Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب (٥٩٢) حديث إذا حان أن يحصد، ذكر هذه الوجوه الثلاثة الخطابي أيضاً. ومستدل الجمهور في ذلك على ما تقدم من الآثار حديث ابن عباس: ((أن النبي ◌ُّ احتجم وهو صائم))، أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي بطرق، وحديث أبي سعيد قال: ((رخص رسول الله صل﴾ في القبلة للصائم والحجامة))، رواه النسائي وابن خزيمة والدارقطني ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه قاله الحافظ (١). وتقدم ما قال ابن حزم أنه صحيح، وحديث جابر: ((أن النبي ◌َّر احتجم وهو صائم))، رواه النسائي. وحديث ابن عمر قال: ((احتجم رسول الله وَلقوله وهو صائم محرم وأعطى الحجام أجره))، رواه ابن عدي في ((الكامل)). وحديث أنس ولفظه: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله وَليل فقال: ((أفطر هذان))، ثم رخص النبي ◌َّ بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم، رواه الدارقطني، ورواته كلهم من رجال البخاري، إلا أن في المتن ما ينكر، لأن فيه أن ذلك كان في الفتح وجعفر كان قُتِل قبل ذلك، قاله الحافظ (٢). قلت: لو كان هذا الكلام من غير الحافظ كان الرد عليه ظاهراً، فإن وقوع مثلها في الفتح لا يستلزم أن لم يقع نحوه قبل ذلك، كيف وقد روي عن معقل بن سنان الأشجعي قال: مر عليّ رسول الله وَّل وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، رواه أحمد. وروي أيضاً نحو هذا السياق عن شداد بن أوس، فعلم أن هذا غير قصة جعفر. وفي ((المنتقى)): حديث أنس رواه الدارقطني وقال: كلهم ثقات ولا أعلم له علة، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (١٧٨/٤). (٢) ((فتح الباري)) (١٧٨/٤). ١٨١ ١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب (٥٩٢) حديث وقال القاري(١): روى الطبراني عن أنس: أن النبي ◌ُّ احتجم بعدما قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وكذا في ((مسند أبي حنيفة)) عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن أنس بن مالك قال: احتجم النبي وَلّ بعدما قال، الحديث. وهو صحيح، وطلحة هذا احتج به مسلم وغيره. قال ابن العربي(٢): وكانت قديماً في أثناء الطلب أتعبتني وكنت متردداً في الأمر لكثرة المعارضات في الروايات، حتى أخبرني القاضي أبو المطهر عبد الله بن أبي الرجاء بسنده إلى ثوبان مرفوعاً: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، فرأيت حديثاً عظيماً ورجالاً رفعاء وسنداً صحيحاً، فكنت تارة أحمله على لفظه، وأقول: هو تعبد، وتارة أتأوله وتترامى الخواطر فيه، حتى قرأت، وقرئ على أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار بسنده إلى أنس قال: مر النبي وقلم بجعفر بن أبي طالب، الحديث. وهذا نص بُيِّنَ فيه ثلاث فوائد: الأولى: تسمية المحتجم، ثانيتها: ثبوت فطر الحجامة، ثالثتها: ثبوت الرخصة بعد الحظر، انتهى. قلت: وسيأتي حديث أبي سعيد: ثلاث لا يفطر الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام. وله طرق عديدة. قال الحافظ: ومن أحسن ما ورد في ذلك ما رواه عبد الرزاق وأبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله وَلّ قال: نهى النبي وَلّ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما، إبقاءً على أصحابه، إسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٠/٤). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢٤٥/٣). ١٨٢ ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب (١١) باب صيام يوم عاشوراء (١١) صيام يوم عاشوراء فيه عدة أبحاث: الأول: في لغته، هو بالمد على المشهور وحكي قصره، وقال القاري: عاشوراء من باب الصفة، لم يرد لها فعل، والتقدير: يوم مدته عاشوراء، أو صفته عاشوراء، قال الزركشي: وزنه فاعولاء، والهمزة فيه للتأنيث، وهو معدول عن عاشر للمبالغة والتعظيم أي عاشر وأي عاشر، انتهى. وزعم ابن دُرَيْد: أنّه اسم إسلامي، وأنه لا يعرف في الجاهلية، ورَدّ ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، انتهى. وهذا الأخير لا دلالة فيه على رد ما قال ابن دريد، قاله الحافظ (١). واختلفوا في مصداقه واشتقاقه على ثلاثة أقوال: أولها : - وهو قول الأكثر - أنه اليوم العاشر من المحرم، قال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة، لأنه مأخوذ من العشر، الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ علماً على اليوم العاشر، وهذا قول الخليل وغيره. قال العيني(٢): وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وعَدّ أسماءهم، ثم قال: ومن الأئمة مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم، انتهى. وسيأتي عن ((المغني)) أنه قول سعيد بن المسيب والحسن. (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٤٥/٤). (٢) ((عمدة القاري)) (١١/ ١١٧). ١٨٣ ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب وقال الأبي في ((الإكمال)): قال مالك: والأكثر أنه هو العاشر، وهو الذي تدل عليه الأحاديث كلها، منها قوله: لأصومن التاسع، فدل على أنه كان يصوم العاشر، وهذا الآخر لم يصمه ولم يبلغه. وثانيها: أنه اليوم التاسع، فاليوم مضاف لليلة الآتية، وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء، أخذاً من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا: أوردنا عِشراً بكسر العين، وكذلك إلى الثالثة، كذا في ((الفتح))(١) . قال العيني: تقول العرب: وردت الإبل عشراً إذا وردت اليوم التاسع، وذلك لأنهم يحسبون في الأظماء يوم الورد، فإذا قامت في الرعي يومين ثم وردت في الثالثة قالوا: وردت ربعاً، لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي وأول اليوم الذي ترد فيه بعد الرعي، وعلى هذا القول يكون التاسع عاشوراء، انتهى. قال القاري(٢): ويقال: فلان يحمّ ربعاً إذا حمّ اليوم الثالث، انتهى. ويقال: إليه ذهب ابن عباس، يعني أن العاشوراء يوم التاسع، مستدلاً بما في مسلم وغيره عنه، وعليه بوّب الترمذي ((باب ما جاء في يوم عاشوراء أي يوم هو)) لكن فيه بحث ليس هذا محله، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس بطرق، وعن غيره: أن العاشوراء يوم التاسع، وسيأتي عن الموفق: روي عن ابن عباس أنه قال: التاسع. وثالثها: أنه اليوم الحادي عشر، قال العيني: اختلف الصحابة فيه هل هو اليوم التاسع أو اليوم العاشر أو اليوم الحادي عشر؟ وفي تفسير أبي الليث (١) ((فتح الباري)) (٢٤٥/٤). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٦/٤). ١٨٤ - ---- - ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب السمرقندي: عاشوراء يوم الحادي عشر، وكذا ذكره المحب الطبري، انتهى. البحث الثاني: في وجه تسميته، فالصواب المشهور عند أهل اللغة والحديث: أنه سُمِّي بذلك لأنه عاشر المحرم. قال العيني: وهذا ظاهر، وقيل: لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بعشر كرامات: الأول: موسى عليه السلام إذ نصره فيه وغرق فرعون، والثاني: نوح عليه السلام إذ استوت فيه سفينته على الجودي، والثالث: يونس عليه السلام، أنجى فيه من بطن الحوت، الرابع: تاب الله على آدم عليه السلام، الخامس: أخرج يوسف عليه السلام من الجُبِّ، السادس: عيسى عليه السلام إذ ولد فيه ورفع فيه، السابع: تاب الله على داود عليه السلام، الثامن: وُلِدَ فيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، التاسع: يعقوب عليه السلام ردّ فيه بصره، العاشر: نبينا سيد ولد آدم محمد بَّر غفر له فيه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، هكذا ذكروا عشرة من الأنبياء، وذكر بعضهم من العشرة إدريس - عليه السلام - فإنه رُفِعَ إلى مكان في السماء، وأيوب عليه السلام فإنه كشف الله فيه ضَرَّه، وسليمان عليه السلام إذ فيه أعطي الملك. وحكى ابن رسلان هذا القول عن المنذري. قلت: لا شك في أنه ورد في الآثار والتواريخ خصائص كثيرة لعاشوراء لكن لا تعلق لها بالتسمية، وما حكاه العيني عن البعض لا يصح وجهاً للتسمية، لأن الأنبياء تزيد بالخصائص على عشرة. الثالث: في أعمال ذلك اليوم غير الصوم، ففي ((الروض المربع)): يُسنُّ فيه التوسعة على العيال، وكذا في ((الشرح الكبير)) (١) للدردير، قال الدسوقي: اقتصر عليها مع أنه يندب فيه عشر خصالٍ جمعها بعضهم : (١) انظر: ((الشرح الكبير)) (٥١٦/١). ١٨٥ ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب رأس اليتيم امسح تصدقْ واكتحلْ صُمْ صَلِّ صِلْ زر عالماً ثم اغتسل وسورة الإخلاص قُلْ ألْفاً تَصِلْ وَسِّع على العيال، قلم ظفراً لقوة حديث التوسعة دون غيره، انتهى. وفي (الدر المختار))(١): حديث التوسعة على العيال يوم عاشوراء صحيح، وحديث الاكتحال فيه ضعيفة لا موضوعة، وحكى ابن عابدين عن جمع من المحدثين: أنهم حكموا عليه بالوضع، وقال الإمام أحمد: الاكتحال لم يرو عنه وَّ فيه أثر، وهو بدعة. كذا في ((العيني))(٢)، وقال: ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء ويومه وفضل الكحل لا يصح. الرابع: هل وجب صومه في أول الإسلام؟ واختلفوا في ذلك، فقال أبو حنيفة: كان واجباً، وهو المروي عن الإمام أحمد، كما يأتي قريباً عن ((المغني)). واختلف أصحاب الشافعي على وجهين: أشهرهما: أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يك واجباً قط في هذه الأمة، ولكنه كان يتأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحباً دون ذلك الاستحباب. والثاني: كان واجباً كقول أبي حنيفة، كذا في ((العيني)). قلت: وهو مختار الحافظ في ((الفتح)) (٣) وابن القيم في ((الهدي))، كما سيأتي من كلامهما، وبه جزم الباجي من المالكية، كما تقدم من كلامه في أول الباب. قال الموفق(٤): اختلف في صوم عاشوراء، هل كان واجباً؟ فذهب القاضي إلى أنه لم يكن واجباً، وقال: هذا قياس المذهب، واستدل بشيئين: (١) (٤٦٠/٢). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (١١٨/١١/٦). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٤/ ٢٤٧). (٤) ((المغني)) (٤٤١/٤). ١٨٦ ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب أحدهما: أمر النبي ◌َ﴿ من لم يأكل بالصوم، والنية في الليل شرط في الواجب، والثاني: أنه لم يأمر من أكل بالقضاء ويشهد لهذا ما روى معاوية مرفوعاً: ((لم يكتب الله عليكم صيامه))، الحديث. وروي عن أحمد: أنه كان مفروضاً، لما روت عائشة: أن النبي ◌ّ﴿ صامه وأمر بصيامه، فلما افترض رمضان كان هو الفريضة، وترك عاشوراء، وهو حديث صحيح، وحديث معاوية محمول على أنه أراد أنه ليس هو مكتوباً عليكم الآن، وقد روى أبو داود: أنّ أَسْلَمَ أتت النبي ◌َّر فقال: ((صمتم يومكم هذا؟)) قالوا: لا، قال: ((فأتموا بقية یومکم واقضوه))، انتھی. قال ابن رسلان: الصحيح الذي رجع إليه الشافعي: أنه لم يكن واجباً قط لحديث معاوية على المنبر، قلت: وسيأتي حديث معاوية والروايات الدالة على وجوبه أكثر من أن تحصى. منها: ما رواه الطحاوي (١) من حديث حبيب بن هند بن أسماء عن أبيه قال: بعثني رسول الله وَّل إلى قومي من أسلم، فقال: ((قل لهم: فليصوموا يوم عاشوراء، فمن وجدت منهم قد أكل في صدر يومه فليصم آخره))، وأخرجه أحمد في مسنده. ومنها: ما رواه الطحاوي أيضاً عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي عن عمه قال: غدونا على رسول الله وَل﴾ صبيحة يوم عاشوراء، وقد تغذَّينا، فقال: ((أصمتم هذا اليوم؟)) فقلنا: تغذَّينا، فقال: ((أتِمُوا بقية يومكم))، وأخرجه أبو داود والنسائي. ومنها: ما رواه ابن ماجه من حديث محمد بن صيفي قال: قال لنا رسول الله ◌َي* يوم عاشوراء: ((منكم أحد طعم اليوم؟)) قلنا: منا من طعم، ومنا (١) ((شرح معاني الآثار)) (٧٤/٢). ١٨٧ ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب من لم يطعم، قال: ((أتِمُّوا بقية يومكم من كان طعم، ومن لم يطعم))، فأرسلوا إلى أهل العروض فليتموا بقية يومهم، قال: يعني أهل العروض حول المدينة. ومنها: ما رواه البزار من حديث عائشة بلفظ: أن النبي ◌َّر أمر بصيام عاشوراء يوم العاشر، ورجاله رجال الصحيح. ومنها: ما رواه أحمد من حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله وَ لل صائماً يوم عاشوراء فقال لأصحابه: ((من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن أكل من غداء فليتم بقية يومه))، وبمعناه رواه الطبراني من حديث أبي سعيد، ورجاله ثقات، وروى الطبراني أيضاً بنحوه من حديث عبادة بن الصامت وخبّاب بن الأرت ومعبد القرشي، ورجاله ثقات . ومنها: ما رواه البزار والطبراني من حديث مجزأة بن زاهر عن أبيه بلفظ: سمعت منادي رسول الله وَّ# يوم عاشوراء وهو يقول: من كان صائماً اليوم فليتم صومه، ومن لم يكن صائماً فليتم ما بقي وليصم، ورجال البزار ثقات. ومنها: حديث جابر بن سمرة عند مسلم وغيره: كان رسول الله وَالم يأمرنا بصوم يوم عاشوراء، ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا، وروى ابن أبي شيبة بنحوه من حديث قيس بن سعد وغير ذلك من الروايات الكثيرة التي ذكرها العيني (١). --- وأخرج البخاري(٢) من حديث عائشة - رضي الله عنها -: كان رسول الله ﴿ أمر بصيام عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر، وأخرج أيضاً من رواية ابن عباس قال: قدم النبي وَل ◌ّ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: يوم نجّى الله بني إسرائيل (١) ((عمدة القاري)) (٢٣٦/٨). (٢) أخرجه البخاري (٢٠٠٢/٤)، ومسلم (ج ٢ - صيام ١٣١). ١٨٨ ----- ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب من عدوهم فصامه موسى، قال: ((فأنا أحق بموسى منكم)) فصامه وأمر بصيامه. وأخرجه النسائي وأبو داود وابن ماجه، وأخرج بعدة طرقٍ عن سلمة بن الأكوع، قال: أمر النبي ◌َّ رجلاً من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء وغير ذلك من الروايات التي أخرجها أصحاب الصحاح، لا يخفى على من طالعها . قال الحافظ(١): ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً بثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يُرْضِعْن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: لما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باقٍ، فدل على أن المتروك وجوبه، وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باقٍ، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته وَلّل، حيث يقول: ((لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر))، ولترغيبه في صومه وأنه يُكَفِّرُ سنةً، وأيُّ تأكيد أبلغ من هذا؟ انتهى. وبسط الكلام على هذا المعنى الشيخ ابن القيم في ((الهدي))(٢) وقال: إن رسول الله ◌َّ كان يصوم عاشوراء قبل أن ينزل فرض رمضان، فلما نزل فرض رمضان تركه، فهذا لا يمكن التخلص عنه إلا بأن صيامه كان فرضاً قبل رمضان، فحينئذ يكون المتروك وجوب صومه لا استحبابه، ويتعين هذا، ولا بد، لأنه مَ ﴿ قال قبل وفاته بعام: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)) أي معه، وقال: ((خالفوا اليهود، وصوموا يوماً قبله ويوماً بعده))(٣) أي معه، ولا ريب أن (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٤٧/٤). (٢) ((زاد المعاد)) (٦٨/٢). (٣) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٤١/١). ١٨٩ ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب هذا كان في آخر الأمر، وفي أول الأمر كان يحب موافقة أهل الكتاب. ويلزم من قال: إن صومه لم يكن واجباً، أحد الأمرين: إما أن يقول بترك استحبابه، ولم يبق مستحباً، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعود برأيه، وهذا بعيد، فإنه وَّ حثّهم على صومه واستمرّ عليه الصحابة إلى حين وفاته، ولم يرو عنه حرف واحد بالنهي عنه، فعلم أن الذي ترك وجوبه لا استحبابه، إلى آخر ما بسطه. الخامس: في حكم صومه الآن. واختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: فرضيته باقٍ، قال عياض: كان بعض السلف يقول: كان فرضاً وهو باقٍ على فرضيته لم ينسخ. قال: وانقرض القائلون بهذا، وحصل الإجماع على أنه ليس بفرض. الثاني: مقابله وهو ما في ((الفتح)): كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك. والثالث: ما وقع عليه الإجماع بعد هذين القولين وهو أنه سنة، حكى عليه الإجماع ابن عبد البر والنووي والعيني والقاضي عياض وابن رشد في ((البداية)) وجماعة من شراح الحدیث . نعم اختلفوا فيما بينهم في تعيين يوم الصوم، والعمدة عند الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - في ذلك ما في فروعهم، ففي ((الروض المربع))(١): يُسَنُّ صوم شهر المحرم، وآكَدُه العاشر ثم التاسع، وهكذا في ((نيل المآرب))، ولم يذكرا كراهة إفراده ولا استحباب الجمع، نعم ذكر الموفق استحباب الجمع عن نص أحمد، فقال بعد رواية أبي قتادة المرفوعة: صيام عاشوراء يكفر السنة التي قبلها، إذا ثبت هذا فإن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن لما روى ابن عباس قال: أمر رسول الله وقديقول بصوم (١) (٤٣٨/١). ١٩٠ ٠٠ ٠ -- --- ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب يوم عاشوراء العاشر من المحرم، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وروي عن ابن عباس: أنه قال: التاسع، وروي أن النبي ◌ّ﴾ كان يصوم التاسع، أخرجه مسلم، وروى عنه عطاء أنه قال: صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا اليهود. وإذا ثبت هذا فإنه يستحب صوم التاسع والعاشر، ولذلك نص عليه أحمد، وهو قول إسحاق، قال أحمد: فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما فعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر، انتهى. وعامة شراح الحديث أيضاً حكى عنه استحباب الجميع، كالنووي وغيره، وأخرج الترمذي عن ابن عباس: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود، وقال: وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال النووي: قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً، لأن النبي ◌َّ صام العاشر ونوى صيام التاسع، انتهى. وفي ((شرح المنهاج)): يسن صوم عاشوراء وتاسوعاء، والحكمة فيه مخالفة اليهود، وفي ((الأنوار)) للأردبيلي: وسن صوم عاشوراء وتاسوعاء فإن لم يضمه فالحادي عشر. وفي ((الشرح الكبير)) (١) للدردير: ندب عاشوراء وتاسوعاء، وقدم عاشوراء؛ لأنه أفضل من تاسوعاء، انتهى. وفي ((الدر المختار)): المكروه تنزيهاً كعاشوراء وحده، قال ابن عابدين: أي مفرداً عن التاسع أو الحادي عشر؛ لأنه تشبه باليهود، وفي ((مراقي الفلاح)»: أما الصوم المسنون فهو صوم عاشوراء مع صوم التاسع، قال الطحطاوي: والحادي عشر، فتنتفي الكراهة بضمِّ يوم قبله أو بعده. (١) (٥١٦/١). ١٩١ ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب (٥٩٣) حديث ٣٣/٥٩٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بَّ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْماً تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِّ يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّة. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْمَدِيْنَةِ، صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. ٣٣/٥٩٣ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) - رضي الله عنها - (زوج النبي ◌ّل﴾ أنها قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية) يحتمل أنهم اقتدوا في صيامه شرع من سلف، ولذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة، وبه جزم ابن القيم في ((الهدي)) إذ قال: لا ريب أن قريشاً تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه. وقال القرطبي: كأنهم يستندون إلى شرع من مضى، كإبراهيم - عليه السَّلام -. قال ابن رسلان: لعلهم يستندون في صومه إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام -، فإنهم كانوا ينتسبون إليهما في كثير من أحكام الحج وغيره. وفي المجلس الثالث من مجالس الباغندي الكبير(١) عن عكرمة: أنه سئل عن صوم قريش عاشوراء؟، فقال: أذنبتْ قريش في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء، يُكَفِّرُه. (وكان رسول الله وَل يصومه في الجاهلية) موافقة لهم أو موافقة للشرع قبلنا، (فلما قدم رسول الله # المدينة صامه) على عادته الشريفة، أو موافقة لموسى عليه السلام (وأمر الناس بصيامه) بفتح الهمزة والميم، وبضم الهمزة وكسر الميم روايتان اقتصر عياض على الثانية، وقال النووي: الأول أظهر. قال الحافظ (٢): لا شك أن قدومه المدينة كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض رمضان، فعلى (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٧٨/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٢٤٦/٤). ١٩٢ : ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب (٥٩٤) حديث فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانَ، كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ. فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٦٩ - باب صيام يوم عاشوراء. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٩ - باب صوم يوم عاشوراء، حديث ١١٣. ٥٩٤/ ٣٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ حُمَيْذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ؛ هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فُوِّض الأمر فيه إلى رأي المتطوع كما قال (فلما فرض) صيام شهر (رمضان) يعني في شعبان السنة الثانية (كان هو الفريضة) بالنصب، ضبطه الزرقاني. (وترك يوم عاشوراء) أي وجوبه (فمن شاء صامه ومن شاء تركه). قال الباجي(١): الحديث يقتضي الوجوب من وجهين: من جهة فعله، ومن جهة أمره به، وقوله: فلما فرض رمضان، يعني لما فرض رمضان ورد الشرع بنسخ وجوب يوم عاشوراء، وليس في الأمر بصوم رمضان ما يدل على منع وجوب يوم عاشوراء، إلا أنه قرن به ما يدل على أنه جميع الفرض من الصوم، وقد بيّن ذلك ◌َّ في قوله للسائل، ((لا إلا أن تطوع)»، انتهى. ٣٤/٥٩٤ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف) قال الحافظ(٢): هكذا رواه مالك، وتابعه يونس وصالح بن كيسان وابن عيينة وغيرهم، وقال الأوزاعي: عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقال النعمان بن راشد: عن الزهري عن السائب بن يزيد كلاهما عن معاوية، والمحفوظ رواية الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، قاله النسائي وغيره . (١) ((المنتقى)) (٥٨/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٤٦). ١٩٣ --- ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب (٥٩٤) حدیث أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، عَامِ حَجَّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ وفي مسلم من رواية يونس عن الزهري قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية (أنه سمع) أبا عبد الرحمن (معاوية بن) صخر (أبي سفيان) بن حرب بن أمية القرشي الأموي، وأمه هند بنت عتبة، كان هو وأبوه من مسلمة الفتح من المؤلفة قلوبهم، وقيل: أسلم معاوية في عمرة القضاء وكتم إسلامه، وهو أحد الذين كتبوا لرسول الله وَّيه، وقيل: لم يكتب له من الوحي شيئاً، وإنما كان يكتب له الكتب، تولى الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر بن الخطاب لأربع سنين بقيت من خلافته - رضي الله عنه -، ولم يزل بها متولياً عشرين سنة، ثم استقرّ له الإمارة بتسليم الحسن بن علي - رضي الله عنه - في سنة إحدى وأربعين إلى أن مات في رجب سنة ستين، وله ثمان وسبعون سنة، وقيل: ست وثمانون، كانت أصابته لقوة في آخر عمره، وكانت عنده إزار رسول الله ◌َّة، ورداؤه، وقميصه، وشيء من شعره، وأظفاره، فقال: كفنوني فيها، واجعلوا موضع السجود مني بشعره وأظفاره، وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين، كذا في ((رجال جامع الأصول)) من رواة الستة، له مائة وثلاثون حديثاً، اتفقا على أربعة وانفرد (خ) بأربعة و (م) بخمسة، كذا في ((الخلاصة))(١). (يوم عاشوراء عام حج) وكان أول حجة حجها بعد الإمارة سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، ذكره ابن جرير. قال الحافظ (٢): والظاهر أن المراد في الحديث الحجة الأخيرة. وقال العيني(٣): يحتمل هذا وغيره ولا دليل على الظهور (وهو على المنبر) بالمدينة المنورة (يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟) قال الحافظ: في سياق القصة إشعار بأنه (١) (ص٣٨١). (٢) ((فتح الباري)) (٢٤٧/٤). (٣) ((عمدة القاري)) (٢٣٨/٨). ١٩٤ ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب (٥٩٤) حدیث سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ مِ﴿، يَقُولُ لِهِذَا الْيَوْمِ: ((هُذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ. وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ. وَأَنَا صَائِمٌ. فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْطِرْ» . أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٦٩ - باب صيام يوم عاشوراء. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٩ - باب صوم يوم عاشوراء، حديث ١٢٦. لم ير لهم اهتماماً بصيام عاشوراء، فلذلك سأل عن علمائهم، أو بلغه عمن يكره صيامه، أو يُوجبه، وقال غيره: أراد إعلامهم أنه ليس كذلك، واستدعاؤه العلماء تنبيهاً لهم على الحكم، أو استعانة بما عندهم على ما عنده، أو توبيخاً أنه رأى أو سمع من خالفه، وقد خطب به في ذلك الجمع العظيم، ولم ينكر عليه . (سمعت رسول الله*، يقول لهذا اليوم: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب) بالبناء للمفعول على ما في عامة النسخ، وفي نسخة ((المنتقى)): ((لم يكتب الله)) بلفظ الجلالة، فيكون ببناء الفاعل (عليكم صيامه) بالرفع نائب الفاعل، وفي رواية: ((لم يكتب الله عليكم صيامه))، قاله الزرقاني. (وأنا صائم فسن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر) هذا أيضاً من المرفوع لرواية النسائي : سمعت رسول الله وَ﴾ يقول في هذا اليوم: ((إني صائم فمن شاء منكم أن يصوم فليصم، ومن شاء فليفطر)). قال الحافظ: قد استدل به على أنه لم يكن فرضاً قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن یرید: ولم يكتب الله علیکم صيامه على الدوام کصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾(١) ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار (١) سورة البقرة: الآية ١٨٣. ١٩٥ ١٧ - كتاب الصيام (١١) باب (٥٩٥) حديث ٣٥/٥٩٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب، أَرْسَلَ إلى الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: أَنَّ غَدَاً يَوْمُ عَاشُورَاءَ. فَصُمْ وَأُمُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَصُوموا. منسوخاً، ويؤيد ذلك: أن معاوية إنما صحب النبي وُّلّ من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى من الهجرة، انتھی . قلت: لخص الحافظ هذا الكلام من الشيخ ابن القيم في ((الهدي)) والتفصيل فيه، فارجع إليه، وقال في آخره: وإن لم يسلك هذا المسلك تناقضت أحاديث الباب واضطربت. ٣٥/٥٩٥ - (مالك، أنه بلغه أن) ثاني الخلفاء الراشدين (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (أرسل إلى الحارث بن هشام) المخزومي الصحابي (أن غداً يوم عاشوراء فصم) أمر من الصوم (وأمر أهلك أن يصوموا) وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)): محمد بن بكر عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الملك عن أبي بكر بن الحارث: أن عمر - رضي الله عنه - أرسل إلى عبد الرحمن بن الحارث مساء ليلة عاشوراء أن تسخَّرْ وأصْبخ صائماً . كان الإمام - رحمه الله - أشار بإيراد هذا الأثر إلى أن ما تقدم من روايات التخيير، وما ورد في ذلك من سقوطه بفرض رمضان، المراد به سقوط الوجوب، لا سقوط الندب، فإن الخلفاء الراشدين كانوا يهتمّون بذلك، وكذا روي عن علي - رضي الله عنه -: أنه كان يأمر بصوم يوم عاشوراء. أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١) بطرق، وقد صام النبي وَ ل بعد وجوب رمضان حتى قال في آخر سنيه: ((لو عشت لأصومن التاسع))، والمراد بالأهل إن كانوا مكلفين فالأمر على ظاهره، وإن كانوا غير بالغين فهو على الندب والاعتياد. (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٥٥/٣). ١٩٦ ١٧ - كتاب الصيام (١٢) باب (١٢) باب صيام يوم الفطر والأضحى والدهر وقال الخرقي: إذا كان للغلام عشر سنين، وأطاق الصيام أخذ به. قال الموفق(١): يعني يؤمر به، ويضرب على تركه، ليتمرَّنَ عليه ويتعوده كما يلزم الصَّلاة ويؤمر بها، وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه، عطاء والحسن وابن سيرين والشافعي، وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تِبَاعاً، حُمِّلَ صومَ شهر رمضان، وقال إسحاق: إذا بلغ اثنتي عشرة أحب أن يكلف الصوم للعادة والاعتبار بالعشر، لأنه لو أمر بالضرب على الصلاة عندها، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن. ولا يجب عليه الصوم حتى يبلغ وهذا قول أكثر أهل العلم، وذهب بعض أصحابنا إلى إيجابه على الغلام المطيق له إذا بلغ عشراً، لما روى ابن جريج عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي لبيبة عن أبيه قال: قال رسول الله وَلقال: ((إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان))(٢)، والمذهب الأول، قال القاضي: المذهب عندي، رواية واحدة، أن الصلاة والصوم لا تجب حتى يبلغ، وما قاله أحمد فيمن ترك الصلاة يقضيها، نحمله على الاستحباب، لقوله وقر: (رفع القلم عن ثلاث)) الحديث. وحديثهم مرسل، ثم نحمله على الاستحباب، وسماه واجباً، تأكيداً كقوله وَله: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))، انتهى. (١٢) (صيام يوم) عيد (الفطر، ويوم) عيد (الأضحى و) صيام (الدهر) ذكر المصنف في الباب مسألتين: أولاهما: صيام عيد الفطر وعيد الأضحى، والثانية: صيام الدهر. وتقدم الكلام على المسألة الثانية قريباً. أما (١) ((المغني)) (٤١٢/٤). (٢) ذكره السيوطي في ((جمع الجوامع)) (٤٢/١)، وعزاه إلى أبي نعيم في ((المعرفة)) وإلى الديلمي. ١٩٧ ١٧ - كتاب الصيام (١٢) باب الأولى فأجمعت الأمة على أن صيامهما حرام مطلقاً، متطوعاً كان أو قاضياً لفرضٍ، وحكى عليه الإجماع الزرقاني، والحافظ، والعيني، والأبي في (الإكمال))، وابن رشد في ((البداية)). وقال الموفق(١): أجمع أهل العلم أن صوم يومي العيدين منهي عنه محرم في التطوع، والنذر المطلق، والقضاء، والكفارة، لما روى أبو عبيد مولى ابن أزهر، قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب، فجاء، فصلى، ثم انصرف، فخطب الناس، فقال: إن هذين يومين نهى رسول الله وَ ل عن صيامهما، يوم فطركم عن صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم، وعن أبي هريرة: أن رسول الله وَّ نهى عن صيام يومين، يوم فطر ويوم أضحى، وعن أبي سعيد مثله، متفق عليهما، انتهى. نعم اختلفوا ههنا في مسألة أخرى، وهي من نذر صوم يوم فوافق العيد مثلاً، هل يصح النذر أم لا؟ قال المازري: ذهب مالك إلى أن من نذر صوم أحد العيدين لا ينعقد ولا يلزمه قضاؤه، وقال أبو حنيفة: يقضي وإن صامه أجزاه، والحجة عليه حديث: ((لا نذر في معصية))، وذكر النووي أن الشافعي والجمهور على ذلك وأن أبا حنيفة خالف الناس كلهم في ذلك، قاله الزرقاني(٢). قال العيني(٣): إذا قال: لله عليّ صومُ النحر، أفطر وقضى، فهذا النذر صحيح عندنا مع إجماع الأمة على أن صومه وصوم الفطر منهيان. قال مالك: لو نذر صوم يوم، فوافق يوم فطر، أو يوم نحر، يقضيه في رواية ابن القاسم (١) ((المغني)) (٤٢٤/٤). (٢) (١٨٠/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (٢٢٢/٨). ١٩٨ ١٧ - كتاب الصيام (١٢) باب ٠ ٠٠٠٠٠ وابن وهب عنه، وهو قول الأوزاعي، والأصل عندنا أن النهي لا ينفي مشروعية الأصل، وقال صاحب ((المحصول)): أكثر الفقهاء على أن النهي لا يفيد الفساد، وقال الرازي: لا يدل النهي على الفساد أصلاً، وأطال الكلام فيه، وعلى هذا الأصل مشى أصحابنا فيما ذهبوا إليه، ويؤيد هذا ما رواه البخاري من حديث زياد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: نذر رجل صوم الاثنين فوافق يوم عيد، فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى رسول الله وقدر عن صوم هذا اليوم، فتوقف في الفتيا، وقال ابن عبد الملك: لو كان صومه ممنوعاً لِعينه، ما توقف ابن عمر، وقال الشافعي وزفر وأحمد: لا يصح صوم يومي العيدين ولا النذر بصومهما، وهو رواية أبي يوسف، وابن المبارك عن أبي حنيفة، وروى الحسن عن أبي حنيفة: إن نذر صوم يوم النحر لا يصح، وإن نذر صوم غد وهو يوم النحر صح، انتهى. قلت: هذه ثلاث روايات عن الإمام، وظاهر الرواية هو صحة النذر مطلقاً، ولا فرق بين أن يذكر المنهي عنه صريحاً كيوم النحر مثلاً، أو تبعاً كصوم غد فإذا هو يوم النحر، قاله ابن عابدين. قلت: قد رأيت كلام هؤلاء الفحول الذين هم العمدة في الدراية والرواية سيما العلامة النووي، إذ قال: على ذلك الشافعي، والجمهور، وخالف أبو حنيفة الناس كلهم، وتبعه الزرقاني في ذلك، وهم من محققي مذاهبهم، وها أنا أُوَضِّحُ لك حقيقة تفرد أبي حنيفة في ذلك، قال الأبي في ((الإكمال)) (١): أجمعوا على حرمة صومهما بأي وجه كان الصوم، نذراً أو تطوعاً، وإنما اختلفوا في قضاء من نَذَرَهما بعينهما، فقال مالك، والشافعي في أحد قوليه: لا يقضي، وقال أبو حنيفة، وصاحباه، والشافعي في آخر قوليه: يقضي، واختلف قول مالك وأصحابه إذا لم يقصد تعيينهما، وإنما نذر نذراً (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٥٥/٣). ١٩٩ ١٧ - كتاب الصيام (١٢) باب اشتمل عليهما، أو نذر يوم يقدم فلان، فقدم يوم عيد، هل يقضي، أو لا يقضي، أو يقضي إلا أن ينوي أن لا يقضي، أو لا يقضي إلا أن ينوي أن يقضي؟ انتهى. وهكذا قال السنوسي في ((المكمل)). فليت شعري كيف اختلفوا في وجوب القضاء، إذا لم ينعقد النذر وعلى من صار الحديث حجة؟ ولا يبعد أن لا يصح النقل عن الإمام الشافعي، إذ لم أر الاختلاف في فروعهم، لكن رأيت الاختلاف في فروعهم في نذر الصلاة في الأرض المغصوبة، فقيل: هذا مستثنىَ من عموم ((لا نذر في معصية))، وقيل: لا يصح النذر، وفي ((شرح الإقناع)): المعتمد الثاني، وكذا رأيت الخلاف عندهم في نذر صوم كل يوم الخميس مثلاً، فوقع في الحيض والنفاس، فقيل: يجب القضاء، وقيل: لا . نعم، لا يمكن الإنكار عن الاختلاف عند الإمام مالك - رضي الله عنه -، ففي ((المدونة))(١): قلت لمالك: فرمضان ويوم الفطر وأيام النحر الثلاثة، كيف يصنع فيها؟ وإنما نذر سَنَةً بعينها، أعليه قضاؤها، أم ليس عليه قضاؤها إذا كانت لا يصلح الصيام فيها؟ فقال أولاً: لا قضاء عليه، إلا أن يكون نوى أن يصومهن، قال: ثم سئل عن ذي الحجة: من نذر صيامه أترى عليه أن يقضي أيام الذبح؟ فقال: نعم، عليه القضاء، إلا أن يكون نوى حين نذر أن لا قضاء لها، انتھی. وتقدم ما حكى العيني من رواية ابن القاسم وابن وهب عن الإمام مالك، والعجب من المالكية إذ قالوا: لا يصح النذر في صوم العيد، وصح في من نذر نحر ابنه وأوجبوا عليه الجزور، كما في ((بداية المجتهد»، هذا والحنابلة موافقة للحنفية على الأصح، ففي ((نيل المآرب)): الخامس من أنواع النذر: نذر -... (١) (١٨٩/١). ٢٠٠