Indexed OCR Text

Pages 281-300

١٧ - كتاب الصيام
(١٨) باب
(٦١٠) حديث
رجل من أصحاب رسول الله بهالر طعاماً، فدعا النبي وّ وأصحاباً له، فلما أتي
بالطعام تنحّى أحدهم، فقال له وَلجر: (ما لك؟)) فقال: إني صائم، فقال ◌َلّ:
((تكلف لك أخوك وصنع، ثم تقول: إني صائم، كُل، وصُم يوماً مكانه))،
وروى أبو داود الطيالسي بمعناه عن إبراهيم بن عبيد الله بن رفاعة الزرقي عن
أبي سعيد الخدري، ذكره الزيلعي، ثم قال: ورواه كذلك الدارقطني، وقال:
هذا مرسل إلا أنه قال فيه: عن إبراهيم بن عبيد.
وفي ((المرقاة))(١): قال الشُّمنّي: رواه الطيالسي في ((مسنده)) من حديث
أبي سعيد، والدارقطني من حديث جابر، وقال: إن الرجل الذي صنع
أبو سعيد، انتهى.
وروى الطحاوي من حديث سعيد بن أبي الحسن عن ابن عباس: أنه
أخبر أصحابه أنه صام، ثم خرج عليهم ورأسه يقطر، فقالوا: ألم تك صائماً؟
قال: بلى، ولكن مرت بي جارية فأعجبتني، فأصبتها، وكانت حسنة، فهممت
بها، وأنا قاضيها يوماً آخر.
وأخرج ابن حزم في ((المحلى)) عن سيف بن سليمان المكي، قال: خرج
عمر بن الخطاب يوماً على الصحابة فقال: إنني أصبحت صائماً فمرت بي
جارية، فوقعت عليها فما ترون؟ قال: فلم يألوا ما شكوا عليه، وقال له علي -
رضي الله عنه -: أصبت حلالاً، وتقضي يوماً مكانه، قال له عمر - رضي الله
عنه -: أنت أحسنهم فتياً .
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن أنس بن سيرين: ((أنه صام يوم عرفة
فعطش عطشاً شديداً فأفطر، فسأل عدة من أصحاب النبي ◌ّ فأمروه أن يقضي
يوماً مكانه))، انتهى(٢).
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٠/٤).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (١٨٠/٨).
٢٨١

١٧ - كتاب الصيام
(١٨) باب
(٦١٠) حديث
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ سَاهِيَاً أَوْ
نَاسِياً فِي صِيَامِ تَطَوُّعِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَلْيُتِمَّ يَوْمَهُ الَّذِي أَكَلَ فِيهِ أَوْ
شَرِبَ وَهُوَ مُتَطَوٌِّ، وَلَا يُفْطِرُهُ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ، يَقْطَعُ
صِيَامَهُ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، قَضَاءٌ. إِذَا كَانَ إِنَّمَا أَفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ، غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ
لِلْفِطْرِ،
ففي هذه الآثار: أن جلّ الصحابة وأكابرهم أفتوا بالقضاء، وتقدم في
بيان المذاهب أن وجوب القضاء روي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس
وجابر بن عبد الله وعائشة وأم سلمة - رضي الله عنهم أجمعين -، وقال ابن عمر
- رضي الله عنهما -: ذلك المتلاعب بدينه، أو قال: بصومه، وأخرج الطحاوي
عنه أنه سئل عن ذلك، فقال: يوماً آخر مكانه.
(قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: من أكل أو شرب) وهل حكم الجماع
ناسياً كذلك؟ مختلف عند الأئمة، قال ابن رشد (١): إذا جامع ناسياً لصومه فإن
الشافعي وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه
القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة، وتقدم
ذلك مبسوطاً قريباً (ساهياً أو ناسياً في صيام تطوع) قيد التطوع احتراز عند
المالكية خلافاً للجمهور، إذ قالوا: لا فرق بين صوم التطوع والفرض في
السهو (فليس عليه قضاء) لأنه لم يفطر صومه كما سيصرح به المصنف. (وليتم
يومه الذي أكل فيه أو شرب) أو فعل شيئاً آخر من المفطرات ناسياً، (وهو
متطوع، ولا يفطره)، وحملوا قوله وَله: ((إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليُتِمَّ
صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) رواه الشيخان، وغيرهما، على صوم التطوع.
ولا فرق عند الجمهور بين التطوع والفرض لعموم الرواية (وليس على من
أصابه أمر، يقطع صيامه وهو متطوع، قضاء، إذا كان) المفطر (إنما أفطره من
عذر) كمرض وحيض (غير متعمد للفطر) بخلاف المتعمد حراماً. وذلك لما
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٠٣/١).
٢٨٢

١٧ - كتاب الصيام
(١٨) باب
(٦١٠) حدیث
وَلَّا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءَ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ، إِذَا هُوَ قَطَعَهَا مِنْ حَدَثٍ لَّا
يَسْتَطِيعُ حَبْسَهُ، مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْوُضُوءِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي
أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: الصَّلاةِ،
وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَتَطَوَّعُ
بِهَا النَّاسُ. فَيَقْطَعَهُ حَتَّى يُتِسَّهُ عَلَى سُنَِّهِ :
تقدم في أول الباب: أن الفطر في صوم التطوع بعذر يجوز عند المالكية ولا
قضاء عليه، ولا يجوز الفطر بدون عذر، ويجب القضاء.
قال الباجي(١): والأعذار التي تسقط القضاء: النسيان، والمرض،
والإكراه، وشدّة الجوع، والعطش، والحرُّ الذي يخاف منه تجدد مرض، أو
زيادته، أو طول مدته، وأما السفر ففيه روايتان، إحداهما: أنه عذر يسقط
القضاء، وهي رواية ابن حبيب، والأخرى: أنه ليس بعذر، ومن أفطر فيه لزمه
القضاء، وهي رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم، انتهى.
قلت: وفي هذا كله خلاف الحنفية إذا قالوا: بإيجاب القضاء مطلقاً،
سواء كان الفطر بعذر أو بدونه لما تقدم من الروايات.
ثم ذكر المصنف عدة أنواع من التطوعات إذا أفسدت، طرداً للباب، فقال:
(ولا أرى عليه قضاء صلاة نافلة، إذا هو قطعها من حدث) لفظة: ((من)) سببية (لا
يستطيع حبسه) أي منعه (مما يحتاج فيه إلى الوضوء) كبول أو غائط أو ربح.
(قال يحيى: قال مالك: ولا ينبغي) أي لا يجوز (أن يدخل الرجل في
شيء من الأعمال الصالحة: الصلاة، والصيام، والحج، وما أشبه هذا) كالعمرة
والطواف والاعتكاف (من الأعمال الصالحة) التي يتوقف أولها على آخرها
بخلاف الأعمال التي تتبعَّض كالقراءة وغيرها (التي يتطوع بها الناس، فيقطعه)
بالنصب في جواب النهي. (حتى يتمه على سنته) أي: على طريقته ليأتي بأقل
ما يكون من جنس تلك العبادة.
(١) ((المنتقى)) (١٦٩/٢).
٢٨٣

١٧ - كتاب الصيام
(١٨) باب
(٦١٠) حديث
إِذَا كَبَّرَ لَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يُصَلَّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا صَامَ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى يُتِمَّ
صَوْمَ يَوْمِهِ. وَإِذَا أَهَلَّ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ، وَإِذَا دَخَلَ فِي
الَّوَافِ لَمْ يَقْطَعْهُ حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ شَيْئاً مِنْ هَذَا
إِذَا دَخَلَ فِيهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ، إِلَا مِنْ أَمْرٍ يَعْرِضُ لَهُ، مِمَّا يَعْرِضُ
لِلنَّاسِ، مِنَ الأَسْقَامِ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا، وَالأُمُورِ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا،
وَذُلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ :
ثم شرع في تفصيل ما أجمله أولاً فقال: (إذا كبر) أي: دخل في الصلاة
بالتكبير (لم ينصرف حتى يصلي ركعتين)، لأنه لا صلاة تطوعاً بأقل من
الركعتين عند المالكية والحنفية، (وإذا صام) أي: دخل في الصوم بالنية. (لم
يفطر حتى يتم صوم يومه) إلى الليل، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيَّلِّ﴾(١)
(وإذا أهلّ) أي دخل في الحج بالإحرام، (لم يرجع حتى يتم حجه). وكذلك
العمرة، وهذان بالاتفاق بين الأئمة لا يجوز عند أحد رفضهما. (وإذا دخل في
الطواف) بالشروع فيه، (لم يقطعه حتى يتم سبوعه) وفي النسخ الهندية: حتى
يُتم سبعته، وذلك أقل ما يكون من عبادة الطواف.
(ولا ينبغي أن يترك شيئاً من هذا) أي: مما ذكر من الأعمال الصالحة (إذا
دخل فيه حتى يقضيه)، أي: يُتمه ويؤديه والقضاء بمعنى الأداء في كلام
المصنف، وهل يجب عليه القضاء المصطلح أيضاً؟ مختلف عند الأئمة،
وواجب عند الحنفية في الكل. (إلا من أمر) استثناء من قوله: لا ينبغي أن
يترك. (يعرض له مما يعرض) بكسر الراء، (للناس، من الأسقام) أي الأمراض
(التي يعذرون بها)، أي الناس (و) كذلك (الأمور التي يعذرون بها) كحيض
ونفاس.
(وذلك) أي دليل وجوب الإتمام (أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه:
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
٢٨٤
----

١٧ - كتاب الصيام
(١٨) باب
(٦١٠) حديث
﴿ وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ اُلْخَيْظُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ اُلْخَيْطِ اُلْأَسْوَدِ مِنَ اُلْفَجْرِّ
ثَمَّ أَيِّمُواْ الصِّيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾ فَعَلَيْهِ إِنْمَامُ الصِّيَامِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ. وَقَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: ﴿وَنِفُواْ الْحَجَّ وَالْعُهْرَةَ لِلَّهَّ﴾ فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً أَهَلَّ بِالْحَجِّ تَطَوُّعاً.
وَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيهِ،
وَيَرْجِعَ حَلالاً
٠٠٠
﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾) جميع الليل (﴿حَّى يَتَبَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾﴾(١)
والمراد بياض النهار وسواد الليل. (﴿مِنَ اُلْفَجْرِّ﴾) بيان للخيط الأبيض. واكتفى به
عن بيان الخط الأسود لدلالته عليه. (﴿ثُمَّ أَتُِّواْ الْصِّيَامَ إِلَى الََّلِّ﴾، فعليه إتمام الصيام)
إلى الليل (كما قال الله) عز اسمه، فلا يجوز رفضه قبل الليل .
(وقال الله تعالى) في مسألة الحج والعمرة، هكذا سياق النسخ المصرية
بتكرار لفظ: ((قال الله))، وليس التكرار في النسخ الهندية، فيكون المراد بقوله
كما قال الله، هي مسألة الحج. (﴿ وَأَتِقُوْ اْلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(٢) فلو أن رجلاً أهلّ)
أي أحرم (بالحج) وكذا بالعمرة (تطوعاً، وقد قضى الفريضة)، جملة حالية، قيد
بذلك لأن تقديم النفل على الفرض عندهم مكروه.
قال الدسوقي: يكره تقديم النفل على الفرض بناء على أنه واجب على
التراخي، أمّا على الفورية فتقديم النفل أو النذر على الفرض حرام، انتهى.
لكنه لو نوى النفل وعليه حجة الإسلام يقع نفلاً، وقالت الشافعية: يلغو نيته
وينقلب حجته فرضاً، كذا في ((الشرح الكبير)) والدسوقي.
قلت: والحنفية في ذلك موافقة للمالكية على المعتمد، خلافاً لأبي
يوسف - رحمه الله - فهو موافق للشافعي - رضي الله عنه - كما في ((شرح
المناسك)) للقاري. (لم يكن له أن يترك الحج بعد أن دخل فيه، ويرجع حلالاً
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
٢٨٥

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١١) حديث
مِنَ الطَّرِيقِ، وَكُلُّ أَحَدٍ دَخَلَ فِي نَافِلَةِ، فَعَلَيْهِ إِنْمَامُهَا إِذَا دَخَلَ فِيهَا .
كَمَا يُتِمُّ الْفَرِيضَةَ، وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
(١٩) باب من أفطر في رمضان من علة
٥١/٦١١ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ
مَالِكِ كَبِرَ حَتَّى كَانَ لا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ، فَكَانَ يَفْتَدِي.
من الطريق)، وكذا العمرة بالاتفاق.
ثم ذكر المصنف أصلاً كلياً في ذلك، فقال: (وكل أحد دخل في نافلة)
ولا تتبعّض، (فعليه إتمامها إذا دخل فيها كما يتم الفريضة) نصاً في الحج
والعمرة والصوم، وقياساً في البواقي، أو لعموم قوله تعالى: ﴿ وَلَا نُبْطِلُواْ
أَعْمَلَكُمْ﴾(١) (وهذا أحسن ما سمعت) بخلاف ما روي في معنى ((المتطوع أمير
نفسه)) .
(١٩) فدية من أفطر في رمضان من علة
وليست في النسخ الهندية كلمة من علّة.
٥١/٦١١ - (مالك، أنه بلغه) وقد روي بعدة طرق كما سيأتي (أن أنس بن
مالك)(٢) الصحابي - رضي الله عنه - (كبر) بكسر الباء، أي أسنّ، فإنه آخر
الصحابة موتاً بالبصرة، وقد جاوز المائة، قال العيني: وكان حينئذ في عشرة
المائة (حتى كان لا يقدر على الصيام)، عاماً أو عامين في أواخر سنيه، كما
سيأتي. (فكان يفتدي)، أي: يُطْعم عن كل يوم مسكيناً، وروي: ((مُداً لكل
مسكين))، وروي: ((نصف صاع))، وربما أطعم ثلاثين مسكيناً كل ليلة من
رمضان يتطوع بذلك، وربما جمع ثلاثمائة مسكين فأطعمهم وجبة واحدة،
(١) سورة محمد: الآية ٣٣.
(٢) انظر ترجمته في ((أسد الغابة)) (١٤٨/١).
٢٨٦

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَى ذُلِكَ وَاجِباً، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا
كَانَ قَوِيَّا عَلَيْهِ،
٠٠٠١٠٩
وكان يضع لهم الجفان من الخبز واللحم، حكاه أبو عمر، قاله الزرقاني.
وقال البخاري في ((صحيحه)): أطعم أنس بن مالك بعدما كَبِرَ عاماً أو
عامين كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر.
قال الحافظ(١): روى عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس عن أنس:
أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر، فأطعم مسكيناً كل يوم، ورويناه في ((فوائد
محمد بن هشام بن ملاس)) عن مروان عن معاوية عن حميد، قال: ضعف أنس
عن الصوم عام توفي، فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا، فلما
عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفان من خبز ولحم، فأطعم العِدَّةَ أو أكثر،
انتھی .
قال أيضاً في ((التلخيص)) (٢): قد ذكرته من طرق كثيرة في ((تغليق
التعليق)). وقال ابن عبد البر (٣): رواه الحمادان ومعمر عن ثابت، قال: كبر
أنس حتى كان لا يطيق الصوم، فكان يفطر ويطعم، انتهى.
(قال مالك: ولا أرى ذلك) أي الإطعام (واجباً و) لكنه (أحبُّ إليّ) أي
مستحب عندي (أن يفعله إن كان قوياً عليه) أي قادراً، فإن عجز فلا شيء
عليه .
قال الموفق(٤): الشيخ الكبير والعجوز إذا كان يُجْهدهما الصوم، ويشقُّ
عليهما مشقة شديدة فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً، وهذا قول علي
(١) ((فتح الباري)) (١٧٩/٨).
(٢) (٢١٢/٢).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٢/١٠).
(٤) ((المغني)) (٣٩٥/٤).
٢٨٧

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١١) حديث
وابن عباس وأبي هريرة وأنس وسعيد بن جبير وطاووس وأبي حنيفة والثوري
والأوزاعي، وقال مالك: لا يجب عليه شيء، وللشافعي قولان كالمذهبين،
ولنا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الآية، وقول ابن عباس في تفسيرها:
نزلت رخصة للشيخ الكبير، انتهى.
قال ابن رشد(١): أما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على
الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا، واختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا،
فقال قوم: عليهما إطعام، وقال قوم: ليس عليهما إطعام، وبالأول قال
الشافعي وأبو حنيفة، وبالثاني قال مالك: إلا أنه استحبه، انتهى.
وفي ((شرح النقاية)): قال مالك في المشهور عنه: لا يجب عليه الإطعام،
وهو قول الشافعي القديم ومختار الطحاوي.
ولنا: ما روى الجماعة عن عطاء: أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى
الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، وفي رواية: يطوقونه، فقال: إنها ليست بمنسوخة بل هي
للشيخ الكبير، الحديث. وهو مروي عن علي وابن عمر وغيرهم من الصحابة
ولم يرو عن أحد منهم خلاف ذلك فكان إجماعاً، وأيضاً لو كان خلاف لكان
قول ابن عباس: ليست بمنسوخة، مقدماً، لأنه مما لا يقال بالرأي بل عن
سماع، لأنه مخالف لظاهر القرآن؛ لأنه مثبت في نظم كتاب الله، فجعله منفياً
بحرف النفي لا يقدم عليه إلا بسماع البتة، انتهى.
قال العيني(٢): لهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً، وهذا قول علي
وابن عباس وأبي هريرة وأنس وسعيد بن جبير وطاووس وأبي حنيفة والثوري
والأوزاعي وأحمد بن حنبل، وقال مالك: لا يجب عليه شيء، لأنه لو ترك
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٠١/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (١١/ ٥١، ٥٢).
٢٨٨

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١١) حديث
٠٠٠
الصوم لعجزه لم تجب فدية، كما تركه لمرض اتصل به الموت، وهو مروي
عن ربيعة وأبي ثور وداود، واختاره الطحاوي وابن المنذر، وللشافعي قولان
كالمذهبين، وفي الجديد: تجب الفدية لكل يوم من طعام.
وقال عياض: اختلف السلف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بل
هي محكمة أو مخصوصة أو منسوخة كلها أو بعضها، فقال الجمهور: إنها
منسوخة، ثم اختلفوا: هل بقي منها ما لم ينسخ؟ فروي عن ابن عمر
والجمهور: أن حكم الإطعام باقٍ على من لم يُطِق الصوم لكِبَره، وقال جماعة
من السلف ومالك وأبو ثور وداود: جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير
إذا لم يطق الصوم إطعام، واستحبه له مالك، وقال قتادة: كانت الرخصة لمن
يقدر على الصوم، ثم نسخ فيه، وبقي فيمن لا يطيق، وقال ابن عباس وغيره:
نزلت في الكبير والمريض الذين لا يقدران على الصوم، فهي عنده محكمة،
لكن المريض يقضي إذا برئ، انتهى.
قال الرازي: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾(١)
على ثلاثة أقوال:
الأول: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض، وذلك لأنهما قد يكون
منهما من لا يطيق الصوم، ومنهما من يطيقه، أما الأول فذكره تعالى في قوله:
﴿فَمَنْ كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾، وأما الثاني وهو
المريض والمسافر اللذان يطيقان الصوم، فإليهما الإشارة بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ﴾ فكأنه تعالى أثبت لهما حالتين: في إحداهما يلزمه أن يفطر وعليه
القضاء، وهي حال الجهد الشديد، وفي الثانية - وهي أن يكون مطيقاً للصوم -
لا يثقل عليه، فحينئذ يكون مخيراً بين الصوم وبين الفطر مع الفدية.
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٤.
٢٨٩

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١١) حديث
القول الثاني : - وهو قول أكثر المفسرين - أن المراد منه المقيم الصحيح،
فَخَيَّرَه الله تعالى أولاً، ثم نسخ ذلك وأوجب الصوم عليه مُضَيِّقاً معيناً .
والثالث: أنّها نزلت في حق الشيخ الهرم ويؤيّده القراءة الشاذة: ((وعلى
الذين يطوقونه))، فإن معناه: وعلى الذين يجشمونه ويكلفونه، انتهى.
قال الجصاص في ((أحكام القرآن)) (١): اختلف الفقهاء من السلف في
تأويل الآية، وروى المسعودي عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى عن معاذ بن
جبل، قال: أحيل(٢) الصيام على ثلاثة أحوال. ثم أنزل الله: ﴿كُثِّبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ﴾ إلى قوله تعالى؛ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من
شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً وأجزى عنه، ثم أنزل الله الآية
الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾(٣) إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾ فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه المريض
والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام.
ثم قال بعد ذكر الأقوال المختلفة: ووجه آخر: وهو ما روى منصور عن
مجاهد عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها: ((وعلى الذين يطوقونه فدية طعام
مسكين)) قال: الشيخ الكبير الذي كان يطيق الصوم وهو شاب، فأدركه الكبر
وهو لا يستطيع أن يصوم من ضعف، ولا يقدر أن يترك الطعام فيفطر ويطعم
عن كل يوم مسكيناً نصف صاع، وعن سعيد بن المسيب مثله.
وكانت عائشة تقرأ: ﴿وعلى الذين يطوقونه﴾، وروى خالد الحذّاء عن
عكرمة: أنه كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: إنها ليست منسوخة.
(١) (١٧٦/١).
(٢) في الأصل: أحلّ وهو تحريف.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٤.
٢٩٠

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١١) حديث
٠٠٠
وروى الحجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي - رضي الله عنه -: ﴿وَعَلَى
اُلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. قال: الشيخ والشيخة.
ثم قال في ذكر اختلاف الفقهاء في الشيخ الفاني: قال أبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد وزفر: الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام يفطر ويطعم عنه
كل يوم نصف صاع من حنطة، لا شيء عليه غير ذلك، وقال الثوري: يطعم.
ولم يذكر مقداره، وقال المزني عن الشافعي: يطعم مداً من حنطة كل يوم،
وقال ربيعة ومالك: لا أرى عليه الإطعام، وإن فعل فهو حسن.
قال أبو بكر: قد ذكرنا في تأويل الآية ما روي عن ابن عباس في قراءته:
﴿وعلى الذين يطوقونه﴾ وأنه الشيخ الكبير، فلولا أن الآية محتملة لذلك لما
تأوّلها ابن عباس. ومن ذكر ذلك عنه عليه، فوجب استعمال حكمها من إيجاب
الفدية في الشيخ الكبير، وروي عن علي أيضاً: أنه تأوّلها على الشيخ الكبير،
وقد روي عن النبي ◌َّله: ((من مات وعليه صوم فليطعم عنه وليه مكان كل يوم
مسكيناً))، وإذا ثبت ذلك في الميت الذي عليه الصيام، فالشيخ أولى بذلك من
الميت لعجز الجميع عن الصوم.
فإن قيل: هلاَّ كان الشيخ كالمريض الذي يفطر في رمضان ثم لا يبرأ
حتى يموت ولا يلزمه القضاء؟ قيل له: لأن المريض مخاطب بقضائه في أيام
أخر، فإنما تعلق الفرض عليه في أيام القضاء، فمتى لم يلحق العدّة لم يلزمه
شيء كمن لم يلحق رمضان، وأما الشيخ فلا يُرْجى له القضاء في أيام أخر،
فإنما تعلق عليه حكم الفرض في إيجاب الفدية في الحال، فاختلفا من أجل
ذلك، وقد ذكرنا قول السلف في الشيخ الكبير وإيجاب الفدية عليه في الحال
من غير خلاف أحد من نظرائهم، فصار ذلك إجماعاً لا يسمع خلافه،
انتھی
(١)
(١) انظر: ((أحكام القرآن)) (١٧٨/١).
٢٩١

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١١) حديث
فَمَنْ فَدَى، فَإِنَّمَا يُطْعِمُ، مَكَانَ كُلِّ يَوْمِ، مُدّاً بِمُدِّ النَّبِيِّ
صلىالله
عليه
وسته
وكذا حكى عليه صاحب (البدائع)) إجماع السلف، وقال: فإن أصحاب
رسول الله ﴿ أوجبوا الفدية على الشيخ الفاني، فكان ذلك إجماعاً منهم،
انتهى. فقول ابن عبد البر(١): إن الفدية لم تجب بكتاب، ولا سنة صحيحة،
ولا إجماع، مشكلٌ، وقال الشوكاني: وقد روي عن ابن عباس: أنه قال:
رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه، رواه
الدارقطني والحاكم وصححاه، انتهى.
(فمن فدى) لتحصيل المستحب عند الإمام مالك ومن وافقه، ولأداء
الواجب عند الأئمة الثلاثة ومن وافقهم (فإنما يطعم مكان كل يوم مداً بمد
جمالحلة
وبيتلم
النبي
قال الشوكاني(٢): قد اختلف في مقدار الإطعام، فقيل: نصف صاع عن
كل يوم من أي قوت كان، وقيل: صاع من غير البر، ونصف صاع منه، وبه
قال أبو حنيفة، وقيل: مد من بر أو نصف صاع من غيره، وبه قال الشافعي
وغيره، وليس في المرفوع ما يدل على التقدير، انتهى.
وقال الموفق(٣): الواجب في إطعام المسكين مُدُّ بُرّ أو نصفُ صاعٍ تمرٍ
أو شعيرٍ، والخلاف فيه كالخلاف في إطعام المساكين في كفارة الجماع،
انتھی .
وقال ابن رشد(٤): أكثر من رأى الإطعام يقول: مدَّا عن كل يوم، وقيل:
إن حفن حفنات كما كان أنس - رضي الله عنه - يصنع، أجزأه، انتهى.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٩/١٠).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٢٧٥/٤).
(٣) ((المغني)) (٣٩٥/٤).
(٤) ((بداية المجتهد)) (٣٠١/١).
٢٩٢

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١١) حديث
٠٠٠
قال الباجي(١): الفدية في ذلك مُدٌّ بمد النبي ◌َّ عن كل يوم أفطره،
وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: صاع تمر أو نصف صاع بر، والدليل
على ما نقوله أن هذه كفارة، فلم تتقدر بصاع أو فلم يتقدر جميعها بنصف
صاع، أصل ذلك كفارة الأيمان، ولأن ما قلنا هو قول عبد الله بن عباس
وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - ولا مخالف لهما، انتهى.
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): أما الوجه في إيجاب الفدية
نصف صاع من بُرّ، فهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع ثنا أخو خطاف ثنا
محمد بن عبد الله بن سعيد المستملي ثنا إسحاق الأزرق عن شريك عن
أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلَر: ((من مات وعليه
رمضان فلم يقضه فليطعم عنه مكان كل يوم نصف صاع لمسكين)).
وإذا ثبت ذلك في المفطر في رمضان إذا مات ثبت في الشيخ الكبير من
وجوه: أحدها: أنه عموم في الشيخ الكبير وغيره؛ لأن الشيخ الكبير قد تعلق
عليه حكم التكليف على ما وصفنا، فجائز بعد موته أن يقال: إنه قد مات
وعليه صيام رمضان، فقد تناوله عموم اللفظ، ومن جهة أخرى: أنه قد ثبت أن
المراد بالفدية المذكورة في الآية هذا المقدار، وقد أريد بها الشيخ الكبير،
فوجب أن يكون ذلك هو المقدار الواجب عليه، ومن جهة أخرى: أنه إذا ثبت
ذلك فيمن مات وعليه قضاء رمضان وجب أن يكون ذلك مقدار فدية الشيخ
الكبير، لأن أحداً من موجبي الفدية على الشيخ الكبير لم يُفَرِّقْ بينهما .
وقد روي عن ابن عباس وقيس بن السائب الذي كان شريك رسول الله وَليه
في الجاهلية وعائشة وأبي هريرة وسعيد بن المسيب في الشيخ الكبير: أنه يُطعم
(١) ((المنتقى)) (٧٠/٢).
(٢) (١٧٨/١).
٢٩٣

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٢) حديث
٥٢/٦١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، إِذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا
الصِّيَامُ؟ قَالَ: تُفْطِرُ، وَتُطْعِمُ، مَكَانَ كُلِّ يَوْمِ، مِسْكِيناً مُدَّا مِنْ حِنْطَةِ
بِمُدِّ النَّبِيِّ ◌َ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا
عن كل يوم نصف صاع بُر، وأوجب النبي وَّر على كعب بن عجرة إطعام ستة
مساكين كلَّ مسكين نصف صاع بر، وهذا يدل على أن تقدير فدية الصوم
بنصف صاع أولى منه بالمدِّ .
لأن التخيير في الأصل قد تعلق بين الصوم والفدية في كل واحد منهما،
وقد روي عن ابن عمر وجماعة من التابعين: عن كل يوم مد، والأول أولى،
لما رويناه عن النبي (188، ولما عضده قول الأكثرين عدداً من الصحابة
والتابعين، وما دل عليه من النظر، انتهى.
٥٢/٦١٢ - (مالك، أنه بلغه) قال السيوطي في ((الدر المنثور)): أخرج
عبد بن حميد وابن أبي حاتم والدارقطني عن نافع، قال: أرسلت إحدى بنات
ابن عمر إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - تسأله عن صوم رمضان وهي حامل،
قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكيناً. (أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(سئل) ببناء المجهول (عن المرأة الحامل، إذا خافت على ولدها) هلاكاً، (واشتدَّ
عليها الصيام؟ قال: تفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مدّاً من حنطة بمدّ
النبي ◌َّه) وتقدم الخلاف في ذلك قريباً.
وقال الموفق(١): الواجب في إطعام المسكين مد بر، أو نصف صاع
من تمر، أو شعير. والخلاف فيه كالخلاف في إطعام المساكين في كفارة
الجماع، انتھی.
(قال مالك: وأهل العلم) مبتدأ، وخبره (يرون عليها) أي الحامل
(١) ((المغني)) (٣٩٥/٤).
٢٩٤
----

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٢) حديث
الْقَضَاءَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنَكُم ◌َرِيضًا أَوْ عَلَى
سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامِ أُخَرَّ﴾ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَرَضاً مِنَ الأَمْرَاضِ مَعَ
الْخَوْفِ عَلَى وَلَذِهَا .
المذكورة (القضاء) فقط بلا إطعام أو مع الإطعام، كما سيأتي. (كما قال الله
عز وجل) هذا بيان لدليل قول أهل العلم. (﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَِّيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾(١)).
ثم ذكر وجه الاستدلال بالآية، فقال: (ويرون ذلك مرضاً من الأمراض
مع الخوف على ولدها) فدخل في عموم الآية، وليس فيها إطعام، وأما المرضع
الخائفة على ولدها فتقضي وتطعم، وهذا هو المشهور من أقوال مالك، كما
قال عياض وغيره، ويحتمل أن مراده ههنا أنهم يرون على الحامل القضاء مع
الإطعام، وبه جزم ابن عبد البر، وعزاه لطائفة: منهم مالك في قول، فهي
كالمرضع، وثالث أقواله: يطعمان ولا قضاء عليهما، وقيل: يقضيان ولا
إطعام، ومحلها في خوفهما على ولديهما، أما إذا خافتا على أنفسهما فلا فدية
باتفاق أهل المذهب، وهو إجماع إلا عند من أوجب الفدية على المريض،
قاله الزرقاني (٢) .
وقال الباجي(٣): الحامل إذا خافت على ولدها من شدة تفطر، ولا
خلاف في إباحة الفطر لها، ويحتمل أن يكون ابن عمر - رضي الله عنهما -
أمرها بالإطعام على سبيل الندب والاستحباب، وقد اختلف الناس في ذلك،
وعن مالك روايتان: إحداهما: لا إطعام عليها، وبه قال أبو حنيفة، والثانية:
عليها الإطعام، ويخرج على هذه الرواية وجوب الإطعام على الشيخ الكبير،
انتھی .
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
(٢) (١٩٢/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٧٠/٢).
٢٩٥

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٢) حديث
وقال ابن رشد في ((البداية))(١): الحامل والمرضع إذا أفطرتا، ماذا
عليهما؟ للعلماء فيه أربعة مذاهب: أحدها: أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما،
وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، والثاني: مقابل الأول أنهما يقضيان
فقط، ولا إطعام عليهما. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبيد وأبو ثور،
والثالث: أنهما يقضيان ويطعمان به، وبه قال الشافعي، الرابع: أن الحامل
تقضي ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم، انتهى.
قلت: وهذا هو مشهور أقوال مالك كما تقدم، ومذهب الحنابلة في ذلك
ما في ((الروض))(٢): إن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما فقط أو مع
الولد قضتاه فقط من غير فدية، لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه، وإن
أفطرتا خوفاً على ولديهما فقط قضتا، وأطعمتا لكل يوم مسكيناً ما يجزي في
كفارة، انتهى. وقال إسحاق على ما حكاه الترمذي: يفطران ويطعمان ولا
قضاء عليهما، وإن شاء قضتا ولا إطعام عليهما، انتهى.
وقال القاري (٣): المرضع والحبلى يقضيان، ولا فدية عليهما عندنا،
وقال الشافعي وأحمد: يجب عليهما الفدية، وقال مالك: يجب على الحامل
دون المرضع، ولنا: أن الفدية ثبتت في الشيخ الفاني، على خلاف القياس،
فلا يلحق به غيره، انتهى.
وقال الشوكاني: وقد قال بعدم وجوب الكفارة مع القضاء الأوزاعي
والزهري والشافعي في أحد أقواله، وقال مالك والشافعي في أحد أقواله: إنها
تلزم المرضع، لا الحامل، انتهى.
(١) (بداية المجتهد)) (٣٠٠/١).
(٢) (٤١٧/١).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٨/٤).
٢٩٦

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٢) حديث
وقال الموفق(١): جملة ذلك أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما
فلهما الفطر، وعليهما القضاء فحسب، لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم،
لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا،
وعليهما القضاء، وإطعام مسكين عن كل يوم، وهذا يروى عن ابن عمر، وهو
المشهور من مذهب الشافعي.
وقال الليث: الكفارة على المرضع دون الحامل، وهو إحدى الروايتين
عن مالك، لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل، ولأن
الحمل متصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها، وقال
عطاء والزهري والحسن وسعيد بن جبير والنخعي وأبو حنيفة: لا كفارة
عليهما؛ لما روى أنس بن مالك - رجل من بني كعب - عن النبي ◌َّل قال:
((إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم))
الحديث، رواه النسائي(٢) والترمذي، وقال: حسن.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدَّيَةٌ﴾ الآية وهما داخلتان في
عموم الآية، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر، ولا مخالف لهما في
الصحابة، وإذا ثبت هذا فإن القضاء لازم لهما، وقال ابن عمر وابن عباس: لا
قضاء عليهما؛ لأن الآية تناولتهما وليس فيها إلا الإطعام، ولأنه وَلّ قال:
((إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم)).
ولنا: أنهما يطيقان القضاء فلزمهما كالحائض والنفساء، والآية أوجبت
الإطعام ولم تتعرض للقضاء، فأخذناه من دليل آخر، والمراد بوضع الصوم
وضعه في مدة عذرهما كما جاء في حديث عمر بن أمية عن النبي ◌َّ: ((إن الله
(١) («المغني)) (٣٩٣/٤، ٣٩٤).
(٢) أخرجه النسائي (١٢٧٣، ١٢٧٤، ١٢٧٥) والترمذي (٧١٥).
٢٩٧

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٢) حديث
وضع عن المسافر الصوم))، قال أحمد: أذهب إلى حديث أبي هريرة، يعني
ولا أقول بقول ابن عباس وابن عمر في منع القضاء، انتهى.
قال ابن رشد (١): وسبب اختلافهم تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم
وبين المريض، فمن شبّههما بالمريض قال: عليهما القضاء فقط. ومن شبّههما
بالذي يُجْهده الصوم قال: عليهما الإطعام فقط، بدليل قراءة من قرأ: ((وَعَلَىَ
اُلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ))(٢)، وأما من جمع عليهما الأمرين فيشبه أن
يكون رأى فيهما من كل واحد شبهاً، فقال: عليهما القضاء من جهة ما فيهما
من شبه المريض، وعليهما الفدية من جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم
الصوم، ويشبه أن يكون شبههما بالمفطر الصحيح لكن يضعف هذا، فإن
الصحيح لا يباح له الفطر، ومن فرق بين الحامل والمرضع ألحق الحامل
بالمريض، وأبقى حكم المرضع مجموعاً من حكم المريض، وحكم الذي
يجهده الصوم، أو شبّههما بالصحيح، ومن أفرد لهما أحد الحكمين أولى ممن
جمع، كما أن من أفردهما بالقضاء أولى مما أفردهما بالإطعام فقط، انتهى.
وقال الجصاص(٣): قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري
والحسن بن حي: إذا خافتا على ولديهما أو على أنفسهما فإنهما تفطران
وتقضيان ولا كفارة عليهما، انتهى.
ولا يذهب عليك أنه حكى الثوريَّ مع الحنفية، وحكاه الترمذيُّ مع
الشافعي، ويؤيد الأول أن الحافظ وغيره حكوا هذا المذهب عن الكوفيين،
ولم يستثنوا عنهم الثوري فليحرر.
(١) (بداية المجتهد)) (٣٠٠/١).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٤.
(٣) ((أحكام القرآن)) (١/ ١٨٠).
٢٩٨

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٢) حديث
٠
٠٠٠٠
.
٠٠٠
ثم قال الجصاص بعد ذكر اختلاف الأئمة: واختلف السلف في ذلك
على ثلاثة أوجه، فقال علي - كرّم الله وجهه -: عليهما القضاء إذا أفطرتا، ولا
فدية عليهما، وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء، وقال ابن عباس: عليهما
الفدية بلا قضاء، وقال ابن عمر ومجاهد: عليهما الفدية والقضاء، والحجة
لأصحابنا، فذكر بسنده عن أنس قال: أتيت رسول الله وَّ في إبل لجارٍ لي
أخذت، فوافقته وهو يأكل فدعاني إلى طعامه، فقلت: إني صائم، فقال: إذاً
أخبرك عن ذلك ((إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل
والمرضع)) الحديث.
قال أبو بكر: شطر الصلاة مخصوص به المسافر، إذ لا خلاف أن
الحمل والرضاع لا يبيحان قصر الصلاة، ووجه دلالته على ما ذكرنا إخباره -
عليه الصلاة والسلام - بأن وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن
المسافر، ألا ترى أن وضع الصوم الذي جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله
من حكم المرضع والحامل، لأنه عطفهما عليه من غير استئناف ذكر شيء
غيره، فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو في حكم
وضعه عن المسافر، لا فرق بينهما، ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما
هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية، فوجب أن يكون ذلك حكم
الحامل والمرضع.
وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما
أو ولديهما، إذ لم يفصل النبي ◌َّ بينهما، وأيضاً لما كانت الحامل والمرضع
يرجى لهما القضاء، وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس أو الولد مع
إمكان القضاء، وجب أن تكونا كالمريض والمسافر، انتهى. قلت: أنس بن
مالك هذا هو الكعبي.
٢٩٩

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٢) حديث
قال الشوكاني(١): الحديث حسنه الترمذي(٢)، وقال: لا يعرف لابن مالك
هذا عن النبي ◌َ﴾ غير هذا الحديث الواحد، وقال ابن أبي حاتم في ((علله))،
سألت أبي عنه، يعني الحديث، فقال: اختلف فيه، والصحيح: عن أنس بن
مالك القشيري .
قال المنذري: وممن يسمى بأنس بن مالك من رواة الحديث خمسة،
صحابيان: هذا، وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله مَلآ،
وأنس بن مالك والد الإمام مالك بن أنس، روي عنه حديث في إسناده
نظر، والرابع شيخ حمصي حدّث، والخامس حدّث عن حماد بن أبي
سليمان والأعمش وغيرهما، انتهى. وينبغي أن يكون أنس بن مالك
القشيري، الذي ذكره ابن أبي حاتم، سادساً إن لم يكن هو الكعبيَّ،
· انتھی .
وقال الحافظ في ((الإصابة))(٣): أنس بن مالك الكعبي القشيري روى
عن النبي ◌َّر حديثاً في وضع الصيام عن المسافر، أخرجه أصحاب السنن
وأحمد وصححه الترمذي وغيره، ووقع عند ابن ماجه أنس بن مالك رجل
من بني عبد الأشهل، وهو غلط، وفي رواية أبي داود عن أنس بن مالك
رجل من بني عبد الله بن كعب، أخوه قشير لا من قشير، وهذا هو
الصواب، وبذلك جزم البخاري في ترجمته، فعلى هذا هو كعبي لا قشيري،
وقد تعقب الرشاطي قول ابن عبد البر فيه: القشيري، ويقال: الكعبي، انتهى
مختصراً .
(١) انظر: ((نيل الأوطار)) (٢٧٢/٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٩٤/٣)، وأبو داود (٢٤٠٨)، والنسائي (١٨٠/٤)، وابن ماجه
(١٦٦٧/١)، وأحمد (٣٤٧/٤).
(٣) (٧٣/١).
٣٠٠