Indexed OCR Text

Pages 421-440

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
يحتاج إلى الخروج للجمعة، وخروجاً من خلاف من أوجبه، بل لو نذر مدة
متتابعة فيها يوم جمعة، وكان ممن تلزمه الجمعة ولم يشترط الخروج لها وجب
الجامع، لأن خروجه لها يبطل تتابعه، انتهى.
وفي ((حاشيته)): قوله: وجب الجامع، أي لأجل الجمعة، فلو اعتكف
في غيره صح الاعتكاف، وإن أثم بترك الجمعة، انتهى.
ولا يبطله الخروج للجمعة عند الحنابلة والحنفية. ففي ((نيل المآرب)):
ولا يبطل إن خرج لجمعة تلزمه، لأن الخروج إليها معتادة لا بد منه، وأوقات
الاعتكاف التي تتخللها الجمعة لا تسلم منه، فصار الخروج إليها كالمستثنى،
انتهى .
قال الموفق(١): لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد تقام الجماعة فيه، لأن
الجماعة واجبة، والاعتكاف في غيره يُفْضِي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة
الواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر الخروج كثيراً مع إمكان التحرز منه، وذلك
منافٍ للاعتكاف، ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلاً،
لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافاً، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ
فِي الْمَسَجِدِ﴾(٢) فخصها لذلك، وفي حديث عائشة عند الدار قطني: ((السنة
للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا اعتكاف إلا في مسجد
جماعة))، وقول الشافعي في اشتراطه موضعاً تقام فيه الجمعة لا يَصِحُّ للأخبار،
ولأن الجمعة لا تتكرر، فلا يضر وجوب الخروج إليها، ولو كان الجامع تقام
فيه الجمعة وحدها ولا يُصَلّى فيه غيرها، لم يصح الاعتكاف فيه، ويصح عند
مالك والشافعي.
(١) ((المغني)) (٤٦١/٤).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
٤٢١

--
--
١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
فَإِنْ كَانَ مَسْجِداً لا يُجَمَّعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، ولَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إِنْيَانٌ
الْجُمُّعَةِ فِي سَسْجِدٍ سِوَاءُ، فَإِنِّي لا أَرَى بَأْساً بِالاعْتِكَافِ فِيهِ، لأَنَّ اللَّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَنْتُمْ
ومبنى الاختلاف أن الجماعة واجبة عندنا، فيلتزم الخروج إليها، فيفسد
اعتكافه، وعندهم ليست واجبة، وإن كان اعتكافه مدةً غير وقت الصلاة؛ كليلة
أو بعض يوم، جاز في كل مسجد لعدم المانع، انتهى مختصراً.
وفي ((الهداية))(١): لا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان والجمعة،
أما الحاجة فلحديث عائشة، وأما الجمعة فلأنها من أهم حوائجه وهي معلوم
وقوعها، وقال الشافعي: الخروج إليها مفسد، لأنه يمكنه الاعتكاف في
الجامع، ونحن نقول: الاعتكاف في كل مسجد مشروع، وإذا صح الشروع
فالضرورة مطلقة في الخروج، انتهى.
قلت: وأيضاً الاعتكاف في الجامع يكون سبباً لكثرة مشيه وغيبته عن
المسجد لبعد منزله، فالخروج في الأسبوع مرة للجمعة أهون عن غيبته ساعات
في كل يوم وليلة، على أن فيه إخلاء المساجد عن الاعتكاف وهجرانها، كما
قاله الزيلعي.
(فإن كان) أي: المسجد الذي اعتكف فيه، والظاهر أن هذا من كلام
مالك - رضي الله عنه - كما يدل عليه قوله: لا أرى به بأساً بصيغة المتكلم،
وميز صاحب ((المدونة)) هذا الكلام عن الكلام السابق بلفظ: ((قال)) وهو قرينة
أخرى، (مسجداً لا يجمع فيه الجمعة، ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في
مسجد) آخر (سواه) أي: سوى المسجد الذي اعتكف فيه، وذلك إما لانقضاء
مدة اعتكافه قبل مجيء الجمعة أو لكون المعتكف ممن لا تجب عليه الجمعة،
(فإني لا أرى بأساً) وحرجاً (بالاعتكاف فيه) أي: في مسجد لا يجمع فيه، ثم
ذكر دليلاً لذلك، فقال: (لأن الله تبارك وتعالى قال:) ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ (وَأَنْتُمْ
(١) (٢٩١/٢) ط باكستان.
٤٢٢
İ

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
عَنْكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ فَعَمَّ اللَّهُ الْمَسَاجِدَ كُلُّهَا وَلَمْ يَخْصَّ شَيْئاً
مِنْهَا.
قَالَ مَالِكٌ: فَمِنْ هُنَالِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسَاجِدِ، الَّتِي
لا يُجَمَّعُ فِيهَا الْجُمُعَةُ، إِذَا كَانَ لَا يَحِبُّ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إِلَى
الْمَسْجِدِ الَّذِي تُجَمَّعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ .
عَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾(١) فعمم الله) عز وجل (المساجد كلها ولم يخصص) من
التفعيل فيهما في النسخ الهندية، ومن المجرد في النسخ المصرية (شيئاً منها)
أي من المساجد، بالجامع وغير الجامع.
(قال مالك: فمن هنالك) أي من عموم قوله تعالى (جاز له أن يعتكف في
المساجد التي لا يجمع فيها الجمعة إذا كان) المعتكف (لا يجب عليه أن يخرج
منه) أي من المسجد الذي اعتكف فيه (إلى المسجد الذي يجمع فيه الجمعة).
والحاصل أن عموم قوله تعالى يعم المساجد كلها، فلا تخصيص فيه
بمسجد دون مسجد، إلا أن المعتكف إذا كان ممن يجب عليه الجمعة، وتأتي
الجمعة في زمن اعتكافه، فيتعين الجامع لعارض الجمعة، وتقدمت أقوال
الأئمة في ذلك.
واتفق الأئمة كلهم على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن لبابة
المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد
بيتها، وهو المكان المعدّ للصلاة فيه، وفيه قول قديم للشافعي، وفي وجه
لأصحابه، وللمالكية: يجوز للرجال والنساء، لأن التطوع في البيوت أفضل.
كذا في ((الفتح)) (٢). وقال أيضاً: شرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون
في مسجد بيتها، وفي رواية لهم: لها الاعتكاف في المسجد مع الزوج، وبه
قال أحمد، انتهى.
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٧٢/٤).
٤٢٣

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
قال ابن رشد (١): أما سبب اختلافهم في المرأة فمعارضة القياس للأثر،
انتهى. قلت: وسيأتي ذلك في حديث الأخبية.
وفي ((العيني))(٢): قال حذيفة: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة:
مسجد مكة، والمدينة، والأقصى، وقال سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في
مسجد نبي، وروى الحارث عن علي - رضي الله عنه -: لا اعتكاف إلا في
المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وذهب هؤلاء إلى أن الآية خرجت على نوع
من المساجد، وهو ما بناه نبي، لأن الآية نزلت على رسول الله وَ لل وهو
معتكف في مسجده، فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه
نبي.
وذهب طائفة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة،
روي ذلك عن علي وابن مسعود وعروة وعطاء والحسن والزهري وهو قول
مالك في ((المدونة))، قال: أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا في الجامع،
وقالت طائفة: يصح في كل مسجد، روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة
والشعبي، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، والثوري، وأحمد،
وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وهو قول مالك في ((الموطأ))، وهو قول الجمهور
والبخاري أيضاً، حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد، وفي ((الذخيرة»
للمالكية: قال مالك: يعتكف في المسجد سواء أقيم فيه الجماعة أم لا، وفي
((المنتقى)): عن أبي يوسف: الاعتكاف الواجب لا يجوز أداؤه في غير مسجد
الجماعة، والنفل يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة، انتهى.
قلت: لا فرق بين ((المدونة)) و ((الموطأ)) كما ترى، ولم أر تخصيص
(١) ((بداية المجتهد)) (٣١٤/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٤١/١١).
٤٢٤
----- -
-----
... .. .
---
-

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلا بَبِيتُ الْمُعْتَكِّفُ إِلا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ ..
مسجد الجماعة في فروع المالكية من ((المدونة)) و((الشرح الكبير)) وغيرهما،
وفي ((الدر المختار)) (١): الاعتكاف هو لبث ذكر في مسجد جماعة هو ما له
إمام ومؤذن، أديت فيه الخمس أو لا، وعن الإمام: اشتراط أداء الخمس فيه،
وصححه بعضهم، وقالا - أي صاحباه -: يصح في كل مسجد، وصححه
السروجي، وأما الجامع فيصح فيه مطلقاً اتفاقاً، قال ابن عابدين: أي وإن لم
يصلوا فيه الصلوات كلها، انتهى.
واختلف أهل النقل في بيان مذهب الإمام أحمد - رضي الله عنه -، وفي
((الروض المربع))(٢): لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، لأن الاعتكاف
في غيره يفضي إما إلى ترك الجماعة، أو تكرار الخروج إليها كثيراً مع إمكان
التحرز، لا من لا تلزمه الجماعة، كالمرأة والمعذور والعبد، فيصح اعتكافهم
في كل مسجد، وكذا من اعتكف من الشروق إلى الزوال مثلاً سوى مسجد
بيتها، وهو الموضع المتخذ للصلاة في البيت، لأنه ليس بمسجد حقيقةً ولا
حكماً، والمسجد الجامع أفضل لرجل يتخلل اعتكافه جمعة، انتهى.
وفي ((القسطلاني))(٣): قال في (الإنصاف)): لا يخلو المعتكف إما أن
يأتي عليه في مدة اعتكافه فعل صلاة وهو ممن تلزمه الصلاة أو لا، فإن لم
يأت عليه في مدة اعتكافه فعل صلاة، فهذا يصح اعتكافه في كل مسجد، وإن
أتى عليه في مدة اعتكافه فعل صلاة، لم يصح إلا في مسجد تصلى فيه
الجماعة على الصحيح من المذهب، انتهى.
(قال مالك: ولا يبيت المعتكف إلا في المسجد الذي اعتكف فيه) أي:
(١) (٤٩٢/٣).
(٢) (٤٤٦/١).
(٣) (٤/ ٦٨٠).
٤٢٥

٤
١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
إِلَّا أَنْ يَكُونَ خِبَاؤُهُ فِي رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ .
وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَضْرِبُ بِنَاءً يَبِيتُ فِيهِ، إِلَّ فِي
الْمَسْجِدِ، أَوْ فِي رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ.
بدأ الاعتكاف فيه (إلا أن يكون خباؤه) بكسر الخاء المعجمة وبموحدة، أي
خيمته، قال العيني(١): هو الخيمة من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، (في
رحبة) أصل الرحبة: السعة، ومنه مرحباً، أي لقيت رحباً وسعة، قال في
((المجمع)): رحبة المسجد ساحته، (من رحاب المسجد). قال الباجي: يريد
صحن المسجد داخله، وأما خارج المسجد فلا يجوز الاعتكاف فيه.
وقال الموفق (٢): ظاهر كلام الخرقي أن رحبة المسجد ليست منه، وليس
للمعتكف الخروج إليها. لقوله - أي الخرقي - في الحائض: يضرب لها خباء.
في الرحبة، والحائض ممنوعة من المسجد، وقد روي عن أحمد ما يدل على
هذا، وروى عنه المروزي: أن المعتكف يخرج إلى رحبة المسجد هي من
المسجد، قال القاضي: إن كان عليها حائط وباب فهي كالمسجد، لأنها معه
وتابعة له، وإن لم تكن محوطة لم يثبت لها حكم المسجد، فكأنه جمع بين
الروايتين، وحملهما على اختلاف الحالين، انتهى.
(قال مالك: ولم أسمع) أي من أحد من أهل العلم (أن المعتكف
يضطرب) هكذا في جميع النسخ الهندية من المتون والشروح، وفي جميع
المصرية: يضرب، وهو واضح، والأول افتعال من الضرب، قال صاحب
((المجمع)) في حديث: يضطرب بناء في المسجد، أي ينصبه، ويقيمه على أوتاد
مضروبة في الأرض، انتهى. (بناء يبيت) بزنة المضارع، من البيتوتة، (فيه) أي
في ذا البناء في موضع من المواضع، (إلا في المسجد أو في رحبة من رحاب
المسجد) ثم ذكر الحجة لذلك، فقال:
(١) ((عمدة القاري)) (١١/ ١٤٧).
(٢) انظر: ((المغني)) (٤٨٧/٣).
٤٢٦
-- -

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
وَبِمَا يَثُلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَيتُّ إِلَا فِي الْمَسْجِدِ؛ فَوْلُ عَائِشَةُ:
قَارَ وَقُولُ اللهِ لهَ إِنَّ اعْتَكَفَ لا يَدْخُلُ التَيَتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ،
وَلَا بَعْنَكِفُ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ،
+
(ومما يدل على أنه) أي المعتكف (لا يبيت إلا في المسجد) وفي حكمه
رحبة المسجد؛ لأنها أيضاً من المسجد. (قول عائشة) الذي تقدم في أول
الباب موصولاً . (كان رسول الله @: إذا اعتكف لا يدخل البيت الا نحاجة
الإنسان) فهذا الحصر صريح في أنه لا يبيت إلا في المسجد.
وحاصل هذا الكلام يحتمل وجهين :
الأول: أن المعتكف لا يجوز له أن يبيت في غير المسجد من مواضع
أخر، وبهذا فسره شُرَّاح ((الموطأ))، وهذا ظاهر، والمسألة إجماعية، كلهم
اتفقوا على أن البيتوتة خارج المسجد يفسد الاعتكاف، والاستدلال على ذلك
بحديث عائشة - رضي الله عنها - ظاهر، فإن النبي وَلّ لا يدخل البيت إلا
الحاجة الإنسان، فلا بُدَّ للمعتكف أن يبيت في المسجد أو فيما في حكمه من
الصحن وغيره، وهذا كله إذا كانت رحبة المسجد من المسجد، وأما إن كانت
خارج المسجد فالمسألة أيضاً خلافية.
والثاني: أن يكون غرض المصنف أن المعتكف لا يجوز أن يبيت إلا في
مسجده الذي بدأ الاعتكاف فيه، كما يدل عليه تقييده في أول كلامه المسجدَ
بهذه الصفة، فحينئذ تكون المسألة خلافية، وتقدم قريباً أن الخروج إلى الجامع
مُفْسِدٌ عند الشافعية والمالكية دون الحنفية والحنابلة، ثم إن بات في الجامع لا
يفسد عند الحنفية، لأنه محل اعتكاف، لكنه يكره، كما صرّح في فروعهم،
وكذلك عند الحنابلة، قال الموفق: وإذا صلى الجمعة فإن أحبَّ أن يعتكف في
الجامع فله ذلك، لأنه محل للاعتكاف، والمكان لا يتعين للاعتكاف بنذره فمع
عدم ذلك أولى، انتھی.
(قال يحيى: قال مالك: لا يعتكف أحد فوق ظهر المسجد) قال
٤٢٧

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
وَلَا فِي الْمَنَارِ، يَعْنِي الصَّوْمَعَةَ .
الباجي(١): لأن ظهر المسجد ليس من المسجد، ولذلك لا تؤدى فيه الجمعة،
وإن كانت تؤدى خارج المسجد بحيث لا يجوز الاعتكاف فيه، فإذا لم يجز
أداء الجمعة فوق ظهر المسجد لبُعْده عن حكم المسجد، فبأنْ لا يجوز
الاعتكاف فيه أولى وأحری، انتهى.
قلت: هذا عند المالكية بخلاف الأئمة الثلاثة، فإن سطح المسجد عندهم
في حكم المسجد، كما صرح به في ((نيل المآرب)) من فروع الحنابلة، وكذا في
((تحفة المحتاج))، إذ قال: سواء سطحه وروشنه، وكذا عند الحنفية، كما سيأتي
من السرخسي .
وحكى الموفق(٢) اتفاق الأئمة الأربعة على ذلك، إذ قال: يجوز
للمعتكف صعود سطح المسجد، لأنه من جملته، ولذا يمنع الجنب من اللبث
فيه، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً، ويجوز أن
یبیتَ فیه، انتهى.
(ولا في المنار) هو العَلَمُ الذي يهتدى به، أطلقه على المنارة التي يؤذن
عليها بجامع الاهتداء، فلذا قال: (يعني الصومعة)، قال الباجي: يريد أنه لا
يجوز الاعتكاف في المنار، ووجه ذلك أن له اسماً يختص به عن المسجد،
ولأنه موضع متّخذ لغير الصلاة، إنما اتخذ للإعلام بالصلاة، فلم يجز
الاعتكاف فيه كالبيت المتّخذ فيه لاختزان حُصُرِ المسجد، انتهى. قلت:
وكذلك عند الحنفية لا يصح الاعتكاف فيه، إذا كان خارج المسجد، لأنه ليس
من مسجد، وإن كان داخله فلا بأس بذلك.
ثم اختلفوا ههنا في مسألة أخرى، وهي ما قال الباجي: وهل يؤذن
(١) ((المنتقى)) (٧٩/٢).
(٢) (٤ / ٤٧٢).
٤٢٨

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حدیث
المعتكف في المنار أم لا؟ اختلف في ذلك قول مالك(١) فمنع منه مرة، وأباحه
أخرى، وجه المنع أنه من غير المسجد، فلم يمكن الخروج إليه لحاجة يمكن
الإتيان بها في المسجد، كما لو خرج للأكل، ووجه الرواية (٢) أن هذا معنى
يراد للصلاة، فلم يبطل الاعتكاف بالخروج إليه كالطهارة، وقال الإمام
السرخسي من الحنفية: وصعود المعتكف على المئذنة لا يفسد اعتكافه، أما إذا
كان باب المئذنة في المسجد فهو والصعود على سطح المسجد سواء، وإن كان
بابها خارج المسجد فكذلك، ومن أصحابنا من يقول: هذا قولهما .
فأما عند أبي حنيفة، فينبغي أن يفسد للخروج من المسجد من غير
ضرورة، والأصح أنه قولهم جميعاً، واستحسن أبو حنيفة هذا، لأنه من جملة
حاجته، فإن مسجده إنما كان معتكفاً لإقامة الصلاة فيه بالجماعة، وذلك إنما
يتأتَّى بالأذان، وهو بهذا الخروج غير معرض عن تعظيم البقعة أصلاً، بل ساع
فيما يزيد في تعظيم البقعة، فلهذا لا يفسد اعتكافه، انتهى.
وقال الموفق(٣): إن خرج إلى منارة خارج المسجد للأذان بطل اعتكافه،
قال أبو الخطاب: ويحتمل أن لا يبطل، لأن منارة المسجد كالمتصلة له،
انتھی .
وفي ((شرح الإقناع)) (٤) من فروع الشافعية: لا ينقطع التتابع بخروج مؤذن
راتب إلى منارة منفصلة عن المسجد قريبة منه للأذان، لأنها مبنية له، معدودة
(١) قال ابن عبد البر: واختلفوا في المعتكف يصعد المئذنة ليؤذِّن، كره ذلك مالك والليث،
وقالا: لا يصعد على ظهر المسجد، قال أبو حنيفة: إن يفعل لم يضره شيء ولا يفسد
اعتكافه ولو كانت خارج المسجد، وهو قول الشافعي. ((الاستذكار)) (٢٨٨/١٠).
(٢) هكذا في الأصل، والظاهر الإباحة.
(٣) ((المغني)) (٤٧٣/٤).
(٤) (٤١٥/٢).
٤٢٩

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
وَقَالَ مَالِكٌ: يَدْخُلُّ الْمُعْتَكِفْ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ
فِيهِ، قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا، حَتَّى
يَسْتَقْبِلَ بِاعْتِكَافِهِ أَوَّلَ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا،
من توابعه، وقد اعتاد الراتب صعودها وألِفَ الناس صوته فيُعْذر فيه، ويجعل
زمن الأذان كالمستثنى، وفي ((حاشيته)): قوله: منفصلة عن المسجد، بأن لا
يكون بابها فيه ولا في رحبته، أمّا المتصلة به إن كان بابها فيه أو في رحبته،
فلا يضره صعودها، ولو لغير الأذان، إذ هي في حكم المسجد كمنارة مبنية
فیه، انتھی.
(وقال مالك: يدخل المعتكف في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه
قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها، حتى) أي لأجل أن
(يستقبل باعتكافه أول الليلة التي يريد أن يعتكف فيها)، قال الزرقاني(١):
استحباباً، فإن دخل قبل الفجر في وقت يجوز له نية الصَّوم أجزأه، لأن الليلة
تبع، إذ الاعتكاف إنما يكون بصوم، وليس الليل بزمانه، وبهذا قال باقي الأئمة
وطائفة، وقال الأوزاعي والليث والثوري: يدخل بعد صلاة الصبح، لظاهر
حديث عائشة: أضرب له خباءً، فيصلي الصبح ثم يدخله، وأجاب الجمهور
بأنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلّى بنفسه في المكان الذي أعدّه، انتهى
کلا مه .
قلت: كلام الشارح - رحمه الله - هذا مجمل جداً، وبشدة إجماله صار
مختلاً، سيما ما حكى من اتفاق الأئمة على ذلك، وتوضيح المقام أن ههنا
ثلاث مسائل؛ لأن الاعتكاف على ثلاثة وجوه.
الأول: الاعتكاف المندوب، قال الدسوقي(٢): اعلم، وقع الخلاف في
أقل الاعتكاف أي: في أقل ما يتحقق به على قولين: فقيل: أقله يوم وليلة،
(١) (٢٠٧/٢).
(٢) ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (٥٥٠/١).
٤٣٠

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
وهو المعتمد، وعلى هذا إذا دخل المعتكف قبل الفجر أو معه، فلا يجزئه ما
لم يضم له ليلة في المستقبل، سواء كان الاعتكاف منوياً - أي مندوباً - أو
منذوراً، وقيل: إن أقله يوم فقط، وحينئذ إذا دخل قبل الفجر أو معه أجزأ ذلك
الیوم، انتھی.
وعلم بذلك أن ما قاله الزرقاني: استحباباً، مبني على أحد القولين، وهو
خلاف المعتمد عند الدسوقي، ولكن الزرقاني مالكي فهو أعلم بمذهبه، فيمكن
أن يكون ذلك هو المرجح عنده.
وبسط الخلاف فيه ابن رشد في ((المقدمة)) والدسوقي أيضاً فارجع إليهما
لو شئت، ولا تقييد في ذلك عند الشافعية، بل يكفي اللبث فوق الطمأنينة في
الركوع، كما صرح به في فروعهم، فلا يحتاج إلى الدخول أول الليل أو آخره،
وكذلك عند الحنابلة، ففي ((الروض المربع)) (١): الاعتكاف لزوم مسجد ولو
ساعة، وكذلك عند الحنفية، ففي ((الدر المختار))(٢): أقله نفلاً ساعة من ليل أو
نهار عند محمد، وهو ظاهر الرواية عن الإمام، لبناء النفل على المسامحة، وبه .
يفتى، انتهى .
قال ابن رشد (٣): أما زمان الاعتكاف فلا حدّ لأكثره عندهم، وإن كان
كلهم يختار العشر الأواخر، بل يجوز الدهر كله إمّا مطلقاً عند من لا يرى
الصوم من شروطه، وإمّا ما عدا الأيام التي لا يجوز صومها عند من يرى
الصوم من شروطه، وأما أقله فإنهم اختلفوا فيه، فعند الشافعي وأبي حنيفة
وأكثر الفقهاء لا حد له، واختلف عن مالك في ذلك، فقيل: ثلاثة أيام،
(١) (٤٤٥/١).
(٢) (٤٩٨/٣).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٣١٤/١).
٤٣١

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
وقيل: يوم وليلة، وقال ابن القاسم عنه: أقله عشرة أيام، وعند البغداديين من
أصحابه أن العشرة استحباب، وأن أقلّه يوم وليلة.
والثاني: الاعتكاف المنذور، واختلفت أقوال المالكية في ذلك أيضاً،
وتقدم أن المعتمد عند الدسوقي هو أن المندوب والمنذور سواء في أن أقلهما
يوم وليلة، وعلى هذا إن دخل قبل الفجر لا يجزئه، وهو المرجح عند الدردير
في ((الشرح الكبير))(١) إذ قال: وأما المنذور فيجب دخوله قبل الغروب أو معه
للزوم الليل له، وقال أيضاً في موضع آخر: ولزم يوم إن نذر ليلة، وأولى
عكسه، قال الدسوقي: أي فإن نذر يوماً لزمه ليلة زيادةً على اليوم الذي نذره،
والليلة التي تلزمه في هذه ليلة اليوم الذي نذره لا الليلة التي بعده، وحينئذ يلزم
دخول المعتكف قبل الغروب أو بعده، انتهى.
-- -
.....-...
وهذه المسألة أيضاً غير متفقة عليها عند الأئمة. قال ابن رشد(٢): أما
اختلافهم في الوقت الذي يدخل فيه المعتكف إلى اعتكافه إذا نذر أياماً معدودة
أو يوماً واحداً، فإن مالكاً والشافعي وأبا حنيفة اتفقوا على أنه من نذر اعتكاف
شهر أنه يدخل المسجد قبل غروب الشمس، وأما من نذر أن يعتكف يوماً فإن
الشافعي قال: دخل قبل طلوع الفجر، وخرج بعد غروبها، وأما مالك فقوله في
الشهر واليوم واحد، انتهى.
وعن الإمام أحمد في ذلك روايتان، قال الموفق(٣): من نذر أن يعتكف
شهراً بعينه دخل المسجد قبل غروب الشمس، وهذا قول مالك والشافعي،
وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى: أنه يدخل معتكفه قبل طلوع
(١) (٥٥٠/١).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣١٤/١).
(٣) ((المغني)) (٤٨٨/٤).
٤٣٢
٠ - -
--

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
الفجر من أوله، وهو قول الليث وزفر، لأنه ◌َ ◌ّ كان إذا أراد أن يعتكف صلى
الصبح ثم دخل معتَكَفه، متفق عليه.
ولنا: أنه نذر الشهر، وأوله غروب الشمس، ولذا تحل الديون المعلقة
به، ووجب أن يدخل قبل الغروب ليستوفي جميع الشهر، فإنه لا يمكن إلا
بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأما الحديث فقال ابن
عبد البر(١): لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به على أن الخبر إنما هو في التطوع
فمتى شاء دخل، وفي مسألتنا نذر شهراً فيلزمه اعتكاف شهر كامل، ولا يحصل
إلا أن يدخل فيه قبل غروب الشمس من أوله، ويخرج بعد غروبها من آخره،
فأشبه ما لو نذر اعتكاف يوم، فإنه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره ويخرج
بعد غروب شمسه، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(٢): ومن نذر زمناً معيناً كعشر ذي الحجة، دخل
معتكفه قبل ليلته الأولى، فيدخل قبيل الغروب من اليوم الذي قبله، وخرج من
معتكفه بعد غروب الشمس آخر يوم منه، وإن نذر يوماً دخل قبل فجره وتأخر
حتى تغرب شمسه، ولا تدخل ليلة يوم نذره كيوم ليلة نذرها، انتهى.
وعند الحنفية كما في فروعهم من ((الهداية)) و ((البحر)) وغيرهما: لزمه
الليالي بنذر اعتكاف أيام، وكذا باعتكاف يومين عندهما، وقال أبو يوسف: في
التثنية لا تدخل إلا الليلة الوسطى، وأما لو نذر اعتكاف يوم لزمه ولا تدخل فيه
الليلة، وإن نوى الليلة معه لزماه، ولو نذر اعتكاف ليلة لم يصح ما لم ينو بها
اليوم، لأن الصوم شرط في الاعتكاف المنذور، والليل ليست بمحل الصوم فلا
تدخل إلا تبعاً.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٠/ ٣٠٩ -٣١١).
(٢) (٤٤٨/١).
٤٣٣

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
وفي ((البدائع))(١): إذا قال: للّه عليّ أن أعتكف يوماً، يصح نذره، وعليه
أن يعتكف يوماً واحداً بصومه، والتعيين عليه، فإذا أراد أن يؤدي يدخل
المسجد قبل طلوع الفجر، فيطلع الفجر وهو فيه، فيعتكف يومه ذلك ويخرج
منه بعد غروب الشمس، انتهى.
والثالث: الاعتكاف المسنون، قال الموفق(٢): وإن أحبّ اعتكاف العشر
الأواخر من رمضان تطوُّعاً (أو منذوراً، كما سيأتي)، ففيه روايتان، إحداهما:
يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، لما روي عن أبي سعيد:
((أن رسول الله وَّير كان يعتكف العشر الأواسط من رمضان، حتى إذا كان ليلة
إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه، قال: من
كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر))، متفق عليه. ولأن العَشْرَ بغير هاءٍ.
عَدَدُ الليالي، فإنها عدَدُ المؤنث، وأوَّلُ الليالي العَشْرِ ليلةُ إحدى وعشرين.
والرواية الثانية: يدخل بعد صلاة الصبح، قال حنبل: قال أحمد: أحبُّ
إليّ أن يدخل قبل الليل، ولكن حديث عائشة: ((أن النبي ◌َّ كان يصلي الفجر
ثم يدخل معتَكَفه)). وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق، وإن نذر اعتكاف العشر ففي
وقت دخوله الروايتان جميعاً، انتهى.
قلت: اعتكاف العشر الأخير من رمضان الذي اعتكفه وَي وهو
المسنون، وهو الذي اتفق عليه الأئمة الأربعة، قال الحافظ تحت حديث عائشة
المذكور في كلام العلامة الزرقاني(٣) ما نصه: فيه أن أول الوقت الذي يدخل
فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال
(١) ((بدائع الصنائع)) (٢٧٦/٢).
(٢) ((المغني)) (٤٨٩/٤).
(٣) (٢٠٧/٢).
٤٣٤

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
٠٠٠٠٠
الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلُوا الحديث على أنه
دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعدّه لنفسه بعد
صلاة الصبح، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)): والمراد بالعشر الأواخر هي الليالي، وكان يعتكف
الأيام معها أيضاً، فلم يكن يقتصر على اعتكاف الليالي، وإنما اقتصر عل
ذكرها على عادة العرب في التاريخ بها، وهذا يدل على دخوله محل الاعتكاف
قبل غروب الشمس ليلة الحادي والعشرين وإلا لم يكن اعتكف العشر بكمالها،
وهذا هو المعتبر عند الجمهور لمن أراد اعتكاف عشر أو شهر، وبه قالت
الأئمة الأربعة، وحكاه الترمذي عن الثوري.
وقال آخرون: بل يبدأ من أول النهار، وهو قول الأوزاعي وغيره،
وحكاه الترمذي عن أحمد، والنووي في ((شرح مسلم)) عن الثوري، وصححه
ابن العربي، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال به إلا
الأوزاعي والليث، وقال به طائفة من التابعين، انتهى.
وقال أبو الطيب في ((شرح الترمذي)) تحت قوله: صلى الفجر ثم دخل
معتكفه: احتجَّ به من يقول: يبدأ الاعتكاف من أول النهار، وبه قال الأوزاعي
والثوري، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد: يدخل قبيل الغروب إذا
أراد اعتكاف شهرٍ أو اعتكاف عشر، وتأوّلوا الحديث على أنه دخل المعتَكَف،
وانقطع فيه، وتخلَّى بنفسه بعد الصبح، لا أن ذلك الوقت ابتدأ الاعتكاف، بل
كان من قبل الغروب معتكفاً، وهكذا حكاه عن النووي المناوي في ((شرح
الجامع الصغير)) وقال: وبه قال الأئمة الأربعة، ذكره العراقي، انتهى.
فعلم من هذا كله أن ما وقع الاختلاف في بيان مذهب الإمام أحمد مبنيّ
على اختلاف الروايتين عنه، وإذا تحققت ذلك فاعلم أن كلام الإمام مالك -
رضي الله عنه - لا يتعلق بالوجه الثالث، ولا ذكر فيه اعتكافه ض حر، ويمكن
٤٣٥

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
وَالْمُعْتَكِفُ مُشْتَغِلٌ بِاعْتِكَافِهِ، لا يَعْرِضُ لِغَيْرِهِ مِمَّا يَشْتَغِلُ بِهِ مِنَ
التِّجَارَاتِ، أَوْ غَيْرِهَا، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُعْتَكِفُ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ
بِضَيْعَتِهِ، وَمَصْلَحَةِ أَهْلِهِ، وَأَنْ يَأْمُرَ بِبَيْعِ مَالِهِ، أَوْ بِشَيءٍ لا يَشْغَلُهُ فِي
نَفْسِهِ، فَلَا بَأْسَ بِذْلِكَ إِذَا كَانَ خَفِيفاً، أَنْ يَأْمُرَ بِذُلِكَ مَنْ يَكْفِيهِ إِيَّاهُ.
حمله على الوجهين الأولين من المندوب والمنذور، وكلاهما خلافيتان عند
الأئمة، فلا يصح نقل الاتفاق على ذلك، ولذا شرح الباجي(١) كلام الإمام
مالك بغير ذلك، وذكر فيه الخلاف فقال: وهذا كما قال: يؤمر المعتكف أن
يدخل معتكفه قبل الغروب، فإن دخل بعد الغروب قبل الفجر يجزئ عند
القاضي أبي محمد، ولا يجزئ عند سحنون وابن الماجشون، وبه قال أبو
حنيفة، وجه ما قال أبو محمد: أنّ الليلة داخلة تبعاً، والمقصود بالاعتكاف
النهار، فإذا أتي بالمقصود من العبادة لم يبطلها الإخلال ببعض ثوابها، ووجه
ما قال سحنون: أنه زمن للاعتكاف فلم يتبعض كالصَّوم، انتهى مختصراً.
(قال مالك: والمعتكِف مشتغل باعتكافه، لا يعرض لغيره مما يشتغل به
من التجارات) إلا أن تكون خفيفة كما سيأتي (أو غيرها)، من أعمال شتى،
(ولا بأس بأن يأمر المعتكف) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك: ببعض حاجته،
وليست هذه الزيادة في المصرية، وعلى النسخ الهندية، فما يأتي من قوله:
بضيعته، إلى آخره، بيان وتمثيل لبعض حاجته، (بضيعته)، قال في ((المجمع)):
ضَيْعَةُ الرجل ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغيرها (ومصلحة
أهله، و) لا بأس أن يأمر أحداً (ببيع ماله أو) يأمر (بشيء) وعمل آخر (لا
يشغله في نفسه، فلا بأس بذلك إذا كان خفيفاً)، مثلاً (أن يأمر بذلك من يكفيه
إياه). أو يعمله بنفسه في المسجد إذا كان خفيفاً .
(١) انظر: ((المنتقى)) (٨٠/٢).
٤٣٦
..-
-- -
----

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
والحاصل: أنه ينبغي أن يكون مشتغلاً في العبادة، ولا يضيِّع وقته في
الأمور الدنيوية إلا أن يكون قليلاً من ذلك فلا بأس به، قال ابن رشد: أجاز
مالك له البيع والشراء وأن يلي عقد النكاح، وخالفه غيره في ذلك، انتهى.
وقال الحافظ (١): الجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد،
وعن مالك: تكره فيه الصنائع والحِرَف حتى طلب العلم، انتهى. وقال
العيني(٢) عن مالك: إنه إذا اشتغل بحرفته في المسجد يبطل اعتكافه، وحكى
عن القديم للشافعي، وخصصه بعضهم بالاعتكاف المنذور، انتهى.
قلت: هذا خلاف المنصوص عن مالك، ففي ((المدونة)): قيل لابن
القاسم: ما قول مالك في المعتكف، أيشتري ويبيع في حال اعتكافه؟ فقال:
نعم إذا كان شيئاً خفيفاً لا يشغله في عيش نفسه، انتهى. نعم لا يجوز عند
أحمد، ففي ((الروض المربع)) (٣): ولا يجوز البيع ولا الشراء فيه للمعتكف
وغیرہ ولا يصح، انتھی.
وسيأتي كذلك قريباً عن (المغني))(٤) وفيه التصريح لذلك عن الإمام أحمد
في جواب أبي طالب إذ سأله عن الخياطة، وفيه أيضاً: لا يجوز له أن يبيع
ويشتري إلا ما لا بد منه من طعام أو نحو ذلك، فأما التجارة والأخذ والعطاء
فلا يجوز شيء من ذلك، وقال الشافعي: لا بأس أن يبيع ويشتري ويخيط
ويتحدث ما لم يكن مأثماً .
ولنا: ما روي من النهي عن البيع في المسجد، فإذا نهي في غير
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٧٣/٤) و((الاستذكار)) (٢٨٩/١٠).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٧٢/٨).
(٣) (١/ ٤٥٢).
(٤) (٤ /٤٧٨) .
٤٣٧

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ فِي الاعْتِكَافِ
شَرْطاً، وَإِنَّمَا الاعْتِكَافُ عَمَلٌ مِنَ الأَعْمَالِ، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَام
وَالْحَجِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الأَعْمَالِ، مَا كَانَ مِنْ ذُلِكَ فَرِيضَةً أَوْ
نَافِلَّةَ، فَمَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِإِنَّمَا يَعْمَلُ بِمَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ،
الاعتكاف ففيه أولى، وأما الصنعة فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز منها ما
يكتسب به، كأنها بمنزلة التجارة بالبيع والشراء، ويجوز ما يعمله لنفسه كخياطة
قميصه ونحوه، وروى المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن المعتكف أن
يخيط؟، قال: لا ينبغي أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل، وقال القاضي: لا
تجوز الخياطة في المسجد، سواء كان محتاجاً إليها أو لم يكن، قل أو كثر،
لأن ذلك معيشة، أو تشغل عن الاعتكاف، فأشبه البيع والشراء فيه، والأولى
أن يباح له ما يحتاج إليه من ذلك إذا كان يسيراً، مثل أن ينشق قميصه فيخيطه،
انتھی .
وفي ((الدر المختار))(١): وخص المعتكف بأكل وشرب وعقد احتاج إليه
لنفسه أو عياله فلو لتجارة كُرِهِ، قال ابن عابدين: أي وإن لم يحضر السلعة،
اختاره قاضيخان، ورجحه الزيلعي، لأنه منقطع إلى الله، فلا ينبغي له أن
يشتغل بأمور الدنيا، وكره تحريماً إحضار مبيع فيه، كما كره مبايعة غير
المعتكِف مطلقاً، انتهى.
(قال مالك: ولم أسمع أحداً من أهل العلم يذكر) ويبيح (في الاعتكاف شرطاً)
يخرجه عن سنة الاعتكاف، ويبيح له ما يمنع في الاعتكاف من الأعمال. (وإنما
الاعتكاف عمل من الأعمال) المتصلة (مثل الصلاة والصيام والحج، وما أشبه ذلك
من الأعمال) كالعمرة والطواف (ما كان من ذلك) أي المذكور من الأعمال (فريضة
أو نافلة) سواء، لا فرق بين الفريضة والنافلة (فمن دخل في شيء من ذلك) أي
المذكور من الأعمال (فإنما يعمل بما مضى) وعرف (من السنة) ولا ينفعه شرط
(١) (٥٠٦/٣).
٤٣٨

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا مَضَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، لا مِنْ
شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ ولَا يَبْتَدِعُهُ، وَقَدِ اسْتَكْفَ رَسُولُ اللَّهِ فَ﴾ِ، وَعَرَفَ
الْمُسْلِمُونَ سُنَّةَ الإِعْتِكَافِ .
٠٠٠٠٠٠٠
الخروج مثلاً يشترط أنه متى شاء يخرج من الصلاة فلا ينفعه ذلك، فكذا
الاعتكاف .
(وليس) جائزاً (له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون، لا
من شرط يشترطه) من الافتعال في النسخ المصرية، و(يشرطه)) من المجرد في
الهندية، والمعنى: لا يجعل شرطاً قبل الدخول في الاعتكاف.
(ولا يبتدعه) أي: يُحدثه بعد الدخول فيه، (وقد اعتكف رسول الله (وَلا)
دائماً، (وعرف المسلمون منه سنة الاعتكاف) ولم ينقل عن أحد منهم الشرط
فالاشتراط فيه ليس بشيء، والحاصل أن الاشتراط في الاعتكاف ليس بشيء،
والمسألة خلافية عند الأئمة، تقدم شيء منها في أول الاعتكاف.
قال ابن رشد (١): اختلفوا أيضاً هل للمعتكف أن يشترط فعل شيء مما
يمنعه الاعتكاف فينفعه شرطه في الإباحة أم ليس ينفعه؟ ذلك مثل أن يشترط
شهود جنازة أو غير ذلك، فأكثر الفقهاء على أنه شرط، لا ينفعه، وأنه إن فعل
بطل اعتكافه، وقال الشافعي: ينفعه شرطه.
والسبب في اختلافهم تشبيههم الاعتكاف بالحج في أن كليهما عبادة
مانعة لكثير من المباحات، والاشتراط في الحج إنما صار إليه من رآه، لحديث
ضباعة، لكن هذا الأصل مختلف فيه في الحج، فالقياس عليه ضعيف عند
الخصم المخالف له، انتھی.
وفي ((شرح الإحياء)) للزبيدي: إذا شرط في نذره الخروج منه، إن عرض
عارض صح شرطه، أي عند الشافعية، لأن الاعتكاف إنما يلتزمه بالتزامه،
(١) انظر: ((بداية المجتهد)) (٣١٧/١).
٤٣٩

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
فيجب بحسب الالتزام، وعن صاحب ((التقريب)) والحناطي حكاية قول آخر: لا
يصح، لأنه شرط يخالف مقتضى الاعتكاف المتتابع، فيلغو، كما لو شرط أن
يخرج للجماع، وبالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال مالك، وعن أحمد
روایتان كالقولین، انتهى.
وفي ((تحفة المحتاج)): وإذا ذكر الناذر التتابع، وشرط الخروج لعارض
مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف صح الشرط في الأظهر، فإن عيّن شيئاً لم
يتجاوزه وإلا خرج لكل غرض ولو دنيوياً مباحاً كلقاء الأمير، لا لنحو نزهة؛
لأنها لا تسمى مقصوداً في مثل ذلك، أما لو شرط الخروج لمُحَرَّم كشرب خمر
أو لمنافٍ كجماع فيبطل نذره، انتهى.
قال الموفق(١): إذا اشترط فعل ذلك أي: العيادة وشهود الجنازة، فله
فعله واجباً كان الاعتكاف أو نفلاً، وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله أو رجل
صالح، وكذلك ما كان مباحاً مما يحتاج إليه كالعشاء في منزله فله فعله، قال
الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله؟
فقال: إذا اشترط فنعم. قيل له: وتجيز الشرط في الاعتكاف؟ قال: نعم، قلت
له: فيبيت في أهله؟ قال: إذا كان تطوعاً جاز، انتهى. وتقدم الخلاف فيمن
أجاز اشتراط العشاء في أهله.
---
-----------------
ثم قال الموفق: وإن شرط الوطء في اعتكافه، أو النزهة، أو البيع
للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد لم يجز، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ
وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ﴾(٢) فاشتراط ذلك اشتراط لمعصية الله تعالى، والصناعة في
المسجد منهي عنها في غير الاعتكاف، ففي الاعتكاف أولى، وسائر ما ذكرناه
(١) ((المغني)) (٤٧١/٤).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
٤٤٠
-------