Indexed OCR Text

Pages 41-60

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦٤) حديث
الخلاف إنما هو إذا رؤي في يوم ثلاثين، ولا يصح أن يكون قبل ذلك، انتهى.
وهكذا ذكر ابن رشد في ((البداية)»(١) اختلاف الأئمة في ذلك، ثم
قال: وسبب اختلافهم في ذلك ترك اعتبار التجربة فيما سبيله التجربة والرجوع
إلى الأخبار في ذلك، وليس في ذلك أثر عن النبي ◌َّر يرجع إليه، لكن روي
عن عمر - رضي الله عنه - أثران؛ أحدهما عام والآخر مفسر، ثم ذكر الأثرين
المذكورين العام أثر وائل عنه، والمفسر أثر النخعي عنه.
وقال أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي: إذا رؤي
الهلال نهاراً قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة.
قال الموفق(٢): المشهور عن أحمد أن الهلال إذا رؤي نهاراً قبل الزوال
أو بعده، وكان ذلك في آخر رمضان لم يفطروا لرؤيته، وهو قول عمر
وابن مسعود وابن عمر وأنس والأوزاعي ومالك والليث والشافعي وإسحاق
وأبي حنيفة، وقال الثوري وأبو يوسف: إن رؤي قبل الزوال فهو لِلَّيلة
الماضية. وإن كان بعده فهو لليلة المقبلة، وروي ذلك عن عمر - رضي الله
عنه -، رواه سعيد؛ لأن النبي بَّر قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))، وقد
رآه، فيجب الصوم والفطر، ولأن ما قبل الزوال أقرب إلى الماضية، وحكي
هذا رواية عن أحمد.
ولنا ما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر - رضي الله عنه -، ونحن
بخانقين أن الأهلّة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا
حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس عشية، ولأنه قول
ابن مسعود وابن عباس ومن سمينا من الصحابة، وخبرهم محمول على ما إذا
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٨٥/١).
(٢) ((المغني)) (٤٣١/٤).
٤١

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦٤) حديث
رؤي عشية، بدليل ما لو رؤي بعد الزوال، ثم إن الخبر يقتضي الصوم والفطر
من الغد بدليل ما لو رآه عشية، فأما إن كانت الرؤية في أول رمضان فالصحيح
أيضاً أنه لليلة المقبلة. وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد
رواية أخرى: أنه الماضية، فيلزم قضاء ذلك اليوم، وإمساك بقيته احتياطاً
للعبادة، والأول أصح لأن ما كان لليلة المقبلة في آخره فهو لها في أوله كما
لو رؤي بعد العصر، انتهى.
وفي ((البرهان)): يجعل أبو يوسف الهلال المرئي قبل الزوال للماضية
في الصوم والفطر، لأن الظاهر أنه لا يرى قبل الزوال إلا وهو لليلتين، وهو
قول علي وعائشة ورواية عن عمر، وهما - أي أبو حنيفة ومحمد - جعلاه
للمستقبلة، وهو قول ابن مسعود وأنس، ورواية أخرى عن عمر - رضي الله
عنه -، لقوله ◌َله: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))، فواجب سبق الرؤية على
الصوم والفطر، والمفهوم المتبادر منه الرؤية عند عشية آخر كل شهر عند
الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والمختار قولهما، وبه قال الشافعي، وعن
أبي حنيفة إن كان مجراه أمام الشمس، وهي تتلوه فهي الماضية وإن كان
خلفها فللمستقبلة، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)) عن ((الروضة)) للشافعية: إذا رؤي الهلالُ بالنهار يوم
الثلاثين فهي لليلة المستقبلة سواء كان قبل الزوال أو بعده، وقال الحسن بن
زياد: إن غاب بعد الشفق فالماضية، وإن قبله فللآتية، انتهى.
-----
وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(١) الآثار المختلفة في الباب، ومذهب
الحنابلة في ذلك موافق للجمهور، قال في ((الروض المربع)): وإن رؤي الهلال
نهاراً ولو قبل الزوال فهي لليلة المقبلة، كما لو رؤي في آخر النهار. وروى
(١) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٨٠/٢).
٤٢
---

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦٤) حديث
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الَّذِي يَرَى هِلَالَ رَمَضَانَ
وَحْدَهُ: إِنَّهُ يَصُومُ. لا يَنْبَغِي لَهْ أَنْ يُقْطِرَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذُلِكَ الْيَوْمَ
مِنْ رَمَضَانَ .
البخاري في تاريخه مرفوعاً: من أشراط الساعة أن يروا الهلال يقولون: ابن
ليلتين، انتهى. وبسط ذلك ابن عابدين وصاحب ((البدائع)) وغيرهما .
(قال يحيى: سمعت مالكاً يقول في الذي يرى هلال رمضان وحده: إنه
يصوم وجوباً لأنه لا ينبغي) وليس في المصرية لفظة ((لأنه)) بل فيها ولا ينبغي
أي لا يجوز (له أن يفطر، وهو يعلم أن ذلك اليوم من رمضان) قال الزرقاني:
وبه قال الجمهور منهم الأئمة الأربعة عملاً بالأحاديث السابقة، وقال عطاء
والحسن وشريك وإسحاق: لا يصوم حتى يحكم الإمام بأنه من رمضان، وقال
ابن رشد(١): إنّ العلماء أجمعوا على أن عليه أن يصوم إلا عطاء بن أبي
رباح، فإنه قال: لا يصوم إلا برؤية غيره معه، انتهى.
قال الموفق(٢): المشهور في المذهب أنه متى رأى الهلال وحده لزمه
الصيام عدلاً كان أو غير عدل، شهد عند حاكم أو لم يشهد، قبلت شهادته أو
رُدّت، وهذا قول مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال
عطاء وإسحاق: لا يصوم، وقد روى حنبل عن أحمد: لا يصوم إلا في جماعة
الناس، وروي نحوه عن الحسن وابن سيرين، لأنه يوم محكوم به من شعبان
فأشبه التاسع والعشرين .
ولنا أنه تيقن أنه من رمضان فلزمه صومه، كما لو حكم به الحاكم،
وكونه محكوماً به من شعبان ظاهر في حق غيره، أما في الباطن فهو يعلم أنه
من رمضان فلزمه صيامه، انتهى. ثم إن أفطر عمداً كفَّر، وقضى عند مالك،
وقال الأكثر: لا كفارة عليه للشبهة، قاله الزرقاني.
(١) انظر: ((بداية المجتهد)) (٢٨٤/١).
(٢) ((المغني)) (٤١٦/٤).
٤٣

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦٤) حديث
قَالَ: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالِ وَحْدَهُ، فَإِنَّه لَا يُفْطِرُ. لأَنَّ النَّاسَ
يَتَّهِمُونَ عَلَى أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ مَأْمُوِناً. وَيَقُولُ أُولَئِكَ، إِذَا ظَهَرَ
عَلَيْهِمْ: قَدْ رَأَيْنَا الْهِلَالَ.
وقال ابن رشد (١): شذّ مالك فقال: من أفطر وقد رأى الهلال وحده
فعليه القضاء والكفارة، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء فقط، انتهى. قلت:
ووافق مالكاً الإمام أحمد، ففي («المغني)): إن أفطر ذلك اليوم بجماع فعليه
الكفارة، وقال أبو حنيفة: لا تجب لأنها عقوبة فلا تجب لفعل مختلف فيه
كالحد، انتهى. قلت: وتخصيصه بالجماع مبني على مذهبه أن الكفارة لا تجب
إلا به .
(قال: ومن رأى هلال شوال وحده، فإنه لا يفطر) قال الباجي: هذا مما
لا يختلف فيه في المذهب، وبه قال أبو حنيفة (لأن الناس يتّهمون) وقد ورد
((اتقوا مواضع التهم)) (على أن يفطر منهم من ليس مأموناً) من أهل الفسق
والبدع، ومأموناً بالنصب في جميع النسخ المصرية وأكثر الهندية، وفي بعضها
مأمون بالرفع، والوجه الأول. (ويقول أولئك) أي أهل الفسق (إذا ظهر عليهم:
قد رأينا الهلال) قال الباجي: وجه ما احتجّ به مالك من أن ذلك ذريعة لأهل
الفسق والبدع إلى الفطر قبل الناس بيوم واحد، ويدعون رؤية الهلال إذا ظهر
عليهم، انتهى.
قال الزرقاني(٢): وبه قال أبو حنيفة وأحمد والأكثر، وقال الشافعي
وأبو ثور وأشهب: يفطر، وإن خاف التهمة لم يفطر، ويعتقد الفطر. قال
الحافظ: اختلفوا في الفطر. فقال الشافعي: يفطر ويخفيه. وقال الأكثر: يستمرُّ
صائماً احتياطاً، انتهى.
٠
:
(١) ((بداية المجتهد)) (١ /٢٨٥).
(٢) (١٥٦/٢).
٤٤

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦٤) حديث
قال الموفق(١): لا يفطر إذا رآه وحده، روي هذا عن مالك والليث،
وقال الشافعي: يحل له أن يأكل حيث لا يراه أحد، لأنه يتيقنه من شوال،
فجاز له الأكل كما لو قامت به بيّنة، ولنا: ما روى أبو رجاء عن أبي قلابة أن
رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صياماً فأتيا عمر -
رضي الله عنه - فذكر ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر،
قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال، وقال
للآخر: قال: أنا صائم، قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر
والناس صيام، فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا لأوجعت رأسك، ثم نودي
في الناس أن اخرجوا، أخرجه سعيد عن ابن علية (٢)، عن أيوب، عن
أبي رجاء، وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به
وبصاحبه، ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعده.
وقالت عائشة: إنما يُفطر يوم الفطر الإمام وجماعة المسلمين، ولم يعرف
لهما مخالف في عصرهما فكان إجماعاً، وقولهم: إنه يتيقن أنه من شوال،
قلنا: لا يثبت اليقين لأنه يحتمل أن يكون الرّائي خُيِّل إليه، كما روي أن رجلاً
في زمن عمر - رضي الله عنه - قال: لقد رأيت الهلال، فقال له: امسح عينك
فمسحها. ثم قال له: تراه؟ قال: لا. قال: لعل شعرةً من حاجبك تقوّست
على عينك فظننتها هلالاً، أو ما هذا معناه، انتهى.
وقال ابن رشد(٣): اختلفوا هل يفطر برؤيته وحده؟ فذهب مالك
وأبو حنيفة وأحمد إلى أنه لا يفطر، وقال الشافعي: يفطر، وبه قال أبو ثور،
وهذا لا معنى له، فإن النبي وَل قد أوجب الصوم والفطر للرؤية، والرؤية إنما
(١) ((المغني)) (٤٢٠/٤).
(٢) هكذا في الأصل، والصواب ابن عيينة كما في ((الشرح الكبير مع المغني)) (١١/٣).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٢٨٥/١).
٤٥

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦٤) حديث
وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالِ نَهَاراً فَلَا يُفْطِرْ. وَيُتِمُّ صِيَامَ يَوْمِهِ ذَلِكَ. فَإِنَّمَا
هُوَ هِلَالُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَأْتِي.
قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكَاً يَقُولُ: إِذَا صَامَ النَّاسُ يَوْمَ الْفِطْرِ،
وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَجَاءَهُمْ ثَبْتُ أَنَّ هِلَالَ
تكون بالحسّ، ولولا الإجماع على الصيام بالخبر عن الرؤية لبعد وجوب
الصوم بالخبر لظاهر هذا الحديث، وإنما فرق من فرق بين هلال الصوم والفطر
لمكان سدّ الذريعة، أن لا يدعي الفسّاق أنهم رأوا الهلال فيفطرون وهم بعد
لم يروه، ولذلك قال الشافعي: إن خاف التهمة أمسك عن الأكل والشرب
واعتقد الفطر، انتهى.
وقال القاضي: المنفرد بالرؤية إذا لم يحكم بشهادته يجب عليه عندنا أن
يصوم ويسرّ بإفطار عيده، وقال القاري(١): ويصوم عندنا معشر الحنفية أولاً.
ولا يفطر يوم عيد احتياطاً، انتهى. وفي ((البرهان)): لو رأى واحد هلال
رمضان أو هلال الفطر، ورُدَّ قولُه، أي لم يقبل القاضي شهادته صام، أما
هلال رمضان، فلأنه رأى ظاهراً، وأما هلال الفطر فللاحتياط، ولأن الناس لم
يفطروا في هذا اليوم، وقد قال رَّة: ((الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون))
رواه أبو داود والترمذي. (ومن رأى هلال شوال نهاراً فلا يفطر وليتم) بلام
الأمر في النسخ الهندية وبدونها في المصرية (صيام يومه ذلك فإنما هو هلال
الليلة التي تأتي) وتقدم قريباً أنه مجمع عليه إذا رؤي بعد الزوال، واختلفوا فيما
قبله، والجمهور على أنه لليلة الآتية مطلقاً .
(قال يحيى) الراوي: (وسمعت) الإمام (مالكاً) - رضي الله عنه - (يقول:
إذا صام الناس يوم الفطر وهم يظنون أنه) أي ذلك اليوم (من رمضان) لعدم
رؤيتهم هلال شوال في ليلته (فجاءهم ثبت) بسكون الباء وفتحها (أن هلال
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤١/٤).
٤٦
- --

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦٤) حديث
رَمَضَانَ قَدْ رُؤْيَ قَبْلَ أَنْ يَصُومُوا بِيَوْم، وَأَنَّ يَوْمَهُمْ ذُلِكَ أَحَدٌ
وَثَلاثُونَ، فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. أَيَّةَ سَاعَةٍ جَاءَهُمْ الْخَبَرُ.
غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يُصَلَّونَ صَلاةَ الْعِيدِ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ جَاءَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ
الشَّمْسِ.
رمضان قد رؤي) في الليلة التاسع والعشرين (قبل أن يصوموا) أي هؤلاء الناس
(بيوم وأن يومهم ذلك) أي اليوم (أحد وثلاثون فإنهم يفطرون من ذلك) وفي
النسخ المصرية: في ذلك (اليوم أية ساعة جاءهم الخبر) قال الباجي(١): وذلك
يكون على وجهين: أحدهما: برؤية هلال رمضان في أوله وكمال عدده قبل
هذا اليوم، والثاني: برؤية هلال شوال بالأمس. وعلى الوجهين يلزم الإفطار
ساعة يصح الخبر بذلك، كان في أول النهار أو في آخره، انتهى.
قلت: ذكر المصنف الصورة الأولى فقط والثانية تستنبط منها لاتحاد
السبب (غير أنهم لا يصلون صلاة العيد إن كان ذلك جاءهم بعد زوال الشمس)
لخروج وقتها فإن وقتها عند الأئمة الثلاثة من حل النافلة إلى الزوال، واختلف
فيه أقوال الشافعية، قال الزرقاني: لا يصلونها لا من اليوم ولا من الغد
لخروج وقتها، فلو قُضِيَتْ لأشبهت الفرائض، انتهى.
وقال الباجي: لا يصلي في فطر ولا أضحى، وفي ((نيل المآرب)): وقت
صلاة العيد كوقت صلاة الضحى، فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال صلوا من
الغد، وتكون قضاء، وكذا لو مضى أيام، وفي ((الروض المربع))(٢): فإن لم
يعلم بالعيد إلا بعد الزوال صلوا من الغد قضاء، لما روى أبو عمير بن أنس
عن عمومة له من الأنصار، قال: غم علينا هلال شوال فأصبحنا صائمين،
فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي
(١) ((المنتقى)) (٤٠/٢).
(٢) (٣٠٥/١).
٤٧

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦٤) حديث
الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا غداً لعيدهم، رواه أحمد وأبو داود
والدارقطني وحسنه، انتهى.
واختلفت الروايات والوجوه عن الشافعية كما بسطت في ((شرح الإحياء))،
وفي ((الإقناع)): ثم إن كان شهادتهم قبل الزوال بزمن يسع الاجتماع والصلاة
أو ركعة منها صلى العيد حينئذ أداء، وإلا فتصلى قضاء متى أريد قضاؤها، أما
شهادتهم بعد اليوم بأن شهدوا بعد الغروب، فلا تقبل في صلاة العيد، فتصلى
من الغد أداءً، وتقبل في غيرها كوقوع الطلاق، انتهى.
وفي ((الهداية)): فإن غُمَّ الهلال وشهدوا عند الإمام برؤية الهلال بعد
الزوال صلى العيد من الغدِ؛ لأن هذا تأخير بعذر، وقد ورد فيه الحديث، فإن
حدث عذر يمنع من الصلاة في اليوم الثاني لم يصلها بعده، لأن الأصل فيها
أن لا تقضى كالجمعة، إلا أنا تركناه بالحديث، وقد ورد بالتأخير إلى اليوم
الثاني عند العذر، وإن كان عذر يمنع من الصلاة في يوم الأضحى صلاها من
الغد وبعد الغد، ولا يصليها بعد ذلك لأن الصلاة مؤقتة بوقت الأضحية، فتقيد
بأيامها، لكنه مُسِيءٌ في التأخير من غير عذر لمخالفة المنقول، انتهى.
وذكر في ((الدر المختار)): أن العذر ههنا لنفي الكراهة. وفي الفطر
للصحة، قال ابن عابدين: ذكر في ((المجتبى)) عن الطحاوي أن ما ذكر قول
أبي يوسف، وأن أبا حنيفة قال: إن فاتت في اليوم الأول لم تقض، لكن لم
يذكر في الكتب المعتبرة اختلاف في هذا كما في ((البحر))، انتهى.
قلت: لكن ذكره الطحاوي في ((شرح الآثار))، والحديث الذي أشار إليه
صاحب ((الهداية)) هو حديث أبي عمير المذكور قبل ذلك.
قال الزيلعي (١): رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، ورواه الدارقطني
(١) ((نصب الراية)) (٢١١/٢).
٤٨
---
---
-----
..---
---

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦٤) حدیث
وقال: إسناده حسن، وابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وأخرجه ابن حبان في
((صحيحه)) عن سعيد بن عامر ثنا شعبة عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن
عمومة له شهدوا عند النبي ول# على رؤية الهلال، فأمرهم النبي وَالقر أن
يخرجوا للعيد لغد، انتهى. وقال الدارقطني في ((علله)): هذا حديث اختلف
فيه، فرواه سعيد بن عامر عن شعبة عن قتادة عن أنس، وخالفه غيره من
أصحاب شعبة، فرووه عن شعبة عن أبي بشر عن أبي عمير، وكذلك رواه
أبو عوانة وهشيم عن أبي بشر وهو الصَّواب، انتهى. وتكلم على الحديث
ابن القطان، وقال: جدير بأن لا يقال فيه: صحيح، وقال النووي في
(الخلاصة)): هو حديث صحيح، وعمومة أبي عمير صحابة، لا يضر جهالة
أعيانهم، لأن الصحابة كلهم عدول. واسم أبي عمير عبد الله، وهو أكبر أولاد
أنس، انتهى.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (١): صححه ابن المنذر وابن السكن
وابن حزم، وعلّق الشافعي القول به على صحة الحديث، فقال ابن عبد البر:
أبو عمير مجهول، كذا قال. وقد عرفه من صحح له، انتهى.
قال الزيلعي: وأخرج أبو داود عن ربعي بن حراش عن رجل من
أصحاب النبي ◌َّلة، قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقام
أعرابيان فشهدا عند النبي ◌َ﴿ بالله لأهَّلا الهلال بالأمس عشية، فأمر
رسول الله * الناس أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلاهم، انتهى. ورواه
الدارقطني وقال: إسناده حسن، ثم البيهقي، وقال: الصحابة كلهم ثقات سُمُّوا
أو لم يُسَمُّوا ورواه الحاكم في ((مستدركه)). وسمى الصحابي فقال: عن ربعي
عن ابن مسعود فذكره، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، انتهى.
(١) (٢/ ٨٧).
٤٩

١٧ - كتاب الصيام
(٢) باب
(٢) باب من أجمع الصيام قبل الفجر
قلت: هكذا في ((الزيلعي)) وفي ((المستدرك)): أبي مسعود، كذا في
((البذل))(١)، وأخرج ابن أبي شيبة(٢) عن حفص عن حجاج عن الزهري قال:
شهد عند ابن عمر أنهم رأوا الهلال فقال: اخرجوا إلى عيدكم من الغد، وقد
مضى من النهار ما شاء الله.
(٢) من أجمع الصيام قبل الفجر
قال القاري: الإجماع: العزم التام، وحقيقته جمع رأيه عليه، وقال
الطيبي: أجمع الأمر وعلى الأمر، إذا صمّم عزمه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَقْرَهُمْ﴾(٣)، انتهى. قال الباجي: الإجماع للصيام هو العزم عليه
والقصد له، وذلك أن الصوم من جملة العبادات، فلا يصح صوم رمضان
وغيره إلا بنيّة، هذا هو المشهور من المذهب، قال الزرقاني: هذا على مشهور
المذهب لخبر ((الأعمال بالنيات)). وقياساً على الصلاة، إذ فرضها ونفلها في
النية سواء. وقيل: يجوز في النفل قبل الزوال، انتهى.
قال القاري(٤) بعد حديث الباب: ظاهره أنه لا يصح الصوم بلا نية قبل
الفجر فرضاً كان أو نفلاً، وإليه ذهب ابن عمر، وجابر بن زيد، ومالك،
والمزني، وداود، وذهب الباقون إلى جواز النفل بنية من النهار، انتهى.
قال الموفق(٥): لا يصح صوم إلا بنية إجماعاً، فرضاً كان أو تطوعاً؛
لأنه عبادة محضة، فافتقر إلى النية كالصلاة، ثم إن كان فرضاً كصيام رمضان
(١) ((بذل المجهود)) (١٩٨/٦).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢/ ٤٨٢).
(٣) سورة يوسف: الآية ١٠٢.
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٣/٤).
(٥) (المغني)) (٣٣٣/٤).
٥٠

١٧ - كتاب الصيام
(٢) باب
في أدائه وقضائه والنذر والكفارة، اشترط أن ينويه من الليل عند إمامنا، ومالك
والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزئ صيام رمضان وكل صوم متعين بنية من
النهار، لحديث عاشوراء المتفق عليه، وفيه: ((ومن لم يكن أكل فليصم))، وكان
صوماً متعيناً واجباً .
ولنا حديث الباب، ثم في أي جزء من الليل نوى أجزأه سواء فعل بعد
النية ما ينافي الصوم من الأكل وغيره أم لا، واشترط بعض أصحاب الشافعي
أن لا يأتي بعد النية بمنافٍ للصوم، واشترط بعضهم وجود النية في النصف
الأخير من الليل، كما اختص به أذان الصبح والدفع من مزدلفة .
ولنا عموم من لم يُبيِّت الصيام من الليل، ولذا قلنا: إن نوى من النهار
صوم الغد لم تجزئه تلك النية إلا أن يستصحبها إلى جزء من الليل، وتعتبر النية
لكل يوم، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر، وعن أحمد: أنه تجزئه
نية واحدة لجميع الشهر وهو مذهب مالك وإسحاق، وصوم التطوع يجوز بنية
من النهار عند إمامنا وأبي حنيفة والشافعي، وروي ذلك عن أبي الدرداء وأبي
طلحة وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وأصحاب الرأي.
وقال مالك وداود: لا يجوز إلا بنية من الليل، وأيّ وقت من النهار نوى
أجزأه سواء في ذلك ما قبل الزوال وبعده، وهذا ظاهر كلام أحمد والخرقي،
واختار القاضي في ((المحرر)): أنه لا تجزئه النية بعد الزوال، وهذا مذهب أبي
حنيفة، والمشهور من قولي الشافعي، وإذا ثبت هذا فإنه يحكم له بالصوم
الشرعي المثاب عليه من وقت النية في المنصوص عن أحمد، فإنه قال: من
نوى في التطوع من النهار كتب له بقية يومه، وإذا أجمع من الليل كان له يومه.
وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وقال أبو الخطاب في ((الهداية)): يحكم له
بذلك من أول النهار وهو قول بعض أصحاب الشافعي، لأن الصوم لا
يتبعَّضُ، انتهى ملخصاً .
٥١

١٧ - كتاب الصيام
(٢) باب
قال ابن رشد، في ((البداية)) (١): أما اختلافهم في وقت النية، فإن مالكاً -
رضي الله عنه - رأى أنه لا يجزئ الصيام إلا بنية قبل الفجر، وذلك في جميع
أنواع الصوم. وقال الشافعي: تجزئ النية بعد الفجر في النافلة، ولا تجزئ في
الفروض، وقال أبو حنيفة: تجزئ النية بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه
بوقت معين، مثل رمضان ونذر أيام محدودة، وكذلك في النافلة، ولا يجزئ
في الواجب في الذمة.
والسبب في اختلافهم تعارض الآثار في ذلك. أحدها: ما روي عن
حفصة مرفوعاً: ((من لم يُبَيِّت الصيام من الليل فلا صيام له))، ورواه مالك
موقوفاً. قال أبو عمر (٢): حديث حفصة في إسناده اضطراب. والثاني: ما رواه
مسلم عن عائشة قالت: يا رسول الله ما عندنا شيء؟ قال: ((فإني صائم)). فمن
ذهب مذهب الترجيح أخذ حديث حفصة، ومن ذهب مذهب الجمع فرق بين
الفرض والنفل أعني حمل حديث حفصة على الفرض، وحديث عائشة على
النفل، وإنما فرق أبو حنيفة بين الواجب المعين وغيره لأن الواجب المعين له
وقت مخصوص، يقوم مقام النية في التعيين بخلاف ما ليس له وقت
مخصوص، فوجب التعيين بالنية، انتهى مختصراً بتغير، وبقول أبي حنيفة قال
النخعي والثوري وأبو يوسف ومحمد وزفر، كذا في ((العيني))(٣).
ومذهب الحنابلة في ذلك ما في ((الروض المربع)): ويجب تعيين النية من
الليل، لصوم كل يوم واجب لا نية الفرضية، ويصح صوم النفل بنية من النهار
قبل الزوال أو بعده، ويحكم بالصَّوم الشرعي المثاب عليه من وقتها، وفي ((نيل
المآرب)): السادس من شروط صحة الصوم: النية من الليل، وظاهره أنه لا
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٩٣/١).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٧/١٠).
(٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٠٣/١٠/٥).
٥٢
--
-----

١٧ - كتاب الصيام
(٢) باب
(٥٦٥) حديث
٥٦٠/ ٥ . خلتني تشكّى عَنْ قَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عبد اللهبن عمرو أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا يَصُومُ إِلَّا مَنْ أَجْمَع
القِيَامَ قَبْلَ الْفَحْرِ.
يصح في نهار يوم لصوم غدٍ لكل يوم واجب، سواء كان واجباً بأصل الشرع،
أو أوجبه الإنسان كالنذر، ويجب تعيين النية بأن يعتقد أنه يصوم غداً من
رمضان أو من قضائه، انتهى.
٥٦٥/ ٥ _ (متك، سن دافع سن عبد ابن عمر أنه كان يقول) اختلفوا
في رفع هذا الحديث ووقفه أشد الاختلاف، بسطه الحافظان ابن حجر
والعيني، أوقفه مالك - رضي الله عنه - على ابن عمر - رضي الله عنهما -
وصحح جماعة وقفه على حفصة - رضي الله عنها -، ورفعه بعضهم إلى
النبي ◌َّ، قال الترمذي(١) بعد تخريجه مرفوعاً: قال أبو عيسى: حديث حفصة
لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله وهو
أصح، انتهى. وصحح النسائي(٢) وغيره وقفه على حفصة، وأخرجه أبو داود(٣)
عن سالم عن أبيه عن حفصة مرفوعاً. قال الخطابي: زعم بعضهم أن هذا
الحديث غير مسند لأن سفيان ومعمراً قد وقفاه على حفصة، قلت: هذا لا
يضر لأن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قد أسنده، وزيادة الثقات
مقبولة، انتهى. (لا يقوم أحد (إذ من أجمع العام أي عزم عليه وقصد له
رقم البوص) أي قبل طلوع الفجر، قال الحافظ: ولفظ النسائي عن حفصة
مرفوعاً: ((من لم يُبَيِّتِ الصيام من الليل فلا صيام له)). ولأبي داود والترمذي:
((من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له)).
(١) أخرجه الترمذي حديث (٧٣٠).
(٢) أخرجه النسائي (١٩٦/٤ - ١٩٧) في كتاب الصيام، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر
حفصة في النية في الصيام.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٤٥٤).
٥٣

١٧ - كتاب الصيام
(٢) باب
(٥٦٥) حدیث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ،
زَوْجَي النَّبِيِّ ◌َِ، بِمِثْلِ ذُلِكَ.
أخرجه أبو داود في: ١٤ - كتاب الصوم، ٧١ - باب النية في الصوم.
والترمذيّ في: ٦ - كتاب الصوم، ٣٣ - باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم
من الليل.
والنسائيّ في: ٢٢ - كتاب الصيام، ٦٨ - باب اختلاف الناقلين لخبر حفصة
في ذلك.
(مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عائشة وحفصة زوجي النبي
وَسِلاَ
مرسلاً، فإن الزهري لم يلقهما. وذكر النسائي الاختلاف في ذلك، وذكر
الاتصال والإرسال بطرق (بمثل ذلك) وليس في النسخ الهندية زيادة الباء في
أول المثل، وغرض المصنف - رضي الله عنه - بهذه الآثار تقوية ما ذهب إليه،
من أنه لا يصح الصوم إلا بنية من الليل، والآثار في هذا الباب مختلفة وبوّب
البخاري في (صحيحه))(١): ((إذا نوى بالنهار صوماً)) وذكر فيه، قالت أم الدرداء:
وكان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: فإني صائم يومي
هذا، وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة - رضي الله عنهم -.
ثم ذكر الحديث المرفوع: أن النبي وَ ل# بعث رجلاً ينادي في الناس يوم
عاشوراء، الحديث. سيأتي ذكره، وذكر الحافظان تخريج هذه الآثار. فهذه
الآثار تخالف الآثار المتقدمة، وكذا الروايات المرفوعة في ذلك الباب مختلفة
أيضاً، والمالكية - رضي الله عنهم - ذهبوا إلى الترجيح، ورجحوا هذه الآثار
وما بمعناها، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام ابن رشد.
ورجح الزرقاني (٢) هذا الحديث بالحديث المتفق على صحته: ((إنما
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٤٠/٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٥٧/٢).
٥٤

١٧ - كتاب الصيام
(٢) باب
(٥٦٥) حديث
الأعمال بالنيات))، واحتج الجمهور بما روي أنه ◌ّ كان يدخل على بعض
أزواجه فيقول: ((هل من غداء؟)) فإن قالوا: لا، قال: ((فإني صائم))، الحديث،
رواه مسلم وغيره. ويروى بلفظ: ((إني إذاً صائم)) رواها مسلم والدارقطني
والبيهقي، قاله الحافظ في ((التلخيص))(١). وجمعوا بين حديث الباب وهذه
الرواية بحمل الأول على الواجب، والثانية على التطوع، وكذلك الحنفية إلا
أنهم خصوا الحديث الأول بالواجب غير المتعين، وأورد عليه الحافظ إذ قال:
وأبعد من خصّه من الحنفية بصيام القضاء والنذر.
قال العيني(٢): وأما قول هذا القائل فكلام ساقط لا طائل تحته، لأن من
لم يخص هذا الحديث بصيام القضاء، والنذر المطلق، وصوم الكفارات يلزم
منه النسخ لمطلق الكتاب بخبر الواحد، فلا يجوز ذلك، بيانه أن قوله تعالى:
﴿أُحِّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ﴾ الآية، مبيح للأكل والشرب والجماع في ليالي
رمضان إلى طلوع الفجر. ثم الأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر متأخر عنه،
لأن كلمة ((ثم)) للتعقيب مع التراخي، فكان هذا أمراً بالصيام متراخياً عن أول
النهار، والأمر بالصوم أمر بالنية إذ لا صوم شرعاً بدون النية، فكان أمراً
بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، وقد أتى به، فيخرج عن العهدة، انتهى.
قلت: وأصل هذا الجواب لصاحب ((البدائع))، وقال بعد ذكر مستدلهم
بالآية: وأما الحديث فهو من الآحاد، فلا يصلح ناسخاً للكتاب، لكنه يصلح
مكملاً له، فيحمل على نفي الكمال، ليكون عملاً بالدليلين بقدر الإمكان،
انتهى. وأجاب عنه في ((شرح الإحياء)) بأنه اختلف فيه في رفعه ووقفه،
واضطرب إسناده اضطراباً شديداً، انتهى.
(١) (١٨٩/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٧٦/٨).
٥٥

١٧ - كتاب الصيام
(٢) باب
(٥٦٥) حديث
وقال والدي المرحوم - نوّر الله مرقده، وبرّد مضجعه -: معناه: لا صيام
لمن لم ينوِ أنه صائم من الليل، يعني نفي لصوم من نوى أنه صائم نصف اليوم
مثلاً، قلت: وهذا مأخوذ من كلام صاحب ((الهداية)) إذ قال: وما رواه محمول
على نفي الفضيلة والكمال، أو معناه لم ينو أنه صوم من الليل، انتهى.
وفي تقرير الترمذي(١) لوالدي المرحوم - نوّر الله مرقده ــ أن معنى
الحديث لم يحرز كمال فضله وتمام أجره؛ لأنه إذا صام بنية من الليل كان له
أجره من وقت نيته، وإذا صام بنية من النهار كان أجره من وقت نيته. وكم من
بون بينهما، انتهى. قلت: وأيضاً عموم حديث الباب مخصوص عند الكل. أما
الجمهور فخصوه بالواجب، وأما المالكية فمخصوص عندهم أيضاً إذا قالوا :
يجوز نية جميع رمضان في بدايته فلا يحتاج بعد ذلك إلى التبييت.
قال الباجي(٢): يجوز أن ينوي صوم جميع رمضان من أوله خلافاً لأبي
حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما -، انتهى.
قلت: ومن مستدل الحنفية على أن الصوم الواجب المتعين يكفي فيه النية
نهاراً ما أخرجه البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه وَّ أمر رجلاً من
أسلم أن أذِّن في الناس. من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم،
فإن اليوم يوم عاشوراء، قال الطحاوي: فيه دليل على أن من تعين عليه صوم
يوم، ولم ينوه ليلاً أنه يجزئه نهاراً، كذا في ((الزيلعي))(٣).
وما أوردوا عليه من أن صوم عاشوراء لم يكن واجباً تأباه الروايات
الصريحة الصحيحة الآتية في محلها. وقال القاري في ((شرح النقاية)): ولنا ما
(١) انظر: ((الكوكب الدري)) (٥٢/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٤١/٢).
(٣) انظر: ((نصب الراية)) (٤٣٦/٢).
٥٦
.--- --
--------
-
------- -

١٧ - كتاب الصيام
(٣) باب
(٣) باب ما جاء في تعجيل الفطر
في (السنن)) الأربعة عن ابن عباس، جاء أعرابي إلى النبي ◌َّر فقال: إني رأيت
الهلال، قال الحسن في حديثه: يعني رمضان، فقال: ((أتشهد أن لا إلّه
إلا الله؟)) قال: نعم، قال: ((أتشهد أن محمداً رسول الله؟)) قال: نعم، قال:
((يا بلال أذن في الناس فليصوموا)). قلت: لكن الوارد في الروايات:
((فليصوموا غداً)) فلا يصح الاستدلال، فتأمل.
(٣) ما جاء في تعجيل الفطر
واستحبابه مجمع عليه، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من نقلة
المذاهب، وقال الموفق(١): هو قول أكثر أهل العلم، قال ابن عبد البر:
أحاديث تعجيله وتأخير السحور صحاح متواترة. وروى عبد الرزاق وغيره
بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمد وَلّ أسرع
الناس إفطاراً وأبطأهم سحوراً. قلت: لم يذكر المصنف السحور، ولعله اكتفى
بما تقدم في ((باب قدر السحور من النداء))، والجملة فيه ما في ((المغني)):(٢)
أن الكلام فيه في ثلاثة أشياء: أحدها: في استحبابه ولا نعلم فيه خلافاً، وقد
روى أنس، أن النبي وَلّ قال: ((تسخَّروا فإن في السحور بركة))، متفق عليه.
وعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَّر: ((فصل ما بين صيامنا وصيام
أهل الكتاب أكلة السحر))، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي، وقال: حسن
صحيح. وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي سعيد مرفوعاً: ((السحور بركة فلا
تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على
المتسخّرین)).
الثاني: في وقته، قال أحمد: يعجبني تأخير السحور لرواية زيد: تسحرنا
(١) ((المغني)) (٤٣٤/٤).
(٢) انظر: ((المغني)) (٤٣٢/٤).
٥٧

١٧ - كتاب الصيام
(٣) باب
مع رسول الله ومن ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان بينهما؟ قال: خمسين
آية، متفق عليه. وروى العرباض بن سارية قال: دعاني رسول الله وَل إلى
السحور، فقال: ((هلمّ إلى الغداء المبارك))، رواه أبو داود والنسائي، سماه
غداء لقرب وقته منه، ولأن المقصود بالسحور التقوي إلى الصوم وما كان
أقرب إلى الفجر، كان أعون على الصوم، قال أبو داود: وقال أبو عبد الله:
إذا شكّ في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه، وهذا قول ابن عباس وعطاء
والأوزاعي، قال أبو عبد الله: قال الله تعالى: ﴿وَكُلُواْ﴾ الآية(١)، وقال
النبي ◌َّل: ((لا يمنعنّكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل لكن الفجر المستطير
في الأفق))، وروى أبو قلابة قال: قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وهو
يتسحّر: يا غلام أجف الباب لا يفجأنا الصبح، وأما الجماع فلا يستحب
تأخيره؛ لأنه ليس مما يتقوى به، وفيه خطر وجوب الكفارة وحصول الفطر به.
قلت: ويشترك في هذا المعنى عندنا ومالك المفطرات كلها من الأكل
والشرب لوجوب الكفارة بهما .
الثالث: فيما يتسخّر به فكل ما حصل من أكل أو شرب حصل به فضيلة
السحور، لقوله وَ﴾: ((ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء))، وروى أبو هريرة
مرفوعاً: ((نعم سحور المؤمن التمر))، رواه أبو داود، انتهى.
قلت: الأمر الثاني من هذه الثلاثة مختلف فيه ليس هذا محله، ذكر شيئاً
منه ابن رشد في ((البداية))، وأجاد ابن أبي جمرة في ((بهجة النفوس)) الكلام
على حكمة تأخير السحور فارجع إليه .
قال ابن العربي (٢): إن الله سبحانه رحمنا بإباحة الأكل بالليل بعد أن كان
حراماً علينا إذا نمنا كما كان على أهل الكتاب من قبلنا رحمةً لنا لقدرنا،
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢٢٧/٣).
---
-
-------------
٥٨
-
------

١٧ - كتاب الصيام
(٣) باب
(٥٦٦) حديث
٦/٥٦٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ
دِيْنَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾ قَالَ: ((لا
يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ، مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٤٥ - باب تعجيل الإفطار.
ومسلم في : ١٣ - كتاب الصيام، ٩ - باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، حديث ٤٨.
وتمييزاً لمنزلتنا، وتشريفاً في حرمة نبينا، فمن لم يفعل ذلك ولو بجرعة من ماء
فليس منا، والبركة هي الإنماء والزيادة، وهي من خمسة أوجه: قبول الرخصة،
إقامة السنة، مخالفة أهل الكتاب، التقوي على العبادات، فراغ البال من تعلقه
بالحاجة إلى الطعام، وقد ذكروا فيها أوجهاً كثيرة، وما قيل: سمي السحور
غداءَ لمجاورة الغداة ضعيف، وإنما سُمِّي به، لأنه بدل منه، وقد يسمى الشيء
باسم بدله، وقال بعضهم: كان في وقت كان الصيام فيه من طلوع الشمس إلى
غروبها وما كان هذا قط .
٦/٥٦٦ - (مالك، عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي المعجمة، سلمة
(أبن دينار، عن سهل بن سعد) بسكون العين (الساعدي) الخزرجي (أن
رسول الله وَل قال: لا يزال الناس بخير) أي موصوفين بخير كثيراً، والمراد
بالخير ضد الشر والفساد، قاله القاري (١). قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد بخير
في دينهم ما فعلوا ذلك على سنته وسبيل بِرٍّ، ويحتمل أن يريد لا يزالون أقوياء
على صومهم ما عجلوه ولم يؤخروه تأخيراً يضعفهم، ويؤيد الأول ما في أبي
داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يزال الدين ظاهراً ما عجلوا الفطر))،
وأخرج الترمذي مرفوعاً: ((قال الله تعالى: أحب عبادي إليّ أعجلهم فطراً)) (ما
عجلوا الفطر) لفظة ما ظرفية أي ما داموا على هذه السنة، والمراد بعد تحقق
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٢/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٤٢/٢).
٥٩

١٧ - كتاب الصيام
(٣) باب
(٥٦٧) حدیث
٧/٥٦٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَرْمَلَةَ
الأَسْلَمِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَ قَالَ: ((لا يَزَالُ
النَّاسُ بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الْفِعْرَ)).
غروب الشمس، وعلل ◌َّر ذلك بقوله في حديث أبي هريرة: ((إن اليهود
والنصارى يؤخرون أي إلى ظهور النجم))، ولابن حبان والحاكم من حديث
سهل: ((لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم)).
قال ابن عبد البرّ: لا خلاف عن مالك في إرساله.
قال المازري(١): أشار الحديث إلى أن تغيير هذه السُّنة عَلَمٌ على فساد
الأمر، ولا يزالون بخير ما داموا محافظين عليها .
وقال الحافظ(٢): من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع
الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح
المجعولة علامة لانقضاء الليل زعماً ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة،
وجرّهم ذلك إلى أنهم لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكن الوقت فيما
زعموا، فأخروا الفطر وعجلوا السحور وخالفوا السنة، فلذا قل الخير عنهم
وكثر الشر، انتهى.
٧/٥٦٧ - (مالك، عن عبد الرحمن بن حرملة) بن سنة (الأسلمي) المدني
(عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله وَّل قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا
الفطر) قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرساله، وتعجيل الفطر أن لا
يؤخر بعد غروب الشمس على وجه التشدد والمبالغة، واعتقاد أنه لا يجزئ
الفطر عند غروب الشمس على حسب ما تفعله اليهود. وأما من أخر فطره الأمر
عنّ له مع اعتقاده أن صومه قد كمل عند غروب الشمس فلا يكره له ذلك،
(١) ((المعلم بفوائد صحيح مسلم)) (٤٧/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٩٩/٤). وانظر: ((شرح الزرقاني)) (١٥٧/٢).
٦٠
--
----
..----