Indexed OCR Text
Pages 361-380
١٥ - كتاب القرآن (٩) باب (٤٩٥) حديث وَإِذَا أَدَرْتَ (أَرَدْتَ) فِي النَّاسِ فِتْنَةً، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، غَيْرَ مَفْتُونٍ)). ورد مرفوعاً عن ابن عباس، ضمن حديث. أخرجه الترمذيّ في: ٤٤ - كتاب التفسير، ٣٨ - ومن سورة صّ، ٢ - حدثنا سلمة بن شبيب . ٤٩٥ / ٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ (وإذا أردت) بتقديم الراء على الدال في جميع النسخ الموجودة عندنا من الإرادة، وضبطه الزرقاني بتقديم الدال على الراء من الإدارة أي إذا أوقعت، قال: ويروى من الإرادة، انتهى. قلت: هو الصواب لإطباق النسخ واتفاق الروايات الأخر على ذلك، (في الناس فتنة) أي بلايا ومحناً، وأصل الفتنة الاختبار والامتحان، وتستعمل عرفاً لكشف ما يكره، قاله عياض. (فاقبضني إليك غير مفتون) فيه إشارة إلى طلب العافية، واستدامة السلامة إلى حسن الخاتمة . قال الباجي(١): قوله: وإذا أردت فتنة إلخ، يقتضي أن الباري تعالى مريد لوقوع ما يقع، وأنها تكون بإرادته تعالى دون إرادة غيره، ولذا دعا ربه أن يقبضه غير مفتونٍ إذا أراد الفتنة، ولو كان يقع بإرادة غيره لما كان في دعائه فائدة؛ لأنه إنما كان يسلم بذلك من بعض الفتن، وهي التي تكون بإرادته تعالى دون ما يكون من إرادة غيره، انتهى. ٤١/٤٩٥ - (مالك، أنه بلغه) قال ابن عبد البر(٢): هذا الحديث يسند عن النبي 18 من طرق شتى، من حديث أبي هريرة وجرير وغيرهما. ثم أخرجه من طريق أبي هريرة مرفوعاً. قلت: وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم(٣) (١) ((المنتقى)) (٣٦١/١). (٢) ((التمهيد) (٣٣٦/٢٤). (٣) أخرجه مسلم في: ٤٧ - كتاب العلم (٢٦٧٤). ٣٦١ ١٥ - كتاب القرآن (٩) باب (٤٩٥) حدیث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِ قَالَ: «مَا مِنْ دَاعِ يَدْعُو إِلَى هُدَّى، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ. لَا يَنْقُصُ ذُلِكَ مِّنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَا مِنْ دَاع يَدْعُو إِلَى ضَلالَةِ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنَّ أَوْزَارِهِمْ شَيْئاً)) . وأصحاب ((السنن)) (أن رسول الله وَّ﴾ قال: ما من داع يدعو إلى هدى) أي ما يهتدى به من العمل الصالح، وهو بحسب التنكير شائع في جنس ما يقال: هدى، فأعظمه هدىً من دعا إلى الله، وأدناه هدىً من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المسلمين (إلا كان له مثل أجر من اتّبعه) سواء ابتدعه أو سبق عليه (لا ينقص ذلك) إشارة إلى مصدر كان، قال القاري: والأظهر أنه راجع إلى الأجر (من أجورهم) أي المتبعين (شيئاً) دفع توهم أن أجر الداعي يكون بتنقيص أجر التابع. (وما من داع يدعو إلى ضلالة، إلا كان عليه مثل أوزارهم) أي المتبعين، لتولده عن فعله (لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً) فإن قيل: كيف التوبة مما تولد وليس فعله والمرء إنما يتوب مما فعله اختياراً؟ أجيب: بحصولها بالندم ودفعه عن الغير ما أمكن، وهو إقناعي. قاله الزرقاني(١). وفي ((المرقاة)): قال ابن حجر: لو تاب الداعي للإثم، وبقي العمل به فهل ينقطع إثم دلالته بتوبته؛ لأن التوبة تجب ما قبلها أو لا؛ لأن شرطها رد الظلامة والإقلاع، وما دام العمل بدلالته موجوداً فالفعل منسوب إليه فكأنه لم يرد، ولم يَقلع، كلٌّ محتمل، ولم أر في ذلك نقلاً، والمنقدح الآن الثاني، انتهى. قال القاري: والأظهر الأول وإلا فيلزم أن نقول بعدم صحة توبته، وهذا لم يقل به أحد، ثم رد المظالم بالممكن وإقلاع كل شيء بحسبه حتماً، وأيضاً استمرار ثواب الاتّباع مبنيٌّ على استدامة رضا المتبوع به، فإذا تاب (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٥/٢). ٣٦٢ .. -- --------- - . ------ ..--- ---- ١٥ - كتاب القرآن (٩) باب (٤٩٥) حديث وندم انقطع، كما أن الداعي إلى الهدى إن وقع في الردى - نعوذ بالله منه - انقطع ثواب المتابعة له. وأيضاً كان كثير من الكفار دعاة إلى الضلالة، وقبل منهم الإسلام لما أن الإسلام يُجبُّ ما قبله، فالتوبة كذلك بل أقوى، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، انتهى. قال ابن عبد البر(١): حديث الباب أبلغ شيء في فضل تعليم العلم والدعاء إليه وإلى جميع سبل الخير والبر، وقال ابن مسعود وغيره في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ ﴾﴾: أي ما قدمت من خير يعمل به بعدها وما أخرت من شر يعمل به بعدها، وقاله قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَ أَثْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمٌّ﴾ وعطاء في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ﴾ الآية. وأخذ من الحديث أن كل أجر حصل لأحد حصل للنبي ولو مثله زيادة على ما له من الأجر الخاص، فجميع حسنات المسلمين زيادة على ما له من الأجر مع مضاعفة لا يحصيها إلا الله تعالى؛ لأن كل مهتدٍ وعامل إلى يوم القيامة له أجر، ولشيخه في الهداية مثله، ولشيخ شيخه مثلاه، وللشيخ الثالث أربعة، وللرابع ثمانية، وهكذا تضعف كل مرتبة بعدد الأجور الحاصلة بعده إلى النبي ◌َّ. فإذا فرضت المراتب عشرة بعده و لو كان له من الأجر ألف وأربعة وعشرون، فإذا اهتدى بالعاشر الحادي عشر صار له و 18 ألفان وثمانية وأربعون، وهكذا كلما ازداد واحد تضاعف ما كان قبله أبداً، قاله الزرقاني (٢). قلت: ولا شك في ذلك وهكذا تصويره: ٢,١١/١/ ٤,١٠/ ٩ (الواحد لعمله والثلاثة لمن بعده) ١٦,٨/٨ / ٣٢,٧ / ٦٤,٦ / ١٢٨,٥/ ٢٥٦,٤/ ٥١٢,٣/ ١٠٢٤,٢/ ١, للنبي ومثله ٢٠٤٨. (١) ((التمهيد)) (٣٢٩/٢٤) و((الاستذكار)) (١٧٣/٨). (٢) (٤٥/٢). ٣٦٣ ١٥ - كتاب القرآن (٩) باب (٤٩٦) حديث ٤٢/٤٩٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن عُمَرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ. قال القاري: وبهذا يعلم أن له وَلّر من مضاعفة الثواب بحسب تضاعف أعمال أمته مما لا يُعَدُّ ولا يُحَدُّ، وكذا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وكذا بقية السلف بالنسبة إلى الخلف، وكذا العلماء المجتهدون بالنسبة إلى أتباعهم، وبه يعرف فضل المتقدمين على المتأخرين في كل طبقة وحین، انتهى. ٤٢/٤٩٦ - (مالك، أنه بلغه أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - قال: أي دعا بقوله (اللَّهم اجعلني من أئمة المتقين) قال أبو عمر: هو من قوله تعالى: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال الباجي(١): وقد يدعو بهذا لمعنيين: أحدهما: أنه إذا كان ممن يدعو في الخير، فإن له مثل أجر العاملين به على حسب ما تقدم، وهذا أكثر من أجر كل عامل به. والثاني: أن الإمام أفضل الجماعة. فكأنه دعا أن يجعله من أفضل المتقين. قال مالك في ((العتبية)): وعد الله المتقين من الخير بما وعدهم فكيف بأئمتهم، انتهى. ٠٠ وقال السيوطي: أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾(٢) قال: يعنون من يعمل بالطاعة فتقرّ به أعيننا في الدنيا والآخرة، ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال: أئمة يُهتدى بنا، ولا يجعلنا أئمة ضلالة، لأنه قال لأهل السعادة: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِنَّةً يَهُدُونَ بِأَمْرِنَا﴾، ولأهل الشقاوة: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَسِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، انتھی . (١) ((المنتقى)) (٣٦١/١). (٢) سورة الفرقان: الآية ٧٤. ٣٦٤ -- ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٤٩٧) حديث ٤٣/٤٩٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ بَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَيَقُولُ: نَامَتِ الْعُيُونِ، وَغَارَتِ النُّجُومُ، وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. (١٠) باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ٤٣/٤٩٧ - (مالك، أنه بلغه أن أبا الدرداء كان يقوم من جوف الليل) قال الباجي: يريد للتهجد، قلت: ويحتمل الأرق كما سيجيء (فيقول: نامت العيون وغارت النجوم) أي غربت(١) وذلك دليل على حدوثها، ولذا قال إبراهيم - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: ﴿لَآَ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾، قاله الزرقاني(٢) (وأنت الحي القيوم) يريد أنه تعالى مع كونه سبحانه حياً لا يجوز عليه النوم، ولا يجوز عليه الأفول، ولا التغير ولا العدم تبارك ربنا وتعالى. وأخرج ابن السُني في ((عمل اليوم والليلة))(٣) بسنده عن زيد بن ثابت، قال: شكوت إلى رسول الله ◌َي أرقاً أصابني، فقال: ((قل: اللَّهم غارت النجوم وهدأت العيون وأنت حيٍّ قيُّومٌ لا تأخذك سِنَةٌ ولا نَوْمٌ يا حيّ يا قيُّوم أَهْدِىءْ لَيْلِي وَأَنِمْ عَيْنِي)) فقلتها، فأذهب الله عز وجل ما كنت أجد، انتهى. وأخرج عنه الجزري في ((الحصن)). (١٠) النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر قال ابن رشد في ((البداية))(٤): الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، اختلف العلماء منها في موضعين؛ أحدهما: في عددها، والثاني: في الصلوات التي (١) وبه جزم النووي في (الأذكار)). ((ش)). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٥/٢). (٣) (ص ٦٧٦) رقم (٧٤٩). (٤) (بداية المجتهد)) (١٠١/١ - ١٠٥). ٣٦٥ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب يتعلق النهي عن فعلها فيها. أما الأول: فاتفقوا على أن الثلاثة من الأوقات منهيٌّ عن الصلاة فيها وهي وقت الطلوع، والغروب، ومن لدن تصلى الصبح حتى تطلع الشمس. واختلفوا في وقتين: وقت الزوال، والصلاة بعد العصر. فذهب مالك وأصحابه إلى أن الأوقات المنهي عنها أربعة: الغروب، والطلوع، وبعد الصبح. ((كذا في الأصل، والظاهر(١) ترك بعده لفظ: وبعد العصر)) وأجاز الصلاة عند الزوال. وذهب الشافعي إلى أن الأوقات الخمسة كلها منهيٌ عنها إلا وقت الزوال يوم الجمعة، واستثنى قوم من ذلك الصلاة بعد العصر، وسبب الخلاف في ذلك أحد شيئين: إما معارضة أثر لأثرٍ، وإما معارضة الأثر للعمل عند من راعاه أعني عمل أهل المدينة، وهو مالك بن أنس، فحيث ورد النهي ولم يكن هناك معارضٌ من قول ولا عمل اتفقوا عليه، وحيث ورد المعارض اختلفوا فیه . أما اختلافهم في وقت الزوال فلمعارضة العمل فيه للأثر، وذلك أنه ثبت من حديث عقبة بن عامر الجهني قال: ثلاث ساعات كان رسول الله اَ لل ينهانا أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب، خرجه مسلم. وحديث أبي عبد الله الصنابحي الآتي في ((الموطأ)) لكنه منقطع. فمن الناس من ذهب إلى منع الصلاة فيها كلها، ومنهم من استثنى منها وقت الزوال إما بإطلاق، وهو مالك - رضي الله عنه -، وإما في يوم الجمعة فقط، وهو الشافعي - رضي الله عنه -، أما مالك فلأن العمل عنده بالمدينة لما وجده على الوقتين فقط، ولم يجده على الوقت الثالث أعني الزوال أباح (١) كما هو موجود في النسخ القديمة. ش. ٣٦٦ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب ٠ ٠ الصلاة فيه، واعتقد أن النهي منسوخ بالعمل، وأما من لم ير للعمل تأثيراً فبقي على أصله في المنع، وقد تكلمنا على ذلك في ((أصول الفقه)). وأما الشافعي - رضي الله عنه - فلما صح عنده من حديث ثعلبة أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر - رضي الله عنه -. ومعلوم أن خروجه - رضي الله عنه - كان بعد الزوال مع ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة))، قوى هذا الأثر عنده العمل في أيام عمر - رضي الله عنه - بذلك، وإن كان الأثر عنده ضعيفاً، وأما من رجح الأثر الثابت في ذلك فبقي على أصله في النهي. وأما اختلافهم في الصلاة بعد صلاة العصر فسببه تعارض الآثار الثابتة في ذلك، وفيه حديثان متعارضان: أحدهما: حديث أبي هريرة المتفق على صحته أن رسول الله و ( نهى عن الصلاة بعد العصر، الحديث. والثاني: حديث عائشة: ما ترك رسول الله وَلو صلاتين في بيتي قط سراً ولا علانية ركعتين قبل الفجر وركعتين بعد العصر، فمن رجح حديث أبي هريرة قال بالمنع، ومن رجح حديث عائشة - رضي الله عنها - أو رآه ناسخاً؛ لأنه العمل الذي مات عليه ﴾ قال بالجواز، وحديث أم سلمة يعارض حديث عائشة، وفيه: أنها رأت رسول الله وَ ل# يصلي ركعتين بعد العصر فسألته عن ذلك فقال: ((إنه أتاني ناسٌ من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر وهما هاتان)» . وأما اختلافهم في الصلاة التي لا تجوز في هذه الأوقات، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها لا تجوز فيها صلاة بإطلاق لا فريضة مقضية ولا سنة ولا نافلة إلا عصر يومه إذا نسيه. واتفق مالك، والشافعي، أنه يقضي الصلوات المفروضة في تلك الأوقات. وذهب الشافعي إلى أن الصلوات التي ٣٦٧ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب لا تجوز فيها هي النوافل فقط التي تفعل بلا سبب، وأن السنن كصلاة الجنازة تجوز، ووافقه مالك في ذلك بعد العصر وبعد الصبح أعني في السنن، وخالفه في التي تفعل بسبب مثل ركعتي المسجد، فالشافعي يجيزها بعد العصر والصبح، ولا يجيز ذلك مالك. واختلف قول مالك في جواز السنن عند الطلوع والغروب. وقال الثوري: الصلوات التي لا تجوز فيها هي ما عدا الفرض، ولم يفرق سنة من نفل. فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال: قول هي الصلاة بإطلاق، وقول إنها ما عدا المفروض سواء كانت سنة أو نفلاً، وقول إنها النفل دون السنن، وعلى الرواية التي منع مالك فيها صلاة الجنائز عند الغروب قول رابع، وهو أنها النفل فقط بعد الصبح والعصر، والنفل والسنن معاً عند الطلوع والغروب. وسبب الخلاف اختلافهم في الجمع بين العمومات الواردة في ذلك، وأي يخص بأي. وذلك أن عموم قوله وَّة: ((إذا نسي أحدكم الصلاة فليصلها إذا ذكرها))، يقتضي استغراق جميع الأوقات، وأحايث النهي تقتضي عموم أجناس الصلوات، أعني المفروضات والسنن والنوافل. فمتى حملنا الحديثين على العموم وقع بينهما تعارض، فمن ذهب إلى الاستثناء في الزمان منع الصلوات بإطلاق، ومن ذهب إلى استثناء الصلاة المفروضة المنصوص عليها بالقضاء من عموم اسم الصلاة المنهي عنها منع ما عدا الفرائض في تلك الأوقات. وقد رجح مالك - رضي الله عنه - مذهبه من استثناء الصلوات المفروضة من عموم اسم الصلاة بما ورد من قوله ◌َله: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر))، وليس ههنا دليل قاطع على أن الصلوات المفروضة هي المستثناة من اسم الصلاة، كما أنه ليس ههنا دليل أصلاً لا قاطع ولا غير قاطع على استثناء الزمان الخاص الوارد في أحاديث النهي من ٣٦٨ - . -------- ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب ٠ الزمان العام الوارد في أحاديث الأمر، انتهى مختصراً، هذا إجمال الكلام على مسالك الأئمة، وسبب اختلافهم. لكن لما وقع فيه نوع من التقصير في بيان مسالكهم مع أنه لم يذكر فيه مذهب الحنابلة، أردنا أن نلخص مسالكهم من فروعهم كدأبنا في هذا الأوجز، فقال داود: يجوز الصلاة فيها مطلقاً، حكاه القاضي، قال الزرقاني(١): قالت طائفة من السلف بالإباحة مطلقاً، وإن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وابن حزم وغيرهما من الظاهرية، انتهى. وفي ((نيل المآرب)) من فروع الحنابلة: أوقات النهي ثلاثة، الأول: من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رُمح، والثاني: من صلاة العصر ولو مجموعة وقت الظهيرة إلى غروب الشمس حتى يتم غروبها، وتفعل سنة الظهر بعدها ولو في جمع تأخير. والثالث: عند قيام الشمس ولو يوم الجمعة حتى تزول. فتحرم صلاة التطوع في هذه الأوقات فلا تنعقد إن ابتدأها، أو دخل وقت النهي وهو فيها فيحرم عليه الاستدامة، ولو كان جاهلاً للوقت أو التحريم، حتى ما له سبب، كسجود تلاوة، وصلاة كسوف، وقضاء سنة، وتحية مسجد، سوى تحية مسجد حال خطبة جمعة، وسوى سنة الفجر قبلها، وسوى ركعتي الطواف فرضاً كان الطواف أو نفلاً، ويجوز فيها كلها قضاء الفرائض وفعل الصلاة المنذورة، انتهى. وفي ((الروض المربع))(٢): مكة وغيرها في ذلك سواء، انتهى. وكذا قال ابن قدامة في ((المغني)). وفي ((شرح الإقناع))(٣) من فروع الشافعية: الأوقات التي تكره فيها (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٦/٢). (٢) (٢٣٤/١). (٣) (١١٥/٢ - ١١٦). ٣٦٩ ٠ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب الصلاة بلا سبب كراهة تحريمية، كما صححه في ((الروضة)) وغيره، وإن صحح في ((التحقيق)) وغيره كراهة تنزيه خمسةٌ لا يصلى فيها في غير حرم مكة، إلا صلاة لها سبب غير متأخر بخلاف ما سببها متقدم، كفائتة وصلاة كسوف واستسقاء وطواف وتحية وسنة وضوء، وسواء كانت الفائتة نفلاً أو فرضاً. أما ما له سبب متأخر، كركعتي الاستخارة والإحرام، فإنها لا تنعقد كالصلاة التي لا سبب لها، وهي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند الطلوع حتى ترتفع قدر رمح، وعند الاستواء حتى تزول. وبعد صلاة العصر ولو مجموعة في وقت الظهر حتى تغرب، وعند الغروب حتى يتكامل، انتهى مختصراً . وفي ((الشرح الكبير))(١) من فروع المالكية: ومُنِعَ نفلٌ، والمراد ما قابل الفرائض الخمس، فشمل الجنازة والنفل المنذور. وقتَ الطلوع إلى ارتفاع جميعها والغروب إلى ذهاب جميعها، وكره النفل بعد طلوع فجر ولو لداخل مسجد وبعد أداء فرض عصر، إلا أن ترتفع الشمس قيد رمح، وإلى أن تصلى المغرب، إلا ركعتي الفجر والشفع والوتر، وإلا صلاة الليل قبل صلاة الصبح لمن عادته تأخيره نام عنه غلبةً ولم يخف فوات جماعة ولا إسفاراً. فيصليه بهذه القيود الأربعة، وإلا جنازة وسجود تلاوة بعد صلاة الصبح قبل إسفار، وبعد صلاة العصر قبل اصفرار، انتهى. وفي ((الهداية)) من فروع الحنفية: لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند قيامها في الظهيرة ولا عند غروبها لحديث عقبة بن عامر المتقدم قريباً، والمراد بقوله: ((أن نقبر))، صلاة الجنازة؛ لأن الدفن غير مكروه، قلت: بل ورد في بعض طرقه تصريح صلاة الجنازة، كما حكاه الزيلعي(٢). (١) (١٧٦/١). (٢) انظر: ((نصب الراية)) (٢٥٠/١). ٣٧٠ - ---- ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب ثم قال صاحب ((الهداية)): ولا صلاة جنازة ولا سجدة تلاوة؛ لأنها في معنى الصلاة إلا عصر يومه عند الغروب؛ لأن السبب هو الجزء القائم من الوقت فقد أداها كما وجبت، بخلاف غيرها من الصلوات؛ لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى ناقصة، والمراد بالنفي في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة الكراهة حتى لو صلاها فيه أو تلا سجدة وسجدها جاز؛ لأنها أديت ناقصة كما وجبت إذ الوجوب بحضور الجنازة والتلاوة . ويكره أن يتنفل بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب، لما روي أنه عليه السلام نهى عن ذلك، ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت، ويسجد للتلاوة، ويصلي على الجنازة؛ لأن الكراهة كانت لحق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به لا لمعنى في الوقت، فلم تظهر في حق الفرائض، ولا فيما وجب لعينه كسجدة التلاوة وظهر في حق المنذور؛ لأنه تعلق وجوبه بسبب من جهته، وفي حق ركعتي الطواف؛ لأن الوجوب لغيره، ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يزد عليهما مع حرصه على الصلاة، ولا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض لما فيه من تأخير المغرب، انتهى. قلت: وحاصله أن الأوقات المنهية عند الحنفية على نوعين: الأول: ما فيه علة النهي القصور في ذوات الأوقات، وهي الأوقات الثلاثة، فعِلّة النهي، وهي التشبه بعبدة الشمس، أو تسجير جهنم، تشمل الفرائض والنوافل كلها، فتمنع الصلاة مطلقاً، والعلة منصوصة في الروايات فقد ورد في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم وأبي داود(١) وأحمد وغيرهم، ((ثم أَقْصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلع بين قرني الشيطان ويصلي لها الكفار، ثم صل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله، ثم أقصر، فإن جهنم تسجر، وتفتح أبوابها))، الحديث. (١) أخرجه مسلم (٨٣٢) باب إسلام عمرو بن عبسة، وأخرجه أبو داود (١٣٧٧). ٣٧١ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب وسيأتي في حديث ((الموطأ)) من طريق الصنابحي: أن رسول الله وَله قال: ((إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها))، الحديث. قال الحافظ في ((التلخيص))(١): حديث: ((إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان)) رواه مالك في ((الموطأ)) والشافعي عنه والنسائي وابن ماجه من رواية عبد الله الصنابحي، ورواه مسلم من حديث عمرو بن عبسة، ورواه ابن حبان وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة قال: سأل صفوان بن المعطل رسول الله ◌ّ فذكره في حديث طويل، ورواه الطبراني من حديث مرة بن كعب، انتهى. على أن النبي ◌َّ أخّر فرض الصبح ليلة التعريس حتى تعالت الشمس كما هو مصرح في الروايات، وهذا كالنص على أن الفرائض أيضاً لا تصلى في هذه الأوقات. والنوع الثاني: ما ليس فيه تقصير، وهو بعد صلاة العصر، وصلاة الصبح، وبعد طلوع الفجر قبل الفرض، أما الأولان فقد وردت الروايات في نهي الصلاة فيهما كثيراً جداً حتى قال ابن عبد البر: بلغت حد التواتر، وأما الثالث، فقد روى مسلم عن حفصة قالت: ((كان رسول الله ◌َ﴾ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتي الفجر))، وعن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((لا يمنعن أحدكم أذان بلال، فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم))، الحديث. رواه الستة إلا الترمذي. قال الزيلعي: قال الشيخ في ((الإمام)): لو كان التنفل بعد الصبح مباحاً لم يكن لقوله: ((حتى يرجع قائمكم)) معنى، وكذا قال الحافظ في ((الدراية)) قاله النيموي(٢)، وعند أحمد من حديث عمرو بن عبسة، قلت: أي الساعات (١) (٣٠٤/١). (٢) ((آثار السنن)) (٢٩/٢). ٣٧٢ --- ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٤٩٨) حديث ٤٩٨/ ٤٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ؛ أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر، ثم الصلاة المكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا صلاة إلا الركعتين حتى تصلي الفجر، الحديث. كذا في (البذل))(١). وأخرج أبو داود(٢) عن يسار المدني مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر - رضي الله عنه - وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار! إن رسول الله وعليه خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: ((ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين))، وبسط الزيلعي والحافظ وتبعه الشوكاني الكلام على طرقه. وحكى الترمذي(٣) الإجماع على الكراهة في ذلك الوقت، وإن أورد عليه الحافظ . لكن هذه الأوقات الثلاثة قد ثبت فيها فعل الصلاة أيضاً كما لا يخفى على من تفحص كتب الحديث، إلا أن أكثر ما ورد فيها قضاء الوتر وغيره، وأيضاً فتلك الأوقات الثلاثة أوقات للفرائض بلا خلاف، فلو أدى الفرائض الوقتية في هذه الأوقات الثلاثة تصح اتفاقاً، فَعُلِم أن النهي فيها ليس لمعنى في الوقت، فأجاز الحنفية الفرائض في تلك الأوقات، وحملوا النهي على التطوع، وهذا كله في الكراهة للوقت، وإلا فالأئمة أضافوا على ذلك أنواعاً أخر، كالصلاة عند الإقامة وغيرها، بسطت في مواضعها من كتب الحديث والفقه. ٤٤/٤٩٨ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا بلفظ: عبد الله بلا أداة كنية، قال (١) ((بذل المجهود)) (١٦/٧). (٢) رواه أبو داود في: كتاب الصلاة، باب: من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة، حديث رقم (١٣٨٧). (٣) ((سنن الترمذي)) (٤١٩). ٣٧٣ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٤٩٨) حديث ابن عبد البر(١): هكذا قال جمهور الرواة عن مالك، وقالت طائفة، منهم مطرف وإسحاق بن عيسى الطباع: عن عطاء عن أبي عبد الله الصنابحي وهو الصواب، وهو عبد الرحمن بن عسيلة تابعي ثقة ليست له صحبة، قال: وروى زهير بن محمد هذا الحديث عن زيد بن أسلم عن عطاء عن عبد الله الصنابحي قال: سمعت رسول الله وَله، وهو خطأ. والصنابحي لم يلق رسول الله له وزهیر لا يحتج بحديثه، انتھی. قلت: هذا كله وهم من ابن عبد البر بناءً على ما زعم أن الصنابحي هذا هو: أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة المتفق على كونه تابعياً، فلو كان كذلك لأمكن أن يكون كلامه صحيحاً، لكن الصحيح كما يظهر من تتبع الكتب وجود عبد الله الصنابحي الصحابي وإن أنكره البخاري وغيره. قال الزرقاني(٢) عن ((الإصابة))(٣): ظاهره أن عبد الله الصنابحي لا وجود له وفيه نظر، فقد قال يحيى بن معين: عبد الله الصنابحي روى عنه المدنيون يشبه أن له صحبة، وقال ابن السكن: يقال: له صحبة مدني، قال الحافظ : ورواية مطرف والطباع عن مالك شاذّة، ولم ينفرد به مالك، بل تابعه حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي سمعت النبي ◌َّل* يقول: ((إن الشمس تطلع))، الحديث. وكذا زهير بن محمد عند ابن منده قال: وكذا تابعه محمد بن جعفر بن أبي كثير وخارجة بن مصعب الأربعة عن زيد بهذا. وأخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك)) من طريق إسماعيل بن الحارث، (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤٦/٢). (٢) (٤٦/٢). (٣) (١٤٨/٤). ٣٧٤ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٤٩٨) حديث وابن منده من طريق إسماعيل الصائغ كلاهما عن مالك عن زيد به، مصرحاً فيه بالسماع، وروى زهير بن محمد وأبو غسان عن زيد بن أسلم عن عطاء عن عبد الله الصنابحي عن عبادة حديثاً آخر في الوتر، أخرجه أبو داود، فورود عبد الله الصنابحي في هذا الحديث من رواية هذين عن شيخ مالك بمثل رواية، ومتابعة الأربع له، وتصريح اثنين منهما بالسماع يرفع الجزم بوهم مالك فيه، انتهى ملخصاً . وفيه إفادة، أن زهير بن محمد لم ينفرد بتصريحه بالسماع فليس بخطأ كما زعم ابن عبد البر، انتهى كلام الزرقاني مع زيادة. وأخرج الحاكم(١) حديث عبد الله الصنابحي في خروج الخطايا من أعضاء الوضوء وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وليس له علة، وعبد الله الصنابحي صحابي، وكذا حكى المنذري عنه في ((ترغيبه)) بلا نكير عليه، وقال الذهبي: على شرطهما ولا علة له والصنابحي صحابي مشهور، كذا قال، قلت: لا، انتهى. وهذا يحتمل إنكاراً لصحته أو إنكاراً لشهرته. وقال الذهبي في ((تجريد الصحابة)): عبد الله الصنابحي روى عنه عطاء بن يسار كذا سماه، فلعله غير عبد الرحمن خرج له أبو يعلى، انتهى. وذكره صاحب ((رجال جامع الأصول)) في فصل الصحابة وحكى الأقوال المختلفة في ذلك، وكذا ذكره الخطيب في ((الإكمال)) في فصل الصحابة، وقال: الصنابحي الصحابي قد أخرج حديثه مالك في ((الموطأ)) والنسائي في «سننه»(٢)، انتھی. قلت: وحديث الباب أخرجه أحمد في ((مسنده))(٣) بطريق مالك وزهير بن (١) ((المستدرك)) (١٢٩/١ - ١٣٠). (٢) (٢٧٥/١). (٣) (٣٤٨/٤ - ٣٤٩). ٣٧٥ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٤٩٨) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، ... محمد قالا: ثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: سمعت عبد الله الصنابحي يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن الشمس تطلع))، الحديث. (أن رسول الله وَل قال: إن الشمس تطلع ومعها) الواو حالية (قرن الشيطان) قال المجد: القرن: الرَّوْقُ من الحيوان، وموضعه من رأسنا أو الجانب الأعلى من الرأس، جمعه قرون، والذوابة أو ذؤابة المرأة والخُصْلَةُ من الشعر، وأعلى الجبل، جمعه قران، ومن الجراد شعرتان في رأسه، وغطاء للهودج، وأولُ الفلاة، ومن الشمس ناحيتها أو أعلاها أو أول شعاعها، ومن القوم سيدهم، ومن الكلأ خيره أو آخره أو أَنْفُهُ الذي لم يوطأ، انتهى. قال القاري(١): أي جانبي رأسه؛ لأنه ينتصب قائماً في وجه الشمس عند طلوعها، ويُدني رأسه إلى الشمس ليكون شروقها بين قرنيه، فيكون قبلة لمن سجد للشمس، فنهى عن الصلاة في ذلك الوقت لئلا يتشبّه بهم في العبادة، وهذا هو الأقوى، وقيل: المراد بقرني الشيطان أحزابه وأتباعه، وقيل: قوته وغلبته وانتشار الفساد، انتهى. وفي ((المجمع)): وقيل: بين قرنيه أي أمية (٢) أي الأولين والآخرين، وكله تمثيل لمن يسجد له، وكأن الشيطان سوّل له ذلك، فإذا سجد لها كان كأن الشيطان مقترن بها، انتهى. قال الباجي(٣): وذهب الداودي إلى أن له قرناً على الحقيقة يطلع مع الشمس، وقد روي أنها تطلع بين قرني الشيطان، ولا يمتنع أن يخلق الله تعالى شيطاناً تطلع الشمس بين قرنيه وتغرب، ويحتمل أن يريد بقوله: ((ومعها قرن (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٢١/٢). (٢) هكذا في الأصل والصواب أي أُمَّتيه كما في «مجمع بحار الأنوار)) (٢٦٠/٤). (٣) ((المنتقى)) (٣٦٢/١). ٣٧٦ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٤٩٨) حديث فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، .... الشيطان)) قرنه ما يستعين به على إضلال الناس، ولذلك يسجد للشمس حينئذ الكفار، ويحتمل أن يريد به قبائل من الناس، يستعين بهم الشيطان على كفره فيكون طلوعها عليهم أولاً بمنزلة طلوعها معهم، انتهى. وفي ((التنوير)) (١): يحتمل الحقيقة والمجاز، وإلى الحقيقة ذهب الداودي وغيره ولا بُعْد فيه، وقيل: معناه المجاز والاتساع، وصحّح النووي حمله على الحقيقة، انتهى. (فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها) بالنون (فإذا زالت) الشمس (فارقها) بالقاف وهذا أيضاً علة النهي عن الصلاة عند الاستواء، وقد ورد في الروايات علة أخرى وهي تسجير جهنم إذ ذاك، وقد ورد النهي عن الصلاة إذا ذاك في عدة أحاديث، منها لمسلم عن عقبة: ((وحين يقوم قائم الظهيرة حتى ترتفع))، وله عن عمرو بن عبسة: ((حتى يستقل الظل بالرمح، فإذا أقبل الفيء فصَلِّ))، ولأبي داود: ((حتى يعدل الرمح ظله))، ولابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة: ((حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا زالت فصَلِّ)). ولذا قال الجمهور والأئمة الثلاثة بكراهة الصلاة عند الاستواء، وقال الإمام مالك - رضي الله عنه -: بالجواز مع روايته هذا الحديث في ((الموطأ))، قال ابن عبد البر: فأما أنه لم يصح عنده أو رَدَّه بالعمل الذي ذكره بقوله: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار، انتهى. والثاني أولى أو متعين، فإن الحديث صحيح بلا شك، ورواته ثقاتٌ مشاهير، وعلى تقدير أنه مرسل، فقد اعْتُضد بأحاديث كثيرة، قاله الزرقاني(٢). قال الباجي(٣): أما عند الزوال فالظاهر من مذهب مالك - رضي الله عنه - (١) (تنوير الحوالك)) (ص٢٢٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٦/٢). (٣) ((المنتقى)) (٣٦٢/٢). ٣٧٧ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٤٩٨) حديث فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا)). ونَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الصَّلاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ. وسلم أخرجه النسائيّ في: ٦ - كتاب المواقيت، ٣١ - باب الساعات التي نهى عن الصلاة فيها . وابن ماجه في: ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ١٤٨ - باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة. وغيره من الفقهاء إباحة الصلاة في ذلك الوقت، وفي ((المبسوط)) عن ابن وهب: سئل مالك - رضي الله عنه - عن الصلاة نصف النهار؟ فقال: أدركت الناس وهم يصلون يوم الجمعة نصف النهار، وجاء في بعض الحديث، ((نهى عن ذلك))، فأنا لا أنهى عنه للذي أدركت الناس عليه ولا أحبه للنهي عنه، فعلى هذا القول بعض الكراهة، وجه القول الأول ما استدل به من صلاتهم يوم الجمعة والناس بين مصلٍّ وناظر إلى مصلٍّ وغير منكر. ومحمل النهي في الحديث يحتمل أن يراد به الأمر بإبراد الظهر، ويحتمل أن يتوجه النهي إلى تحري تلك الأوقات بالنافلة، ويحتمل أن يكون النهي منسوخاً، هذا إن حملناه على النهي عن النافلة، وإن حملناه على الفريضة فله وجه صحيح، وذلك أنه لا خلاف في منع تأخير الصبح إلى أن تطلع، وفي منع تقديم الظهر قبل الزوال حين الاستواء، وفي منع تأخير العصر إلى الغروب، وفي صلاة المغرب حين الغروب حتى تغرب، ويحتمل أن يراد بذلك تحري تلك الأوقات بالفريضة، انتهى. قلت: وللجمهور أن التأويلات كلها بعيدة والروايات المتقدمة نص في معناها . (فإذا دنت للغروب) بأن اصفرَّت وقربت من سقوط طرفها بالأرض (قارنها) بنون تليها الهاء (فإذا غربت فارقها) بالقاف قبل الهاء (ونهى رسول الله (وَير) نهي تحريم أو تنزيه على اختلاف العلماء في ذلك، والحنفية على نهي التحريم وكذا المالكية في الطرفين بخلاف الاستواء، كما صرح به الزرقاني(١) (عن الصلاة) الفريضة أو النافلة على ما تقدم من اختلاف الأئمة (في تلك الساعات) كلها عند الحنفية. (١) ((شرح الزرقاني (((٤٦/٢). ٣٧٨ --- ٠ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٤٩٩ - ٥٠٠) حدیث ٤٥/٤٩٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّه يَقُولُ: ((إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَغِيبَ)). أخرجه البخاريّ موصولاً في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٣٠ - باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس. ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٥١ - باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، حديث ٢٩١. ٤٦/٥٠٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بَعْدَ الظُّهْرِ، ٤٥/٤٩٩ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (أنه قال) وصله الشيخان وغيرهما من طريق يحيى القطان وغيره عن هشام عن أبيه قال: حدثني ابن عمر قال: (كان رسول الله ﴿ ل* يقول: إذا بدا) بلا همز أي ظهر (حاجب الشمس) أي طرفها الأعلى من قرصها، سمي بذلك لأنه أول ما يبدو منها يصير كحاجب الإنسان، وقال القاري: مستعار من حاجب الوجه، وقيل: النيازك التي تبدو إذا حان طلوعها . (فأخروا الصلاة) ولفظ ((المشكاة)) عن المتفق عليه: فدعوا الصلاة، قال القاري: أي مطلقاً فرضاً أو نفلاً (حتى تبرز) أي تصير بارزة ظاهرة، والمراد ترتفع قدر رمح كما قيد به في الروايات الأخر (وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب) أي تغرب بالكلية. ٤٦/٥٠٠ - (مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الخرقي المدني (أنه قال: دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر) أي بعدما صلينا الظهر، ففي مسلم(١) من حديث إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن؛ أنه (١) (٤٣٤/١) (٦٢٢، ٦٢٣). ٣٧٩ ١٥ - كتاب القرآن (١٠) باب (٥٠٠) حدیث فَقَامَ يُصَلِّ الْعَصْرَ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلاةِ، أَوْ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، فقمنا فصلينا، فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله مَر، الحديث. وفي أخرى له من حديث أبي أمامة يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ◌َي التي كنا نصلي معه. (فقام يصلي العصر) وصلينا معه كما تقدم من حديث مسلم، ولعله - رضي الله عنه - لم ينتظر صلاة المسجد لما في الروايات من قوله و سلم: ((إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة)). (فلما فرغ) أنس (من صلاته، ذكرنا تعجيل الصلاة) أي تعجيله لصلاة العصر، والظاهر من السياق أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - صلى العصر في وقتها، والعلاء بن عبد الرحمن صلى الظهر في آخر وقتها لما كان عليه أئمة بني أمية يؤخرون الصلاة، والدليل عليه ما سيأتي من استدلال أنس - رضي الله عنه - إذا خاف من التأخير دخول الصلاة في الاصفرار، وإطلاق العلاء عليه التعجيل باعتبار معتادهم. (أو ذكرها) شك من الراوي. (فقال) أنس: (سمعت رسول الله وَلا يقول: تلك) أي صلاة العصر التي أخرت إلى الاصفرار (صلاة المنافقين) شبه فعلهم ذلك بفعل المنافقين لقوله تعالى في شأنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلًا (٣)﴾(١)، وفي ((المجمع)): شبّه بالمنافق لأنه لا يعتقد حقيقتها، بل يصلي لدفع السيف، فلا يبالي بالتأخير. (١) سورة النساء: الآية ١٤٢. ٣٨٠ ٠٠. -- - --- -