Indexed OCR Text

Pages 241-260

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٤) حديث
وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسى وَغَابَتِ الشَّمْسُ،
(ورأى) أي اعتقد، كما فسر به الزرقاني، أو ظن، كما جزم به ابن الهمام،
والواو حالية (أنه قد أمسى، وغابت الشمس)، بالواو في نسخ ((الموطأ)) ليحيى،
وفي ((الموطأ)) لمحمد(١): ((أو غابت)) بلفظ: ((أو)) شك من الراوي.
قال الباجي(٢): يريد أنه قد اجتهد في الوقت اجتهاداً غلب على ظنه
مغيب الشمس، وهذا الذي يلزم الصائم في يوم الغيم أن يجتهد فيه، فما لم
يغلب على ظنه أن الشمس قد غابت لم يجز له الفطر، فإن أفطر مع الشك
فعليه القضاء والكفارة، لأنه قد دخل في الصَّوم، ولزمه الإمساك، وحرم عليه
الأكل، إلا بالاجتهاد وتيقن مغيب الشمس، فإذا غلب على ظنه أن الشمس قد
غابت حل له الفطر، وهذا حكم الصلاة وسائر العبادات، إذا خفيت علامات
أوقاتها قام الاجتهاد في ذلك مقام المعرفة بدخول الوقت في جواز الفعل،
انتھی .
قلت: ذكر الباجي فيه ثلاث مسائل، وهي كلها خلافية، الإمساك،
والقضاء، والكفارة، وسيأتي الكلام على القضاء في آخر الحديث.
أما الإمساك فقال الموفق(٣): كل من أفطر والصوم لازم له، كالمفطر
بغير عذر، والمفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد طلع الفجر، أو يظن أن
الشمس قد غابت ولم تغب، أو الناسي لنية الصوم ونحوهم، يلزمهم الإمساك،
لا نعلم فيه خلافاً بينهم، إلا أنه يُخَرَّجُ على قول عطاء في المعذور في الفطر،
إباحةُ فطر بَقِيَّةِ يومه، وهو قول شاذٍّ لم يُعرِّج عليه أهلُ العلم.
وأما من يباح له الفطر أول النهار ظاهراً أو باطناً كالحائض، والمسافر،
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٠٦/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٦٤/٢).
(٣) («المغني)) (٣٨٧/٤).
٢٤١

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٤) حديث
والصبي، والكافر، والمريض إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار، ففيهم روايتان
للإمام أحمد، إحداهما: يلزمهم الإمساك، وهو قول أبي حنيفة والثوري
والأوزاعي والحسن بن صالح، لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام،
فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية.
والثانية: لا يلزمهم الإمساك، وهو قول مالك والشافعي، وروي ذلك عن
جابر بن زيد، وروي عن ابن مسعود: من أكل أول النهار فليأكل آخره، وروي
عن جابر بن يزيد: أنه قدم من سفر فوجد امرأته قد طهرت من حيض
فأصابها، انتهى.
وأما وجوب الكفارة فعند الحنفية فيه تفصيلٌ واختلافٌ بسطه أهل
الفروع، ففي ((الدر المختار))(١): تسخّر أو أفطر يظن اليوم ليلاً، والحال أن
الفجر طالع، والشمس لم تغرب ــ (لف ونشر)) - ويكفي الشك في الأول، دون
الثاني، عملاً بالأصل فيهما، ولو لم يتبين الحال لم يقض في ظاهر الرواية.
والمسألة تتفرع إلى ستة وثلاثين، محلها المطولات.
قال ابن عابدين: يكفي لإسقاط الكفارة الشك في الأول أي: التسحر،
لأن الأصل بقاء الليل، فلا يخرج بالشك، وفي وجوب الكفارة مع الشك في
الغروب اختلاف المشايخ كما نقله في ((البحر)) عن ((شرح الطحاوي))، ونقل
أيضاً عن ((البدائع)) تصحيح عدم الوجوب، فيما إذا غلب على رأيه عدم
الغروب، لأن احتمال الغروب قائم، فكان شبهةً، والكفارة لا تجب مع
الشبهة، انتهى.
لا يخفى أن هذا يقتضي تصحيح القول بعدم الوجوب عند الشك في
الغروب بالأولى، لكن ذكر في ((الفتح))(٢): أن مختار الفقيه أبي جعفر لزوم
(١) (٤٣٦/٣).
(٢) ((فتح القدير)) لابن الهمام (٢٩١/٢).
٢٤٢

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٤) حديث
فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ◌َطَلَعَتِ السَّمْسُ. فَقَالَ عُمَرٌ:
الْخَيْلُ يَسِيرٌ. وَقَدِ اجْتَهَدْنَا.
الكفارة عند الشك، لأن الثابت حال غلبة الظن بالغروب شبهة الإباحة لا
حقيقتها، ففي حال الشك دون ذلك هو شبهة الشبهة، وهي لا تسقط
العقوبات، ثم قال في ((الفتح)): هذا إذا لم يتبين الحال، فإن ظهر أنه أكل قبل
الغروب فعليه الكفارة، ولا أعلم فيه خلافاً .
وقوله: (تتفرع إلى ستة وثلاثين)) هذا على ما في ((النهر)). إما أن يغلب
على ظنه أو يظن أو يشك، وكلٌّ من الثلاثة إما أن يكون في وجود المبيح، أو
قيام المحرم، فهي ستة، وكل منها إما أن يتبيَّن له صحة ما بدا له، أو بطلانه،
أو لا، وكلّ من الثمانية عشر إما أن يكون في ابتداء الصوم أو في انتهائه،
فتلك ستة وثلاثون، انتھی.
(فجاءه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، طلعت الشمس) هكذا في النسخ
الهندية وأكثر المصرية بدون همزة الاستفهام، وهو إخبار، أي: ظهرت
الشمس، وما زيد في بعض النسخ من الهمزة في أولها سهو من الناسخ، ليس
لها وجه. قال الباجي(١): يحتمل أن الرجل قصد بذلك ليعلم من عنده ما يجب
على من أفطر بعد الاجتهاد، ويحتمل أنه أخبره بذلك ليمسك عن الأكل في
بقية يومه، لأن ذلك واجب على من أفطر، وهو لا يعلم أن الزمن زمن صوم،
ثم علم بعد ذلك أنه زمن صوم، انتهى.
(فقال عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (الخطب) هو الأمر الذي تقع
فيه المخاطبة والشأن والحال كذا في ((المجمع)). (يسير). أي: لا حرج فيه
ولا إثم. (وقد اجتهدنا). في تحقيق الوقت، حتى غلب الظن أن الشمس
غابت، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وليس في النسخ المصرية لفظ: ((في
الوقت)) لكن المراد بالاجتهاد هو الاجتهاد في الوقت.
(١) ((المنتقى)) (٦٤/٢).
٢٤٣

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ((الْخَطْبُ يَسِيرٌ)) الْقَضَاءَ، فِيمَا
نُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَخِفَّةَ مَؤُنَتِهِ وَيَسَارَتَهِ، يَقُولُ: نَصُومُ يَوْماً
مَكَانَهُ.
(قال مالك: إنما يريد) عمر - رضي الله عنه - (بقوله: الخطب يسير)
وجوب (القضاء) مفعول لقوله: يريد. (فيما نُرى) بضم النون أي نظن. (والله
أعلم) بحقيقة المراد (و) يريد بقوله: (يسير)) (خفة مؤنته ويسارته) بالنصب،
عطف على الخفة، أي: يريد كونه يسيراً وهو كذلك، يعني الأمر سهل لا
صعوبة فيه، إذ لا يجب فيه الكفارة، كأنه (يقول: نصوم يوماً مكانه) وما ظنه
الإمام مالك من قول عمر - رضي الله عنه - هو المروي عنه - رضي الله عنه -
مفسراً.
فقد روى عبد الرزاق عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: الخطب يسير،
وقد اجتهدنا، نقضي يوماً، وروي أنه قال: يا هؤلاء، من كان أفطر فإن قضاء
يوم يسير، ومن لم يكن أفطر فليتم صومه، وفي ((التعليق الممجد))(١): روى ابن
أبي شيبة عن حنظلة قال: شهدت عمر - رضي الله عنه - في رمضان، وقرب
إليه شراب، فشرب بعض القوم وهم يرون أن الشمس قد غربت، ثم ارتقى
المؤذن فقال: يا أمير المؤمنين! والله إن الشمس طالعة لم تغرب، فقال عمر -
رضي الله عنه -: من كان أفطر فليصم يوماً مكانه، ومن لم يفطر فليتم صومه
حتى تغرب الشمس.
وزاد من طريق آخر فقال له: ((إنما بعثناك داعياً ولم نبعثك راعياً، وقد
اجتهدنا، وقضاء يوم يسير))، وروى الأثرم بمعناه، وبنحوها أخرج البيهقي بعدة
طرق، ويعضده ما في البخاري (٢) عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه(٣) عن
(١) (٢٠٦/٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٥٩)، وأبو داود (٢٣٥٩)، وابن ماجه (١٦٧٤).
(٣) كذا في الأصل والصواب ((عن فاطمة)).
٢٤٤

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٤) حديث
أسماء قالت: أفطرنا على عهد رسول الله ◌ّيقول يوم غيم ثم طلعت الشمس، قيل
لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: ولا بد من القضاء، وقال معمر: سمعت هشاماً
يقول: لا أدري أقضوا أم لا .
قال الحافظ (١): ظاهرها يعارض التي قبلها، لكن يجمع بأن جزمه
بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر، وأما حديث أسماء فلا يحفظ
فيه إثبات القضاء ولا نفيه، وقد اختلف في هذه المسألة.
قال الموفق(٢): إن أكل يظن أن الفجر لم يطلع، وقد كان طلع، أو أفطر
يظن أن الشمس قد غابت، ولم تغب، فعليه القضاء، هذا قول أكثر أهل العلم
من الفقهاء وغيرهم، وحكي عن عروة ومجاهد والحسن وإسحاق: لا قضاء
عليهم؛ لما روى زيد بن وهب قال: كنت جالساً في مسجد رسول الله وَلّ في
رمضان، في زمان عمر بن الخطاب، فأُتِيْنا بعساس(٣) فيها شراب من بيت
حفصة، فشربنا، ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب، فإذا الشمس
طالعة، قال: فجعل الناس يقولون: نقضي يوماً مكانه، فقال عمر: والله لا
نقضيه، ما تَجَانَفْنا لإِثم، ولنا ما رواه الأثرم: أن عمر - رضي الله عنه - قال:
من أكل فليقض يوماً، وروى هشام عن فاطمةَ [امرَأتِه] عن أسماء، فذكر
حديث البخاري المذكور قريباً .
فذهب الجمهور - منهم الأئمة الأربعة - إلى إيجاب القضاء، قال
العيني(٤): وبه قال ابن سيرين وسعيد بن جبير والأوزاعي والثوري وإسحاق،
(١) فتح الباري)) (٢٠٠/٤).
(٢) ((المغني)) (٣٨٩/٤).
(٣) ((العِساس)) بكسر العين، جمع عُسِّ بضمها، وهو الكوز الكبير. ((ش)).
(٤) ((عمدة القاري)) (١٦٦/٨).
٢٤٥

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٤) حديث
وأوجب أحمد الكفارة في الجماع، وذهب جماعة إلى أنه لا يجب القضاء في
هذه الصورة آخذاً مما ورد في بعض طرق قصة عمر أنه قال: لا نقضي، لكن
قال ابن عبد البر وغيره: هي رواية ضعيفة، والصواب رواية الإثبات.
قال العيني: وغلطوا زيد بن وهب الراوي في هذه الرواية المخالفة لبقية
الروايات، وقال المنذري: في هذه الرواية إرسال، ويعقوب بن سفيان كان
يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة لبقية الروايات، وزيد ثقة إلا أن
الخطأ غير مأمون، انتهى.
قال العيني: وروي عن مجاهد وعطاء وعروة بن الزبير أنهم قالوا: لا
قضاء عليه، وجعلوه بمنزلة من أكل ناسياً، قال الحافظ(١): وجاء ترك القضاء
عن مجاهد والحسن. وبه قال إسحاق وأحمد في رواية، واختاره ابن خزيمة،
فقال: قول هشام: لا بد من القضاء، لم يسنده ولم يتبين عندي أن عليهم
قضاء، ويرجح الأول أنه لو غُمَّ هلال رمضان فأصبحوا مفطرين، ثم تبين أن
ذلك اليوم من رمضان، فالقضاء واجب بالاتفاق، فكذلك هذا، وقال ابن التين:
لم يوجب مالك القضاء إذا كان صوم نذر، انتهى.
وقد علم مما تقدم اختلاف الروايات عن الإمام أحمد، لكن فروعه
موافقة للجمهور، بل لم يذكر الموفق فيه اختلاف الرواية أيضاً، كما تقدم من
كلامه، وفي ((الروض)) (٢): أكل ونحوه معتقداً أنه ليل، فبان نهاراً، أي: فبان
طلوع الفجر أو عدم غروب الشمس، قضى، لأنه لم يتم صومه، انتهى.
تنبيه: أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - عند ابن أبي شيبة بلفظ: ((ثم
ارتقى المؤذن، فقال: يا أمير المؤمنين، والله إن الشمس طالعة)) صريح في أن
(١) ((فتح الباري)) (٢٠٠/٤).
(٢) (١٤١/١).
٢٤٦
... .

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٥) حديث
٤٥/٦٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
تُمَرَ كَانَ يَقُولُ: يَصُومُ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُتَنَابِعاً، مَنْ أَفْطَرَهُ مِنْ مَرَضٍ
أَوْ فِي سَفَرٍ .
عمر - رضي الله عنه - أفطر قبل الأذان، وحكى الباجي برواية ابن نافع عن
مالك: أن البصير الذي في الحضر أو المصر فيه المؤذنون أنه لا يأكل إذا كان
أذانهم عند الفجر، وإن رأى هو الفجر لم يطلع، ولا يفطر حتى يؤذنوا، وإن
رأى هو الشمس قد غربت، لأنهم مؤكلون بذلك، وهم رعاته، وروى عيسى
عن ابن القاسم: يأكل ويشرب حتى يطلع، إذا كان ممن يعرف الفجر، وكذلك
الفطر إذا غربت الشمس ولم يشك، انتهى.
٤٥/٦٠٥ - (مالك، عن نافع، أن عبدالله بن عمر كان يقول: بصوم قضاء
رمضان متتابعاً) بصيغة اسم الفاعل في جميع النسخ المصرية، وبالمصدر بلفظ:
((تتابعا)) في أكثر النسخ الهندية. (من أفطره) فاعل لقوله: ((يصوم)) والضمير
المنصوب لرمضان. (من مرض) لفظة من أجليّة أي بسبب المرض. (أو) أفطر
(في سفر) قال الباجي(١): ويحتمل أن يريد به الإخبار عن الوجوب، ويحتمل
أن يريد به الإخبار عن الاستحباب، وعلى الاستحباب جمهور الفقهاء، فإن
فرّقه أجزأه، وبذلك قال مالك وأبو حنيفة والشافعي، والدليل على صحة ما
ذهبوا إليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَى سَفَرٍ﴾(٢) الآية، ولم
يخص متفرقة من متتابعة، فإذا أتى بها متفرقة فقد صام عدة أيام أخر فوجب أن
تجزئه، انتهى.
قال الزرقاني (٣): ذهب الجمهور - منهم الأئمة الأربعة - إلى استحبابه
(١) ((المنتقى)) (٦٤/٢).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٤.
(٣) (١٨٧/٢).
٢٤٧

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٥) حدیث
فقط، وبه قال جمعٌ من الصحابة، وإن كان القياس التتابع إلحاقاً لصفة القضاء
بصفة الأداء، وتعجيلاً لبراءة الذمة، ولكن لم يجب لإطلاق الآية، وفي
الدار قطني بإسناد ضعيف: ((أنه وَلّ سئل عن قضاء رمضان، فقال: إن شاء فرّقه
وإن شاء تابعه)). ومذهب ابن عمر وجوب تتابع القضاء، وكذا روي عن علي
والحسن والشعبي وبه قال أهل الظاهر.
قلت: وحكي في ((شرح الإحياء)) عن إمام الحرمين وغيره: أن مذهب
مالك إيجاب التتابع، ولا يصح، فإن أكثر المالكية حكوا عنه الندب فقط وهم
أصحاب المذهب، وفي ((الشرح الكبير)): ندب تعجيل القضاء وتتابعه، انتهى.
وقال الأبي(١) المالكي: مذهب الكافة من علماء الأمصار أنه لا يلزم
التتابع في قضاء رمضان، وأوجبه الظاهرية، وقال بكلٍ من القولين جماعةٌ من
الصحابة والتابعين، انتهى.
وقال الخرقي: قضاء شهر رمضان متفرقاً يجزئ، والمتتابع أحسن.
قال الموفق(٢): هذا قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة،
وابن محيريز، وأبي قلابة، ومجاهد، وأهل المدينة، والحسن، وسعيد بن
المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والثوري
والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وحكي وجوب التتابع عن علي وابن عمر
والنخعي والشعبي، وقال داود: يجب ولا يشترط، لما روى ابن المنذر بإسناده
عن أبي هريرة: أن النبي وَ لّ قال: ((من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا
يقطعه))، ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾(٣) غير مقيد، فإن
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٦١/٣).
(٢) ((المغني)) (٤٠٨/٤).
(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٤.
٢٤٨
...

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٦) حدیث
٤٦/٦٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ اخْتَلَفَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ. فَقَالَ
أَحَدُهُمَا: يُفَرِّقُ بَيْنَهُ. وَقَالَ الْآخَرُ: لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ.
قيل: قد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: نزلت ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
أُخَرَّ﴾ فسقطت ((متتابعات))، قلنا: هذا لم يثبت عندنا صحته، ولو صح فقد
سقطت اللفظة المحتجّ بها .
وأيضاً قول الصحابة، قال ابن عمر: إن سافر إن شاء فرّق وإن شاء
تابع، وروي مرفوعاً إلى النبي وَل9، وروى أبو عبيدة بن الجراح في قضاء
رمضان: إن الله لم يرخّص لكم في فطره، وهو يريد أن يشق عليكم، وذكر أثر
محمد بن المنكدر الآتي قريباً، ثم قال: ولأنه صوم لا يتعلق بزمان بعينه، فلم
يجب فيه التتابع، وخبرهم لم يثبت صحته، فإن أهل السنن لم يذكروه، ولو
صح حملناه على الاستحباب، انتهى.
وقال الحافظ(١): نقل ابن المنذر وغيره عن علي وعائشة - رضي الله
عنهما - وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر، وعن عائشة - رضي الله
عنها -: نزلت ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ متتابعات﴾ فسقطت ((متتابعات))، وفي
((الموطأ)): أنها قراءة أُبيّ بن كعب، وهذا إن صح يُشْعر بعدم وجوب التتابع،
فكأنه كان أولاً واجباً، ثم نُسِخ، ولا يختلف المُجِيْزُون للتفريق أن التتابع
أولی، انتهى .
٤٦/٦٠٦ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري منقطعاً (أن عبد الله بن
عباس وأبا هريرة) - رضي الله عنهم - (اختلفا في قضاء رمضان فقال أحدهما:
يفرق بينه) أي يجزئه التفرق (وقال الآخر: لا يفرق بينه) أي وجوباً على
الظاهر، قال الباجي: يحتمل أن يكون قاله على سبيل الاستحباب، ولم يرد أنه
(١) ((فتح الباري)) (١٨٩/٤).
٢٤٩

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٦) حديث
لا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ: يُفَرِّقُ بَيْنَهُ.
لا يجزئ إلا متتابعاً. (لا أدري أيهما قال: يفرق بينه) زاد في النسخ الهندية بعد
ذلك (ولا أيهما قال: لا يفرق بينه) وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية غير
((المنتقى)).
قال ابن عبد البر(١): لا أدري عمن أخذ ابن شهاب هذا، وقد صح عن
ابن عباس وأبي هريرة: أنهما أجازا تفريق قضاء رمضان، وقالا: لا بأس
بتفريقه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ قلت: وهكذا أخرج ابن
أبي شيبة عنهما: لا بأس بقضاء رمضان متفرقاً.
وقال الحافظ: هكذا أخرجه مالك منقطعاً مبهماً، ووصله عبد الرزاق
معيناً عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس فيمن عليه
قضاء رمضان. قال: يقضيه مفرقاً، قال الله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾
وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده قال: صمه كيف شئت.
وروينا في «فوائد أحمد بن شبيب)) من روايته عن أبيه عن يونس عن الزهري
بلفظ: لا يضرك كيف قضيتها، إنما هي عدة من أيام أخر فأحصه.
وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: أن ابن عباس وأبا هريرة
قالا: فرقه إذا أحصيته، وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة نحو
قول ابن عمر، وكأنه اختلف فيه عن أبي هريرة، انتهى .
قلت: ويستدل لجواز التفريق بما أخرج ابن أبي شيبة (٢) عن محمد بن
المنكدر قال: بلغني أن النبي ﴾ سئل عن تقطيع قضاء رمضان، فقال: ((ذاك
إليك، فقال: أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم
يكن قضاء، فالله أحق أن يعفو ويغفر))، وأخرج عن أنس: إن شئت فاقض
(١) ((الاستذكار)) (١٧٨/١٠).
(٢) ((المصنف)) (٤٤٧/٢).
٢٥٠
.--

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٧) حديث
٦٠٧/ ٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنِ اسْتَفَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَمَنْ
ذَرَعَهُ الْقَيءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ .
رمضان متتابعاً، وإن شئت متفرقاً، وعن معاذ بن جبل: قال: أَخْصِ العدة،
وصم كيف شئت، وهكذا أخرجه عن رافع بن خديج وغيره من الصحابة
والتابعين، وأثر محمد بن المنكدر ذكره الأثرم أيضاً.
قال الموفق (١): روى الأثرم بإسناده عن محمد بن المنكدر، أنه قال:
بلغني أن رسول الله وَّيل سئل عن تقطيع رمضان، فقال رسول الله وَلقوله: ((لو كان
على أحدكم دين، فقضاه من الدرهم والدرهمين، حتى يقضي ما عليه من
الدين، هل كان ذلك قاضياً دينه؟)) قالوا: نعم يا رسول الله، قال: ((فالله أحق
بالعفو والتجاوز منكم)) .
٤٧/٦٠٧ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(أنه كان يقول: من استقاء) أي: تكلف القيء واستدعاه (وهو صائم، فعليه
القضاء. ومن ذرعه) بذال معجمة وراء وعين مهملتين أي غلبه وسبقه (القيء،
فليس عليه القضاء). قال الموفق(٢): معنى استقاء: تَقَيَّأَ مستدعياً للقيء،
وذرعه: خرج من غير اختيار منه، فمن استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه فلا
شيء عليه، وهذا قول عامة أهل العلم، قال الخطابي: لا أعلم بين أهل العلم
فيه اختلافاً، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء
عامداً، وحكي عن ابن مسعود وابن عباس: أن القيء لا يُفْطِرُ، وروي أن
النبي وَل قال: ((ثلاث لا يفطرن: الحجامة والقيء والاحتلام)).
ولنا؛ ما روى أبو هريرة مرفوعاً: ((من ذرعه القيء فليس عليه قضاء))
(١) («المغني)) (٤٠٩/٤).
(٢) ((المغني)) (٣٦٨/٤).
٢٥١

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٧) حديث
الحديث، رواه أبو داود والترمذي (١)، وقال: حسن غريب، وقليل القيء وكثيره
سواء في ظاهر قول الخرقي، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وعنه: لا يفطر
إلا بملء الفم؛ لأنه روي عن النبي وَله: أنه قال: ((ولكن دسعة تملأ الفم))،
ولأن اليسير لا ينقض الوضوء فلا يفطر كالبلغم، والرواية الثالثة: نصف الفم،
لأنه ينقض الوضوء فيفطر به كالكثير، انتهى.
وقد روى البخاري في ((تاريخه الكبير)) وأصحاب السنن عن أبي هريرة
عن النبي ◌َّر: ((من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه القضاء، وإن استقاء
فليقض))، قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين
عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ إلا من حديث عيسى بن يونس، وقد روي هذا
الحديث من غير وجه عن أبي هريرة ولا يصح إسناده، وقال البخاري: لا
يصح، وبسط العيني الكلام على ضعفه.
وقال أبو عمر(٢): الأصح أنه موقوف على أبي هريرة، وصححه ابن حبان
والحاكم، وقال: على شرط الشيخين، قلت: وأقره عليه الذهبي، وله متابعة
من حديث حفص بن غياث عن هشام بن حسان عند الحاكم، وقال أبو علي
الطوسي: هو حديث غريب، والصحيح رواية أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن
عبيد: ((أن النبي وَل﴿ّ قاء فأفطر))، وقال الترمذي: حديث أبي الدرداء أصح
شيء في القيء والرعاف، وقال أيضاً: والعمل على حديث أبي هريرة عند أهل
العلم، وبه يقول الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، وقال ابن المنذر: هو قول
كل من يحفظ عنه العلم، قال: وبه أقول، انتهى.
.-
أ
وفي ((شرح السنة)): عمل بظاهر هذا الحديث أهل العلم، فقالوا: من
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٨٠) في كتاب الصيام، باب الصائم يستقي عامداً، والترمذي
(٧٢٠) في: الصوم، باب ما جاء فيمن استقاء عمداً.
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٨١/١٠)، و((شرح الزرقاني)) (١٨٧/٢).
٢٥٢
-- - -- -
-- -
..---

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٧) حديث
استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه فلا قضاء عليه، لم يختلفوا فيه، وقال
ابن الملك: الأكثر على أنه لا كفارة عليه، كذا في ((المرقاة))(١).
قال الحافظ (٢): ذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر، وبين
من تعمد فيفطر، ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء،
لكن نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود: لا يفطر مطلقاً، وهي إحدى
الروايتين عن مالك.
واستدل الأبهري بإسقاط القضاء عمن تقيأ عمداً بأنه لا كفارة عليه على
الأصح عندهم، قال: فلو وجب القضاء لوجبت الكفارة، وعكس بعضهم،
فقال: هذا يدل على اختصاص الكفارة بالجماع دون غيره من المفطرات،
وارتكب عطاء والأوزاعي وأبو ثور فقالوا: يقضي ويكفر، ونقل ابن المنذر
أيضاً الإجماع على ترك القضاء على من ذرعه القيء ولم يتعمده إلا في إحدى
الروايتين عن الحسن، انتهى.
قلت: لكن قال الطحاوي(٣): ذهب قوم إلى أن الصائم إذا قاء أفطر،
واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، أي: حديث أبي الدرداء، قال العيني(٤):
أراد بالقوم عطاء والأوزاعي وأبا ثور، ثم قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك
آخرون فقالوا: إن استقاء أفطر، وإن ذرعه لم يفطر، وأراد بالآخرين القاسم بن
محمد، وابن سيرين، والحسن البصري، والنخعي، وسعيد بن جبير،
والشعبي، وعلقمة، والثوري، وأبا حنيفة، وأصحابه، ومالكاً، والشافعي،
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٥/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ١٧٤).
(٣) ((شرح معاني الآثار)) (٢/ ٩٧).
(٤) ((عمدة القاري)) (٣٦/١١).
٢٥٣

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٧) حديث
وأحمد، وإسحاق. ويروى ذلك عن علي، وابن عباس، وابن مسعود،
وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة. ونقل العبدري عن أحمد: أنه قال: من تقيأ
فاحشاً أفطر، انتهى مختصراً. وبسط العيني الأقوال الأخر في ذلك واختلفت
الروايات عن المالكية في ذلك.
قال الباجي(١): من استقاء يلزمه القضاء، هذا قول مالك، واختلف
أصحابه في ذلك، فقال الأبهري: هو على الاستحباب، وقال أبو يعقوب
الرازي: هو على الوجوب، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، والدليل على وجوب
ذلك أن المتعمد للقيء والمكره لنفسه عليه لا يسلم في الغالب من رجوع شيء
إلى حلقه، فيقع به فطره، فلما كان ذلك الغالب من حاله، حمل سائره على
ذلك، كالنوم في الحدث، فإذا قلنا بوجوب القضاء فهل تلزمه الكفارة؟ قال
أبو بكر: عن ابن الماجشون: عليه الكفارة، وقال القاضي أبو محمد: من قال
من أصحابنا: إن القضاء على الوجوب تلزمه الكفارة، وقال أبو الفرج: لو
سئل عنه مالك - رضي الله عنه - لأوجب عليه الكفارة.
قال الباجي: وفيه نظر، ويبطل عندي من وجهين: أحدهما: أننا نوجب
عليه القضاء، لأننا لا نتيقن سلامة صومه، فلا بد له من القضاء، لتبرأ ذمته من
الصوم الذي لزمها، ونحن لا نتيقن فساد صومه فنوجب عليه الكفارة، والثاني:
أن الكفارة إنما تجب إذا كان الفطر نفسه باختيار الصائم، فأما إذا فعل فعلاً
يؤدي إلى وقوع الفطر منه بغير اختيار، فلا تجب عليه الكفارة، انتهى.
قلت: والمرجح عند المالكية من هذه الروايات ما في ((الشرح الكبير)(٢)
للدردير، إذ قال: وصحته بترك إخراج قَيءٍ، فإن استدعاه فالقضاء دون الكفارة
(١) ((المنتقى)) (٦٤/٢).
(٢) (٥٢٣/١).
٢٥٤
---- -------

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٧) حديث
ما لم يرجع منه شيء، ولو غلبة، فإن خرج منه قهراً فلا قضاء، إلا أن يرجع
منه شيء فالقضاء فقط ما لم يختر في إرجاعه فالكفارة أيضاً، انتهى.
وعند الحنفية كما في ((الدر المختار))(١): إن ذرعه القيء لا يفطر مطلقاً
ملأ الفم أو لا، وإن استقاء عامداً متذكراً لصومه إن كان ملء الفم فسد
بالإجماع، وإن أقل لا، عند أبي يوسف وهو الصحيح، لكن ظاهر الرواية -
كقول محمد - إنه يفسد، انتهى. وفي صورة الإعادة فروع وأقوال كثيرة محلها
كتب الفروع.
قال ابن عابدين: المسألة تتفرع إلى أربع وعشرين صورة، لأنه إما أن
يقيء أو يستقيء، وفي كل إما أن يملأ الفم أو دونه، وكل من الأربعة إما إن
خرج أو عاد أو أعاده، وكل إما ذاكر لصومه أو لا، ولا فطر في الكل على
الأصح، إلا في الإعادة والاستقاء بشرط الملء مع التذكر، انتهى.
وفي ((المشكاة))(٢) عن أبي سعيد مرفوعاً: ((ثلاث لا يفطرن الصائم:
الحجامة والقيء والاحتلام))، رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غير محفوظ،
وعبد الرحمن بن زيد الراوي يضعف في الحديث، قال ميرك: رواه الدارقطني
والبيهقي، ورواه أبو داود عن رجل من أصحاب النبي وَّ، قال أبو حاتم:
حديث أبي داود أشبه بالصواب، وقال أبو زرعة: إنه أصح، وقال ابن الهمام:
رواه البزار من حديث ابن عباس، وقال: هذا من أحسنها إسناداً وأصحها،
وأخرجه الدارقطني من حديث ثوبان، فقد ظهر أن الحديث يجب أن يرتقي إلى
درجة الحسن، وضعف رواته إنما هو من قِبَل الحفظ لا العدالة، فالتظافر دليل
الإجادة في خصوصه، قاله القاري(٣).
(١) (٤٥٠/٣).
(٢) ((مشكاة المصابيح)) (٢٠١/٥).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٢/٤).
٢٥٥

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٨) حديث
٤٨/٦٠٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُسْأَلُ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ. فَقَالَ سَعِيدٌ: أَحَبُّ
إِلَيَّ أَنْ لا يُفَرَّقَ قَضَاءُ رَمَضَانَ، وَأَنْ يُوَاتَرَ .
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقولُ فِيمَنْ فَرَّقَ قَضَاءَ رَمَضَانَ:
فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ. وَذُلِكَ مُجْزِىءٌ عَنْهُ. وَأَحَبُّ ذُلِكَ إِلَيَّ أَنْ يُتَابِعَهُ.
٤٨/٦٠٨ - (مالك، عن يحيى بن سعيد)، الأنصاري (أنه سمع سعيد بن
المسيب يسأل) ببناء المجهول (عن قضاء رمضان) هل يتابع أم يفرق؟ (فقال
سعيد: أحب إليّ) بشد الياء مع إلى الجارّة (أن لا يفرق) ببناء المجهول أو المعلوم
(قضاء رمضان، وأن يواتر). بفتح التاء على ما ضبطه الزرقاني، ويحتمل كسرها
ببناء المجهول والمعلوم معاً، والمواترة المتابعة يقال: تواترت الخيل إذا جاءت
يتبع بعضها بعضاً، قال في ((المجمع)): أي يفرقه بأن يصوم يوماً ويفطر يوماً.
قال الباجي(١): قوله: ((أحب إليّ أن لا يفرق)) حسب ما تقدم من
استحباب ذلك، لأن الاستحباب تعجيله، وإذا عجل أول يوم استحب له
تعجيل الثاني، وذلك يقتضي التواتر إلا أن هذا تواتر ليس بمقصود في نفسه،
ووجه ثان: أن العلماء قد اختلفوا في وجوب التتابع، والأفضل أن يؤتى
بالعبادة على وجه متيقن على إجزائه فعلى هذه الطريقة يكون التتابع مقصوداً .
(قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول فيمن فرق قضاء رمضان: فليس فيه
إعادة) لأن التتابع ليس بواجب (وذلك مجزئ عنه) بصيغة اسم الفاعل في النسخ
الهندية، وفي المصرية: يجزئ بصيغة المضارع، والمؤدى واحد. (وأحب إليّ
أن يتابعه) إلحاقاً بأصله أو بداراً بفراغ ذمته أو خروجاً عن الخلاف، كما تقدم
في كلام الباجي، وتقدم قريباً عن كلام الحافظ لا يختلف المجيزون للتفريق أن
التتابع أولى.
(١) ((المنتقى)) (٦٥/٢).
٢٥٦
--- -
----
---
--
-------

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٨) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي رَمَضَانَ، سَاهِياً
أَوْ نَاسِياً، أَوْ مَا كَانَ مِنْ صِيَامِ وَاجِبِ عَلَيْهِ؛ أَنَّ عَلَيْهِ فَضَاءَ يَوْم
مَكَانَهُ .
وفي ((موطأ الإمام محمد)) (١) - رحمه الله - بعد ذكر الآثار، قال محمد:
الجمع بينه أفضل، وإن فرقت وأحصيت العدة فلا بأس بذلك، وهو قول
أبي حنيفة والعامة قبلنا، وفي ((مراقي الفلاح)): لا يشترط التتابع في القضاء
لإطلاق النص، لكن المستحب التتابع وعدم التأخير عن زمان القدرة مسارعة
إلى الخير وبراءة الذمة، انتهى.
(قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: من أكل أو شرب في رمضان، ساهياً أو
ناسياً، أو ما كان) عطف على رمضان، أي: أكل أو شرب فيما كان (من
صيام) بيان لقوله ((ما)) (واجب عليه) كظهار وكفارة (أن عليه) وجوباً (قضاء يوم
مكانه) قال الزرقاني: وبهذا قال ربيعة، وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه
وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان يؤثر في باب
المأمورات، قاله ابن دقيق العيد، وأما الحديث فمحمول على صوم التطوع
جمعاً بينهما، فليس القياس معارضاً للنص كما زعم، انتهى.
وفي ((شرح النقاية)): قال الأوزاعي والليث: يجب القضاء في الجماع
دون الأكل والشرب، وقال أحمد: يجب القضاء والكفارة في الجماع ولا شيء
في الأكل والشرب، انتهى.
قال الموفق(٢): روي عن علي - رضي الله عنه - لا شيء على من أكل
ناسياً، وهو قول أبي هريرة وابن عمر وعطاء وطاووس وابن أبي ذئب
والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق، وقال ربيعة ومالك:
(١) ((التعليق الممجد)) (١٩٨/٢).
(٢) ((المغني)) (٣٦٧/٤).
٢٥٧

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٨) حدیث
يفطر، ولنا، ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أكل أحدكم أو
شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)) متفق عليه، انتهى.
وقال الخطابي: إلى إسقاط القضاء والكفارة عن الناس ذهب عامة أهل
العلم غير مالك بن أنس وربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأما إذا وطئ زوجته
ناسياً فقد اختلف العلماء في ذلك، فقال الثوري وأصحاب الرأي والشافعي
وإسحاق مثل قولهم فيمن أكل أو شرب ناسياً، وإليه ذهب الحسن ومجاهد،
وقال عطاء والأوزاعي ومالك والليث بن سعد: عليه القضاء، وقال أحمد:
عليه القضاء والكفارة، انتهى.
وقال الحافظ(١): الخلاف فيه مشهور، وذهب الجمهور إلى عدم وجوب
القضاء، وعن مالك: يبطل صومه ويجب القضاء، قال عياض: هذا هو
المشهور عنه وهو قول شيخه ربيعة وجميع أصحاب مالك، لكن فرقوا بين
الفرض والنفل، وقال الداودي: لعل مالكاً لم يبلغه الحديث، أو أوّله على رفع
الإثم، انتهى.
قلت: لو لم يبلغه الحديث لما قال بعدم القضاء في النوافل، بل الظاهر
أن الحديث بلغه، إلا أنّه حمله على النفل كما تقدم عن الزرقاني، وسيأتي عن
غيره أيضاً، وسيأتي التصريح بذلك في ((الموطأ)) أيضاً.
ومستدل الجمهور في ذلك ما رواه الأئمة الستة وغيرهم من جماعة
المحدثين عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم
صومه فإنما أطعمه الله وسقاه))، وذكر العيني ألفاظ كل واحد من الستة في
شرحه، ورواه ابن حبان والدارقطني والبزار وابن خزيمة والبيهقي، قاله
الزيلعي (٢)، وقال الترمذي بعد تخريجه: وفي الباب عن أبي سعيد وأم إسحاق،
(١) (فتح الباري)) (١٥٥/٤).
(٢) انظر: ((نصب الراية)) (٤٤٥/٢).
٢٥٨

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٨) حديث
٠٠٠٠٠٠
وخرجهما العيني في شرحه وتكلم عليهما، ولا ضير فيه بعد اتفاق المحدثين
سيما أصحاب الصحاح على تخريج حديث أبي هريرة.
قال ابن العربي(١): تمسك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث،
وتطلع مالك إلى المسألة من طريقها فأشرف عليها؛ لأن الفطر ضد الصوم،
والإمساك ركن الصوم، فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة، وقال القرطبي:
احتج به من أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء، فيحمل على
سقوط المؤاخذة، لأن المطلوب صيام يوم لا خرم فيه، لكن روى الدارقطني
فيه سقوط القضاء، وهو نص لا يقبل الاحتمال، لكن الشأن في صحته، فإن
صح وجب الأخذ به وسقط القضاء.
قال الحافظ: وأجاب بعض المالكية بحمل الحديث على صوم التطوع،
كما حكاه ابن التين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصّار، واعتلّ بأنه لم يقع
في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع، وقال المهلب وغيره: لم يذكر
في الحديث إثبات القضاء، فيحمل على سقوط الكفارة عنه، وإثبات عذره
ورفع الإثم عنه، والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم والدارقطني عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((من أفطر في شهر
رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه، ولا كفارة))، فعين رمضان وصرح بإسقاط
القضاء، قال الدارقطني: تفرد به محمد بن مرزوق عن الأنصاري.
وتعقِّب بأن ابن خزيمة أخرجه أيضاً عن إبراهيم بن محمد الباهلي، وبأن
الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي، كلاهما عن الأنصاري، فهو
المنفرد به، كما قال البيهقي وهو ثقة، والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء
فقط، لا بتعيين رمضان، فإن النسائي أخرج الحديث من طريق علي بن بكار
(١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٢٤٧/٣)، و((فتح الباري)) (١٥٦/٤).
٢٥٩

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٩) حديث
٤٩/٦٠٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسِ الْمَكِّيّ؛
عن محمد بن عمرو، ولفظه: ((في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسياً،
فقال: الله أطعمه وسقاه))، وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبي هريرة
أخرجه الدارقطني بلفظ: ((إنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه))، وقال
بعد تخريجه: هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات.
قال الحافظ: لكن الحديث عند مسلم وغيره، وليس فيه هذه الزيادة،
وروى الدار قطني أيضاً إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبي سعيد المقبري
والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار كلهم عن أبي هريرة، وأخرج أيضاً من
حديث أبي سعيد رفعه: ((من أكل في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه))،
وإسناده وإن كان ضعيفاً لكنه صالح للمتابعة، فأقل درجات الحديث بهذه
الزيادة أن يكون حسناً فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من
المسائل بما هو دونه في القوة، ويعتضد أيضاً بأنه قد أفتى به جماعة من
الصحابة من غير مخالفة لهم منهم، كما قاله ابن المنذر وابن حزم وغيرهما .
ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق [عن ابن جريج] عن عمرو بن
دينار: أن إنساناً جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحت صائماً فنسيت فطعمت
قال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت، قال:
لا بأس، الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على آخر، فنسيت فطعمت،
فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام(١)، انتهى.
٤٩/٦٠٩ - (مالك، عن حميد) مصغراً كما في ((المغني)) (ابن قيس)
الأعرج (المكي) أبو صفوان القارئ الأسدي مولاهم، وقيل: مولى عفراء من
رواة الستة، ليس به بأس من السادسة، مات سنة ١٣٠هـ، وقيل بعدها، كذا في
((التقريب))، وذكر في ((التهذيب)) جماعة من موثقيه وبعضاً من الجارحين فيه،
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٧/٤).
٢٦٠
----