Indexed OCR Text

Pages 221-240

١٥ - كتاب القرآن
(١) باب
(٤٥٥) حديث
إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ هَذِهِ الآيَةِ، الّتِي فِي عَبَسَ
﴿لَا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
◌َ فَ شَاءَ ذَكَرَهُ
وَتَوَلَّى، قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿كَلَّ إِنََّ نَذْكِرَةٌ (
١٦
كِرَمِ بَةٍ
١٥
بِأَيْدِى سَفَرَةٍ
١٤
◌َرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةِ
فِي مُحُفٍ تُكَرَّمَةٍ
قوله تعالى: ﴿﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (*)﴾ أنّها) وفي النسخ المصرية: إنما
هي أي الآية المذكورة في المراد، (بمنزلة هذه الآية) الآتية (التي في) سورة
(عبس وتولى) وهي (قول الله تبارك وتعالى: كلا) أي لا تفعل مثل ذلك (إنها)
أي السورة أو الآيات (تذكرة) أي عظة للخلق، (فمن شَاءَ ذكره) أي حفظ ذلك
فاتّعظ به، وتأنيث الضمير في ((إنها)) وتذكيره في ((ذَكَرَه)) محله كتب التفاسير.
(في صحف) خبر ثان (مكرمة) عند الله (مرفوعة) في السماء (مطهرة) أي
منزهة عن مس الشياطين، (بأيدي سفرة) جمع سافر، ككتبة جمع كاتب لفظاً
ومعنى، وأصل السفر الكشف، ويقال للكاتب: السافر، لأنه الذي يوضحه
ويبيّنه والمعنى بأيدي كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ (كرام) على ربهم
(بررة) جمع بار أي مطيعين للَّه تعالى.
قال الباجي(١): ذهب مالك - رضي الله عنه - في تفسير آية: ﴿لَّا يَمَسُّهُ"
إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴿4﴾ إلى أنها خبر عن اللوح المحفوظ أنه لا يمسه، إلا الملائكة
المطهرون، وقال: إن هذا أحسن ما سمع في هذه الآية، وقد ذهب جماعة من
أصحابنا إلى أن معنى الآية النهي للمكلفين من بني آدم عن مسّ القرآن على
غير طهارة، وقالوا: إن المراد بالكتاب المكنون: المصاحف التي بأيدي
الناس، وقوله عز اسمه: لا يمسه، وإن كان لفظه لفظ الخبر، فإن معناه النهي؛
لأن خبر الباري تعالى لا يكون بخلاف مخبره، ونحن نرى اليوم من يمسّه غير
طاهر، فثبت أن المراد به النهي، وجعلوا هذا حجة على المنع، من مس
المصحف على غير طهارة.
(١) ((المنتقى)) (٣٤٣/١).
٢٢١

١٥ - كتاب القرآن
(١) باب
(٤٥٥) حديث
وأدخل الإمام مالك - رضي الله عنه - تفسير هذه الآية في باب ((الأمر
بالوضوء لمن مس القرآن))، وليس يقتضي ظاهر تأويله لها الأمر بالوضوء،
ولكن يصح أن يدخله في الباب لمعنيين.
أحدهما: أنه أدخل هو في أول الباب ما يصحح هو الاحتجاج به على
الأمر بالوضوء لمن مسّ القرآن، وأدخل في آخر الباب ما يحتج به الناس في
ذلك وليس عنده بحجة، فأتى به وبيّن وجه ضعف الاحتجاج به، وهذا ما يفعله
أهل الدين والإنصاف.
والوجه الثاني: أنه يحتمل أن يكون مالك - رضي الله عنه - أدخله أيضاً
على وجه الاحتجاج في وجوب الوضوء لمس المصحف، وذلك أن الباري
تعالى وصف القرآن بأنه كريم، وأنه في الكتاب المكنون الذي لا يمسّه إلا
المطهرون، فوصفه بهذا تعظيماً له، والقرآن المكنون في اللوح المحفوظ هو
المكتوب في المصاحف، فوجب أن تمتثل في ذلك ما وصف الله تعالى به
القرآن، انتهى.
قلت: وقد علمت بما تقدم أن للمشايخ في تفسير الآية الأولى قولين.
قال الرازي: إن حمل اللفظ على حقيقة الخبر، فالأول أن يكون المراد القرآن
الذي عند الله تعالى، والمطهرون الملائكة، وإن حمل على النهي وإن كان في
صورة الخبر كان عموماً فينا وهذا أولى، لما روي عن النبي ◌ّ في أخبار
متظاهرة(١) أنه كتب لعمرو بن حزم: ((لا يمس القرآن إلا طاهر))، فوجب أن
يكون نهيه ذلك بالآية، إذ فيها احتمال له، انتهى. وقد أخرج السيوطي في
((الدر)) الآثار في كلا القولين.
(١) قال ابن عبد البر: وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل، وهو
عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل. ((الاستذكار)) (١٠/٨).
٢٢٢
---

١٥ - كتاب القرآن
(٢) باب
(٢) باب الرخصة في قراءة القرآن على غير وضوء
(٢) الرخصة في قراءة القرآن على غير وضوء
اعلم أن الوضوء من آداب التلاوة، وحكى صاحب ((الإحياء)»(١) عن علي
- رضي الله عنه -: من قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة
حسنة، ومن قرأه وهو جالس في الصلاة، فله بكل حرف خمسون حسنة، ومن
قرأه في غير الصلاة وهو على وضوء فخمس وعشرون حسنة، ومن قرأه على
غير وضوء فعشر حسنات، وما كان من القيام بالليل فهو أفضل، لأنه أفرغ
للقلب. وفي ((شرح الإحياء)): أخرجه الديلمي من حديث أنس مرفوعاً، وفيه:
من قرأ قاعداً، كان له بكل حرف خمسون حسنة، ومن قرأ في غير صلاة كان
له بكل حرف عشر حسنات، انتهى. لكن مع ذلك ذهب الجمهور إلى جواز
القراءة محدثاً .
قال الباجي (٢): أما الحدث الأصغر فإنه لا يمنع القراءة لتكرره، ولا
خلاف في ذلك نعلمه، انتهى. وكذا حكى عليه الإجماع غير واحد من
المشايخ. لكن الصواب أن فيه خلافاً لبعض السلف. قال الزرقاني (٣):
لا خلاف في ذلك بين العلماء إلا من شذّ منهم ممن هو محجوج بهم.
قال ابن رشد(٤): ذهب الجمهور إلى أنه يجوز لغير متوضئ أن يقرأ
القرآن، ويذكر الله عز وجل. وقال قوم: لا يجوز ذلك له إلا أن يتوضأ،
وسبب الخلاف حديثان متعارضان ثابتان، أحدهما: حديث أبي جهم في رد
السلام بعد التيمم، والحديث الثاني: حديث علي - رضي الله عنه -: ((أن
(١) ((إحياء علوم الدين)) (٢٧٥/١).
(٢). ((المنتقى)) (٣٤٥/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٨/٢).
(٤) انظر ((بداية المجتهد)) (٤٣/١).
٢٢٣

١٥ - كتاب القرآن
(٢) باب
(٤٥٦) حديث
٢/٤٥٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ
السَّخْتَيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَانَ فِي
قَوْم وَهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ .
رسول الله ◌َ﴾ كان لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة))، فصار
الجمهور إلى أن الحديث الثاني ناسخ للأول، وصار من أوجب الوضوء
لذكر الله إلى ترجيح الحديث الأول، انتهى.
قلت: لكن الروايات الدالة على جواز الذكر محدثاً أكثر من أن تحصى.
منها أحاديث الأدعية عند الوقاع والخروج من الخلاء، وعند الوضوء، وإذا
أرق من الليل، وفيه قراءة عشر آيات من آخر آل عمران. ولا حاجة إلى تكثير
الدلائل بعد إجماع الأئمة على ذلك.
٢/٤٥٦ - (مالك عن أيوب) بن أبي تميمة بفتح الفوقية وكسر الميم.
كيسان (السختياني) بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة. (عن محمد بن
سيرين) الأنصاري (أن عمر بن الخطاب كان في قوم. وهم يقرؤون القرآن) فيه
دليل على جواز الاجتماع لقراءة القرآن على معنى الدرس له، والتعليم
والمذاكرة، وسئل مالك - رضي الله عنه - عن قُرّاء مصر الذين يجتمع الناس
إليهم، فكان رجل منهم يقرأ في النفر يفتح عليهم، إنه حسن لا بأس به، وقال
مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: يقرأ ذا ويقرأ ذا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ
اَلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾(١)، ولو كان يقرأ واحد ويستثبت من يقرأ عليه،
أو يقرؤون واحداً واحداً على رجل واحد، لم أر به بأساً، وأما أن يجتمعوا
فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يعمل أهل الإسكندرية، وهي التي تسمى
القراءة بالإدارة، فكرهه مالك، وقال: لم يكن هذا من عمل الناس.
وأما القوم يجتمعون في المسجد أو غيره فيقرأ لهم الرجل الحسن
(١) سورة الأعراف: الآية ٢٠٤.
٢٢٤
.. . ..----
.-
.-
--- --
----------
--

١٥ - كتاب القرآن
(٢) باب
(٤٥٦) حديث
فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ :
الصوت فإنه ممنوع، قاله مالك؛ لأن قراءة القرآن مشروعة على وجه العبادة،
والانفراد بذلك أولى، وإنما يقصد بهذا صرف وجوه الناس، والأكل به خاصة
وفيه نوع من السؤال به، وهذا مما يجب أن ينزه عنه القرآن، قاله الباجي(١).
وفي ((الدرة المنيفة)) عن ((القنية)): يكره للقوم أن يقرؤوا القرآن جملة
لتضمنها ترك الاستماع والإنصات. وقيل: لا بأس به، انتهى. كذا في
((الطحطاوي على المراقي) من فروع الحنفية. (فذهب) عمر - رضي الله عنه -
(لحاجته) قال الباجي: كناية عن البول والغائط (ثم رجع) عمر (وهو يقرأ
القرآن) يعني لم يمنعه حدثه عن القراءة. (فقال له رجل) قال الباجي: هو
أبو مريم الحنفي إياس بن صبيح، من قوم مسيلمة الكذاب، انتهى.
وفي ((الأنساب)): الحنفي بفتح المهملة والنون نسبة إلى بني حنيفة، وهم
قوم أكثرهم نزل اليمامة، وكانوا قد تبعوا مسيلمة الكذاب، ثم أسلموا زمن
أبي بكر، وقال الزرقاني(٢): هو رجل من بني حنيفة كان آمن بمسيلمة، ثم
تاب وأسلم، ويقال: إنه الذي قتل زيد بن الخطاب، ولذا كان عمر - رضي الله
عنه - يستثقله، وقيل: إنه أبو مريم الحنفي، وأبى ذلك آخرون لأن عمر
- رضي الله عنه - ولى أبا مريم بعض ولايته، قاله ابن عبد البر، انتهى. قلت:
تولية عمر - رضي الله عنه - إياه بعض ولايته لا ينفي كونه قاتلاً لزيد بن
الخطاب، أو قائلاً لهذا الكلام في الحديث، كما لا يخفى على من طالع سير
الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم أجمعين -.
قال الحافظ في كنى ((الإصابة))(٣) في القسم الثالث: أبو مريم الحنفي
(١) ((المنتقى)) (٣٤٥/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٨/٢).
(٣) (١٧٦/٧).
٢٢٥

١٥ - كتاب القرآن
(٢) باب
(٤٥٦) حديث
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَسْتَ عَلَى وُضُوءٍ؟ فَقَالَ لَّهُ عُمَرَ:
مَنْ أَقْتَاكَ بِهِذَا؟ أَمُسَيْلِمَةُ؟ .
:
اليمامي ذكره الدولابي في الصحابة، وقال: اسمه إياس بن صبيح. وكان من
أصحاب مسيلمة الكذاب فأسلم، وولي بعد ذلك قضاء البصرة. وذكر عمر بن
شبّة، أن فتح رامهرمز كان على يديه، وقال في الأسماء: إياس بن صبيح بن
المحرش الحنفي، يكنى أبا مريم، قال ابن سعد: كان من أصحاب مسيلمة،
ثم تاب وحسن إسلامه، وولي قضاء البصرة في زمان عمر. أخبرنا يزيد بن
هارون بسنده إلى أبي مريم الحنفي أن عمر - رضي الله عنه - قرأ بعد الحدث،
فقال له أبو مريم: إنك خرجت من الخلاء، الحديث إسناده صحيح، ورواه
البخاري في ((تاريخه)) من طريق آخر عن هشام نحوه، وزعم العسكري أن
أبا مريم هذا غير أبي مريم الحنفي، الذي قتل زيد بن الخطاب، انتهى.
(يا أمير المؤمنين أتقرأ) بهمزة الاستفهام (القرآن و) الحال أنك (لست
على وضوء؟) قال الباجي(١): يحتمل من جهة اللفظ الاستفهام ويحتمل الإنكار
إلا أن جواب عمر - رضي الله عنه - يدل على أنه - رضي الله عنه - تلقى منه
ذلك على وجه الإنكار. (فقال) له (عمر) - رضي الله عنه -: (من أفتاك بهذا؟)
أي عدم جواز القراءة محدثاً المفهوم من الإنكار (أمسيلمة؟) بهمزة الاستفهام،
قال الباجي: إنما أضاف عمر - رضي الله عنه - هذا القول إليه لما كان القائل
به من قومه، ولبعده عن الصواب، انتهى.
ومسيلمة بكسر اللام أحد الكَذَّابين، اللذين رأى فيهما النبي ◌ِّ رؤياه
المشهورة في السوارين، طارا، أحدهما هذا، والثاني الأسود العنسي. كان
رئيس بني حنيفة، اسمه هارون بن حبيب وكنيته أبو ثمامة، ولقبه مسيلمة، قبيح
الخلقة دميم الصورة، سأل النبي ◌َّ الشركة معه أو الخلافة بعده، ثم تنبّأ بعد
(١) ((المنتقى)) (٣٤٥/١).
٢٢٦
.-
--- -

١٥ - كتاب القرآن
(٣) باب
(٣) باب ما جاء في تحزيب القرآن
وفاته وَل*، وتزوج بسجاح المدعية للنبوة، وجعل صداقها إسقاط صلاة الفجر
والعشاء، ولما قتل مسيلمة أخذها خالد بن الوليد فأسلمت. وكان قتل الملعون
في وقعة اليمامة المشهورة في زمان الصديق الأكبر - رضي الله عنه - وأرضاه،
في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة كما في ((الخميس)) (١)، وغيره.
(٣) ما جاء في تحزيب القرآن
الحزب بالحاء المهملة والزاي المعجمة، ما يجعله الرجل على نفسه من
قراءة أو صلاة كالورد، وأصل الحزب النوبة في ورود الماء. ((مجمع))(٢) بتغير.
ليس في تحزيب القرآن تحديد عند الجمهور، لا في القلة ولا في الكثرة، نعم
التعاهد به مأمور في عدة أحاديث، قال النبي وَلجر: ((تعاهدوا القرآن، فوالذي
نفسي بيده، لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها))، وقال ◌َّ: ((استذكروا القرآن
فإنه أشدّ تفصياً من صدور الرجال من النعم)). وغير ذلك من الروايات الكثيرة،
وقال النبي وَل﴾: ((اتلوه حق تلاوته آناء الليل وآناء النهار)). وقال الله عز اسمه:
﴾﴾(٣). قال صاحب ((الجلالين)):
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ
الاستفهام بمعنى الأمر.
وأخرج أبو داود عن ابن الهاد قال: سألني نافع بن جبير، فقال لي: في
كم تقرأ القرآن؟ فقلت: ما أُحَزِّبُه، فقال لي نافع: لا تقل: ما أُحَزِّبه، فإن
رسول الله وَ﴾ قال: ((قرأت جزءاً من القرآن)»، حسبت أنه ذكره عن المغيرة بن
شعبة .
قال الباجي(٤): يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخفّ عليه.
(١) انظر: ((تاريخ الخميس)) (١٥٧/٢).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٥٠٢).
(٣) سورة القمر: الآية ١٧ .
(٤) ((المنتقى)) (٣٤٦/١).
٢٢٧

١٥ - كتاب القرآن
(٣) باب
قال ابن قدامة(١): يستحب أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام، ليكون له
ختمةٌ في كل أسبوع، قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يختم القرآن في النهار
في كل سبعة، يقرأ في كل يوم سبعاً لا يتركه نظراً. وقال حنبل: كان أبو
عبد الله يختم من الجمعة إلى الجمعة. وذلك لما روي أن النبي وَّ قال
لعبد الله بن عمرو: ((اقرأ القرآن في سبع، ولا تزيدنَّ على ذلك))، رواه
أبو داود (٢).
٠٠
وعن أوس بن حذيفة قلنا لرسول الله وَله: لقد أبطأتَ عنا الليلة، قال:
((إنه طرأ عليّ حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أتمه)). قال أوس:
سألت أصحاب رسول الله ﴿﴿ كيف تُحَزِّبُون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس،
وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده، رواه
أبو داود(٣).
ويكره أن يؤخر ختمة القرآن أكثرَ من أربعين يوماً، لأن النبيِ وَّ سأله
عبدُ الله بن عمرو - رضي الله عنهما -، في كم يختم القرآن؟ قال: في أربعين
يوماً، ثم قال: في شهر، ثم قال: في عشرين، ثم قال: في خمس عشرة، ثم
قال: في عشر، ثم قال: في سبع، لم ينزل من سبع، أخرجه أبو داود(٤)،
وقال أحمد: أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين، ولأن تأخيره أكثر من
ذلك يفضي إلى نسيان القرآن، والتهاون به، فكان ما ذكرنا أولى، وهذا إذا لم
یکن له عذر.
(١) ((المغني)) (٦١١/٢).
(٢) أخرجه أبو داود (١٣٨٨).
(٣) أخرجه أبو داود (١٣٩٣).
(٤) أخرجه أبو داود (١٣٩٥).
٢٢٨

١٥ - كتاب القرآن
(٣) باب
٠٠
فأما مع العذر فواسعٌ له. وإن قرأه في ثلاث فحسنٌ لرواية عبد الله بن
عمرو عند أبي داود: ((اقرأه في ثلاث)). فإن قرأه في أقل من ثلاث، فقد روي
عن أبي عبد الله أنه قال: أكره أن يقرأ في أقل من ثلاث، وذلك لرواية عبد الله
بن عمرو - رضي الله عنهما - عند أبي داود ((لا يفقه من قرأه في أقل من
ثلاث))، وروي عن أحمد أن ذلك غير مقدر، وهو على حسب ما يجد من
النشاط والقوة، لأن عثمان - رضي الله عنه - كان يختمه في ليلة. وروي ذلك
عن جماعة من السلف، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): تسن القراءة في المصحف والختم في كل أسبوع،
ولا بأس به كل ثلاث وكره فوق أربعين، انتهى.
قال القاري (١): جرى على ظاهر الحديث جماعة من السلف، فكانوا
يختمون القرآن في ثلاث دائماً، وكرهوا الختم في أقل من ثلاث، ولم يأخذ به
آخرون نظراً إلى أن مفهوم العدد ليس بحجة. على ما هو الأصح عند
الأصوليين، فختمته جماعة في يوم وليلة، وآخرون مرتين، وآخرون ثلاثاً،
وختمه في ركعة من لا يحصون كثرة، وزاد آخرون على الثلاث، وختمه جماعة
مرة في كل شهرين، وآخرون في كل شهر، وآخرون في كل عشر، وآخرون في
كل سبع، وعليه أكثر الصحابة وغيرهم ويسمى ختم الأحزاب، وترتيبه في
الأصح بل الوارد في الأثر ما يؤخذ من قول منسوب إلى علي - كرّم الله
وجهه -: فمي بشوق.
قال النووي: المختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان
يظهر له بدقيق الفكر اللطائف والمعارف، فليقتصر على قدر يحصل كمال فهم
ما يقرؤه، ومن اشتغل بنشر العلم وفصل الخصومات من مهمات المسلمين،
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٠/٥).
٢٢٩

١٥ - كتاب القرآن
(٣) باب
(٤٥٧) حدیث
٣/٤٥٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ،
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
قَالَ: مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ،
فليقتصر على قدر لا يمنعه من ذلك، ومن لم يكن من هؤلاء، فليستكثر ما أمكنه
من غير خروج إلى حد الملالة أو الهذرمة، وهي سرعة القراءة.
قال النووي: كان السيد الجليل ابن كاتب الصوفي يختم بالنهار أربعاً،
وبالليل أربعاً، قال القاري: يمكن حمله على مبادئ طيٍّ اللسان وبسط الزمان،
وقد روي عن الشيخ موسى السدراني من أصحاب الشيخ أبي مدين المغربي،
أنه كان يختم في الليل والنهار سبعين ألف ختمة، ونقل عنه أنه ابتدأ بعد تقبيل
الحجر، وختم في محاذاة الباب بحيث سمعه بعض الأصحاب حرفاً حرفاً،
انتھی .
قلت: هذا من الغرائب، وما حكي عن الأصوليين أن المفهوم ليس
بحجة مسلم، لكن ليس هناك مفهوم، بل منطوق بعدم جواز الأقل من ثلاث،
نعم هو ثابت بآثار شهيرة كثيرة، والمراد بأحزاب فمي بشوق هو ما تقدم في
كلام ابن قدامة من قولهم: ثلاث وخمس، الحديث، أخرجه أبو داود في
((شرح الإحياء)) كأنه حزب على عدد الآي، إذ عددها ستة آلاف ومائتا آية
وست وثلاثون آية، قال صاحب ((القوت)): وقد اعتبرت ذلك في كل حزب
فرأيته يتقارب، وقال أبو الليث السمرقندي من أصحابنا: ينبغي أن يختم في
السنة مرتين إن لم يقدر على الزيادة، وقد روى الحسن بن زياد عن الإمام
أبي حنيفة أنه قال: قراءة القرآن في كل سنة مرتين إعطاءً لحقه؛ لأنه ◌َّالّ
عرض على جبرئيل عليه السلام في السنة التي قبض فيها مرتين.
٣/٤٥٧ - (مالك عن داود بن الحصين) بمهملتين مصغراً (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن عبد الرحمن بن عبد) بالتنوين بلا إضافة (القاري)
بشد الياء نسبة إلى القارة (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (قال: من فاته
حزبه) أي وِرْده الذي يعتاده من صلاة أو قراءة وغيرهما (من الليل) للنوم أو
٢٣٠

١٥ - كتاب القرآن
(٣) باب
(٤٥٧) حديث
فَقَرَأَهُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، إِلَى صَلاةِ الظَّهْرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ، أَوْ كَأَنَّهُ
أَدْرَكَهُ .
غيره فلم يؤده في الليل أو لم يتمه (فقرأه حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر)
قال ابن عبد البر (١): هذا وهم من داود لأن المحفوظ من حديث
ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، وعبيد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن
عبد القاري(٢): من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر. كتب
له كأنما قرأه من الليل، ومن أصحاب ابن شهاب من رفعه عنه بسنده عن عمر
- رضي الله عنه -، عن النبي وَ ل﴾، وهذا عند العلماء أولى بالصواب من رواية
داود، حين جعله من زوال الشمس إلى صلاة الظهر؛ لأن ذلك وقت ضيق قد
لا يسع الحزب، ورب رجل حزبه نصف القرآن أو ثلثه أو ربعُه ونحوه، ولأن
ابن شهاب أتقن حفظاً وأثبت نقلاً، انتهى.
وقد أخرجه مسلم(٣) وأصحاب ((السنن)) من طريق يونس عن ابن شهاب
بسنده عن عمر مرفوعاً (فإنه لم يفته أو) قال الراوي: (كأنه) بشدِّ النون (أدركه)
أي في الوقت، وهذا شك من الراوي، ولفظ مسلم: فقرأه فيما بين صلاة
الفجر وصلاة الظهر كُتِبَ له كأنما قرأه من الليل.
قال القاري (٤): قال بعض علمائنا: لأن ما قبل الظهر كأنه من جملة
الليل، ولذا يجوز الصوم بنية قبل الزوال. قال القاري: وفيه أن تقييد نية
الصوم بما قبل الزوال ليس لكونه من جملة الليل، بل لتقع النية في أكثر أجزاء
النهار، والمراد بما قبل الزوال فيه هو الضحوة الكبرى، فالوجه أن يقال في
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٩/٨).
(٢) عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر بن الخطاب قال :... إلخ في ((الاستذكار)).
(٣) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٧)، والنسائي (٢٦٠/٣)، وأبو داود في الصلاة
(١٣١٣) باب من نام عن حزبه، وابن ماجه (١٣٤٣).
(٤) (مرقاة المفاتيح)) (١٥٦/٣).
٢٣١

١٥ - كتاب القرآن
(٣) باب
(٤٥٧) حديث
.--
الحديث إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ
يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
قال القاضي: أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر يقوم مقامه فيما
ينبغي أن يعمل فيه من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر، وهو منقول عن
كثير من السلف، كابن عباس، وقتادة، والحسن وسليمان. كما ذكره السيوطي
في ((الدر))، وأخرج عن الحسن أنه قال: من عجز بالليل كان له في أول النهار
مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له في أول الليل مستعتب. فتخصيصه بما قبل
الزوال مع شمول الآية النهار بالكمال إشارة إلى المبادرة بقضاء الفوات، فإن
في التأخير آفات، أو لأن وقت القضاء أولى بالقضاء، أو لأن ما قارب الشيء
يعطى حكمه. ولا منع من الجمع، لاجتماع الحكم، فإن قائله ◌َالر أعطي
جوامع الكلم، انتهى.
قال الباجي(١): قال مالك فيمن فاته حزبه من الليل فذكره بطلوع الفجر:
يصليه فيما بينه وصلاة الظهر، لأنه أقرب وقت يمكنه فعله فيه والإتيان به،
انتھی .
وظاهر كلام ابن العربي والطحاوي أنهما حملاه على صلاة الليل
خاصة، ويُشْكل على الحديث ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً،
أخرجه أبو داود وغيره: ما من امرىءٍ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم، إلا
كتب له أجرُ صلاته، وكان نومه عليه صدقة، وجمع بينهما ابن العربي بأن
حديث عائشة - رضي الله عنها - بعد حديث عمر - رضي الله عنه - ضرورة لأن
فضل الله عز وجل لا يفسخ، قلت: أو يقال: إن حديث عمر - رضي الله عنه -
فيمن فاته بدون عذر أو بدون نية، وحديث عائشة - رضي الله عنها - فيمن فاته
وقد عزم على الأداء.
(١) ((المنتقى)) (٣٤٦/١).
٢٣٢

١٥ - كتاب القرآن
(٣) باب
(٤٥٨) حديث
٤/٤٥٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، جَالِسَيْن. فَذَعَا مُحَمَّدٌ
رَجُلاً. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِالَّذِي سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ:
أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ أَنَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَرَى فِي قِرَاءَةِ
الْقُرْآنِ فِي سَبْعِ؟ فَقَالَ زَيْدُ: حَسَنٌ. وَلأَنْ أَقْرَأَهُ فِي نِصْفٍ، أَوْ
عَشْرٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ.
٤/٤٥٨ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: كنت أنا
ومحمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة وشد الموحدة ابن منقذ الأنصاري،
(جالسين) بالتثنية منصوب على الخبرية، (فدعا محمد) بن يحيى (رجلاً) لم
أقف على اسمه (فقال: أخبرني) بصيغة الأمر، (بالذي) وفي النسخ المصرية:
((ما الذي)) بلفظ الاستفهام (سمعت من أبيك) في كم يقرأ القرآن، (فقال
الرجل: أخبرني أبي أنه أتى زيد بن ثابت) الأنصاري أحد كُتَّاب الوحي (فقال)
أبي له أي لزيد - رضي الله عنه -: (كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟ فقال
زيد) بن ثابت: هذا (حسن) وقد روي عنه ◌ّ في حديث عبد الله بن عمرو،
((اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك)).
ثم زاد زيد في الجواب على سؤال السائل بما فيه بيان الأولوية
والأفضلية مما تقدم، فقال: ((ولأن أقرأه في نصف شهر) أي في خمسة عشر
يوماً (أو عشرين) يوماً هكذا في النسخ الهندية بلفظ: عشرين، وفي النسخ
المصرية بلفظ: عشر، قال ابن عبد البر (١): كذا رواه يحيى وأظنه وهماً لرواية
ابن وهب وابن بكير وابن القاسم، لأن أقرأه في عشرين أو نصف شهر أحب
إليَّ وكذا رواه شعبة، انتهى.
قلت: فعلم بذلك أن الصواب في رواية يحيى لفظ: عشر كما في النسخ
المصرية، لكن اقتفينا في ذلك النسخ الهندية لقرائن لا تخفى. (أحبُّ إليَّ) أي
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤/٨).
٢٣٣

١٥ - كتاب القرآن
(٣) باب
(٤٥٨) حديث
وَسَلْنِي، لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ. قَالَ زَيْدٌ: لِكَيْ أَتَدَبَّرَهُ وَأَقِفَ
عَلَيْهِ .
من القراءة في سبعة أيام (وسلني) بصيغة الأمر (لم ذلك؟) وفي المصرية: لم
ذاك، يعني لم تحب القراءة في نصف الشهر أو عشرين أكثر من القراءة في
سبع؟ (قال) أبي: (فإني أسألك) لم ذلك (قال زيد: لكي أتدبره) أي معنى
القرآن (وأقف عليه) وقال عزّ اسمه: ﴿لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ﴾(١)، وقال تعالى: ﴿وَرَقِّلِ
الْقُرْءَانَ تَرِيلًا﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾(٣).
وقال حمزة لابن عباس: إني سريع القراءة إني أقرأ القرآن في ثلاث،
قال: لأن أقرأ سورة البقرة في ليلة أتدبّرها وأرتلها (٤) أحبُّ إليّ من أن أقرأ
القرآن كله حدراً كما تقول، وإن كنتَ لا بد فاعلاً فاقرأ ما تسمعه أذنك،
ويفهمه قلبك، وسئل مجاهد عن رجلين، قرأ أحدهما البقرة، وقرأ الآخر البقرة
وآل عمران، فكان ركوعهما وسجودهما وجلوسهما سواء، أيها أفضل، قال:
الذي قرأ البقرة، ثم قرأ ﴿وَقُرْءَانًا فَقْنَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْتٍ﴾ .
قال الباجي: قد تكلم الناس في الترتيل والهز(٥). فذهب الجمهور إلى
تفضيل الترتيل، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَّرْتِيلًا﴾ وكانت قراءة
النبي وَلّ موصوفة بذلك، قالت عائشة: وكان يقرأ بسورة فيرتّلها حتى تكون
أطول من أطول منها، وهو المروي عن أكثر الصحابة، وسئل مالك عن الهذ
في القرآن، فقال: من الناس من إذا هَذّ كان أخفّ عليه وإذا رتل أخطأ، ومن
الناس من لا يحسن يهذّ، والناس في ذلك على ما يخفّ عليهم وذلك واسع.
(١) سورة صّ: الآية ٢٩.
(٢) سورة المزمل: الآية ٤.
(٣) سورة الإسراء: الآية ١٠٦.
(٤) هكذا في ((شرح الزرقاني)) (١١/٣). وفي ((الاستذكار)) (٢٥/٨): أَدَّبرُها وأرتلُها .
(٥) هكذا في ((المنتقى)) (٣٤٦/١)، والظاهر الهذّ كما في ((الاستذكار)).
٢٣٤

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
(٤) باب ما جاء في القرآن
٥/٤٥٩ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
◌ُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ؛
قال القاضي أبو الوليد: ومعنى ذلك عندي، أنه يستحب لكل إنسان
ملازمة ما يوافق طبعه، ويخفّ عليه، فربما تكلف ما يخالف طبعه، ويشقُّ عليه
ويقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، وليس هذا مما يخالف ما قدمناه من
تفضيل الترتيل، لمن تساوى في حاله الأمران، والله أعلم. اهـ.
وقال السيوطي في ((الإتقان))(١): للقراءة ثلاث كيفيات، إحداها: التحقيق
وهو مذهب حمزة وورش، والثانية: الحدر، وهو مذهب ابن كثير وأبي جعفر،
ومن قصر المنفصل كأبي عمرو ويعقوب، والثالثة: التدوير، وهو التوسط بين
المقامين، وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة ممن مَدَّ المنفصل ولم يبلغ فيه
الإشباع، وهو مذهب سائر القراء، وهو المختار عند أكثر أهل الأداء.
(٤) ما جاء في القرآن
من كيفية نزوله وتعاهده وغير ذلك.
٥/٤٥٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري، هذا هو الصواب، ورواه
يحيى بن بكير، عن مالك فقال: عن هشام وهو وهم، قاله العيني (٢) (عن
عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد) بالتنوين بلا إضافة (القاري) بخفة راء
وشدِّ ياء، وفي رواية البخاري وغيره، عن مالك عن ابن شهاب، عن عروة،
عن المسور، وعبد الرحمن، قال الدارقطني: ورواه مالك بإسقاط المسور،
وكلها صحاح.
(١) انظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) (١ / ١٣١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢١/٢٠/١٠).
٢٣٥

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حدیث
أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ
حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا. وَكَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ أَقْرَأَنِيهَا. فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ.
(أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (يقول: سمعت
هشام بن حكيم) بفتح الحاء (ابن حزام) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزاي
المعجمة ابن خويلد بن أسد القرشي صحابي ابن صحابي أسلما يوم الفتح،
وأبوه حكيم ابن أخي أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد، وكان من فضلاء
الصحابة ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مات قبل أبيه، ووهم من زعم
أنه استشهد بأجنادين .
(يقرأ سورة الفرقان) وغلط من قال: سورة الأحزاب، (على غير ما أقرؤها)
من القراءة (وكان رسول الله (8) هو الذي) بنفسه الشريفة (أقرأنيها) أي سورة
الفرقان، وفي رواية عقيل، عن ابن شهاب: فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم
يقرئنيها رسول الله ێ﴾ .
قال ابن عبد البر(١): ففي هذه الرواية بيان أن اختلافهما كان في حروف
من السورة، لا في السورة كلها وهي تفسير لرواية مالك؛ لأن سورة واحدة
لا تقرأ حروفها كلها على سبعة، بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة
أوجهٍ إلا قليل، (فكدت أن أعجل) بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الجيم،
وفي رواية ((أعجل)) بضم الهمزة وفتح العين وكسر الجيم مشددة، أي أخاصمه
(عليه) أي على هشام، يعني في الإنكار عليه والتعرض له.
قال الباجي(٢): فيه دليل على تشددهم في أمر القرآن واهتبالهم بحفظ
حروفه ولغاته وضبطهم لقراءته المنسوبة، حتى بلغ ذلك لهم أن كاد عمر
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨/٨).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٧/١).
٢٣٦

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ. ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِثْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ وَ
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هُذَا يَقْرَأْ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ
- رضي الله عنه - يعجل هشام بن حكيم في صلاته، (ثم أمهلته حتى انصرف) من
الصلاة، ففي رواية عقيل عند البخاري(١): فكدت أساوره في الصلاة، فتصبَّرت
حتى سلَّم، فليس المراد انصرف من القراءة، كما زعم الكرماني وغيره.
(ثم لببته) بموحدتين أولاهما مشدّدة، وقال عياض: التخفيف أعرف،
قلت: لكن جملة من ضبطه من الشراح واللغويين ضبطه بالتشديد لا التخفيف،
قال المجد: اللبب المنحر كاللبة وموضع القلادة، ولبّه تلبيباً: جمع ثيابه عند
نحره في خصومة ثم جره، وفي ((المجمع)): لببته بردائه بالتشديد.
قلت: مأخوذ من اللبة لأنه يجمع عليها، (بردائه) أي أخذت بمجامعه،
وجعلته في عنقه، وجَرَّرْته به لئلا ينفلت، (فجئت به رسول الله ◌َ﴾) ولفظ
البخاري برواية عقيل: ((فلببته بردائه. فقلت: من أقرأك هذه السورة التي
سمعتك تقرأ، قال: أقرأنيها رسول الله مَ له. فقلت: كذبت، فإن رسول الله وَل
قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله (وَلاَ))،
الحديث .
وإنما فعل ذلك اجتهاداً منه لظنه أن هشاماً خالف الصواب، وساغ له
ذلك لرسوخ قَدَمِه في الإسلام وسابقته، بخلاف هشام فإنه من مسلمة الفتح،
فخشي أن لا يكون أتقن لقراءته، ولعل عمر - رضي الله عنه - لم يكن سمع
قبل ذلك حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف(٢).
(فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير
(١) أخرجه البخاري في ((باب أنزل القرآن على سبعة أحرف)) (٤٩٩٢).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٥/٩).
٢٣٧

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
مَا أَقْرَأْتَنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((أَرْسِلْهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((اقْرَأْ
يَا هِشَامُ)) فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
(هُكَذَا أُنْزِلَتْ))، ثُمَّ قَالَ لِي: ((اقْرَأُ)) فَقَرَأْتُهَا. فَقَالَ: ((هُكَذَا أُنْزِلَتْ،
ما أقرأننيها) ولفظ عقيل: ((على حروف لم تقرئنيها)) (فقال رسول الله وَ ل:
أرسله) بهمزة قطع، أي أطلق هشاماً، لأنه كان ممسوكاً بيده، وإنما أمره
بإِرْسَالِهِ قبل أن يقرأ، لتسكن نفسه ويثبت جأشه، ويتمكن من إيراد القراءة التي
قرأ؛ لئلا يدركه من الانزعاج ما يمنعه من ذلك، قاله الباجي(١).
وإنما سُومح في فعل عمر - رضي الله عنه - لأنه ما فعل لحظّ نفسه، بل
غضباً لله بناءً على ظنه، وأما قول ابن حجر: إنه - رضي الله عنه - بالنسبة إلى
هشام كان بمنزلة المعلم للمتعلم مدفوعٌ بأنه ليس للمعلم ابتداء أن يفعل مثل
هذا الفعل مع المتعلم، قاله القاري(٢).
(ثم قال) وَلّ لهشام: (اقرأ) يا هشام (فقرأ القراءة التي سمعته) أي سمعت
هشاماً إياها، على حذف المفعول الثاني، قاله القاري. (يقرأ) أي يقرؤها (فقال
رسول الله جر: هكذا أنزلت) السورة، وهذا تصويب لقراءة هشام (ثم قال لي:
اقرأ) أنت يا عمر، أمره بالقراءة لئلا يكون الغلط والخطأ والتغيير من جهته،
(فقرأتها) وفي رواية عقيل: فقرأت القراءة التي أقرأني، (فقال: هكذا أنزلت).
قال الزرقاني(٣): لم يقع في شيء من الطرق تفسير الأحرف التي اختلف
فيها عمر - رضي الله عنه - وهشام من سورة الفرقان، نعم، اختلفت الصحابة
فمن دونهم في أحرف كثيرة من هذه السورة، كما بيّنه في ((التمهيد)) بما يطول،
ولخصها الحافظ في ((الفتح))(٤)، فارجع إليه إن شئت.
(١) انظر: ((المنتقى)) (٣٤٧/١).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٥/٥).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١١/٢).
(٤) انظر: (فتح الباري)) (٢٦/٩ -٣٨)، و((التمهيد)) (٢٧٥/٨).
٢٣٨
-----------
۔

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
إِنَّ هُذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ،
قال الحافظ: وقد وقع عند الطبري من طريق إسحاق بن عبد الله بن
أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، قال: قرأ رجل فغير عليه عمر - رضي الله
عنه -، فاختصما عند النبي ◌َّ، فقال الرجل: ألم تقرئني يا رسول الله؟ قال:
بلى، قال: فوقع في صدر عمر - رضي الله عنه - شيءٌ عرفه النبي ◌ُّ في
وجهه، قال: فضرب في صدره، وقال: أَبْعِدْ شيطاناً، قالها ثلاثاً، ثم قال:
يا عمر! القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذاباً أو عذاباً رحمة، انتهى.
ثم قال ◌َ تطبيباً لقلب عمر - رضي الله عنه - وتبييناً لوجه تصويب
الأمرين المختلفين فقال: (إن هذا القرآن أنزل) بزيادة الألف في أوله في جميع
النسخ الهندية والزرقاني وغيرها، فهو ببناء المجهول من الإنزال، وفي بعض
النسخ المصرية بزيادة اللام في أوله لنزل، فهو ببناء المعلوم من النزول. (على
سبعة أحرف) جمع حرف. مثل: فلس وأفلس، ثم هكذا في جميع الروايات
الواردة بلفظ سبعة أحرف.
قال الزرقاني(١): أما حديث سمرة رفعه ((أنزل القرآن على ثلاثة أحرف))،
رواه الحاكم(٢) قائلاً: تواترت الأخبار بالسبعة إلا في هذا الحديث، فقال
أبو شامة: يحتمل أن بعضه على ثلاثة أحرف، كجذوة والرهب، أو أراد أنزل
ابتداءً على ثلاثة أحرف، ثم زيد إلى سبعة توسعةً على العباد.
قال القاري(٣): حديث نزل القرآن على سبعة أحرف، ادّعى أبو عبيدة
تواتره، لأنه ورد من رواية أحد وعشرين صحابياً، ومراده التواتر اللفظي، وأما
تواتره المعنوي فلا خلاف فيه، انتهى.
(١) (١١/٢).
(٢) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٢٣/٣).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦/٥).
٢٣٩

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
قلت: بسط السيوطي في ((الإتقان))(١) أسماءهم، وقال: أخرج أبو يعلى
في ((مسنده))، أن عثمان - رضي الله عنه - قال على المنبر: أذكّر الله رجلاً سمع
النبيِ وَ﴿ قال: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كافٍ شافٍ)) لما قام،
فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك، فقال: وأنا أشهد معهم، انتهى.
وقد اختلف أئمة الفن في هذا الحديث في مباحث:
الأول: في معنى الحديث، قال الحافظ (٢): قد اختلف العلماء في المراد
بالأحرف السبعة، على أقوال كثيرة بلّغها أبو حاتم بن حبان إلى خمسة وثلاثين
قولاً، وقال المنذري: أكثرها غير مختار، انتهى.
وقال القاري: اختلف في معناه على أحد وأربعين قولاً، منها أنه مما لا
يدرى معناه، انتهى. وقال ابن العربي: لم يأت في ذلك نص ولا أثر، وقال
أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي: هذا من المشكل الذي لا يدرى معناه،
لأن الحرف يأتي لمعانٍ، للهجاء والكلمة، وللمعنى، والجهة، قاله الزرقاني.
وبسط السيوطي في ((الإتقان)) الأربعين قولاً مع النسبة إلى قائليها .
الثاني: أن لفظ السبع للاحتراز أم لا؟ قال الزرقاني(٣): الأكثر أنها
محصورة في السبعة، وقيل: ليس المراد حقيقة العدد، بل التسهيل والتيسير
والشرف، فإن لفظ سبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون
في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين، وإلى هذا جنح
عياض ومن تبعه، ورد بحديث ابن عباس في ((الصحيحين)): ((أقرأني جبرئيل
على حرفٍ، فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف)).
(١) (١/ ٦١) .
(٢) ((فتح الباري)) (٢٦/٩).
(٣) (١١/٢).
٢٤٠
-- ------- -