبيه بقصة بريرة ظاهر، وإن كان حلبهم له لكونه من أبناء السبيل، وقد ترجم البخاري في (صحيحه)) (٣) ((باب استعمال أهل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل)) فلا يصح التشبيه؛ لأن اللبن حينئذ لم يكن تمليكاً له، بل كان إباحة، فتأمل . (١) نفس المصدر (١٧٢/٤). (٢) ((الاستذكار)) (٢٢٩/٩). (٣) ((صحيح البخاري مع عمدة القاري)) (١٠٥/٩/٥). ٩٨ --- ١٩ - كتاب الزكاة (١٨) باب (٦٦٧) حديث وقد اقتدى في استقائه فعل الصدّيق الأكبر، فقد روت عائشة - رضي الله عنها - كان لأبي بكر - رضي الله عنه - غلام يُخْرج له الخَراج ويأكل منه، وجاء يوماً بشيء، ووافق من أبي بكر جوعاً فأكل منه لقمةً، فقال الغلام: تدري ما هذا؟ كنت تَكَهنت لإنسان في الجاهلية وما أُحْسِنُ الكهانة إلا أني خدعتُه، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر أصبعه في فيه، فقاء كل شيء في بطنه، أخرجه البخاري(١). وذكر الحافظ له - رضي الله عنه - عدة قصص مثل ذلك، فقال: ووقع له - رضي الله عنه - مع النعمان بن عمرو أحد الأحرار من الصحابة قصة، ذكرها عبد الرزاق بإسناد صحيح: أنهم نزلوا بماءٍ فجعل النعمان يقول لهم: يكون كذا، فيأتونه بالطعام، فيرسله إلى أصحابه، فبلغ أبا بكر - رضي الله عنه -، فقال: أراني آكلُ كهانةَ النعمان منذ اليوم، ثم أدخل يده في حلقه فاستقاءه، وفي ((الورع)) لأحمد عن ابن سيرين بمعنى ما تقدم. وله قصة أخرى، أخرجها يعقوب بن أبي شيبة في ((مسنده)) من طريق نبيح العنزي عن أبي سعيد قال: كنا ننزل رِفاقاً، فنزلت في رفقة فيها أبو بكر - رضي الله عنه - على أهل بيت، فيهن امرأة حُبْلى، ومعنا رجل فقال: أُبَشِّرُكِ أن تلدي ذكراً، قالت: نعم، فسجع لها أسجاعاً، فأعطته شاة، فذبحها وجلسنا نأكل، فلما علم أبو بكر - رضي الله عنه - بالقصة قام، فتقيّأ كل شيء أكله، وأنت خبير بأن هذا كله من كمال ورعه - رضي الله عنه -. وقال صاحب (الإحياء))(٢): الورع عن الحرام على أربع درجات، ورع العدول: وهو الذي يجب الفسق باقتحامه، وتسقط العدالة به، ويثبت إثم (١) ((صحيح البخاري مع فتح الباري)) (١٤٩/٧). (٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) (٩٥/٢). ٩٩ ١٩ - كتاب الزكاة (١٨) باب (٦٦٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ عزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا، كَانَ حَقّاً عَلَيْهِمْ جِهَادُهُ حَتَّى يَأْخُذُوهَا مِنْهُ. ٣٢/٦٦٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَامِلاً لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كَتَبَ إِلَيْهِ يَذْكُرُ: أَنَّ رَجُلاً مَنَعَ زَكَاةَ مَالِهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ دَعْهُ العصيان، وهو الورع عن كل ما تُحَرِّمه فتاوى الفقهاء، والثانية: ورع الصالحين وهو الامتناع عما يتطرَّق إليه احتمال التحريم، ولكن المفتي يُرَخِّصُ في التناول بناء على الظاهر، والثالثة: ورع المتقين وهو الامتناع عما لا شبهة في حلِّه، لكن يخاف منه أداؤه إلى محرم، والرابعة: ورع الصديقين، وهو الامتناع عما يتناول لغير الله، وعلى غير نية التقوي به على عبادة الله، ثم بسط هذه الأنواع أشد البسط . . (قال مالك: الأمر عندنا أن كل من منع فريضة من فرائض الله تعالى) أي حقاً من حقوقه تعالى أياً ما كان، وقال الباجي(١): يحتمل أن يريد بالفريضة ههنا الزكاة خاصة، ويحتمل أن يريد سائر الحقوق التي يكون حكمها حكم الزكاة في ذلك (فلم يستطع المسلمون أخذها منه، كان حقاً) واجباً (عليهم جهاده) أي القتال معه (حتى يأخذوها منه)، بقتاله، كما فعل الصديق الأكبر - رضي الله عنه - بمانعي الزكاة، وأجمع المسلمون على تصويبه، ثم إن كان المانع مقراً بها فمسلم وإلا فكافر إجماعاً . ٣٢/٦٦٨ - (مالك، أنه بلغه أن عاملاً) لم يسم العمر بن عبد العزيز كتب إليه يذكر) في كتابه على حسب ما ينبغي للعامل والوالي، من اطلاع أمير المؤمنين بما يحدث من أمور الناس، وأخذ رأيه فيما يراه من ذلك من الأحكام (أن رجلاً منع زكاة ماله فكتب) عمر بن عبد العزيز (إليه) أي عامله (أن دعه) (١) ((المنتقى)) (١٥٧/٢). ١٠٠ ------ .---- ..... ---- .-