Indexed OCR Text
Pages 381-400
١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٥٠٠) حدیث تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، أَوْ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعاً، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً)) . (تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين) كرره ثلاثاً لمزيد الاهتمام بذلك وشد الزجر والتنفير عن إخراجها عن وقتها (يجلس أحدهم)، زاد في رواية مسلم: يرقب الشمس (حتى إذا اصفرَت الشمس وكانت بين قرني الشيطان) أي جانبي رأسه، وذلك أوان الغروب (أو على قرن الشيطان) لفظة أو شك من الراوي، والقرن بالإفراد في جميع النسخ التي بأيدينا، قال الزرقاني(١): بالإفراد على إرادة الجنس، وفي نسخة: قرني الشيطان، انتهى. قلت: هكذا رواية أبي داود من طريق القعنبي عن مالك بلفظ: فكانت بين قرني شيطان أو على قرني الشيطان، فالشك على النسخ المشهورة في لفظ: ((بين قرني الشيطان وعلى قرن الشيطان))، وأما على النسخة التي حكاها الزرقاني، وهي رواية أبي داود وغيره فليس الشك إلا في لفظة على وبين، ولفظة رواية مسلم: حتى إذا كانت بين قرني الشيطان بدون الشك وهكذا رواية النسائي من طريق إسماعيل عن العلاء، فالظاهر أن الشك من الإمام مالك - رضي الله عنه -. (قام) إلى الصلاة (فنقر) هو وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله (أربعاً) أي أسرع الحركة فيها سريعاً كنقر الطائر، الظاهر كناية عن السرعة في أداء الأركان، وفي ((المجمع)): هو ترك الطمأنينة في السجود والمتابعة بين السجدتين من غير قعود بينهما، شبه بنقر الغراب على الجيف، وقال القاري (٢): عبارة عن السرعة في الصلاة، وقيل: عن سرعة القراءة ويؤيده قوله: (لا يذكر الله) عز وجل (فيها إلا قليلاً) قلت: بل الأوجه الأول يشمل الأذكار كلها(٣). (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٧/٢). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٣١/٢). (٣) قال النووي: فيه تصريح بذمّ من صلى مسرعاً بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار. ٣٨١ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٥٠١) حديث ٤٧/٥٠١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَله قَالَ: ((لَا يَتَحَرَّ أَحَدُكُمْ فَيُصَلَّيَ عِنْدَ طُلُوعٍ الشَّمْسِ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا)). أخرجه البخاريّ في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس. ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٥١ - باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، حديث ٢٨٩. ٤٧/٥٠١ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَاله قال: لا يتحرى) بإثبات الياء في النسخ الهندية وبدونها في المصرية، قال الزرقاني(١): هكذا بلا ياء عند أكثر رواة ((الموطأ)) على أن لا ناهية، وفي رواية التّنيْسي والنيسابوري بالياء على أن لا نافية، انتهى. قلت: وبالياء ضبطه السيوطي في ((التنوير)) (٢)، وكذا في رواية البخاري، قال الحافظ: كذا وقع بلفظ الخبر، قال السهيلي: يجوز الخبر عن مستقر أمر الشرع أي لا يكون إلا هذا، انتهى. قال العراقي: يحتمل أن يكون نهياً، وإثبات الألف إشباع. وقال القاري(٣): نفي معناه نهي (أحدكم فيصلي) بالنصب في جواب النفي والنهي، والمراد نفي التحري والصلاة معاً عند الجمهور، وحمله بعضهم على نهي التحري فقط كما سيأتي. قال ابن خروف (٤): يجوز الجزم على العطف أي لا يتحرَّ ولا يصل، والرفع على القطع أي لا يتحرَّ، فهو يصلي (عند طلوع الشمس ولا عند غروبها) قال الباجي: يحتمل أن يريد به المنع من النافلة في هذين الوقتين، أو المنع (١) (شرح الزرقاني)) (٤٨/٢). (٢) (تنوير الحوالك)) (ص٢٢٨). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٤١/٣). (٤) (فتح الباري)) (٦١/٢). و((عمدة القاري)) (١١٤/٤). ٣٨٢ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٥٠٢) حديث ٤٨/٥٠٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. من تأخير الفرض إليه، انتهى. قال الحافظ (١): اختلف في المراد بالحديث، فقيل: لا تكره الصلاة بعدهما إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها، لأن التحري القصد، وإلى هذا جنح بعض أهل الظاهر، وقوّاه ابن المنذر، وذهب الأكثر إلى أنه نهي مستقل، وكره الصلاة في الوقت قصد لها أم لم يقصد، وفي مسلم عن عائشة - رضي الله عنها -: وهم ابن عمر - رضي الله عنهما - إنما نهى رسول الله وَ﴿ أن يتحرَّى طلوع الشمس وغروبها. وما ورد من صلاته قليلا بعد العصر مخصوص به عند الجمهور. وَئِيَّة ٤٨/٥٠٢ - (مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة والموحدة الثقيلة (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة، أن رسول الله ◌َّ# نهى عن الصلاة) أي النافلة نهي تنزيه أو تحريم (بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد) صلاة (الصبح حتى تطلع الشمس)(٢) مرتفعة لما ورد في الروايات من التقييد برمح، وخصه الإمام الشافعي - رضي الله عنه - بغير مكة أيضاً، والجمهور على خلافه، قال العيني (٣): قوله: إلا بمكة غريب لم يرد في المشاهير، أو كان قبل النهي، وقال ابن العربي(٤): لم (١) (فتح الباري)) (٦٠/٢). (٢) والحديث أخرجه مسلم في كتاب المسافرين (٢٨٥) والنسائي في الصلاة (٢٧٦/١) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٥٢/٢). ورواه الشافعي في ((الرسالة)) فقرة (٨٧٢) بتحقيق أحمد محمد شاكر، وقال: رواه البخاري، وليس بصحيح. (٣) ((عمدة القاري)) (١١٠/٤). (٤) ((عارضة الأحوذي)) (٢٩٩/١). ٣٨٣ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٥٠٣ - ٥٠٤) حديث ٤٩/٥٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلا غُرُوبَهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَطْلُعُ قَرْنَاهُ مَعَ طَلُوع الشَّمْسِ، وَيَغْرُبَانِ مَعَ غُرُوبِهَا . وَكَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَى تِلْكَ الصَّلاةِ. ٥٠/٥٠٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ؛ أَنَّه رَأَى يصحح(١) الحديث. ٤٩/٥٠٣ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (كان يقول) هكذا رواه موقوفاً، ومثله لا يقال بالرأي، وقد روي مرفوعاً بطرق عن ابن عمر، أخرجه الشيخان(٢) وغيرهما، وروى مسلم عن يحيى بن يحيى قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله وَليه قال، الحديث. قال البيهقي: رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك: (لا تحروا) بحذف إحدى التائين تخفيفاً أي لا تتحروا ولا تقصدوا (بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإن الشيطان يطلع قرناه) أي جانبا رأسه (مع طلوع الشمس، ويغربان) بضم الراء (مع غروبها) بمعنى أنه ينتصب محاذياً لمطلعها ومغربها . (وكان عمر) - رضي الله عنه - (يضرب الناس على تلك الصلاة) التي تصلى بعد العصر، وأخرج مسلم عن المختار بن فلفل قال: سألت أنساً - رضي الله عنه - عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر - رضي الله عنه - يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر. ٥٠/٥٠٤ - (مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، أنه رأى (١) هكذا في الأصل والظاهر لم يصح الحديث. (٢) أخرجه البخاري في: كتاب بدء الخلق، (٣٢٧٣) ومسلم في: صلاة المسافرين (٢٩٠). ٣٨٤ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب ( ٥٠٤) حديث ◌ُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ الْمُنْكَدِرَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ. عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (يضرب المنكدر) هكذا أخرجه ابن أبي شيبة برواية وكيع عن ابن أبي ذئب عن الزهري، قال الزرقاني (١): ابن محمد بن المنكدر القرشي التيمي المدني مات سنة ثمانين، انتهى. قلت: هذا وهم من الشارح لأن المنكدر بن محمد هذا من الطبقة الثامنة من طبقات ((التقريب))(٢)، وليس لأحد منها لقاء أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - فضلاً عن عمر - رضي الله عنه - على أن وفاة المنكدر بن محمد هذا في سنة مائة، وثمانين، وسقط في ((شرح الزرقاني)) لفظ مائة، فيزداد البعد في أن يضربه عمر - رضي الله عنه - على الصلاة . والظاهر عندي أن المنكدر هذا هو ابن عبد الله بن الهدير بن عبد العُزّى بن عامر بن الحارث والد محمد بن المنكدر الفقيه المشهور، فإن المنكدر هذا من تابعي أهل المدينة، عَدّه ابن سعد في الطبقة الأولى منهم، روى حجاج بن محمد عن أبي معشر قال: دخل المنكدر على عائشة فقالت: لك ولد؟ قال: لا، فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم، إلى آخر ما حكاه ابن سعد، فهذا يدل على مزيته عند عائشة - رضي الله عنها -، فالظاهر أنه هو ذاك (في) أي بسبب (الصلاة بعد العصر). وأخرج ابن أبي شيبة(٣) عن أبي العالية قال: لا تصلح الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وكان عمر - رضي الله عنه - يضرب على ذلك. وعن عبد الله بن عمر: أن عمر - رضي الله عنه - كره الصلاة بعد العصر (١) (٤٩/٢). (٢) ((تقريب التهذيب)) (١٧٧/٢). (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٤٥/٢). ٣٨٥ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٥٠٤) حديث وأنا أكره ما كره عمر - رضي الله عنه -، وعن عبد الله بن شقيق قال: رأيتُ عمر - رضي الله عنه - أبصر رجلاً يصلي بعد العصر فضربه حتى سقط رداؤه. وعن رافع بن خديج قال: رآني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يوماً وأنا أصلي بعد العصر فانتظرني حتى صليت فقال: ما هذه الصلاة؟ فقلت: سبقتني بشيء من الصلاة، فقال عمر - رضي الله عنه -: لو علمت أنك تصلي بعد العصر لفعلت وفعلت، وغير ذلك من الآثار عن عمر - رضي الله عنه - وغيره، آخر كتاب الصلاة. وقد وقع الفراغ منه(١) بتوفيق الله تعالى وحسن بلائه ليلة الخميس رابع عشرة من أخرى الجمادين سنة تسع وأربعين بعد ثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية. (١) هذا كلام الشارح رحمه الله. ٣٨٦ ١٦ - كتاب الجنائز ...... ١٦ - كتاب الجنائز ١٦ - كتاب الجنائز وقع في بعض النسخ الهندية بعده التسمية وأكثر النسخ الهندية، والمصرية كلها خالية عنها وهو الوجه، قال النووي: الجنازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح. ويقال: بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت، ويقال عكسه، والجمع جنائز بالفتح لا غير، انتهى. قال الحافظ(١): الجنائز بالفتح لا غير جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان، قال ابن قتيبة وجماعة: الكسر أفصح، وقالوا: لا يقال: نعش إلا إذا كان عليه الميت، انتهى. وقال العيني (٢): العامة تقول: الجنازة بالفتح، والمعنى للميت على السرير، فإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش. واشتقاقها من جنز إذا ستر، ذكره ابن فارس وغيره، والمضارع يجنز بكسر النون، انتهى. ولسان حاله يقول في كل يوم لابن آدم: انظر إليَّ بعقلك أنا المهيا لنقلك أنا سرير المنايا كم سار مثلي بمثلك وفي معناه: فاعلم بأنك بعدها محمول وإذا حملت على القبور جنازة فاعلم بأنك عنهم مسؤولٌ وإذا وليت لأمر قوم مرة كذا في ((شرح الإقناع))(٣) عن ابن عبد البر. ثم اختلف أهل الفن في أن الموت أمر وجوديٌّ، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ اَلْمَوْنَ وَالْحَيَوَةَ﴾ والعدم لا يخلق، وقيل: عدمي، والخلق بمعنى التقدير، وعلى تقدير كونه وجودياً، اختلفوا في أنه جوهر أو عرض، ليس هذا محل البحث (١) ((فتح الباري)) (١٠٩/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٢/٨/٤). (٣) (٢٦٤/١). ٣٨٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (١) باب غسل الميت فيه، وأكثر المحدثين والفقهاء يذكرون الجنائز بعد الصلاة لأن الذي يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك أهمه الصلاة عليه، ولأن الصلاة أهم العبادات، ولذا تُقَدَّمُ في المؤلفات، ولما فرغوا من أحكامها المتعلقة بالأحياء ذكروا ما يتعلق بالأموات، وفي ((الأنوار الساطعة)): شرعت صلاة الجنازة بالمدينة المنورة في السنة الأولى من الهجرة، فمن مات بمكة المشرفة لم يُصَلَّ عليه، انتهى. (١) غسل الميت قال ابن رشد في ((البداية))(١): أما حكم الغسل فقيل: فرض على الكفاية، وقيل: سُنَّةٌ على الكفاية، والقولان كلاهما في المذهب، والسبب في ذلك أنه نقل بالعمل لا بالقول، والعمل ليس له صيغة تفهم الوجوب أو لا تفهمه، وقد احتج عبد الوهاب لوجوبه بقوله عليه الصلاة والسلام في ابنته: ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً))، وبقوله في المحرم: ((اغسلوه))، فمن رأى أنَّ هذا القول خرج مخرج تعليم لصفة الغسل لا مخرج الأمر به لم يقل بوجوبه، ومن رأى أنه يتضمن الأمر والصفة قال بوجوبه، انتهى. قال الحافظ (٢): نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور عند المالكية حتى أن القرطبي رجح في ((شرح مسلم)) أنه سنة، لكن الجمهور على وجوبه، وقد ردّ ابن العربي على من لم يقل بذلك، وقد توارد به القول والعمل، وغسل الطاهر المطهر فكيف بمن سواه، انتهى. قلت: فروع الأئمة الثلاثة مصرحة بكونه فرض كفاية كما صرح به في (١) ((بداية المجتهد)) (٢٢٦/١). (٢) ((فتح الباري)) (١٢٥/٣). ٣٨٨ - ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب ((شرح الإقناع)) و((نيل المآرب)) و ((الكبيري)) وحكى عليه الإجماع، وهو مختار صاحب ((الشرح الكبير)) من فروع المالكية، لكن الدسوقي حكى اختلاف مشايخهم في كونه واجباً على الكفاية أو سنة. قال العيني(١): قال أصحابنا: هو واجب على الأحياء بالسنة والإجماع، أما السنة فقوله ◌َّ: ((للمسلم على المسلم ست حقوقٍ))، ذكر منها: ((إذا مات أن يغسله)). وأجمعت الأمة على هذا، وفي ((شرح الوجيز)): الغسل والتكفين والصلاة فرض الكفاية بالإجماع، وكذا نقل النووي الإجماع على أن الغسل فرض كفاية، وأصله ما روى عبد الله بن أحمد في ((المسند)): أن آدم عليه الصلاة والسلام غسلته الملائكة وكفنوه وحنّطوه، الحديث، وفيه ثم قالوا: يا بني آدم هذه سبيلكم، ورواه البيهقي بمعناه، انتهى. قال الشوكاني: أخرجه الحاکم، وصححه. ثم اختلفوا في علة الغسل، وتفرع على ذلك الخلاف بينهم في فروع مختلفة عديدة، ففي ((الشرح الكبير)) (٢) من فروع المالكية: غسل تعبداً، وقيل: للنظافة (٣). قال الدسوقي: كونه تعبدياً هو قول مالك وأشهب وسحنون، وكونه للنظافة لم يقل به إلا ابن شعبان وينبني عليه غسل الذمي، فمالك يقول: لا يغسل المسلم أباه الكافر، وقال الشافعي: لا بأس به، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور، وسبب الخلاف: هل الغسل تعبد أو للنظافة؟ فعلى التعبد لا يجوز غسل الكافر، وعلى النظافة يجوز، انتهى. . (١) ((عمدة القاري)) (٤٩/٦). (٢) (٤٠٨/١). (٣) قال ابن العربي في ((القبس)) (٤٣٧/٢): واختلف علماؤنا هل غسله للنظافة أو للعبادة؟ والذي عندي أنه تعبّد ونظافة . ٣٨٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٥) حدیث ١/٥٠٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ. وفي ((البدائع))(١): أما المعقول فقد اختلف فيه عبارات مشايخنا، ذكر محمد بن شجاع البلخي أن الآدمي لا يتنجّس بالموت بتشرُّب الدم المسفوح في أجزائه كرامةً له؛ لأنه لو تَنَجّس لما حكم بطهارته بالغسل، كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت، والآدمي يطهر بالغسل، حتى روي عن محمد: أن الميت لو وقع في البئر قبل الغسل يوجب تنجيس البئر، ولو وقع بعد الغسل لا يوجب تنجسه، فعلم أنه لم يَتَنَجَّس بالموت، لكن وجب غسله للحدث، لأن الموت لا يخلو عن سابقة حدث لوجود استرخاء المفاصل وزوال العقل. وعامة مشايخنا قالوا: إن بالموت يتنجّس الميت لما فيه من الدم المسفوح كما تتنجّس سائر الحيوانات التي لها دم مسفوح إلا أنه إذا غسل يُحكم بطهارته كرامة له، فكانت الكرامة عندهم في الحكم بالطهارة عند وجود السبب المطهر في الجملة وهو أظهر، انتهى. ١/٥٠٥ - (مالك، عن جعفر) الصادق (بن محمد) الباقر (عن أبيه) أي محمد الباقر بن علي بن الإمام الحسين - رضي الله عنهما - (أن رسول الله(عليه) قال ابن عبد البر(٢): هكذا رواه رواة ((الموطأ)) مرسلاً إلا سعيد بن عفير، فإنه قال: عن مالك عن جعفر عن أبيه عن عائشة، قال: وهو حديث مشهور عند العلماء وأهل السير والمغازي، كذا في ((التنوير)). وفي ((الزرقاني)): قال ابن عبد البر: وهو في غير ((الموطأ)) عن جابر وهو عن عائشة أصح (غسل) ببناء المجهول (في قميص) قال الباجي: الذي ذهب إليه مالك وأبو حنيفة وجمهور (١) (٢٣/٢). (٢) انظر: ((الاستذكار (١٨٠/٨)، و((التمهيد)) (١٥٨/٢). و((تنوير الحوالك)) (ص٢٣٠). ٣٩٠ ---- . ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٥) حدیث الفقهاء إلى أن الميت يجرد عن قميصه للغسل ولا يغسل على قميصه (١)، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: لا يجرد الميت ويغسل على قميصه، انتهى. قال الحلبي: ويجرد عن ثيابه عندنا وهو قول مالك، وظاهر الرواية عن أحمد، وعند الشافعي: المستحب الغسل في القميص لحديث الباب، قلنا : ذلك مخصوص به # لما روى أبو داود، وأنهم قالوا: نجرده كما نجرد موتانا أم نغسله في ثيابه؟ فسمعوا من ناحية البيت اغسلوا رسول الله وَله وعليه ثيابه. قال ابن عبد البر: روي ذلك عن عائشة من وجه صحيح، فدل هذا أن عادتهم كان التجريد في زمنه ◌َث﴾، انتهى. قلت: وما حكي عن أحمد هو مختار فروعه، قال في ((نيل المآرب)»: وجَرَّده ندباً لأنه أمكن في تغسيله وأبلغ في تطهيره، وغُسِل بَّ في قميص لأن فضلاته طاهرة، فلم یخش تنجیس قميصه، انتھی. قال الباجي: والدليل على ما ذهب إليه مالك أن ما لم يكن عورة من الحي فليس بعورة من الميت كالوجه، وإذا لم يكن عورة فلا معنى لستره بالقميص، لأن تجريده أمكن لغسله وأبلغ في تنقيته. وأما ما روي أنه نَّ غْسِل في قميص، فإن صحَّ ذلك فيحتمل أن يكون خاصاً له، انتهى. قلت: ويشكل على المصنف ذكره هذا الحديث في الباب مع كونه غير معمول به، إلا أن يقال: إن الغرض بيان غسله وَ ل#. ولو كان مخصوصاً به. قال الباجي(٢): ذهب مالك إلى ذكر هذا الحديث على معنى أنه أشبه ما نقل في هذا الباب، ولم يخرج على شرط الصحيح في هذا الباب شيئاً، انتھی . (١) إلا أنه تُستر عورته، ((فتح القدير)) (٧٠/٢ - ٧١)، و((الشرح الصغير)) (٥٤٦/١). (٢) ((المنتقى)) (٢/٢). ٣٩١ ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٦) حديث ٢/٥٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتَيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ حِينَ تُؤُفِّيَتِ ٢/٥٠٦ - (مالك، عن أيوب بن أبي تميمة) بفوقية فميمين بينهما ياء ساكنة اسمه كيسان (السختياني عن محمد بن سيرين عن أم عطية) اسمها نسيبة بنون وسين مهملة وياء موحدة قال الحافظ في ((الفتح)) (١): المشهور فيها التصغير وعن ابن معين وغيره بفتح النون وكسر السين. قلت: وبهذا ضبط صاحب رجال ((جامع الأصول) وكذا ضبطها ابن ماكولا وهي بنت كعب، ويقال: بنت الحارث (الأنصارية) صحابية مشهورة كانت تغزو مع رسول الله وَتيم تمرض المرضى، وتداوي الجرحى، مَدَنِيَّةٌ نزلت البصرة وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت. قال العيني (٢): حديثها أصل في غسل الميت، ومدار حديثها على حفصة ومحمد ابني سيرين، حفظت حفصة منها ما لم يحفظه محمد، وقال ابن المنذر: ليس في أحاديث غسل الميت أعلى من حديث أم عطية وعليه عَوَّل الأئمة، انتھی . وفي ((التنوير)) (٣): قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصل السنة في غسل الموتى ليس يروى عن النبي ◌ّ حديث أعمّ منه ولا أصح، وعليه عَوَّل العلماء في ذلك، انتهى. (أنها قالت: دخل علينا) معاشر النساء (رسول الله وَّل حين توفيت) ببناء المجهول، وفي رواية للبخاري: ((دخل علينا ونحن نغسل))، ويجمع بينهما بأن (١) ((فتح الباري)) (١٢٧/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٣). (٣) ((تنوير الحوالك)) (٢٢٢/١). ٣٩٢ - ---- ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٦) حديث ه يوم أَبْنَتَهَ ، المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل، وعند النسائي: أن مجيئهن إليها كان بأمره، ولفظه من رواية حفصة عن أم عطية: ((ماتت إحدى بنات رسول الله ◌َّ فأرسل إلينا))، الحديث (ابنته) قال الحافظ(١): لم تقع في شيء من روايات البخاري مُسمَّاة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة، وهي كبرى بناته سل*، وكانت وفاتها في ما حكاه الطبري في أول سنة ثمانٍ. وقد وردت مسمّاة في هذا عند مسلم (٢) من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية قالت: ((لما ماتت زينب بنت رسول الله وَّ﴾))، ولم أرها في غير رواية عاصم، وقد خولف في ذلك، فحكى ابن التين عن الداودي الشارح أنه جزم بأن البنت المذكورة أم كلثوم زوج عثمان، ولم يذكر مستنده. وتعقبه المنذري بأن أم كلثوم توفيت والنبي ◌ُّل ببدر فلم يشهدها وهو غلط، فإن التي توفيت حينئذ رقية. وعزا النووي(٣) تبعاً لعياض، وكذا ابن عبد البر(٤) تسميتها أم كلثوم لبعض أهل السير. قال الحافظ: وهذا ذهول شديد(٥)، فقد أخرجه ابن ماجه برواية أيوب عن ابن سيرين بلفظ: دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم. وكذا وقع في ((المبهمات)) لابن بشكوال من طريق الأوزاعي عن ابن سيرين عن أم عطية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم، الحديث. وقرأت بخط مغلطاي: زعم الترمذي أنها أم كلثوم، وفيه نظر، كذا قال، ولم أر في الترمذي شيئاً من (١) (فتح الباري)) (١٢٨/٣). (٢) (٦٤٨/٢). (٣) (شرح مسلم)) (٢/ ٦٠٠) ط. الشعب . (٤) . ((الاستذكار)) (١٨٩/٨). (٥) أي النسبة إلى بعض أهل السير. كيف والتسمية أم كلثوم وقعت في عدة روايات. (ش)). ٣٩٣ ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٦) حديث فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً، ذلك. وقد روى الدولابي عن عمرة: أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم، ويمكن دعوى ترجيح ذلك لمجيئه من طرق متعددة، ويمكن الجمع بأنها تكون حضرتهما جميعاً، فقد جزم ابن عبد البر في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات. وفي رواية للبخاري: لا أدري أي بناته؟ قال الحافظ: هذه مقولة أيوب، فالتسمية في رواية ابن ماجه وغيره، ممن دونه فتأمل، انتهى ملخصاً من ((الفتح))(١). وأجاب العلامة العيني(٢) عن كل ما ورد في التسمية بأم كلثوم، وجزم بأنها زينب وقال: هذا هو المروي الأكثر، وقال النووي: هذه البنت زينب هكذا قاله الجمهور، وهو الصواب، انتهى. وبهذا جزم في مبهمات ((رجال جامع الأصول)) وابن الجوزي في مبهمات ((التلقيح)) والحافظ في ((التلخيص)). (فقال) وَلّ: (اغسلنها) أمر لأم عطية ومن معها، قال ابن بزيزة: استدل به على وجوب غسل الميت، قال ابن دقيق العيد: لكن قوله: ((ثلاثاً)) ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد، لأن قوله: ((ثلاثاً)) غير مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلاً تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيتار. فمن جَوَّز ذلك كالشافعية والمالكية جَوَّز الاستدلال بهذا الأمر، ومن لم يُجَوِّزْ حمل الأمرعلى الندب لهذه القرينة، واستدل على الوجوب بدلائل أخر كما تقدم. كذا في ((النيل))(٣) بتغير. (ثلاثاً) قال الشوكاني: ذهب الكوفيون وأهل الظاهر والمزني إلى إيجاب الثلاث، وروي ذلك عن الحسن، وهو يرد ماحكي في ((البحر)) من الإجماع على أن الواجب مرة فقط، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (١٢٨/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٤/٦). (٣) ((نيل الأوطار)) (٦٨١/٢). ٣٩٤ ------- ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٦) حديث قلت: وتوضيح مسالك الأئمة في ذلك ما في ((نيل المآرب)): غسل الميت مرة واحدة أو تيمّمه لعذر كالمحترق فرض كفاية إجماعاً، وحكمه فيما يجب ويسن كغسل الجنابة، ويكره الاقتصار على مرة واحدة إن لم يخرج منه شيء، فإن خرج وجب إعادة الغسل إلى سبع مرات، فإن خرج منه شيء بعد السبع حُشِي محل الخارج، ولا يجب الغسل بعد السبع، وفي ((الروض المربع)» (١): يغسله ثلاثاً، فإن لم يُنَقِّ ثلاثٌ زِيْد حتى يُنَقَّى ولو جاوز السبع. وسُنَّ قطع على وتر، انتهى. وفي (روضة المحتاجين)) من فروع الشافعية: أقل الغسل مرة واحدة، ويسن ثلاثاً، فإن لم يحصل بهما التنظيف زيد عليها حتى يحصل، فإن حصل بشفع سُنَّ الإيتار بواحدة، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)) (٢) للمالكية: وغسل الميت كالجنابة إجزاءً وكمالاً إلا ما يختص من التكرار والسِّدْر، ونُدِب إيتاره إن حصل الإنقاء بما قبله للسبع، ثم المطلوب الإنقاء، قال الدسوقي: حاصله: أنه إذا حصل الإنقاء بمرتين كانت الغسلة الثالثة مستحبة، وإن حصل بأربع أو ست كانت الخامسة والسابعة مستحبة، ثم بعد السبع فالمقصود الإنقاء دون الإيتار إذ الإيتار ينتهي ندبه للسبع، فلا تندب التاسعة إذا حصل الإنقاء بثمانٍ وهكذا، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٣): يغسله ثلاثاً ليحصل المسنون وإن زاد أو نقص جاز إذ الواجب مرة، ولا يعاد غسله بالخارج منه، لأن غسله ما وجب لرفع الحدث لبقائه بالموت، بل لتنجّسه بالموت كسائر الحيوانات الدموية، إلا أن المسلم يطهر بالغسل كرامةً له، وقد حصل، انتهى. قال ابن عابدين: قوله: وإن زاد أي عند الحاجة لكن ينبغي أن يكون وتراً، وكره بلا حاجة لأنه إسراف، انتهى. (١) (٣٣١/١). (٢) (٤٠٨/١). (٣) (١٩٦/٢). ٣٩٥ ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٦) حديث أَوْ خَمْساً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكِ. (أو خمساً) قال ابن العربي(١): فيه إشارةٌ إلى الإيتار لأنه نقلهن من الثلاث إلى الخمس، وسكت عن الأربع، انتهى. قلت: هو نص رواية حفصة عن أم عطية بلفظ: اغسلنها وتراً وليكن ثلاثاً أو خمساً، ولفظة ((أو)) للترتيب لا التخيير، وتعقبه العيني(٢) بأنه لم ينقل عن أحد أن أو يجيء للترتيب بل للتنويع، انتهى. قلت: أياً ما كان فالمعنى أن الإيتار مطلوب والثلاثة مستحبة، فإن حصل الإنقاء بها لم يشرع ما زاد وإلا. زيد وتراً. (أو أكثر من ذلك) قال الحافظ: بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث، قال القاري: وفي نسخة بفتح الكاف على الخطاب العام، قال الحافظ: وفي رواية أيوب عن حفصة ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: سبعاً التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود، وأما ما سواها فإما سبعاً وإما أكثر من ذلك، فيحتمل تفسير قوله: أو أكثر من ذلك، بالسبع، وبه قال أحمد، فكره الزيادة على السبع. وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال بمجاوزة السبع. وعن قتادة: أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطية ثلاثاً وإلا فخمساً، وإلا فأكثر، قال: فرأينا أن أكثر من ذلك سبع، وقال الماوردي: الزيادة على السبع سرف، وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء، فلا أحبُّ الزيادة على ذلك، انتهى كلام الحافظ(٣). قلت: ما حكي عن الإجماع مشكل بما تقدم من فروع الأئمة سيما الحنابلة، فإنهم صرحوا بأنه إن لم يحصل الإنقاء بالسبع يزاد. وكذا المالكية (١) ((عارضة الأحوزي)) (٢٠٩/٤). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٥/٦). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (١٢٩/٣). ٣٩٦ -- ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٦) حدیث إِنْ رَأَيْتُنَّ ذُلِكِ، كما تقدم عن ((الشرح الكبير)) نعم؛ لم أر التصريح بذلك في فروع الحنفية والشافعية بعد، إلا أن إطلاق فروعهم بالزيادة على الثلاثة حتى الإنقاء يشير إلى الزيادة على سبع أيضاً، وسيأتي التصريح بذلك في كلام العيني. وما قال الحافظ لم أر الجمع بين السبع والأكثر إلا في رواية أبي داود، وتبعه على ذلك العلامة العيني والقسطلاني والزرقاني، فلم يلتفتوا إلى ما في البخاري من حديث أيوب عن حفصة عن أم عطية بلفظ: ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك، الحدیث. قال ابن رشد في ((البداية))(١): اختلفوا في التوقيت في الغسل، فمنهم من أوجبه، ومنهم من استحسنه واستحبه، والذين أوجبوا التوقيت منهم من أوجب الوتر أيّ وترٍ كان، وبه قال ابن سيرين، ومنهم من أوجب الثلاثة فقط وهو أبو حنيفة، ومنهم من حد أقل الوتر في ذلك، فقال: لا ينقص عن الثلاثة، ولم يحد الأكثر، وهو الشافعي، ومنهم من حدّ الأكثر في ذلك، فقال: لا يجاوز به السبعة وهو أحمد بن حنبل، وممن قال باستحباب الوتر ولم يحدّ فيه حداً مالك بن أنس وأصحابه، انتهى. قال العيني(٢) بعد ذكر رواية أبي داود: وهذه المذكورة، يستفاد من هذا استحباب الإيتار بالزيادة على السبعة، لأن ذلك أبلغ في التنظيف، انتهى. وما قال القسطلاني: وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يزاد على الثلاث، انتهى. لم أره في كتبنا الحنفية. (إن رأيتن ذلك) يوجد هذا اللفظ في جميع النسخ المصرية، ولا يوجد في النسخ الهندية، والأولى حذفه، لما قال ابن عبد البر: إن جميع رواة ((الموطأ)» قالوا: إن رأيتن ذلك إلا يحيى وهو مما عد من سقطه، انتهى. (١) (بداية المجتهد)) (٢٣٠/١). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٠/٨/٤). ٣٩٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٦) حديث بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وقال السيوطي في ((التنوير))(١): سقطت هذه الجملة ليحيى، انتهى. فعلم بذلك أن هذه اللفظة ليست في رواية يحيى، وإن كانت مروية في جميع ((الموطآت)). قال النووي(٢): خطاب لأم عطية، ومعناه: إن احتَجتن إلى ذلك، وليس معناه التخيير وتفويض ذلك إلى شهوتهن. وقال ابن المنذر: إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور، وهو الإيتار. وحكى ابن التين عن بعضهم قال: يحتمل قوله: ((إن رأيتن)) أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن يكون معناه إن رأيتن أن تفعلن ذلك وإلا فالإنقاء يكفي، انتهى. وقال الباجي(٣): روي في هذا الحديث أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك. وقد قال ابن سيرين: إن معنى ذلك الأمر بالغسل ثلاثاً، فإن خرج منه شيء فخمساً، فإن خرج منه شيء فسبعاً، انتهى. (بماء وسدر) متعلق باغسلنها . والسدر: شجر النبق، والنبق: ثمرة، والمراد هنا ورق السدر. والحكمة فيه أنه يطرد الهوامَّ، ويشدُّ العصبَ، ويمنع الميت من الهواء، ويلحم الجراح، ويقلع الأوساخ، وينقي البشرة، وينعمها، ويشدّ الشعر، قاله ابن عابدين(٤). قال الزين بن المنير(٥): وظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل، وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، انتهى. قال الحافظ: وقد يمنع لزوم كون الماء يصير مضافاً بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كل مرة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك، انتهى. (١) . ((تنوير الحوالك)) (ص ٢٣٠). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢/٧). (٣) ((المنتقى)) (٣/٢). (٤) (رد المحتار)) (١٠٢/٣). (٥) في الأصل: المنبه وهو تحريف والصواب المنير في ((فتح الباري)) (١٢٦/٣). ٣٩٨ ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٦) حديث قلت: توضيح الكلام أن الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - اختلفوا ههنا في مسألة أخرى، وهي أن الماء المقيد يجوز التطهر به أم لا؟ فقالت الحنفية كما في ((البذل))(١) عن الحلبي: إن الماء، الذي يختلط به الأشنان أو الصابون أو الزعفران بشرط أن تكون الغلبة للماء من حيث الأجزاء، إذا لم يزل عنه اسم الماء، ويكون رقيقاً يجوز به الوضوء، وفيه خلاف الأئمة الثلاثة. قال ابن قدامة في ((المغني))(٢): ما خالطه طاهر يمكن التحرز عنه، فغيّر إحدى صفاته طعمه أو لونه أو ريحه، كماء الباقلا والحمص والزعفران، اختلف أهل العلم في الوضوء به، واختلفت الرواية فيه عن إمامنا رحمه الله تعالى، روي عنه أنه لا تحصل به الطهارة، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق، وهي أصح، والمنصورة عند أصحابنا. ونقل عن أحمد جماعة من أصحابه، منهم؛ أبو الحارث والميموني وإسحاق بن منصور جوازَ الوضوء به، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، انتهى. ومستدل الحنفية في مسألة الماء حديث الباب وحديث أسماء في غسل الحيض ((بماء وسدر)) عند أبي داود وغيره، وحديث المرأة الغفارية عند أبي داود، وأيضاً قال لها رسول الله وَل: ((ثم خذي من ماء فاطرحي فيه ملحاً، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم))، الحديث. وحديث قيس بن عاصم: ((أتيت النبي ﴿ ﴿ل أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر))، وغير ذلك من الروايات الكثيرة، إذا عرفتَ هذا، فحديث الباب على ظاهره عند الحنفية لا حاجة إلى تأويله، ومتّبعو سائر الأئمة أوّلوه لما تحقق عندهم أن التطهير لا يجوز بماء مقيد. (١) ((بذل المجهود)) (٢٦٤/٢). (٢) (٢١/١). ٣٩٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١) باب (٥٠٦) حديث فقد تقدم عن الزين بن المنير: أن الغسل للتنظيف لا للتطهير، وكذلك ما حكى الحافظ فقال: تمسك بظاهر الحديث ابن شعبان وابن الفرضي وغيرهما من المالكية، فقالوا: غسل الميت إنما هو للتنظيف فيجزئ بالماء المضاف كماء الورد، وإنما يكره من جهة السرف. قال الحافظ(١): والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبّدي يشترط فيه ما يشترط في بقية الاغتسالات الواجبة والمندوبة، وقيل: شرع احتياطاً لاحتمال أن يكون عليه جنابة، وفيه نظر، لأن لازمه أن لا يشرع غسل من هو دون البلوغ، وهو خلاف الإجماع، انتهى. وأوّله القرطبي: يجعل السدر في ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته، ويدلك به جسده ثم يصب عليه الماء القراح. وحكى ابن المنذر أن قوماً قالوا: تطرح ورقات السدر في الماء لئلا يمازج الماء، فيتغير وصفه المطلق. وحكي عن أحمد أنه أنكر ذلك، وقال: يغسل في كل مرة بالماء والسدر. وأوّله الباجي(٢) بأن الغسلة الأولى تكون بالماء وحده، وفي الثانية تكون بماء وسدر؛ لأن الغسل أولاً هو الفرض، فوجب أن يكون بالماء وحده، وما بعد ذلك، فإنما هو على وجه التنظيف، والتطييب، فلا يضره ما خالطه مما يزيد في تنظيفه، قال: وقال أبو قلابة: يغسل أولاً بالماء والسدر ثم بالماء وحده؛ لأن فرض الغسل إنما يجب أن يكون بعد المبالغة في تنظيفه، انتهى. وغير ذلك من التأويلات التي توجد في المطولات، وأنت خبير بأن أمثال هذه التأويلات يأباه ظاهر النصوص. قال ابن العربي: من قال: الأولى بالماء القُراح، والثانية بالماء والسدر أو (١) ((فتح الباري)) (١٢٦/٣). (٢) ((المنتقى)) (٤/٢). ٤٠٠ ۔