Indexed OCR Text
Pages 481-500
١٨ - كتاب الاعتكاف (٥) باب وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا يَشْهَدَانِ الْجَنَائِزَ، وَلَا يُصَلِّيَانِ عَلَيْهَا، وَلَا يَعُودَانِ الْمَرِيضَ، فَأَمْرُهُمَا فِي النِّكَاحِ مُخْتَلِفٌ، وَذَلِكَ، الْمَاضِي مِنَ السُّنَّةِ، فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَالْمُعْتَكِفِ وَالصَّائِمِ. وبالتزيّن بلبس الثياب، إذ لم ينقل أن النبي وَّ غيّر ثوبه للاعتكاف، وعن أحمد: أنه يستحب ترك التطيب والتزيّن برفيع الثياب، انتهى. (ويأخذ كل واحد منهما من شعره) أي: يجوز لهما الأخذ من شعورهما، ولا يجوز هذه الأفعال للمحرم. (ولا يشهدان الجنائز، ولا يصليان عليها) أي على الجنازة. (ولا يعودان المرضى)(١) ويجوز هذه الأفعال كلها للمحرم، وإذا وضح الفرق بينهما في الأحكام الكثيرة (فأمرهما) أي المعتكف والمحرم (في النكاح) أيضاً (مختلف) فيجوز نكاح المعتكف دون المحرم، وسيأتي بيان نكاح المحرم في الحج، وما ذكر من عدم جواز نكاج المحرم مسلك المصنف ومن وافقه، وهو مختلف عند الأئمة، وسيأتي في محله. قال الباجي(٢): والفرق بين الاعتكاف وبين الحج والعمرة أنه لا خلاف أن الحج يمنع دواعي النكاح من التطيب، فمنع من مقدماته، والاعتكاف لا يمنع دواعي النكاح من التطيب، فلم يمنع من مقدماته من العقد كالصوم، انتھی . (قال يحيى: قال زياد: قال مالك) وليس هذا السند في النسخ المصرية. (وذلك لما مضى) أي في زمان السلف (من السنة) أي: الطريقة المسلوكة، وفي النسخ المصرية، وذلك الماضي من السنة، أي السنة الماضية والطريقة المسلوكة القديمة، (في نكاح المحرم والمعتكف والصائم) بلا اعتكاف، أن يجوز لهما النكاح دون المحرم، وذلك لأن مفسدة الإحرام أعظم من مفسدة (١) وفي النسخة المصرية: المريض. (٢) ((المنتقى)) (٨٦/٢). ٤٨١ ١٨٠ - كتاب الاعتكاف (٥) باب النكاح، ولأن المعتكف له مانع يمنعه من النساء، وهو المسجد، والمحرم غير منعزلٍ عن النساء، لأنه ينزل معهن في المناهل، ويخالطهن، قاله الزرقاني(١). قلت: وهذا كله على مسلك من فرق بينهما كالمالكية، وأما على من لم يفرق بينهما كالحنفية فكلاهما سواء، ولو سُلِّمَ أن المسجد مانع للمعتكف فلا مانع للصائم بغير الاعتكاف، ويجوز له النكاح على أن الخِطْبَة أيضاً من مقدمات النكاح، ويجوز عند الأربعة، وله نظائر كثيرة لا تخفى على المتأمل. (كمل كتاب الاعتكاف، وبتمامه كمل الجزء الأول من الموطأ من تجزئة أربعة أجزاء))، فلله الحمد والمنة -- (١). انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢١٣/٢). ٤٨٢ ١٩ - كتاب الزكاة بسم الله الرحمن الرحيم (١٩) كتاب الزكاة (١٩) كتاب الزكاة بسم الله الرحمن الرحيم قد علمتَ في أول الصيام أن النسخ مختلفة في ترتيب ذكر هذه الكتب، وإنا اقتفينا في ذلك النسخَ الهندية، وكدأبنا في أكثر المواضع من هذا ((الأوجز)) نقدم ههنا أيضاً الأبحاث المفيدة التي ينبغي لطالب الحديث استحضارها . الأول: أن الزكاة لغةً النماء، يقال: زكى الزرع إذا نما، وترد بمعنى التطهير أيضاً، وشرعاً بالاعتبارين معاً، أما الأول فلأن إخراجها سببٌ للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أن متعلقها الأموال ذات النماء، كالتجارة والزراعة، وأما بالثاني فلأنها طُهْرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهيرٌ من الذنوب، كذا في ((الفتح)) (١). وتَعَقب ابن الهمام(٢) بأنه ثبت معنى النماء في الزكاء بالهمزة، لا في الزكاة. وقال الراغب: أصل الزكاة النمو الحاصل عن بركة "الله تعالى، ويُعْتَبر ذلك بالأمور الدُّنْيوية والأُخْرَوِيّة، يقال: زكى الزرع: إذا حصل منه نمو وبركة، وقوله تعالى: ﴿أَيَُّ أَزْكَى طَعَامًا﴾(٣) إشارةٌ إلى ما يكون حلالاً لا يستوخم عقباه، ومنه الزكاة، لما يخرج الإنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء، وتسميته بذلك لما يكون عليه من رجاء البركة، أو لتزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما معاً، فإن الخيرين موجودان فيها . (١) ((فتح الباري)) (٣٦٣/٣). . (٢) ((فتح القدير)) (١١٢/٢). (٣) سورة الكهف: الآية ١٩. ٤٨٣ ١٩ - كتاب الزكاة قال الباجي(١): ولما يُخْرَج من المال على هذا الوجه أسماء، الزكاة والصدقة والحق والنفقة والعفو، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾، وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرُ بِالْعُرْفِ﴾، فهذه الألفاظ كلها واقعة على الزكاة من جهة اللغة على الحقيقة، وعلى غيرها مما يشاركها في الحقوق والإنفاق والبدل، إلا أن عُرْف الاستعمال في الشرع جرى فيها بلفظ الصدقة والزكاة، وإن كانت الصدقة تعمُّ النافلة والفريضة، والزكاة تخُصُّ في عرف الاستعمال بالفرض خاصة، انتهى مختصراً. الثاني: اختلفت نصوص الفروع للأئمة الأربعة في تعريفه شرعاً، ونكتفي في ذلك على ذكر تعريفه من فروع المالكية والحنفية رعايةً للمتن والشرح مُعْرِضاً عن غيرهما للاختصار، ففي ((الشرح الكبير)) (٢): الزكاة شرعاً إخراج جزء مخصوص بلغ نصاباً لمستحقه إن تم الملك وحَوْلٌ غير معدن وحرث، وتطلق على الجزء المذكور أيضاً، انتهى. قال الدسوقي: قوله: ((إخراج إلى آخره) تعريف لها بالمعنى المصدري، وقوله: ((تطلق على الجزء المذكور)) أي: الجزء المخصوص المخرَّج من المال المخصوص، إذا بلغ نصاباً، المدفوع لمستحقه، إن تم الملك وحَوْلٌ غير المعدن هذا تعريف لها بالمعنى الاسمي، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٣): هي شرعاً تمليك جزء مالٍ عَيَّنَه الشارع، وهو (١) انظر: ((المنتقى)) (٩٠/٢). (٢) (٤٣٠/١). (٣) (٢٠٣/٣). ٤٨٤ ١٩ - كتاب الزكاة ربع عشر نصاب حولي، من مسلم فقير غير هاشمي، ولا مولاه، مع قطع المنفعة عن المملك من كل وجه لله تعالى، انتهى. قال ابن عابدين: يعني أنها اسمٌ للمعنى المصدري لوصفها بالوجوب الذي هو من صفات الأفعال، ونقل القهستاني أنها شرعاً القدر الذي يخرجه إلى الفقير، ثم قال: وفي الكرماني: إنها في القدر مجاز شرعاً، فإنها إيتاء ذلك القدر، وعليه المحققون، انتهى. الثالث: ما في ((الدر المختار))(١): أنها لا تجب على الأنبياء إجماعاً. قال ابن عابدين: لأنها طهرة لمن عساه أن يتدّس، والأنبياء مبرَّؤون منه، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَنِ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّا﴾ فالمراد بها زكاة النفس من الرذائل التي لا تليق بمقامات الأنبياء عليهم السلام، أو أوصاني بتبليغ الزكاة، وليس المراد زكاة الفطر، لأن مقتضى جعل عدم الزكاة من خصوصياتهم أنه لا فرق بين زكاة المال والبدن، انتهى. وفي ((حاشية الدسوقي)): لا زكاة على الأنبياء، لأنهم لا ملك لهم مع الله، وقريب منه في المعنى أنهم لا يورثون، ثم هو ذوق خاص بهم، وإلا فكل أحد لا ملك له مع الله، كذا في ((ضوء الشموع))، انتهى. وفي ((الأنوار الساطعة)) من ((حاشية الصاوي)) للمالكية: لا زكاة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لأن ما بأيديهم ودائع الله تعالى، وهذا على مذهبنا وهو خلاف مذهب الشافعي، انتهى. زاد الدسوقي: كما قال بعضهم من أنهم لا يملكون وهو خلاف مذهب الشافعي، كما قاله بعض شراح ((الرسالة))، وفي ((تفسير روح المعاني))(٢): قوله (١) (٢٠٢/٣). (٢) (١٦/ ٨٩) طبع الهند. ٤٨٥ ١٩ - كتاب الزكاة تعالى: ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾، الظاهر المراد بهما ما شرع في البدن والمال على وجه مخصوص، وقيل: المراد بالصلاة الدعاء، وبالزكاة تطهير النفس عن الرذائل، ويتعين هذا في الزكاة، على ما نقل عن ابن عطاء الله، وإن كان منظوراً فيه من أنه لا زكاة على الأنبياء، لأن الله تعالى نزّههم عن الدنيا، فما في أيديهم للّه تعالى، ولذا لا يُؤْرِثُون، أو لأن الزكاة تطهيرٌ وكسبهم طاهرٌ، وقيل: لا يتعين، لأن ذلك أمر له بإيجاب الزكاة على أمته، وهو خلاف الظاهر، وإذا قيل بحمل الزكاة على الظاهر، فالظاهر أن المراد: أوصاني بأداء زكاة المال إن ملكتُه، انتهى. وفي (روح البيان)): الظاهر أن إيصاءه بهما لا يستلزم غناه، بل هي بالنسبة إلى أغنياء أمته، وعموم الخطابات الإلهية منسوب إلى الأنبياء تهييجاً للأمة على الائتمار والانتهاء، انتهى. البحث الرابع: في حِكَم الزكاة، وإن لم يمكن بلوغ الإدراكات النفسانية إلى غاية ما أودع الله عز اسمه من الحِكم الكثيرة في أحكامه الشرعية، إلا أن حكماء الشرع فَصَّلوا شيئاً من ذلك على قدر عقولهم. وأجاد الشيخ ابن القيم في ذلك في ((الهدي))(١) كلاماً وجيزاً ذكر فيها الحِكم في الأموال التي تجب فيها الزكاة. وأفاد شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في ((حجة الله البالغة))(٢) ما نصه: إن عمدة ما رُوعي في الزكاة مصلحتان: مصلحة ترجع إلى تهذيب النفس وهي أنها أحضرت الشحّ، والشُخُ أقبحُ الأخلاق ضارٌّ بها في المعاد، ومن كان شحيحاً فإنه إذا مات بقي قلبه متعلقاً بالمال، وعُذّب بذلك، ومن تمرَّن -------- - (١) انظر: ((زاد المعاد)) (١٤٥/١ - ١٤٦). (٢) (٣٩/٢). ٤٨٦ ١٩ - كتاب الزكاة بالزكاة، وأزال الشحَّ من نفسه كان ذلك نافعاً له، وأنفع الأخلاق في المعاد بعد الإخبات للّه تعالى هو سخاوة النفس، فكما أن الإخبات يُعِدُّ للنفس هيئة التطلع إلى الجبروت، فكذلك السخاوة تُعِدُّ لها البراءة عن الهيئات الخسيسة الدُّنيوية، وذلك لأن أصل السخاوة قهر المَلَكيةِ البهيميّةَ، وأن تكون الملكية هي الغالبة، وتكون البهيمية منصبغةً بصبغها آخذة حكمها، ومن المنبهات عليها بذل المال مع الحاجة إليه، والعفو عمَّن ظلم، والصبر على الشدائد في الكريهات، بأن يهون عليه ألم الدنيا لإيقانه بالآخرة. فأمر النبي ◌َ ﴿ بكل ذلك وضبط أعظمها(١)، وهو بذل المال بحدود، وقُرِنَتْ بالصلاة والإيمان في مواضع كثيرة من القرآن، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿قَالُوْلَـ ١) وأيضاً: فإنه نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَيِضِينَ (@)﴾( إذا عنت للمسكين حاجةٌ شديدةٌ، واقتضى تدبير الله تعالى أن يسدَّ خُلّته بأن يلهم الإنفاق عليه في قلب رجل، فكان هو ذلك انبسط قلبه للإلهام، وتحقق له بذلك انشراح روحاني، وصار معدّاً لرحمة الله تعالى نافعاً جداً في تهذيب نفسه. وأيضاً فالمزاج السليم مجبولٌ على رِقَّة الجنسية، وهذه خصلة عليها يتوقف أكثر الأخلاق الراجعة إلى حسن المعاملة مع الناس، فمن فقدها ففيه ثُلْمةٌ يجب عليه سدُّها، وأيضاً فإن الصدقات تُكَفِّر الخطيئات، وتزيد في البركات . ومصلحة ترجع إلى المدينة، وهي أنها تجمع لا محالة الضعفاء وذوي الحاجة، وتلك الحوادث تغدو على قوم وتروح على آخرين، فلو لم تكن السنة مؤاساة الفقراء وأهلِ الحاجات، لهلكوا وماتوا جوعاً. (١) أي الخصال. (٢) سورة المدثر، الآيات: ٤٣ - ٤٥. ٤٨٧ ١٩ - كتاب الزكاة وأيضاً فنظام المدينة يتوقف على مال يكون به قوام معيشة الحفظة(١) الذابِّيْن عنها والمُدَبِّرِيْن السائسين لها، ولما كانوا عاملين للمدينة عملاً نافعاً مشغولين به عن اكتساب كفافهم، وجب أن يكون قوام معيشتهم عليها، والإنفاقات المشتركة لا تسهل على البعض أو لا يقدر عليها البعض، فوجب أن تكون جباية الأموال من الرعية سنة، ولما لم يكن أسهل ولا أوفق بالمصلحة من أن تجعل إحدى المصلحتين مضمومة بالأخرى، أدخل الشارع إحداهماً في الأخرى، انتهى. وقال أيضاً في موضع آخر: إن المسكين إذا عنت له حاجة، وتَضَرَّعَ إلى الله فيها بلسان المقال أو الحال قَرَعَ تضرعُه باب الجود الإلهي، وربما تكون لمصلحة أن يُلْهم في قلب زكي أن يقوم بسدّ خُلَّته، فإذا تغشَّاه الإلهام، وانبعث فيه رضي الله عنه، وأفاض عليه البركات من فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله، وصار مرحوماً . وسألني مسكين ذات يوم في حاجة اضطرّ فيها، فأوجست في قلبي إلهاماً يأمرني بالإعطاء، ويُبَشِّرُني بأجر جزيل في الدنيا والآخرة، فأعطيتُ، وشاهدت ما وعدني ربي حقاً، وكان قرعه لباب الجود وانبعاث الإلهام واختياره لقلبي يومئذٍ وظهور الأجر كل ذلك بمرأى مني، وربما كان الإنفاق في مصرفٍ مظنةً لرحمة إلهية كما إذا انعقدت داعية في الملأ الأعلى بتنويه ملة، فصار كل من يتعرض لتمشية أمرها مرحوماً، وتكون تمشيته يومئذٍ في الإنفاق كغزوة العسرة إلى آخر ما قاله. الخامس: في بدء فرضيتها، قال الحافظ (٢): اختلف في أول وقت فرض (١) كالغزاة. (٢) ((فتح الباري)) (٢٦٦/٣). ٤٨٨ -------- ز ١٩ - كتاب الزكاة الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في ((الروضة))، وجزم ابن الأثير في ((التاريخ)) بأن ذلك كان في السنة التاسعة، وفيه نظر، فقد ورد في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس، وفي عدة أحاديث ذكر الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: ((يأمرنا بالزكاة))، لكن يمكن تأويل كل ذلك، وادّعى ابن خزيمة في ((صحيحه)): أن فرضها كان قبل الهجرة، ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة، اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة، لأن الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خلاف. وثبت عند أحمد وابن خزيمة والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله ( بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة الزكاة، فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله، إسناده صحيح، وهو دالٌّ على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة وهو المطلوب، ووقع في ((تاريخ الإسلام)): في السنة الأولى فرضت الزكاة، انتهى. وقال القاري(١): قيل: فرضت زكاة الفطر في السنة الثانية مع الصوم، وفرض غيرها بعد ذلك في تلك السنة، والمعتمد أن الزكاة فرضت بمكة إجمالاً، وبُيِّنَتْ بالمدينة تفصيلاً، جمعاً بين الآيات التي تدل على فرضيتها بمكة وغيرها من الآيات والأدلة. وفي ((شرح الإقناع)) (٢): وفرضت في السنة الثانية بعد زكاة الفطر، قال (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١١٨/٤). (٢) (٣١٣/٢). ٤٨٩ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (١) باب ما تجب فيه الزكاة محشيه: واختلفوا في أي شهر منها، والذي قال البابلي: المشهور عن المحدثين أنها فرضت في شوال من السنة المذكورة، وفي ((الدر المختار))(١): فرضت في السنة الثانية قبل فرض رمضان. وفي ((الخميس)): في وقائع السنة الثانية، قال: وفي هذه السنة فرضت زكاة الفطر، وكان ذلك قبل العيد بيومين، كذا في ((أسد الغابة))، فخطب الناس قبل الفطر بيومين يُعَلِّمُهم زكاة الفطر، وكان ذلك قبل أن تُفْرض زكاة الأموال. ثم قال بُعَيدَ ذلك: وفيها فرضت زكاة الأموال، وقيل: في السنة الثالثة، وقيل: في الرابعة، وقيل: قبل الهجرة، وثبتت بعدها، انتهى. (١) ما تجب فيه الزكاة قال الباجي(٢): لفظ الترجمة يحتمل معنيين؛ أحدهما: أن يبين مقدار ما تجب فيه الزكاة، والثاني: أن يبين جنس ما تجب فيه الزكاة، وقد قصد مالك - رحمه الله - الأمرين جميعاً، فأدخل حديث أبي سعيد، فبيّن فيه نصاب الزكاة، وأدخل قول عمر بن عبد العزيز، وفيه جنس ما تجب فيه الزكاة، انتهى. قلت: والظاهر عندي أن المصنف أراد المعنى الثاني أي: بيان الأنواع التي تجب فيها الزكاة، وسيأتي في كلام المصنف أنها ثلاثة أنواع: العين والحرث، والماشية، وسيأتي الكلام عليها في الحديث، ولأجل هذه الثلاثة ذكر حديث أبي سعيد، وأما نصاب المقدار في كل نوع، فيأتي في مواضعه مفصلاً . -- -- --- --* (١) (٢٠٢/٣). (٢) ((المنتقى)) (٩٠/٢). ٤٩٠ ------ ---- ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث ١/٦٣٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَله: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ . ١/٦٣٧ - (مالك، عن عمرو بن يحيى المازني) بكسر الزاي، وفي «موطأ ابن وهب)): مالك أن عمرو بن يحيى حَدَّثَه (عن أبيه) يحيى بن عمارة بن أبي حسن، وللبخاري من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري: عن عمرو بن يحيى أنه سمع أباه (أنه قال) أي يحيى: (سمعت أبا سعيد) سعد بن سنان (الخدري) الصحابي ابن الصحابي. قد حكى ابن عبد البر(١) عن بعض أهل العلم: أن حديث الباب لم يأت إلا من حديث أبي سعيد الخدري، قال: وهو الأغلب، إلا أني وجدته من سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ومن طريق عمرو بن دينار عن جابر، وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن جابر، وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة وأبي رافع ومحمد بن عبد الله بن جحش، أخرج الأحاديث الأربعة الدارقطني، ومن حديث ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة، كذا في ((الفتح))(٢). (يقول: قال رسول الله ◌َّ: ليس فيما دون) أي أقل من (خمس ذود) بفتح المعجمة، وسكون الواو بعدها مهملة، زاد التّنِّيسي ((من الإبل)) وهو بيان لِذَوْدٍ، وقال النووي(٣): الرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود، وروي بتنوین خمس، ويكون بدلاً منه، قال الزين بن المنير: إضافة خمس إلى ذود، وهو مذَكَّرٌ لأنه يقع على الواحد فقط، فلا يدفع ما نقله غيره أنه يقع على الجمع، انتهى. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٧/٩) و((التمهيد)) (١١٦/١٣، ١١٧). (٢) ((فتح الباري)) (٣١٠/٣). (٣) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (٧/ ٥٠). ٤٩١ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث صَدَقَةٌ ، والأكثر على أن الذود من الثلاثة إلى العشر، وأنه لا واحد له من لفظه، وقال أبو عبيد: من الثنتين إلى العشرة، قال: وهو يختص بالإناث، وقال سيبويه: تقول: ثلث ذودٍ، لأن الذود مؤنث، وليس باسم كسر عليه مذكر، وقال القرطبي: أصله ذاد يذود إذا دفع شيئاً فهو مصدر، وكان من كان عنده دفع عن نفسه معرَّةَ الفقر وشدة الفاقة والحاجة. وقوله: ((من الإبل))(١) بيانٌ للذود، وأنكر ابن قتيبة أن يراد بالذود الجمع، وقال: لا يصح أن يقال: خمس ذود، كما لا يصح أن يقال: خمس ثوب، وغلطه العلماء في ذلك، لكن قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبل، كما قال: ثلثمائة على غير. قياس، انتهى. يعني القياس مئات ومئين. وفي ((العيني))(٢): هي من الإبل من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: ما بين الثنتين والتسع من الإناث دون الذكور، وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة، وقيل: إلى عشرين، وقال ابن الأعرابي: إلى الثلاثين ولا يكون إلا من الإناث، قلت: لكن المراد في الحديث عام من الذكور والإناث. (صدقة) أي: واجبة يعني لا يجب شيء في أقل من خمس إبل. أما وجوب الزكاة في الإبل فمما أجمع عليه علماء الإسلام، ولا خلاف في ذلك بينهم وصحت فيها السنة بروايات مختلفة وطرق عديدة، وأجمع المسلمون أيضاً على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه، لحديث الباب المتفق عليه، ولقوله وم18 في هذا الحديث: ((ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس عليه فيها صدقة إلا أن يشاء ربها)). كذا في ((المغني)) (٣). ------- (١) ((فتح الباري)) (٣٢٣/٤). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٥٤/٦). (٣) انظر: (٤/ ١١). i ٤٩٢ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ ، (وليس فيما دون خمس أواق) بالتنوين، كجوارٍ، أي من الورق، كما في الرواية الآتية، قال الحافظ: أواقٍ بالتنوين وبإثبات التحتية مشدّداً، ومخفّفاً، جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية، وحكى الجبائي: وقية بحذف الألف وفتح الواو، ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهماً بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروباً أو غير مضروب، قال عياض: قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان، فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. قال: وهذا يلزم منه أن يكون ◌َ و أحال بنصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل، والصواب أن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام، وكانت مختلفة في الوزن بالنسبة إلى العدد، فعشرة مثلاً وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن ينقش بكتابة عربية، ويصير وزنها وزناً واحداً، وقال غيره: لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام، وأما الدرهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، انتهى. وفي ((المرقاة)) عن ابن الهمام: هي من الوقاية، لأنها تقي صاحبها عن الحاجة، انتهى. (صدقة) قال الحافظ(١): لم يخالف في أن نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالاً من الفضة الخالصة، إلا ابن حبيب الأندلسي، فإنه انفرد بقوله: إن كل أهل بلد يتعاملون بدراهمهم، وذكر ابن عبد البر اختلافاً في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد، وكذا خرق المريسي الإجماع، فاعتبر النصاب بالعدد لا الوزن، وانفرد السرخسي من الشافعية بحكاية وجه في المذهب، أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدراً لو (١) ((فتح الباري)) (٣١١/٣). ٤٩٣ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث ضم إليه قيمة الغش من نحاس مثلاً لبلغ نصاباً، فإن الزكاة تجب فيه كما نقل عن أبي حنيفة، واستدل بهذا الحديث على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب، ولو حبة واحدة، خلافاً لمن سامح بنقص يسير كما نقل عن بعض المالكية، انتهى. وسيأتي الكلام على النقص اليسير قريباً. وقال الموفق(١): إن نصاب الفضة مائتا درهم، لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام، وقد بينته السنة، وهي ما في البخاري (٢) وغيره في كتاب أنس: (وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)) . وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، والدراهم التي يعتبر بها النصاب هي الدراهم التي كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكل درهم نصف مثقال وخُمسُه، وهي الدراهم الإسلامية التي تُقَدَّرُ بها نُصُب الزكاة، ومقدار الجزية، والديات، ونصاب القطع في السرقة، وغير ذلك، وكانت الدراهم في صدر الإسلام صنفين سُؤْداً وطبريّةً، وكانت السودُ ثمانية دوانق، والطبريّة أربعة دوانق، فجمعا في الإسلام، وجعلا درهمين متساويين، في كل درهم ستة دوانيق، فعل ذلك بنو أمية، انتهى. قال ابن رشد في ((البداية))(٣): المقدار الذي تجب فيه الزكاة من الفضة، فإنهم اتفقوا على أنه خمسة أواقٍ لحديث الباب ما عدا المعدن من الفضة، فإنهم اختلفوا في اشتراط النصاب منه، وفي المقدار الواجب فيه، والأوقية أربعون درهماً كيلاً، وأما القدر الواجب فإنهم اتفقوا على أن الواجب في ذلك هو ربع العشر ما لم يكونا خرجًا من المعدن. (١) ((المغني)) (٢٠٩/٤). (٢) ((صحيح البخاري)) (١٤٥٤). (٣) (بداية المجتهد)) (٢٥٥/١). ----- -٤٩٤ --- ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقِ صَدَقَةٌ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٣٢ - باب زكاة الورق. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، حديث ١. واختلفوا من هذا الباب في مواضع خمسة؛ أحدها: في نصاب الذهب، والثاني: هل فيهما أوقاص أم لا؟ والثالث: هل يضم بعضها إلى بعض في الزكاة؟، والرابع: هل من شرط النصاب أن يكون الملك واحداً أم لا؟ الخامس: في اعتبار نصاب المعدن وحوله وقدر الواجب فيه، انتهى. (وليس فيما دون خمسة أوسق) جمع وسق، بفتح الواو وسكون السين على ما في ((النهاية)) و((القاموس))، قاله القاري(١). قال الحافظ: ويجوز كسر الواو كما حكاه صاحب ((المحكم))، وجمعه حينئذ أوساق كحمل وأحمال، وقد وقع كذلك في رواية لمسلم: وهو ستون صاعاً بالاتفاق، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق أبي البختري عن أبي سعيد نحو هذا الحديث، وفيه: الوسق ستون صاعاً، وأخرجها أبو داود أيضاً لكن قال: ستون مختوماً، انتهى. وقال العيني(٢): الوسق حمل بعير، وقيل: هو ستون صاعاً، وقيل: هو الحمل عامة، ووسق البعير وأوسقه: أوفره، ذكره ابن سيده، وفي ((الصحاح)): الوسق: حمل البغل والحمار، وقيل: الوسق: العدلان، انتهى. ثم قال الحافظ في موضع آخر: اختلف في هذا النصاب هل هو تحديد أو تقريب؟ وبالأول جزم أحمد وهو أصح الوجهين للشافعية، إلا أن كان نقصاً يسيراً جداً مما لا ينضبط فلا يضر، قاله ابن دقيق العيد، وصحّح النووي في ((شرح مسلم)) أنه تقريب، انتهى. (صدقة) اختلفوا في المراد بالصدقة، فقال الجمهور: المراد بها العشر، (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٣٩/٤). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٥٤/٦). ٤٩٥ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث وحكى الشراح عن الإمام أبي حنيفة ومن معه: أن المراد بها أيضاً الزكاة كالأولين، والمنفي زكاة التجارة، وتوضيح ذلك: أن نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق لحديث الباب عند الشافعي ومالك وأحمد وأبي يوسف ومحمد وداود الظاهري وغيرهم، إلا أنهم اختلفوا في ذلك فيما لا يكال ولا يوسق، فقال داود: إن كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة، قال الحافظ: هو نوع من الجمع بين الحديثين، كذا في ((الفتح))(١). وقال أبو يوسف: فيما لا يوسق كالزعفران والقطن يجب فيه العشر إذا بلغت قيمته خمسة أوسق من أدنى ما يوسق كالذرة في زماننا، وقال محمد: يجب العشر إذا بلغ الخارج خمسة أعداد من أعلى ما يقدر به نوعه، فاعتبر في القطن خمسة أحمال، وفي الزعفران خمسة أمناء، كذا في ((الهداية)). واختلفت أقوال الشافعية في ما لا يدخل تحت الكيل، كما في فروعهم، وفي ((شرح الإحياء)): الزعفران والورس لا زكاة فيهما على الجديد المشهور، وقال في القديم: تجب، فإن أوجبنا فيهما فالمذهب أنه لا يعتبر النصاب بل يجب في القليل، وقيل: فيه قولان، انتهى. وقال الإمام أبو حنيفة ومن معه: إن حديث الباب محمول على زكاة التجارة، قال العيني: وهم عمر بن عبد العزيز ومجاهد وإبراهيم النخعي، قال أبو عمر: وهذا أيضاً قول زفر ورواية عن بعض التابعين، وأخرج عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن عمر بن عبد العزيز قال: فيما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر، وأخرج نحوه عن مجاهد وإبراهيم النخعي، واستدلوا بما روي من أحاديث العموم من («العشر فيما سقت السماء، ونصف العشر فيما سقي بالنضح))، ذكرها العيني. (١) ((فتح الباري)) (٣١١/٣). ٤٩٦ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث ٠ ٠ ثم قال: وهذه الأحاديث كلها مطلقة، وليس فيها فصل، والمراد من لفظ الصدقة في حديث الباب زكاة التجارة، لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهماً، قال الجصاص في ((أحكام القرآن)): قد روي ((ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة)) فجائز أن يريد به زكاة التجارة، بأن يكون سأل سائل عن أقل من خمسة أوسق طعام أو تمر للتجارة فأخبر أن لا زكاة فيه، فنقل الراوي كلام النبي ◌َّ﴾ وترك ذكر السبب كما يوجد ذلك في كثير من الأخبار، انتهى. قال ابن رشد (١): سبب الخلاف في ذلك معارضة العموم الخصوص، والحديثان ثابتان، فمن رأى أن الخصوص يبني على العموم قال: لا بد من النصاب، ومن قال: هما متعارضان إذا جهل المتقدم، ومن رجح العموم قال: لا نصاب، انتهى. قلت: واستدل للحنفية بالرواية الخاصة أيضاً بمقابلة الخاص، وهي ما رواه الطحاوي عن جابر بن عبد الله مرفوعاً، ((وفي كل عشرة أقناءٍ قِنْوٌ يوضع في المساجد للمساكين))، كذا في ((العرف))(٢). قال ابن العربي (٣): أقوى المذاهب مذهب أبي حنيفة دليلاً، وأحوطها للمساكين، وأولاها قياماً شكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية، والحديث، ورام الجويني على تحقيقه أن يخرج عموم الحديث من يدي أبي حنيفة بأن قال: هذا الحديث للعموم، وإنما جاء بتفصيل الفرق بين ما تقل مؤنته وتكثر، وليس يمتنع أن يقتضي الحديث الوجهين العموم والتفصيل، وذلك الحمل (٤) في الدليل وأصح في التأويل، انتهى. (١) ((بداية المجتهد)) (٢٦٥/١). (٢) انظر: ((معارف السنن)) للبنّوري (٢٠٩/٥). (٣) ((عارضة الأحوذي)) (١٣٥/٣). (٤) كذا في الأصل، والظاهر عندي أكمل، اهـ ز. ٤٩٧ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث قلت: ولو سُلِّمَ ما قالوا فلهم أجوبة أخرى. الأول: أنه منسوخ، قال العيني(١): ومن الأصحاب من جعله منسوخاً، ولهم في تقريره قاعدة، فقالوا: إذا ورد حديثان، أحدهما عام والآخر خاصٌ، فإن علم تقديم العام على الخاص خُصَّ العام به، وإن عُلِمَ تقديم الخاص ينسخ بالعام، قال محمد بن شجاع الثلجي: هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخراً لما فيه من الاحتياط، وههنا لم يعلم تاريخه فجعل العام آخراً احتياطاً، انتهى. : والثاني: أنها أخبار آحاد لا تقبل في مقابلة الكتاب، وهو عموم قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، حكاه العيني عن بعض الأصحاب، قال الرازي في تفسيره: قال أبو حنيفة: العشر واجب في القليل والكثير، واحتج بهذه الآية فقال: قوله: وآتوا حقه يوم حصاده، يقتضي ثبوت حق في القليل والكثير، فإذا كان ذلك الحق هو الزكاة، وجب القول بوجوب الزكاة في القليل والكثير . وقال أيضاً قبل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة، وهو العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان، يدل على وجوب الزكاة في الكل، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار كما كان أبو حنيفة - رضي الله عنه - يقوله، فإن قالوا: لفظ الحصاد مخصوص بالزرع، فنقول: في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع، والدليل عليه أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع، وذلك يتناول الكل، وأيضاً الضمير في قوله: ((حصاده)) يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وذلك هو الزيتون والرمان، فوجب أن يكون الضمير عائداً إليه، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (٣٥٨/٦). ٤٩٨ عطمـ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث والثالث: ما قاله الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): أنه إذا روي عن النبي ◌َ﴾ خبران؛ أحدهما عام والآخر خاص، واتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختُلِف في استعمال الآخر، فالمتفق على استعماله قاضٍ على المختلف فيه، فلما كان خبر العشر متفقاً على استعماله، واختلفوا في خبر المقدار، كان استعمال خبر العشر على عمومه أولى، وكان قاضياً على المختلف فيه، فأما أن يكون الآخر منسوخاً أو يكون تأويله محمولاً على معنى لا ينافي شيئاً من خبر العشر. والرابع: أيضاً ما في ((أحكام القرآن)): أن ((فيما سقت السماء العشر)) عام في إيجابه في الموسوق وغيره، وخبر الخمسة أوسق خاص في الموسوق دون غيره، فغير جائز أن يكون بياناً لمقدار ما يجب فيه العشر، لأن حكم البيان أن يكون شاملاً لجميع ما اقتضى البيان، فلما كان خبر الأوساق مقصوراً على ذكر مقدار الوسق دون غيره، وكان خبر العشر عموماً في الموسوق وغيره، علمنا أنه لم يرد مورد البيان لمقدار ما يجب فيه العشر. وأيضاً فإن ذلك يقتضي أن يكون ما يوسق يعتبر في إيجاب الحق بلوغ مقداره خمسة أوسق، وما ليس بموسوق يجب في قليله وكثيره لقوله عليه السلام: ((فيما سقت السماء العشر))، وفَقْدِ ما يوجب تخصيص مقدار ما لا يدخل في الأوساق، وهذا قول مطروح، والقائل به ساقط لاتفاق السلف والخلف على خلافه، انتهى. قلت: وبهذا سقط ما أورده البخاري في (صحيحه)) بأن المُفَسَّرَ يقضي على المبهم، يعني الخاص يقضي على العام، لأن محل ذلك إذا كان البيان وفق المبين لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، أما إذا بقي شيء من أفراد العام، (١) (١٤/٣). ٤٩٩ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٧) حديث فإنه يتمسك به كحديث أبي سعيد هذا، فإنه دل على النصاب فيما يقبل التوسيق، وسكت عما لا يقبله، فيتمسك بعموم قوله عليه السلام: ((فيما سقت السماء العشر)). والخامس: أيضاً ما في ((أحكام القرآن))(١) إذ قال: وأيضاً فقد ذكرنا أن الله حقوقاً واجبة في المال غير الزكاة ثم نسخت بالزكاة، كما روي عن أبي جعفر محمد بن علي والضحاك، قالا: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن، فجائز أن يكون هذا التقدير معتبراً في الحقوق التي كانت واجبة فُسِخَتْ، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَالْيَى﴾(٢) الآية . ونحو ما روي عن مجاهد: إذا حصدت طرحت للمساكين، وإذا أكسدت وإذا نقيت، وإذا علمت كيله عزلت زكاته، وهذه الحقوق غير واجبة اليوم، فجائز أن يكون ما روي من تقدير الخمسة الأوسق كان معتبراً في تلك الحقوق، وإذا احتمل ذلك لم يجز تخصيص الآية والأثر المتفق عليه على نقله، انتهى. والسادس: ما أشار إليه القاري أنهما لما تعارضا في الإيجاب فيما دون خمسة أوسق كان الإيجاب أولى للاحتياط، انتهى. والسابع: ما في ((العرف الشذى))(٣) عن ((العيني)): أن حديث الباب في المتفرقات (چنده)(٤) قال: وجواب العيني نافذ لأن جمعه عليه الصلاة والسلام المتفرقات في بعض الأحيان ثابت، لكن روى الطحاوي بلفظ: ((ما سقت السماء أو بعلاً فيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق))، انتهى ... (١) (١٤/٣). (٢) سورة النساء: الآية ٨. (٣) انظر: ((معارف السنن)) (٢٠٦/٥). (٤) هذا فى اللغة الأردية والمراد به جمع التبرّعات. ٥٠٠