Indexed OCR Text
Pages 201-220
١٧ - كتاب الصيام
(١٢) باب
٠٠٠
معصية. وينعقد على الأصح، كصوم يوم العيد والحيض وأيام التشريق، فيحرم
الوفاء بهذا النذر، لأن معصية الله لا تباح بحال، ويُكفِّرُ، ويقضي الصوم غير
صوم حيض، فمن نذر صوم يوم عيد قضى يوماً، ومن نذر صوم أيام التشريق
قضى ثلاثة أيام، ولا يصوم يوم العيد ولا أيام التشريق، لانعقاد نذره، فيصح
منه القربة ويلغو تعيينه لكونه معصية، انتهى.
وهذا بعينه قول الحنفية، ففي ((الهداية))(١): إذا قال: لله عليّ صومُ يوم
النحر، أفطر وقضى، فهذا النذر صحيح عندنا، خلافاً لزفر، والشافعي، هما
يقولان: إنه نذر بما هو معصية لورود النهي عن صوم هذه الأيام، ولنا أنه نذر
بصوم مشروع، والنهي لغيره، وهو ترك إجابة دعوة الله، فيصح نذره لكنه يفطر
احترازاً عن المعصية المجاورة، ثم يقضي إسقاطاً للواجب، وإن صام فيه
يخرج عن العهدة، لأنه أداه كما التزمه، انتهى.
وفي (الدر المختار)): وإن صامها خرج عن العهدة مع الحرمة، انتهى.
وأخرج البخاري (٢) عن زياد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عمر - رضي الله
عنهما - فقال: رجل نذر أن يصوم يوماً، قال: أظنه قال: الاثنين، فوافق ذلك
يوم عيد، فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبي ◌َّ عن صوم هذا
اليوم.
قال الزين بن المنير(٣): يحتمل أن يكون ابن عمر - رضي الله عنهما -
أراد أن كلاً من الدليلين يُعْمَلُ به، فيصوم يوماً مكان يوم النذر، ويترك صوم
يوم العيد، انتهى. قلت: ولذا قال من قال بوجوب القضاء وانعقاد النذر،
(١) (ص ٢٢٧) طبع الهند.
(٢) ((صحيح البخاري)) (ح: ١٩٩٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٤١/٤).
٢٠١
١٧ - كتاب الصيام
(١٢) باب
وهذا على سبيل التنزل، وإلا فظاهر السياق مُشْعِرٌ بأن الوفاء بالنذر أمره تعالى،
والنهي عن صيام هذه الأيام نهي من النبي وَّ، وإذا تعارضا فلا بد من تقديم
أمره عز وجل، لكن لم يقل به أحد، وإن لم يكن دليل على إنكار ذلك
الاحتمال، إلا أن يقال: إن عدم التقول به من أحد يكفي لإنكاره، ونظير هذا
الصوم الصلاة في الأرض المغصوبة، لم يقل أحد بفساده.
وما قال الحافظ: إن الفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصلاة في
الدار المغصوبة، أن النهي عن الإقامة في المغصوب ليست لذات الصلاة، بل
للإقامة وطلب الفعل لذات العبادة بخلاف صوم النحر مثلاً، فإن النهي فيه
لذات الصوم، انتهى. بعيد من مثله - عفا الله عنه -. فإن النهي ههنا أيضاً ليس
لذات الصوم، كيف وقد صدر عن أهله في محله، مع أن الإتيان به مأمورٌ
للنذر، وأمر الله تعالى بوفائه، وإنما النهي للعارض، وهو الإعراض عن ضيافته
تعالى، ولذا قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: أمر الله تعالى بوفاء النذر، ولم
يقل: لم يصح هذا النذر.
وفي (البرهان)): ولنا؛ أن هذا نذر بصوم مشروع، لأن الدليل الدالّ على
مشروعية الصوم لا يفصل بين يوم ويوم، فكان من حيث حقيقته حسناً مشروعاً
والنذر بما هو مشروع جائز، وما روي من النهي فإنما هو لغيره، وهو ترك
إجابة دعوة الله، لأن الناس أضياف الله في هذه الأيام، وإذا كان لغيره لا يمنع
صحته من حيث ذاته، وهذه المسألة من أمهات مسائل الأصول، فعليك بها في
فصل النھي، انتهى.
قلت: وأهل الأصول بسطوا البحث في ذلك: أن النهي من الأفعال
الشرعية يقتضي وجوده أم لا؟ وله نظائر كثيرة لا تحصى، أجمعوا في أكثرها
على الصحة، مع وجود النهي والكراهة أو الحرمة، كالطلاق في الحيض،
والبيع عند النداء، والصلاة بحضرة الطعام، ومدافعة الأخبثين، والصلاة خلف
٢٠٢
١٧ - كتاب الصيام
(١٢) باب
(٥٩٦ - ٥٩٧) حديث
٣٦/٥٩٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ
حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ نَهَى عَنْ
صِيَّامٍ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ الأَضْحَى.
أخرجه مسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٢٢ - باب النهي عن صوم يوم الفطر
ويوم الأضحى، حديث ١٣٩.
٣٧/٥٩٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْم
يَقُولُونَ: لَا بَأْسَ بِصِيَامِ الذَّهْرِ،
الإمام الذي يخص نفسه بالدعاء، وصوم الوصال، وصوم الدهر، وصوم المرأة
وبعلها شاهد، وتلقي الرُكبان، والبيع على بيع أخيه، وغير ذلك.
والأوجه عندي أن مدار حكم النهي وتعيين محله على نظر المجتهد الذي
وظيفته تنقيح المناط وتخريجه، فيرى النهي والمنهي، ثم يحكم عليه بما يتحقق
عنده من مقصود النهي ودرجته.
٣٦/٥٩٦ - (مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة
والموحدة الثقيلة (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة؛ أن
رسول الله 4 نهى عن صيام يومين) نهي تحريم (يوم الفطر ويوم الأضحى)
فصيامهما حرام(١) إجماعاً كما تقدم مبسوطاً.
٣٧/٥٩٧ - (مالك، أنه سمع أهل العلم) أي جمهور العلماء (يقولون: لا
بأس بصيام الدهر)، أي سرد الصوم بلا تخلل فطر يوم، قال الزرقاني(٢): أي
يجوز الإقدام على فعله بلا كره، وإلا فهو مستحب، إذ ليس ثم صيام مباح
الطرفين، انتهى.
(١) انظر: ((الدر المختار)) (١١٤/٢)، و(«المغني)) (٤٢٤/٤).
(٢) (١٨٠/٢).
٢٠٣
١٧ - كتاب الصيام
(١٢) باب
(٥٩٧) حدیث
إِذَا أَفْطَرَ الأَيَّامَ الَّتِي نَهىْ رَسُولُ اللَّهِ
عَنْ صِيَامِهَا. وَهِيَ أَيَّامُ
صھاالله
عليه
وسته
مِنَی،
قال الباجي(١): لا بأس بصيام الدهر لمن قوي عليه ولم يرده ذلك إلى
الضعف، وأفطر الأيام التي نهى رسول الله وَلّ عن صومها، وقال بهذا جمهور
الفقهاء، وقال أهل الظاهر: لا يجوز ذلك، ومن فعله أثم، والدليل على ذلك
قوله {وَسير: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به))، ولم
يخص صوماً من صوم، ومن جهة القياس أن هذا عمل يُتقرَّبُ به، فجاز أن
يستدام في كل وقت يصح فعله فيه، انتهى.
قلت: ما أجود هذا الكلام لولا الروايات الصريحة بالمنع، وقوله وليد:
((لا صام من صام الأبد))، وقوله وَل: ((لا صام ولا أفطر))، وتقدم ذلك مبسوطاً
(إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ◌ِّه عن صيامها). يعني ندب صيام الدهر
مشروط بهذا القيد. (وهي) أي الأيام المنهية (أيام منى). وهي ثلاثة أيام بعد
يوم النحر، فقد ورد في حديث ابن يعمر مرفوعاً: أيام منى ثلاثة، كما سيأتي
في باب صيام أيام منى قريباً، قال القاري: المراد بها أيام التشريق، وقال
العيني(٢): اختلفوا في تعيين أيام التشريق، الأصح أنها ثلاثة أيام بعد النحر،
وقال بعضهم: بل أيام النحر عند أبي حنيفة ومالك وأحمد لا يدخل فيها اليوم
الثالث بعد يوم النحر، انتهى.
قلت: ما حكي أنه لا يدخل فيها اليوم الثالث وهم من الناقل أو تحريف
من الناسخ، قال القسطلاني(٣): أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر،
وهذا قول ابن عمر وأكثر العلماء، وبسط الزرقاني في الحج: أنها ثلاثة بعد
يوم النحر، وكذا صرح أهل فروع الحنفية بأنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر، قال
(١) ((المنتقى)) (٦٠/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٢٧/٨).
(٣) ((إرشاد الساري)) (٤/ ٦٤٢).
٢٠٤
..
١٧ - كتاب الصيام
(١٢) باب
(٥٩٧) حديث
وَيَوْمُ الأَضْحَى، وَيَوْمُ الْفِطْرِ، فِيمَا بَلَغَنَا .
قَالَ: وَذُلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ.
القاري في ((النقاية)): يلزم النفل بالشروع إلا في الأيام المنهية، أي يوم الفطر
والأضحى مع ثلاث بعده وهي أيام التشريق، انتهى. قال النووي: أيام التشريق
ثلاثة بعد يوم النحر، وكذا قال القاري(١) وغيره من شراح الحديث.
(ويوم الفطر ويوم الأضحى) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: يوم
الأضحى ويوم الفطر، (فيما بلغنا) من النهي عن صيامها كما تقدم النهي عن
ذلك (وذلك) أي إباحة صوم الدهر بشرط فطر هذه الأيام (أحبُّ ما سمعت إليّ
في ذلك) الجارّ الأوّل يتعلق بأحب، والثاني بسمعت، وفيه النهي عن صوم
منی .
واختلفت العلماء في ذلك على تسعة أقوال ذكرها العيني(٢)، أحدها: أنه
لا يجوز صيامها مطلقاً، وليست قابلةً للصوم، ولا للمتمتع الذي لم يجد
الهدي ولا لغيره، وبه قال علي - رضي الله عنه - والحسن وعطاء، وهو قول
الشافعي في الجديد، وعليه العمل والفتوى عند أصحابه، وهو قول الليث،
وابن عُلَيّة، وأبي حنيفة، وأصحابه.
الثاني: يجوز مطلقاً، وبه قال أبو إسحاق المروزي من الشافعية، وحكي
عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة، قال الموفق(٣): لا يحل صيامها
تطوعاً في قول أكثر أهل العلم، وعن ابن الزبير: أنه كان يصومها، وروي نحو
ذلك عن ابن عمر، والأسود بن يزيد، وعن أبي طلحة: أنه كان لا يفطر إلا
يومي العيدين، والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي، ولو بلغهم لم يعدوه إلى
غيره، انتهى.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٩٤/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٢٧/٨).
(٣) المغني)) (٤٢٦/٤).
٢٠٥
١٧ - كتاب الصيام
(١٢) باب
(٥٩٧) حديث
والثالث: أنه يجوز للمتمتع الذي لم يجد الهدي، ولم يصم الثلاث في
أيام العشر، وهو قول عائشة، وابن عمر - رضي الله عنهما -، وعروة، وبه قال
مالك والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وهو قول الشافعي في القديم، قال
المزني: إنه رجع عنه.
والرابع: جواز صيامها للمتمتع، وعن النذر إن قدر صيام أيام قبلها
متصلة بها، وهو قول بعض أصحاب مالك.
الخامس: التفرقة بين اليومين الأولين والثالث، وهي رواية ابن القاسم
عن مالك.
السادس: جواز صيام اليوم الآخر مطلقاً، حكاه ابن العربي عن علمائهم.
السابع: جواز صيامها للمتمتع بشرطه، وفي كفارة الظهار حكاه ابن العربي
عن مالك قولاً له.
الثامن: جواز صيامها عن كفارة اليمين، قال ابن العربي: توقف فيه
مالك.
والتاسع: يجوز صيامها للنذر فقط، لا للمتمتع ولا لغيره، حكاه
الخراسانيون عن أبي حنيفة، انتهى. قال ابن العربي: لا يساوي سماعه، وقال
العيني: لم يصح هذا عن أبي حنيفة، انتهى. قلت: والمشهور من ذلك
قولان، وهما روايتان للإمام أحمد، كما في ((التعليق الممجد))(١).
لكن قال الموفق(٢): أيام التشريق منهي عن صيامها أيضاً ولا يحل
صومها تطوعاً في قول أكثر أهل العلم، وأما في الفرض ففيه روايتان:
(١) (٢١٤/٢).
(٢) انظر: ((المغني)) (٤٢٥/٤).
٢٠٦
١٧ - كتاب الصيام
(١٢) باب
(٥٩٧) حديث
إحداهما: لا يجوز لأنه منهي عنها فأشبهت يومي العيدين، والثانية: يصح
صومها للفرض، لما روي عن ابن عمر وعائشة: أنهما قالا: لم يرخص في
أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، وهو حديث صحيح، رواه
البخاري، ويقاس عليه كل مفروض، انتهى.
والجملة أن المشهور قولان: أحدهما: القول الثالث؛ وهو العمدة عند
مالك، ففي ((الشرح الكبير)): صوم ثاني النحر وثالثه لا يجب إن نذره، بل ولا
يجوز إلا لمتمتّع أو قارنٍ أو من لزمه هدي لنقص في حج ولم يجد هدياً،
ووجب صوم رابع النحر للناذر، ويكره صومه تطوعاً، انتهى مختصراً.
وقريب منه مسلك الإمام أحمد على ما في ((نيل المآرب)) إذ قال: يحرم
ولا يصح نفلاً ولا فرضاً صوم أيام التشريق إلا عن دم متعة وقران، انتهى.
وهو قول قديم للشافعي كما تقدم. والثاني: أول الأقوال التسعة وهو عدم
الجواز مطلقاً، وهو قول الحنفية والشافعي في الجديد، وفي حاشية ((الموطأ))
عن ((المحلّى)): قال الزركشي الحنبلي: وإليه رجع أحمد، انتهى.
قال الحافظ: وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص: المنع مطلقاً،
وهو المشهور عن الشافعي، وحجة من منع حديث نبيشة الهذلي عند مسلم
مرفوعاً: أيام التشريق أيام أكل وشرب، وله من حديث كعب بن مالك: أيام
منى أيام أكل وشرب، ومنها حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في
أيام التشريق: إنها الأيام التي نهى رسول الله وَ ل عن صومهن وأمر بفطرهن،
أخرجه أبو داود وابن المنذر، وصححه ابن خزيمة والحاكم، انتهى.
وبسط أيضاً طرق هذه الروايات في ((التلخيص)) (١)، والعلامة الطحاوي
في ((شرح معاني الآثار)، وذكر البسط منهما العلامة العيني(٢)، فأخرج روايات
(١) ((تلخيص الحبير)) (١٩٦/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٢٩/٨).
٢٠٧
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
(١٣) باب النهي عن الوصال في الصيام
النهي عن الصيام في هذه الأيام عن جماعة من الصحابة، ثم قال رادّاً على من
رَجَّح الجواز: وكيف يترجَّح مع رواية جماعة من الصحابة ما يُنَاهِزُ ثلاثين
صحابياً النهي عن النبي بَّر عن الصوم في أيام التشريق، ومع هذا فالبخاري ما
روى في هذا الباب إلا ثلاثة من الآثار موقوفة.
وقال أيضاً حاكياً عن الطحاوي: فلما ثبت بهذه الآثار عن رسول الله وَله
النهي عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى والحاجّ مقيمون بها،
وفيهم المتمتعون والقارنون، ولم يستثن منهم متمتعاً ولا قارناً، دخل المتمتعون
والقارنون في ذلك، انتهى. وسيأتي عن المصنف أيضاً في الحج روايات النهي
عن صيام أيام التشريق.
(١٣) النهي عن الوصال في الصيام
الوصال في الصوم أن لا يفطر يومين أو أياماً، كذا في ((المجمع))، وقال
الحافظ: هو الترك في ليالي رمضان لما يفطر بالنهار بالقصد، فيخرج من
أمسك اتفاقاً، ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه، انتهى.
قال العيني(١): فإن قلت: ما الفرق بين صيام الوصال وصيام الدهر؟
قلت: هما حقيقتان مختلفتان، فمن صام يومين أو أكثر ولم يفطر ليلتهما فهو
مواصل، وليس هذا صوم الدهر، ومن صام عمره وأفطر جميع لياليه هو صائم
الدهر، وليس بمواصل، انتهى.
وفي حاشية ((شرح الإقناع)): هو تتابع الصوم من غير فطر ليلاً، وقيل:
صوم السنة من غير أن يفطر الأيام المنهية، انتهى.
وقال ابن عابدين: فسره أبو يوسف ومحمد بصوم يومين لا فطر بينهما،
(١) ((عمدة القاري)) (١٩٦/٨).
٢٠٨
---
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
وفسره في ((الخانية)) بأن يصوم السنة، ولا يفطر في الأيام المنهية، انتهى.
قلت: وبهذا المعنى الثاني فسره أكثر أهل الفروع من الحنفية وغيرهم،
لكن الصواب في الحديث الأولُ، كما يدل عليه سياق الروايات.
ثم اختلفت الصحابة والتابعون في صوم الوصال، فأباحه جماعة مطلقاً،
ومنعه آخرون، وقيل: يحرم على من شقّ عليه، ويباح لمن لم يشقّ، ذكر
قائليهم شُرّاحُ البخاري سيما الحافظان ابن حجر والعيني.
وقال ابن العربي(١): اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال، الأول: لا يجوز،
والثاني: يجوز إلى السحر، والثالث: يجوز، كما قال عبد الله بن الزبير، وابنه
عامر، قال مالك بن أنس - رضي الله عنه - في رواية محمد بن مسلمة عنه:
كان عامر يواصل يومين وليلة، وقد روى قوم: أن عبد الله أباه كان يواصل من
الجمعة إلى الجمعة، وحجتهم أن النبي ◌ُّر نهاهم عنه رحمة لهم، والصحيح
منعه، فإن النھي ثابت، انتهى.
واختلف فيه فقهاء الأمصار أيضاً، فذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر
وابن خزيمة وجماعة من المالكية إلى جوازه إلى السحر، وفي ((الروض
المربع)): ويكره الوصال ولا يكره إلى السحر، وتركه أولى، انتهى. قال
الحافظ(٢): وهذا الوصال لا يترتب عليه شيءٌ مما يترتب على غيره، لأنه في
الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه يؤخره إلى آخر ما قاله.
وقال الموفق(٣): الوصال ــ وهو أن لا يفطر بين اليومين بأكل ولا شرب
- مكروه في قول أكثر أهل العلم، وروي عن ابن الزبير: أنه كان يواصل اقتداءً
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٣٠٦/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٠٤/٤).
(٣) («المغني)) (٣٠٦/٤).
٢٠٩
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
١
برسول الله 8*، ولنا؛ ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: واصل
رسول الله ◌َ﴾ في رمضان، فواصل الناس، فنهى رسول الله وَالول، الحديث،
وهذا يقتضي اختصاصه بذلك، ومنع إلحاق غيره به، وإذا ثبت هذا فالوصال
غير محرّم، فظاهر قول الشافعي أنه محرمٌ تقريراً لظاهر النهي.
ولنا؛ أن النهي إنما أتى به رحمة لهم، ورفقاً بهم، لما روي ذلك عن
عائشة، ولذا لم يفهم منه أصحاب رسول الله والقر التحريم، بدليل أنهم واصلوا
بعده، فإن واصل من سحر إلى سحر جاز، لما روى أبو سعيد مرفوعاً: ((أيكم
أراد فليواصل حتى السحر))، أخرجه البخاري، وتعجيل الفطر أفضل، انتهى.
وذهب الجمهور إلى منعه، وقالوا: هذا من خواصه وَّر، واختلفوا في
المنع، فقيل: على التحريم، وقيل: على الكراهة التحريمية أو التنزيهية، وهما
وجهان للشافعية، حكاهما صاحب ((المهذب)) وغيره، أصحهما عندهم: أن
الكراهة للتحريم، قال الرافعي: وهو ظاهر كلام الشافعي، وذهب أهل الظاهر
إلى التحريم، صرح به ابن حزم، وصححه ابن العربي من المالكية.
قال الزرقاني(١): والنهي للكراهة عند مالك والجمهور لمن قوي عليه
وغيره، ولو إلى السحر لعموم النهي، وقيل: للتحريم، وهو الأصح عند
الشافعية، انتهى. وفي حاشية ((شرح الإقناع)): فالنهي للتحريم عند الشافعية،
والتنزيه عند مالك، والحنابلة، فالفطر مطلوب عند تحقق الغروب، لأن تأخير
الفطر إذا كان ممنوعاً فتركه بالكلية أشد منعاً، انتهى. وقال الحافظ: الراجح
عند الشافعية التحريم.
وفي ((شرح الإقناع))(٢): الفطر بين الصومين واجب، إذ الوصال حرام،
قال في ((هامشه)): وما أحسن ما قاله بعضهم:
(١) (١٨١/٢).
(٢) (٣٨٨/٢).
٢١٠
- -
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
يجادل بالدليل وبالدلال
بليت به فقيهاً ذا جدال
فقال: نَهَى النبي عن الوصال
طلبت وصاله والوصل عذب
وتقدم أن النهي عند المالكية للتنزيه، وفي خصائص ((الشرح الكبير)):
وإباحة الوصال بأن يتابع الصوم من غير إفطار ويكره لغيره، انتهى.
وقال الأبي المالكي في ((شرح مسلم)) (١): كرهه مالك ولو إلى السحر،
انتهى. وفي ((المراقي)): كره صوم الوصال ولو بين يومين فقط للنهي عنه، وهو
أن لا يفطر بعد الغروب أصلاً حتى يتصل صوم الغد بالأمس، انتهى.
وفي ((الدر المختار)): المكروه تنزيهاً كعاشوراء وحده، وصوم صمت،
ووصال، ودهر، وإن أفطر الأيام الخمسة، انتهى. قال الطحطاوي على
(الدر)): قوله: ((ووصال)) هو أن يصوم ولا يفطر بعد الغروب أصلاً حتى يتصل
صوم الغد بالأمس، وهذا في غيره وَّ﴾، أما هو فلا يكره، وظاهر الشرح أن
هذه الأشياء مكروه تنزيهاً، وفي بعضها نظر، انتهى.
قلت: وبسطت في نقل هذه الأقاويل؛ لأن عامة نقلة المذاهب يختلطون
في ذكر الاختلاف بين الأئمة في ذلك، ولم أر بينهم مزيد اختلاف، فإن
الوصال بترك الإفطار مطلقاً بين الصومين مكروه عند الحنابلة أيضاً، كما تقدم
عن ((الروض))، وبه جزم ابن قدامة في ((المغني))، وأما إلى السحر فتركه أولى
عندهم، وقريب من ذلك عند الجمهور.
قال الحافظ في ((الفتح)): لم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض
من لا يعتدُّ به من أهل الظاهر، انتهى. اللَّهم إلا أن يقال: إن الوصال إلى
السحر أخفُّ عند الحنابلة، وأشدُّ عند المالكية، وبين مسلكيهما مسلك الحنفية
والشافعية، كما أن الوصال بعدم الإفطار مطلقاً أشدّ عند الشافعية حتى رجّحوا
التحريم، ومكروه عند غيرهم، فتأمل.
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٣٤/٣).
٢١١
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
(٥٩٨) حدیث
٣٨/٥٩٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَله نَهِى عَنِ الْوِصَالِ. فَقَالُوا: يَاَ رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّكَ
تُوَاصِلُ؟ فَقَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ كَهَيْتَتِكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى)).
أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٢٠ - باب بركة السحور من غير
إيجاب .
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١١ - باب النهي عن الوصال في الصوم،
حديث ٥٦.
٣٨/٥٩٨ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله وَل نهى
عن الوصال). وفي رواية مسلم: عن ابن عمر؛ أنه وَّ واصل فواصل الناس،
فشق عليهم فنهاهم. (فقالوا: يا رسول الله) هكذا بالجمع في بعض الروايات،
ولم يُسَمَّ القائلون، وفي ((الصحيحين) عن أبي هريرة: فقال رجل، وكأن القائل
واحد ونسب إلى الجمع لرضاهم به، قلت: والأوجه ههنا تعدد الأسئلة،
(فإنك تواصل؟ فقال: إني لست) بضم التاء (كهيئتكم) وفي ((مسلم)) (١) عن أبي
هريرة: لستم في ذلك مثلي (إني أطعم وأسقى) بضم الهمزة فيهما.
اختلفت المشايخ(٢) في تأويله على أقوال: مرجعها قولان: أحدهما: أنه
على ظاهره، وأنه يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يتناولهما، فيكون ذلك
تخصيص كرامة لا شركة فيها لأحد من أصحابه، واختلفت أصحاب هذه
المقالة في أن يؤتى في ليالي رمضان كما يدل عليه روايات: ((إني أبيت يطعمني
ربي ويسقيني)). وقيل: في نهار رمضان لما ورد في بعض ألفاظه: ((إني أظل
عند ربي يطعمني ويسقيني))، وظل إنما يقال فيمن فعل الشيء نهاراً.
قال الحافظ: أكثر الروايات بلفظ: أبيت، وكان بعض الرواة عَبَّرَ بأَظَلُّ،
(١) (٧٧٤/٢) (١١٠٢).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٣/٤).
٢١٢
1
-- -
---
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
(٥٩٨) حديث
٠ ٠
نظراً إلى اشتراكهما في مطلق الكون، وردّ صاحب ((المفهم)) على هذا القول
بأنه لو كان كذلك لما صدق عليه قولهم: إنك تواصل؟ ولارتفع اسم الوصال
عنه، لأنه حينئذ يكون مفطراً لا سيما في النهار.
وبنحو ذلك ردّ عليه الموفق(١) إذ قال: وقوله: ((إني أطعم وأسقى))
يحتمل أنه يريد أن يعان على الصيام، ويُغْنِيه الله تعالى عن الشراب والطعام
بمنزلة من طعم وشرب، ويحتمل أنه أراد: إني أطعم حقيقة وأسقى حقيقة
حملاً للفظ على حقيقته. والأول أظهر بوجهين: أحدهما: أنه لو طعم وشرب
حقيقة لم يكن مواصلاً، وقد أقرّهم على قولهم: إنك تواصل؟ والثاني: أنه قد
روي أنه قال: إني أظل يطعمني ربي ويسقيني، وهذا يقتضي أنه في النهار،
ولا يجوز الأكل في النهار له ولا لغيره، انتهى.
وأجاب عنه ابن المنير (٢): بأن الذي يفطر شرعاً إنما هو الطعام المعتاد،
أما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من
جنس الأعمال، وقيل: كان يؤتى في المنام، فيستيقظ وهو يجد الري والشبع،
حكاه الزرقاني.
وثانيهما - وهو قول الجمهور -: أنه مجاز، واختلفوا فيه أيضاً على
أقوال: الأول: أنه مجازٌ عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، فكأنه قال:
يعطيني قوة الأكل والشارب بلا شبع ولا ري، بل مع الجوع والظمأ، واقتصر
على هذا القول ابن العربي، وحكى الرافعي عن المسعودي: أنه أصح ما قيل
فيه، والثاني: أنه تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام
والشراب، فلا يحس بجوع ولا عطش.
(١) انظر: ((المغني)) (٤٣٦/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٠٧/٤).
٢١٣
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
(٥٩٨) حدیث
والفرق بين هذا القول والأول ظاهر، بأن في هذا القول يحصل القوة مع
الشبع والري، وتعقّب عليهما القرطبي بأنه يبعدهما النظر إلى حاله وَليّة، فإنه
كان يجوع أكثر مما يشبع، ويربط على بطنه الحجارة، وتمسك ابن حبان بهذه
الأحاديث على تضعيف الأحاديث الواردة بأنه ◌َّ﴿ كان يجوع ويَشُدُّ الحجر على
بطنه، وسيأتي الكلام عليه في آخر البحث.
والثالث: ما قال النووي في ((شرح المهذب))، وهو الأوجه عندي: معناه:
محبة الله تُشْغلني عن الطعام والشراب، والحب البالغ يُشْغل عنهما، وإليه جنح
ابن القيم (١)، فقال: الثاني: أن المراد به ما يُغَذِّيه الله تعالى من المعارف، وما
يفيض على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه،
وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب، ونعيم الأرواح، وقرة العين،
وبهجة النفوس، والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه، وقد يقوى
هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل:
عَنِ الشَّرَابِ وتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ
لَها أحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا
وَمِنْ حَدِيثِك في أعْقَابِهَا حَادي
لَهَا بِوَجْهِكَ نورٌ يُسْتضاء به
روحُ القدوم، فتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادِ
إذا شَكَتْ مِنْ كَلالِ السَّيْرِ أَوْعَدَها
ومن له أدنى تجربة وشوق، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح
عن كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه
الذي قد قرَّتْ عينه بمحبوبه، وتنعّم بقربه، والرضا عنه، وألطاف محبوبه،
وهداياه، وتحفه تصل إليه كل وقت، ومحبوبه حفيّ به، معتز بأمره، مكرم له
غاية الإكرام مع المحبة التامة له، أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب؟
فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجلّ منه، ولا أعظم ولا أجمل، ولا أكمل،
ولا أعظم إحساناً إذا امتلأ قلب المحب بحبه، وملك حبه بجميع أجزاء قلبه
(١) انظر: ((زاد المعاد)) (٣١/٢).
٢١٤
---
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
(٥٩٨) حديث
٠
وجوارحه، وتمكن حبه منه أعظم تمكن، وهذا حاله مع حبيبه، أفليس هذا
المحب عند حبيبه يطعمه، ويسقيه ليلاً ونهاراً؟ انتهى.
قلت: وهذا المعنى لا ينكره أحد له مذاقة بالمحبة كما قال ابن القيم
وهو شائع عند أهل الفن كما قيل:
وذكرك للمشتاق خير شراب
وكل شراب دونه كسراب
وفي ((شرح الإقناع))(١): ثم الجمهور على أن الوصال للمصطفى وَال
مباح، وقال الإمام: قربة وخصوصية به على كل أمته، لا على كل فرد فرد،
فقد اشتهر عن كثير من الأكابر الوصال. قال في ((المطامح)): أخبرني بعض
الصوفية: أنه واصل ستين يوماً متوالية، قال في ((المطلب)): فإن قلت: إن
كثيراً ممن اشتهر صلاحهم ممن لا يحصى، نُقِلَ عنهم الوصال، وذلك مع
القول، ثم ينافي حالهم السني وقدرهم العلي؟
قلت: المنهي عنه من ذلك وغيره ما يدخل تحت القدرة، ولعل وصال
هؤلاء جاء من غير قصد إليه، بل اتفق ترك تناول المفطر لغفلة عنه، إما بغير
سبب أو بسبب، وهو تعلقه واشتغاله بالمعارف الربانية، والاستغراق فيها،
والالتذاذ بها، بحيث ألهته عن كل شيء، فهي في حقه قائمة مقام الطعام
والشراب في حق كثير من الناس، والإنسان شاهد في الخارج عند اشتغال
القلب بما يسرّ أو يحزن الغفلة عن الطعام والشراب، وقد فسر بمثل ذلك قوله
عليه السلام: ((يطعمني ربي ويسقيني))، وعلى هذا تكون الخصوصية
لرسول الله ◌َّ على كل أمته لا على أحد أفرادها، انتهى.
قلت: والمعروف في أحوال الصوفية أنهم يفطرون بجرعة ماء خروجاً
عن الكراهة، وإطلاق الوصال على دأبهم باعتبار الأكل (٢) والظماء، هكذا عثرت
(١) (٣٨٨/٢).
(٢) كذا في الأصل والظاهر ((الجوع)).
٢١٥
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
(٥٩٩) حديث
٣٩/٥٩٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ﴿ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ،
إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ)). قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَالَ: ((إِنِّي
لَسْتُ كَهَيْتَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي)).
أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٤٩ - باب التنكيل لمن أكثر الوصال.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١١ - باب النهي عن الوصال في الصوم، حديث ٥٨.
على أحوالهم. وهذا هو صوم خصوص الخصوص الذي يأتي ذكره في القول الثالث
عشر من الأقوال الواردة في قوله تبارك وتعالى: ((إلا الصوم لي وأنا أجزي به)).
٣٩/٥٩٩ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد
الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة: أن رسول الله وَل﴾ قال: إياكم والوصال).
منصوب على التحذير، أي: احذروا الوصال. (إياكم والوصال) كرره مرتين
للتأكيد، قاله الزرقاني. وهو كذلك في جميع النسخ الهندية والمصرية (١) إلا في
نسخة ((المنتقى)) ففيها مرة واحدة، وعند ابن أبي شيبة برواية أبي زرعة عن أبي
هريرة ثلاثاً (قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست كهيئتكم إني
أبيت). تقدم عن الحافظ: أن أكثر الروايات بلفظ: أبيت، ومن روى بلفظ:
أظل، كأنه عَبَّر به لاشتراكهما في مطلق الكون. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم
◌ِلْأُنَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾(٢)، ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل (يطعمني) بضم
الياء (ربي ويسقيني) بفتح الياء الأولى، وإثبات الياء الآخرة، في جميع النسخ
إلا في نسخة ((المنتقى)) فبحذفها بلفظ: يَسْقِينِ.
وفي التعبير بالرب إشارة إلى خصيصة المقام بشأن الربوبية، زاد في رواية
لمسلم(٣) عن أبي هريرة: ((فاكلفوا ما لكم به طاقة))، وزاد الزهري عن
(١) وكذلك في نسخة ((الاستذكار)) (١٤٩/١٠).
(٢) سورة النحل: الآية ٥٨.
(٣) (٧٧٥/٢).
٢١٦
١٧ - كتاب الصيام
(١٣) باب
(٥٩٩) حدیث
أبي سلمة عن أبي هريرة في ((الصحيحين)): فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال،
واصل بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: ((لو تأخر لزدتكم)) كالمُنَكِّل
لهم حين أبوا أن ينتهوا.
قال الباجي(١): ظاهر النهي التحريم، إلا أن الصحابة تلقوه منه على وجه
التخفيف عنهم، ولذلك واصلوا بعد نهيه لهم، كما يدل عليه هذا الحديث،
وفيه دليلان، أحدهما: أنه لو كان على التحريم والمنع لم يُخالفوه بالمواصلة،
كما لم يُخالفوه بصوم يوم الفطر والأضحى. والثاني: أنه ◌َّر واصل بهم،
وهذا يدل على جوازه، وإلا لما واصل بهم، انتهى.
وأجاب المانعون: بأن الصحابة حملوا النهي على الشفقة، فقد ورد عند
البخاري من حديث عائشة: نهى النبي ◌ّ عن الوصال رحمةً لهم، وفي
أبي داود وغيره عن رجل من الصحابة بإسناد صحيح: نهى النبي بَّر عن
الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه، وإليهما أشار البخاري
في ترجمة الباب، قال الحافظ(٢): قوله: ((رحمةً لهم)) لا يمنع التحريم، فإن
من رحمته لهم أن حَرَّمه عليهم، ومواصلته وَّ لم يكن تقريراً، بل تقريعاً
وتنكيلاً، فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم، لأنهم إذا
باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أدعى إلى قلوبهم لما يترتب عليهم
من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة
والقراءة وغير ذلك.
ويُشكل على أحاديث الوصال ما أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) وغيره (٣)
(١) ((المنتقى)) (٦٠/٢).
(فتح الباري)) (٤/ ٢٠٥).
(٢)
(٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٨/١٠).
٢١٧
١٧ - كتاب الصيام
(١٤) باب
(١٤) باب صيام الذي يقتل خطأ أو يتظاهر
عن أبي طلحة: ((شكونا إلى رسول الله وَل الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر
حجر، فرفع رسول الله (ّ عن بطنه عن حجرين))، قال المناوي: رفع
رسول الله وَ﴿ حجرين، ليعلم صحبه أن ليس عنده ما يستأثر به عليهم، لا أنه
فعل ذلك من شدة الجوع، فإنه كان يبيت عند ربه ليطعمه ويسقيه، ويدل لذلك
ما جاء عن جمع أنه كان مع ذلك لا يتبين عليه أثر الجوع أصلاً، بل كان
حسن الجسم، متين القوة جداً .
وبهذا التقرير يعلم أنه لا ضرورة بل ولا ملجأ إلى ما سلكه أبو حاتم بن
حبان من إنكار أحاديث وضع الحجر رأساً في قوله: إنها باطلة لخبر الوصال،
وإنما الرواية بالحجز بالزاي، فتصحف. قال الحافظ ابن حجر (١): وقد أكثر
الناس من الرد عليه، انتهى. وقال أيضاً في موضع آخر: قد يقال: إنه صرف
النفس عن تلك التغذية الشريفة للتشريع، وتسلية للفقراء، مما ابتلوا به من
تعاور الجوع، انتهى. وجمع بينهما القاري بأن عدم الجوع خاص بالمواصلة،
فإذا واصل يعطى قوة الآكل والشارب، انتهى.
قلت: ووجه الجمع بينهما بوجوه، والأوجه عندي: أن كثرة الالتذاذ في
حالة الوصال وفرط الاشتياق يغني عن الالتفات إلى الجوع وغيره، ولا يدرك
ذلك إلا الظافر بمطلوبه الذي قرت عينه بمحبوبه إذ أقنى الله شراب حبه.
(١٤) صيام الذي يقتل خطأ أو يتظاهر
يعني حكم صيام شهرين متتابعين مما يجب في كفارة القتل خطأ وكفارة
الظهار، فالغرض من هذا الباب بيان أحكام هذه الصيام من أنه إذا انقطع
التتابع في ذلك مثلاً فما يفعل؟ وغير ذلك.
(١) ((فتح الباري)) (٢٠٨/٤).
٢١٨
--
١٧ - كتاب الصيام
(١٤) باب
(٦٠٠) حديث
٤٠/٦٠٠ - حَدّثني يَحْيَى، وَسَمِعْتُ مَالِكَاً يَقُولُ: أَحْسَنُ مَا
سَمِعْتُ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ، فِي قَتْلِ خَطٍَ أَوْ
نَظَاهِرٍ، فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ يَغْلِبُهُ ويَقْطَعُ عَلَيْهِ صِيَامَهُ؛ أَنَّهُ، إِنْ صَحَّ مِنْ
مَرَضِهِ وَقَوِيَ عَلَى الصِّيَّامِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذُلِكَ. وَهُوَ يَبْنِي عَلَى
مَا قَدْ مَضى مِنْ صِيَامِهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهَا الصِّيَامُ فِي قَتَّلِ النَّفْسِ خَطَأْ،
إِذَا حَاضَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ صِيَامِهَا
٤٠/٦٠٠ - (قال يحيى: وسمعت مالكا) الإمام (يقول: أحسن ما
سمعت) من مختلف ما روي، (فيمن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في قتل
خطأ) الذي ذكره الله عز وجل بقوله: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ
أَنْ يَتَمَاسًا﴾ الآية (١) (أو) في (تظاهر) من امرأته الذي ذكر في قوله عز اسمه:
﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاتًا﴾ الآية (فعرض له) بعدما
صام بعض الشهرين (مرض يغلبه) بحيث لا يستطيع الصوم (ويقطع عليه صيامه)
أي: إكمال الشهرين (أنه) بفتح الهمزة، مفعول سمعت. (إن صح من مرضه)
وقيده بقوله: (وقوي على الصيام) لأنه لا يلزم من صحته عن المرض قوته على
الصيام. (فليس له أن يؤخر ذلك) أي الصيام، بل يصوم بعد الصحة والقوة
على الفور. (وهو يبني على ما قد مضى من صيامه) فإن تأخر بعد الصحة
والقوة استأنف الصيام، لأن الله عز وجل قيد الصيام فيهما بالتتابع، وقد فات
بذاك التأخير.
(وكذلك المرأة التي يجب عليها الصيام) لفقدانها رقبة (في قتل النفس
خطأ) أي في كفارته، وليس في النسخ الهندية لفظ: خطأ. (إذا حاضت بين
ظهري) تثنية ظهر، مقحم، وفي أكثر النسخ المصرية: بين ظهراني. (صيامها
(١) سورة المجادلة: الآية ٤.
٢١٩
١٧ - كتاب الصيام
(١٤) باب
(٦٠٠) حديث
أَنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ، لَا تُؤَخِّرُ الصِّيَامَ. وَهِيَ تَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَامَتْ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ،
أَنْ يُفْطِرَ إِلا مِنْ عِلَّةِ: مَرَضٍ، أَوْ خَيْضَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ.
أنها إذا طهرت) عن الحيض (لا تؤخر الصيام) بعد الطهارة، بل تصوم بلا
تأخير. (وهي تبني على ما قد صامت) قبل الحيض، فإن أخرت بعد ذلك
استأنفت الشهرين، قال أبو عمر (١): لا أعلم خلافاً أن الحائض إذا وصلت
قضاء أيام حيضها بصيامها أنه يجزئها، وفي المريض خلاف، فقال مالك
وجماعة كذلك، وقال أبو حنيفة وطائفة: يستأنف الصيام، واختلف فيه قول
الشافعي، انتھی.
(وليس) بجائز (لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله)
عز وجل (أن يفطر) ويقطع التتابع (إلا من علّة: مرض أو حيضة) بجرهما،
عطف بيان لعلة، أو بدل، قاله الزرقاني.
قلت: ويحتمل أن يكون العلة مضافاً إليهما، وقال الباجي: ويجري
النسيان مجرى ذلك، لأنه لا يمكن الاحتراز منه، انتهى. (وليس له أن يسافر
فيفطر) بل يصوم في السفر، فإن أفطر استأنف، لأنه يمكنه معه الصوم، وإن
لحقته فيه مشقة، قاله الباجي. وبهذا قالت الحنفية والشافعية، خلافاً للحنابلة،
كما سيأتي من فروعهم.
.....
(قال يحيى: قال مالك) مفصلاً قريباً (وهذا أحسن ما سمعت) زاد في
النسخ الهندية بعد ذلك لفظ: إليّ. (في ذلك) أي: ليس له الفطر إن سافر،
فليس بتكرار مع قوله أولاً: أحسن ما سمعت، قاله الزرقاني(٢).
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٧/١٠).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٨٤/٢).
٢٢٠
: