Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٧ - كتاب الصيام (٧) باب (٥٨٤) حديث فطر العيدين والتشريق، لأنه أخبره بسرده ولم ينكر عليه بل أقره عليه، وأذن له في السفر، ففي الحضر أولى، وهذا محمول على أنه - رضي الله عنه - كان يطيق السرد بلا ضرر ولا تفويت حق، بدليل قوله: أجد لي قوة. وأما إنكاره وير على ابن عمرو بن العاص صوم الدهر فلعلمه أنه سيضعف عنه، وقد ضعف في آخر عمره، وكان يقول: ليتني قبلت رخصة رسول الله وَلل . بل استدل به على أن السرد أفضل لأنه سوّغه لحمزة، ولو كان غيره أفضل لبيّنه لحمزة، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وحديث ابن عمرو خاص به لعلمه بضعف حاله، ويلحق به من ضعف حاله، قاله الزرقاني(١). قلت: لم ينكشف الغطاء بعد، لأن النهي عن صوم الدهر لم يرو في حديث ابن عمرو فقط، بل وقع في عدة أحاديث. أما حديث عبد الله بن عمرو، فقد روي بألفاظ مختلفة، منها ما في المتفق عليه مرفوعاً: ((لا صام من صام الأبد)). وفي الباب أيضاً عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قيل: يا رسول الله كيف بمن صام الدهر؟ قال: ((لا صام ولا أفطر)). رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه، وعن أبي موسى مرفوعاً: ((من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه))، رواه أحمد وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم، قال في ((مجمع الزوائد)): رجاله رجال الصحيح، قال الحافظ (٢): ظاهره أنها تضيق عليه حصراً له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها ورغبته عن سنة رسول الله وجل اله واعتقاده أن غير سنته أفضل، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حراماً . قلت: وإليه يومئ ما سيأتي من ضحك الإمام أحمد عن تفسير مسدد، (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٧٠/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٧١). ١٢١ ١٧ - كتاب الصيام (٧) باب (٥٨٤) حدیث وعن عبد الله بن الشخِّير بلفظ: ((من صام الأبد فلا صام ولا أفطر))، أخرجه أحمد وابن حبان(١)، وعن عمران بن حصين(٢)، أشار إليه الترمذي، ولأجل هذه الروايات ذهب إسحاق وأهل الظاهر إلى كراهة صوم الدهر مطلقاً، وهي رواية عن أحمد، قال ابن حزم: يحرم، ويدل للتحريم حديث أبي موسى المذكور لما فيه من الوعيد الشديد، قاله الشوكاني(٣). وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمرو الشيباني، قال: بلغ عمر أن رجلاً يصوم الدهر فأتاه، فعلاه بالدرة وجعل يقول: كُلْ يا دهري، ومن طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمد ◌َلّ لرجموه، هذا وقد ورد ما يدل على إباحته بل على ندبه منه ما قال ◌َله: ((من صام رمضان واتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر))، روي هذا الحديث بعدة وجوه، والتشبيه يقتضي ندب المشبه به، وورد أيضاً: ((من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر)) . ولا خلاف بين العلماء في استحبابها، وعن أبي الدرداء رفعه: ((رباط شهر خير من صيام دهر)، الحديث في ((جمع الفوائد))(٤) عن ((الكبير)) وعن أبي هريرة رفعه: ((مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم بآيات الله لا يفتر عن صيام ولا صلاة))، وغير ذلك من الروايات، وقال الخطابي: قد سرد الصوم دهره أبو طلحة الأنصاري، وكان لا يفطر في سفر ولا حضر، فلم يعبه رسول الله له ولا نهاه عن ذلك، انتهى. -- (١) أخرجه أحمد (٢٤/٤، ٢٥، ٢٦)، وابن حبان (٣٥٨٣). (٢) أخرجه أحمد (٤٢٦/٤ - ٤٣١)، وابن حبان (٣٥٨٢). (٣) ((نيل الأوطار)) (٢٣٧/٣، ٢٣٨). (٤) (٢٦٤/٣). ١٢٢ ١٧ - كتاب الصيام (٧) باب (٥٨٤) حديث قال الحافظ(١): شذّ ابن حزم فقال: يحرم، وإلى الكراهة مطلقاً ذهب ابن العربي من المالكية فقال: قوله: ((لا صام من صام الأبد))، إن كان دعاءً فيا ويح من أصابه دعاء النبي ◌َّر، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النبي ◌َّ- أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعاً لم يكتب له الثواب، وذهب الجمهور إلى جوازه أو استحبابه إذا لم يصم الأيام المنهية، كذا قاله الحافظ وغيره من شراح الحديث، وهو مذهب الشافعي ومالك، ففي ((شرح الإقناع)): صوم الدهر غير يومي العيد والتشريق مكروه لمن خاف به ضرراً أو فوت حق واجب أو مستحب ومستحبٌ لغيره لإطلاق الأدلة، انتهى. وقال الغزالي في ((الإحياء))(٢): الصحيح أنه إنما يكره لشيئين: أحدهما: أن لا يفطر في العيدين وأيام التشريق، والآخر: أن يرغب عن السنة في الإفطار ويجعل الصوم حجراً على نفسه، مع أنه تعالى سبحانه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، انتهى. وفي ((شرح المنهاج)): صوم الدهر غير العيد والتشريق مكروه لمن خاف به ضرراً أو فوت حق، ومستحب لغيره، وصوم يوم وفطر يوم أفضل منه، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)): جاز صوم دهر بمعنى ندب. قال الدسوقي: حجة القائل بجواز صوم الدهر الإجماع على لزومه لمن نذره، ولو كان مكروهاً أو ممنوعاً لما لزم على القاعدة، انتهى. وقال الإمام مالك - رضي الله عنه - فيما سيأتي من ((باب صوم الدهر)): إنه لا بأس به إذا أفطر الأيام المنهية، وصرح الزرقاني والباجي في شرحيهما هناك باستحبابه، وتقدم في كلام الشوكاني ما يدل على أن لأحمد - رضي الله (١) (فتح الباري)) (٢٢٢/٤). (٢) ((إحياء علوم الدين)) (٢٣٨/١). ١٢٣ ١٧ - كتاب الصيام (٧) باب (٥٨٤) حديث عنه - فيه روايتين، ولم أجد صوم الدهر في فروعه من ((نيل المآرب)) وغيره نفياً ولا إثباتاً. نعم حكى عنه شراح الحديث روايتين، ففي ((الزرقاني)) تبعاً للحافظ: وقال أهل الظاهر وإسحاق وأحمد في رواية: بكراهة صوم الدهر، انتهى. ولم يذكره الخرقي ولا صاحب ((المقنع)). وقال الموفق(١): روى أبو قتادة مرفوعاً: ((لا صام ولا أفطر))، وعن أبي موسى عن النبي ◌ّ قال: ((من صام الدهر ضيقت عليه جهنم))، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فسر مسدد قول أبي موسى ((من صام الدهر ضيقت عليه جهنم)) فلا يدخلها، فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو؛ أن النبي وَّ كره ذلك وما فيه من الأحاديث؟ قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس، وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعي، لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم، منهم أبو طلحة، قيل: إنه صام بعد النبي ◌َّ أربعين سنة. قال الموفق: والذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها فقد فعل فعلاً محرماً، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه، بدليل أنه وَّ قال لعبد الله بن عمرو: ((إنك إذا فعلت ذلك هجمت له عينك ونفهت له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله))، انتهى. ولا يستحب عندنا الحنفية أيضاً كما في أكثر الفروع، ففي ((المراقي)): كره صوم الدهر، لأنه يضعفه أو يصير طبعاً له، ومبنى العبادة على مخالفة العادة، انتهى. وهكذا في ((البرهان)) وغيره، وفي ((البدائع)): قال بعض الفقهاء: (١) ((المغني)) (٤٢٩/٤). ١٢٤ ١٧ - كتاب الصيام (٧) باب (٥٨٥) حديث ٥٨٥ / ٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَّ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ . من صام سائر الأيام وأفطر يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق لا يدخل تحت النهي . وردّ عليه أبو يوسف فقال: ليس هذا عندي كما قال - والله أعلم -، هذا قد صام الدهر، كأنه أشار إلى أن النهي عن صوم الدهر ليس لمكان صوم هذه الأيام، بل لما يضعفه عن الفرائض والواجبات ويقعده عن الكسب، ويؤدي إلى التبتل المنهي عنه، والله أعلم، انتهى. وفي ((المسوَّىُ))(١) عن ((العالمكيرية)): يكره أن يصوم السنة كلها ولا يفطر في الأيام المنهي عنها، وإذا أفطر فيها، المختار أنه لا بأس، انتهى. وكذا في ((الشامي)) عن ((الخلاصة)). وفي (الدر المختار)): في أنواع المكروه صوم دهره وصوم صمت ووصال وإن أفطر الأيام الخمسة وهذا عند أبي يوسف، انتهى. وبسط الشيخ ابن القيم الكلام على كراهة صوم الدهر، وأجاب عما استدل به على ندبه. والحاصل كما في ((البذل))(٢): أن النهي عن صوم الدهر محمول عند الشافعي ومالك على من أدخل الأيام المنهية، وعند الحنفية محمول على غيره أيضاً لأنه يضعفه أو يصير طبعاً، قلت: وهو أعدل الأقوال إذ فيه جمع بين روايات النهي وروايات الإباحة. ٢٥/٥٨٥ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان لا يصوم في السفر) قال الباجي(٣): يحتمل أن يكون عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يمتنع من الصوم في السفر لضعفه عنه، ولعل ذلك كان منه (١) (٣٠٨/٢). (٢) ((بذل المجهود)) (١٦٦/١١). (٣) ((المنتقى)) (٥٠/٢). ١٢٥ ١٧ - كتاب الصيام (٨) باب (٥٨٦ - ٥٨٧) حدیث ٢٦/٥٨٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ، وَنُسَافِرُ مَعَهُ، فَيَصُومُ عُرْوَةُ، وَنُفْطِرُ نَحْنُ، فَلَا يَأْمُرُنَا بِالصِّيَامِ. (٨) باب ما يفعل من قدم من سفر أو أراده في رمضان ٢٧/٥٨٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فِي رَمَضَانَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ الْمَدِينَةَ مِنْ أَوَّلِ یَوْمِهِ، في آخر عمره ووقت ضعفه، أو في أوقات مخصوصة وجد فيها العجز عن الصيام، ويحتمل أنه كان يفطر في السفر، لأنه كان يرى ذلك أفضل من الصوم، ويحتمل أنه كان يرى الصوم فيه ممنوعاً، انتهى. قُلت: وهذا الأخير هو المتعين، إذ تقدم من مذهبه في بيان المذاهب أن الصوم في السفر لا يجزئ فإن صام وجب قضاؤه في الحضر. ٢٦/٥٨٦ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يسافر في رمضان ونسافر معه فيصوم عروة) اختياراً للأفضل وإبراءً للذمة (ونفطر نحن) عملاً على الرخصة (فلا يأمرنا بالصيام) لرؤيته جواز الفطر. هكذا قال. الجمهور: إن الصوم أفضل والفطر جائز. (٨) ما يفعل من قدم من سفر أو أراده (أي السفر) في رمضان ذكر المصنف فيه مسألتين: أولاهما: المسافر إذا قدم من السفر هل يصوم في ذلك اليوم أم لا؟ وثانيتهما: أن المقيم إذا أراد السفر في يوم من رمضان هل يفطر ذلك اليوم أم لا؟. ٢٧/٥٨٧ - (مالك، أنه بلغه أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (كان) من عادته أنه (إذا كان في سفر في رمضان فعلم أنه داخل المدينة من أول يومه) ١٢٦ --- ١٧ - كتاب الصيام (٨) باب (٥٨٧) حديث دَخَلَ وَهُوَ صَائِمٌ . قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَلِمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِهِ، وَطَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ، دَخَلَ وَهُوَ صَائِمٌ . أي بعد طلوع الفجر، كما سيأتي (دخل وهو صائم) قال الباجي(١): قوله: من أول يومه يحتمل أن يريد به قبل طلوع الفجر، فيجب عليه الصوم، ويحتمل أن يريد به بعد طلوع الفجر، وهو أظهر، لأنه أول اليوم، وما قبل ذلك فهو آخر الليل، فعلى هذا كان صومه مستحسناً، انتهى. قلت: وهذا الثاني هو المتعين من ظاهر السياق، ولا شك في إيجاب الصوم إذا دخل قبل الفجر، وأما إذا دخل بعد الفجر فصومه مستحب(٢) كما قاله الباجي، وصرح به الإمام مالك في ((مختصر ابن عبد الحكم)) كما قاله الزرقاني. وقالت الحنابلة كما في ((الروض)) (٣): إن علم مسافر أنه يقدم غداً لزمه الصوم لا صغير علم أنه يبلغ غداً، لعدم تكليفه، انتهى. وفي ((البدائع)): لو أراد المسافر دخول مصره أو مصراً آخر، ينوي فيه الإقامة يُكره له أن يفطر في ذلك اليوم وإن كان مسافراً في أوله، لأنه اجتمع المُحَرِّم للفطر وهو الإقامة والمُبِيْحُ وهو السفر في يوم واحد، فكان الترجيح للمُحَرِّم احتياطاً . (قال يحيى: قال مالك: ومن كان في سفر في رمضان، فعلم أنه داخل على أهله) بزيادة ((على)) في أوله كما في أكثر النسخ المصرية والهندية، وليس في نسخة الزرقاني حرف الجر فضبطه بالنصب على التوسع (من أول يومه، وطلع له الفجر قبل أن يدخل) وطنه (دخل وهو صائم) كما تقدم مبسوطاً. (١) ((المنتقى)) (٥١/٢). (٢) قال ابن عبد البر: أما ما ذكره مالك عن عمر فهو المستحب عند جماعة العلماء، إلا أن بعضهم أشد تشديداً فيه من بعض، وما أعلم على أحد دخل مسافراً على أهله مفطراً كفارة. ((الاستذكار)) (٨٦/١٠). (٣) (٤١٦/١). ١٢٧ ١٧ - كتاب الصيام (٨) باب (٥٨٧) حديث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فِي رَمَضَانَ، فَطَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ بِأَرْضِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، فَإِنَّهُ يَصُومُ ذُلِكَ الْيَوْمَ. (قال يحيى: قال مالك: وإذا أراد) المقيم (أن يخرج) للسفر (في) يوم من (رمضان وطلع له الفجر وهو) مقيم (بأرضه قبل أن يخرج) للسفر (فإنه يصوم ذلك اليوم) وجوباً على المشهور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال ابن حبيب والمزني وأحمد وإسحاق: يجوز له الفطر، قاله الزرقاني. قلت: ظاهره أن أحمد وإسحاق أباحا الفطر قبل الخروج، وهكذا حكى الشوكاني في ((النيل)) عن ابن العربي؛ أنه لم يقل به إلا أحمد، وفي هامش ((الموطأ)) عن ((المحلى)): قال أحمد وإسحاق: بالجواز لكن لا يفطر قبل الخروج، ويؤيده ما سيأتي من فروع أحمد التقييد بمفارقة البيوت، فتأمل، وهذا كله على إحدى الروايتين عن أحمد كما تقدم عن ((المغني)). وقال الباجي: الخارج لسفر، لا يخلو أن يفطر قبل خروجه أو بعده، فإن أفطر نهاراً قبل خروجه فالذي ذهب إليه مالك أنه يُكفِّر، سواء خرج أو لا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال ابن القاسم في ((العتبية)): لا كفارة عليه لأنه متأول، وروى ابن حبيب عن ابن القاسم وابن الماجشون: إن أفطر قبل أن يأخذ في أهبته للسفر فعليه الكفارة، وإن أفطر بعد الأخذ فيها فلا كفارة عليه، وإن أفطر بعد خروجه للسفر فلا يخلو أن يخرج لسفره قبل الفجر أو بعده، فإن خرج قبل الفجر فلا خلاف أنه يجوز له الفطر، فإن خرج بعد الفجر بعد أن نوى الصوم، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز له الفطر، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال ابن حبيب: يجوز له الفطر، وبه قال المزني وأحمد وإسحاق . فإن أفطر فهل عليه كفارة؟ ذهب مالك إلى أنه لا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة، وقال ابن كنانة: عليه الكفارة وبه قال الشافعي، انتهى مختصراً. ١٢٨ ١٧ - كتاب الصيام (٨) باب (٥٨٧) حديث وقال الحافظ(١): لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور، وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المزني، ثم لا فرق عند المجيزين بكل مفطر، وفرق أحمد في المشهور عنه بين الفطر بالجماع وغيره، فمنعه في الجماع فقال: لو جامع عليه الكفارة إلا إن أفطر بغير الجماع قبل الجماع، انتهى. قلت: ما حكى الحافظ من مذهب الإمام أحمد من جواز الفطر حكاه أهل فروعه، ففي ((نيل المآرب)): يسن الفطر برمضان لمسافر، يباح له القصر إذا فارق بيوت قريته، وفي ((الروض المربع)): إن نوى حاضرٌ صومَ يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر، إذا فارق بيوت قريته، ونحوها، لظاهر الآية، والأخبار الصريحة، والأفضل عدمه، انتهى. لكن ما حكى من وجوب الكفارة بالجماع مبنيٌّ على رواية مرجوحة. قال الموفق(٢): فإن أفطر بالجماع ففي الكفارة روايتان: الصحيح منهما أنه لا كفارة عليه، وهو مذهب الشافعي، والثانية: يلزمه كفارة، انتهى. وفي ((الروض المربع))(٣): جامع من نوى الصوم في سفره أفطر، ولا كفارة، لأنه صوم لا يلزمه المضي فيه فأشبه التطوع؛ لأنه يفطر بنية الفطر، فيقع الجماع بعده، انتهى. والظاهر عندي أنه وقع الوهم في النقل، فعند الحنابلة ينبغي أن تجب الكفارة في عكس هذه الصورة، وهي أن يقدم المسافر مفطراً، فيجب عندهم الإمساك كما سيجيء قريباً، وتجب عندهم الكفارة إذا جامع من وجب عليه الإمساك، فتأمل. (١) ((فتح الباري)) (١٨١/٤). (٢) ((المغني)) (٣٤٨/٤). (٣) (١٤٢/١). ١٢٩ ١٧ - كتاب الصيام (٨) باب (٥٨٧) حديث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِهِ وَهُو مُفْطِرٌ، وَامْرَأَتُهُ مُفْطِرَةٌ، حِينَ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا فِي رَمَضَانَ: إِنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا إِنْ شَاءَ. ثم قال الزرقاني: فإن أفطر على الأول فلا كفارة عند مالك وأبي حنيفة والشافعي، وقال المغيرة وابن كنانة: عليه الكفارة، ولا حظ له في أثر ولا نظر، قاله أبو عمر، انتهى. قال الباجي(١): فإن أفطر ذهب مالك لا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة، وقال المغيرة وابن كنانة: عليه الكفارة، وبه قال الشافعي، وجه قول مالك أنه معنى لو قارن أول الصوم لأسقط الكفارة، فإذا طرأ بعد انعقاد الصوم أبطل الكفارة، انتهى. قلت: ما حكى الباجي من مذهب الشافعي رحمه الله هو الصواب، وما حكاه الزرقاني لا يصح، ففي (شرح المنهاج)): حدوث السفر بعد الجماع لا يسقط الكفارة؛ لأنه كان من أهل الوجوب حال الجماع، انتهى. قلت: نعم تسقط الكفارة عند الحنفية، ففي ((الدر المختار))(٢): يجب على مقيم إتمام صوم يوم من رمضان سافر فيه لكن لا كفارة لو أفطر. (قال يحيى: قال مالك) - رضي الله عنه - (في الرجل) المسافر (يقدم من سفر وهو مفطر) للسفر (وامرأته) أيضاً (مفطرة حين طهرت من حيضها) أو نفاسها أو هي أيضاً قدمت من السفر (في رمضان: إن لزوجها أن يصيبها) أي يجامعها (إن شاء) وروي عن جابر بن يزيد: أنه قدم من سفر فوجد امرأته قد طهرت من حيض فأصابها، كما يأتي عن ((المغني)) في ما جاء في قضاء رمضان. قال الباجي: وأصل ذلك أن من أفطر لعلةٍ تبيح الفطر مع العلم بأن ذلك اليوم من رمضان فإنه يستديم الفطر بقية يومه، وإن زالت العلة مثل الحائض (١) ((المنتقى)) (٥١/٢). (٢) (٤١٦/٣). ١٣٠ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٩) باب كفارة من أفطر في رمضان تطهر والمريض يطمئن والمسافر يقدم، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: متى زالت علة الفطر وجب الإمساك في بقية ذلك اليوم، انتهى. وهكذا قال الزرقاني وعزا مذهب مالك والشافعي إلى أحمد أيضاً(١)، وهو مبني على إحدى الروايتين عنه كما يأتي عن ((المغني)). لكن فروعه على الرواية الأخرى الموافقة للحنفية. ففي ((الروض المربع)): وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه كحائض ونفساء طهرتا في أثناء النهار، وكذا مسافر قدم مفطراً يمسك ويقضي، انتهى. وكذا يجب الإمساك عندنا الحنفية، قال في ((الهداية)): إذا قدم المسافر أو طهرت الحائض في بعض النهار أمسكا بقية يومهما؛ لأنه وجب قضاء لحق الوقت فإنه وقت معظم، وفي ((البناية))(٢): ولذا وجبت الكفارة على المفطر فيه عمداً دون غيره، انتهى . (٩) كفارة من أفطر في رمضان اختلفت الأئمة - رضي الله عنهم - في موجب الكفارة بعد اتفاقهم على إيجابها في الجملة، فقالت الحنابلة: من جامع في نهار رمضان بذكرٍ أصلي في فرجٍ أصلي، قبلٍ أو دبرٍ، ولو لميت أو بهيمة أو طير، حي أو ميت أنزل أولا في حالة يلزمه فيها الإمساك، كمن نسي النية أو أكل عامداً ثم جامع، مكرهاً كان المجامع أو ناسياً للصوم، جاهلاً كان أو عالماً، لزمه القضاء والكفارة. وكذا من جُومِع إن طاوع غير جاهل وناسٍ ونائم ومكره، لأنه معذور، ولا كفارة بغير الجماع والإنزال بالمساحقة، كذا في ((نيل المآرب)). (١) كذا في ((الاستذكار)) (٩٠/١٠). (٢) (١٣٦٣/٢/١). ١٣١ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب وقال الموفق(١): إن الجماع دون الفرج إذا اقترن به الإنزال، فيه عن أحمد روايتان: إحداهما: عليه الكفارة، وهذا قول مالك وعطاء والحسن وابن المبارك وإسحاق، والثانية: لا كفارة عليه، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، لأنه فطر بغير جماع تام فأشبه القبلة، ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة، ولا نص في وجوبها ولا إجماع ولا قياس، ولا يصح القياس على الجماع في الفرج، لأنه أبلغ، بدليل أنه يوجبها من غير إنزال، ويجب به الحد، إذا كان محرماً ويتعلق به اثنا عشر حكماً، انتهى. وقالت الشافعية: من وطئ بتغييب جميع الحشفة، أو قدرها من مقطوعها، عامداً مختاراً، لا مُكْرَهاً عالماً بالتحريم في الفرج، ولو دبراً من آدمي وغيره كالبهيمة، ولو دبر نفسه وهو مكلف، لا كصبي وآثم بالوطء بسبب الصوم، فعليه القضاء والكفارة، ولا كفارة على المرأة لنقصان صومها بتعرضه للبطلان بعروض الحيض ونحوه، ولا كفارة بالفطر بغير الجماع كالأكل والشرب، وخرج بالإثم ما لو وطئ المريض أو المسافر، وما لو ظن وقت الجماع بقاء الليل وغير ذلك، كذا في ((شرح الإقناع)) بتغير. وقالت المالكية: كَفَّرَ المكلف إن تعمَّد الفطرَ في أداء رمضان مختاراً لا مكرهاً، أو غلبة لشدة عطش، أو زيادة مرض منتهكاً لحرمة الشهر، لا متأولاً بتأويل قريب، عالماً بالحرمة لا جاهلاً كحديث عهد بالإسلام يُفطرُ بجماع يوجب الغسل، سواء كان رجلاً أو امرأة، أو بأكل، ولو نحو حصاة وصلت للجوف، أو شرب بفم لا من نحو أنف، أو أخرج منياً بتقبيل أو مباشرة، بل وإن بإدامة نظر أو فكر، كذا في ((الشرح الكبير)) بتغير. وقالت الحنفية: إن جامع المكلف آدمياً مشتهىً، لا ميتة أو بهيمة، أو (١) انظر: ((المغني)) (٣٧٣/٤). ١٣٢ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٨) حديث ٢٨/٥٨٨ - حَدَّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً جُومع في أحد السبيلين، أو أكل أو شرب غذاءً أو دواءً، والضابط وصول ما فيه صلاح بدنه لجوفه، ولو ريق حبيبه يُكَفِّرُ، كذا في ((الدر المختار)) بزيادة. ٢٨/٥٨٨ - (مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن) هكذا بلفظ الابن في جميع النسخ الهندية وأكثر المصرية، فما في بعض المصرية من لفظ عن بين حميد وعبد الرحمن بدل الابن سهو من الناسخ (عبد الرحمن بن عوف) قال الحافظ (١): هكذا توارد عليه أصحاب الزهري، وهم أكثر من أربعين نفساً جمعتهم في جزء مفرد، وذكر أسماء العشرين منهم في ((الفتح)). ثم قال: وخالفهم هشام بن سعد، فرواه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أخرجه أبو داود وغيره، قال البزار وابن خزيمة وأبو عوانة: أخطأ فيه هشام(٢) بن سعد، قال الحافظ: وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء عن محمد بن أبي حفصة فرواه عن الزهري، أخرجه الدارقطني في ((العلل))، والمحفوظ عن ابن أبي حفصة كالجماعة، كذلك أخرجه أحمد وغيره من طريق روح بن عبادة عنه، ويحتمل أن يكون الحديث عند الزهري عنهما، فقد جمعهما عنه صالح بن أبي الأخضر، أخرجه الدارقطني في ((العلل)). (عن أبي هريرة) وفي رواية ابن جريج عند مسلم وعقيل عند ابن خزيمة التصريح بالتحديث بين حميد وأبي هريرة (أن رجلاً) قال الحافظ في ((الفتح)): لم أقف على تسميته إلا أن عبد الغني في ((المبهمات)) - وتبعه ابن بشكوال ـ جزما بأنه سلمان أو سلمة بن صخر البياضي، واستندا إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر: ((أنه ظاهر (١) (فتح الباري)) (١٦٣/٤) وقال العيني في ((عمدة القاري)) (١١٣/٨): رواه ما ينيف على أربعين نفساً عن الزهري عن حميد، عن أبي هريرة. (٢) في ((التقريب)): ((هشام بن سعد)) وهو صدوق له أوهام. ١٣٣ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٨) حديث امرأته في رمضان وأنه وطئها))، الحديث. والظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائماً، وفي قصة سلمة أن ذلك كان ليلاً، فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة، وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة، وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها اتحادٌ القصتين، وسنذكر أيضاً ما يؤيد المغايرة بينهما . وأخرج ابن عبد البر(١) في ترجمة عطاء الخراساني من ((التمهيد)) عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي ◌ّ هو سليمان بن صخر، قال ابن عبد البر: أظن هذا وهماً لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ووقع عليها في الليل، لا أن ذلك كان منه بالنهار، انتهى. قال(٢): ويحتمل أن يكون قوله في الرواية المذكورة في ((التمهيد)): وقع على امرأته في رمضان، أي ليلاً بعد أن ظاهر فلا يكون وهماً ولا يلزم الاتحاد، ووقع في مباحث العام من ((شرح ابن الحاجب)) ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بردة بن يسار، وهو وهم يظهر من تأمل بقية كلامه، انتهى. قال صاحب ((التلويح)): هذا غير ما ذكره ابن بشكوال فلينظر. قال العيني(٣): لا شك أنه غيره، لأن ابن بشكوال استند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، فذكر الحديث، ثم قال: والظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائماً، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلاً، كما في رواية الترمذي، فافترقا، واجتماعهما في كونهما من (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٧١/٢). (٢) أي الحافظ في ((فتح الباري)) (٤/ ١٦٤). (٣) انظر: ((عمدة القاري)) (١٠٨/٨). ١٣٤ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٨) حديث أَقْطَرَ فِي رَمَضَانَ . بني بياضة وغير ذلك لا يستلزم اتحاد القصتين، انتهى. وجزم جماعة منهم الزرقاني(١) بأنه سلمان، ويقال فيه: سلمة بن صخر البياضي. وفي ((المرقاة))(٢): قال التوربشتي: الرجل على ما ضبطناه هو سلمة بن صخر البياضي وكان قد ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها في رمضان، كذا وجدناه في عدة كتب الحديث، وعند الفقهاء: أنه أصابها في نهار رمضان، انتهى. قلت: لكن المصرح في الروايات أن المظاهر وقع ليلاً وهذا نهاراً فافترقا . (أفطر في رمضان) قال الباجي: اختلفت الرواة لهذا الحديث في لفظه فقال أصحاب ((الموطأ)) وأكثر الرواة عن مالك: ((أن رجلاً أفطر))، وخالفهم جماعة من الرواة فقالوا: ((أن رجلاً أفطر بجماع)) انتهى. وقال ابن عبد البر(٣): كذا رواه مالك ولم يذكر بماذا أفطر وتابعه جماعة عن ابن شهاب، وقال أكثر الرواة عن الزهري: أن رجلاً وقع على امرأته في رمضان، فذكروا ما أفطر به، فتمسك به أحمد والشافعي ومن وافقهما في أن الكفارة خاصة بالجماع، لأن الذمة بريئة فلا يثبت شيء فيها إلا بيقين، وقال مالك وأبو حنيفة وطائفة: عليه الكفارة بتعمد أكل وشرب ونحوهما أيضاً، وبه قال الثوري وابن المبارك وإسحاق، كما قاله الترمذي، لأن الصوم شرعاً الامتناع من الطعام والجماع، فإذا ثبت في وجه من ذلك شيء ثبت في نظيره، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمداً. ولفظ حديث مالك رحمه الله يجمع كل فطر. (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٧١/٢). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٦٢/٤). (٣) انظر: ((التمهيد)) (٧٢/٧). ١٣٥ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٨) حديث لكن قال عياض: دعوى عموم قوله: ((أفطر)) ضعيفة، قال الأبي: لأن ((أفطر)) فعل في سياق الثبوت ولم يقل أحد من الأصوليين بعمومه، إنما اختلفوا فيما إذا كان في سياق النفي، كذا قاله الزرقاني. قال الحافظ: الجمهور حملوا قوله: ((أفطر)) ههنا على المقيد في الرواية الأخرى وهو قوله: ((وقعت على أهلي)) وكأنه قال: أفطر بجماع، وهو أولى من دعوى القرطبي وغيره تعدد القصة، انتهى. قال ابن رشد (١): أما رواية ((الموطأ)) فمجمل، والمجمل لا عموم له فيؤخذ به، لكن هذا قول(٢) على أن الراوي كان يرى أن الكفارة كانت لموضع الفطر، ولولا ذلك لما عَبَّر بهذا اللفظ، ولذكر النوع من الفطر الذي أفطر به، انتھی . وحكى القاري(٣) عن ابن الهمام: أن ما في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه عليه السلام أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، الحديث. علق الكفارة بالإفطار، فإن قيل: لا يفيد المطلوب، لأنه حكاية واقعة حال لا عموم لها، فيجب كون ذلك الفطر بأمر خاص، لا بالأعم، فلا دليل فيه أنه بالجماع أو بغيره، بل قام الدليل على أنه بالجماع، لمجيئه مفسراً كذلك برواية نحو عشرين رجلاً . قلنا: وجه الاستدلال تعليقها بالإفطار في عبارة الراوي، إذ أفاد أنه فهم من خصوص الأحوال التي شاهدها في قضائه عليه الصلاة والسلام، أو سمع ما يفيد أن إيجابها عليه باعتبار خصوص الإفطار فيصح التمسك به، وهذا كما (١) ((بداية المجتهد)) (٣٠٣/١). (٢) كذا في الأصل، والظاهر بدله يدل، اهـ ((ش)). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٣/٤). : ١٣٦ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٨) حديث قالوه في أصولهم في مسألة ما إذا نقل الراوي بلفظٍ ظاهره العموم، فإنهم اختاروا اعتباره، انتهى. وبنحو ذلك جزم ابن العربي (١) إذ قال: قال علماؤنا: ثبت في الخبر أنه كان جماعاً، والأكل محمول عليه لعلة أنه هتك حرمته بالإفطار، والمسألة عظيمة الموقع عَسِرة المأخذ وهي أصولية، لأن السائل قال له: وقعتُ على امرأتي في رمضان، فقال له النبي وَلَّ: كَفِّر، ومعنى سؤاله أنه أفطر بجماع، فكان الحكم معلقاً بالفطر الهاتك لا بنفس الجماع، لأنه في الزوجة حلال، ألا ترى إلى قول الصاحب الذي فهم أن الحكم معلق على الفطر، فقال: إن رجلاً أفطر في رمضان، انتهى مختصراً. قال الباجي(٢): الفطر يكون بأحد ثلاثة أشياء، بداخل وهو الأكل والشرب، أو إيلاج وهو مغيب الحشفة في الفرج وهوائه، أو بخارج وهو المني والحيض، فهذه معان يقع بجميعها الفطر وإفساد الصوم، فإذا وجد شيء من ذلك فسد الصوم، سواء كان بعذر أو بغيره، أما غير المعذور فإن الكفارة إنما تلزمه بذلك كله عند مالك على أي وجه وقع فطره من العمد والهتك لحرمة الصوم. وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - مثل قولنا في ذلك كله، إلا بخروج المني بغير إيلاج فإنه لا كفارة عليه عنده. وقال الشافعي: لا كفارة إلا على من أفسد صومه بالإيلاج، والدليل على ما نقوله أن هذا قصد إلى الفطر وهتك حرمة الصوم بما يقع به الفطر فوجبت الكفارة كالمجامع، انتهى. وقال الشيخ رحمه الله في ((البذل))(٣): احتج أبو حنيفة ومالك وغيرهما (١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٢٥٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (٥٢/٢). (٣) ((بذل المجهود)) (٢١٥/١١). ١٣٧ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٨) حديث بما روي عن النبي ◌ُّلّ أنه قال: ((من أفطر في رمضان متعمداً فعليه ما على المظاهر)) وعليه الكفارة بنص الكتاب، فكذا على المفطر متعمداً، واحتجوا أيضاً بالاستدلال بالمواقعة والقياس عليها، أما الاستدلال بها، فهو أن الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفساداً لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل والشرب إفسادٌ لصوم رمضان متعمداً من غير عذر، فكان إيجاب الكفارة هناك إيجاباً ههنا دلالة. والدليل على أن الوجوب في المواقعة لما ذكرنا وجهان: أحدهما: مجمل، والآخر: مفسر. أما المجمل فاستدلال بحديث الأعرابي، وأما المفسر فلأن إفساد صوم رمضان ذنب ورفع الذنب واجب عقلاً وشرعاً، والكفارة تصلح رافعة لها لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات ذاهبة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلا الشارع للأحكام، وهو الله سبحانه، فمتى ورد الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص، ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر كان ذلك إيجاباً لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابتاً بالنص، لا بالتعليل. ووجه القياس على المواقعة: أن الكفارة هناك وجبت للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانةً له في الوقت الشريف، لأنها تصلح زاجرة، والحاجة مَسَّت إلى الزجر، أما الصلاحية فلأن من تأمل أنه لو أفطر يوماً من رمضان لزمته الكفارة لامتنع منه، وأما الحاجة إلى الزجر فلوجود الداعي الطبعي إلى الأكل والشرب والجماع، وهو شهوة الأكل والشرب والجماع، وهذا في الأكل والشرب أكثر، لأن الجوع والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل والشرب، فكان شرع الزاجر هناك شرعاً ههنا من طريق الأولى، كذا في ((البدائع))(١). (١) انظر: (بدائع الصنائع)) (٢٥٤/٢). ١٣٨ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٨) حدیث وقال الإمام السرخسي في ((المبسوط)): ولنا حديث أبي هريرة: أن رجلاً قال: يا رسول الله أفطرت في رمضان، فقال: من غير مرض ولا سفر؟ فقال: نعم، فقال: أعتق رقبة، وذكر أبو داود أن الرجل قال: شربت في رمضان، وقال علي - رضي الله عنه -: إنما الكفارة في الأكل والشرب والجماع، ثم نحن لا نوجب الكفارة بالقياس، وإنما نوجبها استدلالاً بالنص، لأن السائل ذكر المواقعة، وعينها ليس بجناية بل هو فعل في محل مملوك، وإنما الجناية الفطر به، فتبين أن الموجب للكفارة فطر، وهو جناية، ألا ترى أن الكفارة تضاف إلى الفطر، والواجبات تضاف إلى أسبابها، والدليل عليه أنه لا تجب على الناسي لانعدام الفطر، والفطر الذي هو جناية متكاملة يحصل بالأكل، كما يحصل بالجماع، ولأنه آلة له ويتعلق الحكم بالسبب لا بالآلة، ثم إيجابه في الأكل بالأولى، لأن الكفارة وجبت زاجرة، ووعاء الطبع في وقت الصوم إلى الأكل أكثر منه إلى الجماع، والصبر عنه أشدّ، فإيجاب الكفارة فيه أولى. كما أن حرمة التأفيف يقتضي حرمة الشتم بالأولى، ثم لأجل العبادة استوى حرمة الجماع وحرمة الأكل، بخلاف حال عدم الملك، فإن حرمة الجماع أغلظ، حتى تزيد على حرمة الأكل، وبخلاف الحج، فإن حرمة الجماع فيه أقوى حتى لا ترتفع بالحلق، والدليل على المساواة ههنا فصل الناسي، فقد جعلنا النص الوارد في الأكل حال النسيان كالوارد في الجماع، فكذلك يجعل النص الوارد في إيجاب الكفارة بالمواقعة كالوارد في الأكل، انتهى. قال العيني (١): وفي حديث عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني في ((الكبير)): جاء رجل إلى النبي وَل فقال: إني أفطرت يوماً من رمضان، فقال: ((من غير عذر ولا سقم؟)) قال: نعم، قال: ((بئس ما صنعت))، قال: أجل، ما تأمرني؟ قال: ((أعتق رقبة))، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (١١٥/٨). ١٣٩ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٨) حديث وقال ابن التركماني: وفي ((نوادر الفقهاء)) لابن بنت نعيم: أجمعوا أن من أكل أو شرب في نهار رمضان عامداً بلا عذر فعليه القضاء والكفارة، إلا الشافعي رحمه الله قال: لا كفارة عليه، انتهى. والأكل والشرب عمداً في انتهاك حرمة الشهر مثل الوطء، على أن الشافعي - رحمه الله - لم يقتصر بالكفارة على الجماع في الفرج، بل أوجبها في وطء البهيمة، والوطء الذي في الدبر . وقد روى النسائي في ((سننه الكبرى)) بسند صحيح عن عائشة - رضي الله عنها - أنه وَّ سأل الرجل. فقال: أفطرتُ في رمضان، فأمره بالتصدق بالعرق، ولم يسأله بماذا أفطر، وقد قال الشافعي: ترك الاستفصال في قضايا الأحوال نزل منزلة عموم المقال، انتهى. وفي ((البرهان)): الدليل على ما ذكر النص والعرف والحكم والمعقول، أما النص، فرواية الدارقطني عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: أن رجلاً أكل في رمضان، فأمره النبي ◌َّ أن يعتق، الحديث. إلا أنه أعلّه بأبي معشر، لكن يعضده رواية ((الصحيحين)): أن النبي ◌َّ أمر رجلاً أفطر في رمضان، الحديث. وأما العرف فلأن الكفارة تضاف إلى الإفطار لا الوقاع، يقال: كفارة الإفطار، لا كفارة الجماع، والإضافة تدل على السببية، ككفارة القتل واليمين والظهار. وأما الحكم فلأنه إذا جامع ناسياً لا يجب مع وجود الجماع اسماً ومعنىَ لعدم الإفطار. ---- وأما المعقول، فلأن شرعية الكفارة للزجر عن هتك حرمة الشهر، وهو حاصل بالأكل والشرب، والحكم فيهما بالدلالة لا بالقياس، لأن الصوم عبادة قهر النفس، والقهر في تركهما أبلغ من ترك الجماع، لكون الطبع أدعى إليهما، فكان الامتناع عنهما مع وعاء الطبع إليهما غالباً أتم من الامتناع عن الجماع، فكان الإقدام عليهما أبلغ في الهتك منه، انتهى. ١٤٠ --- --- - ---