Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٤ - كتاب القبلة (٣) باب (٤٤٣) حديث . بينما رسول الله ◌َ﴿ يخطب يوماً، الحديث. وأخرج أيضاً عن أبي سعيد: أن النبي ولو كان يحب العراجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد فرأى نخامة، الحديث. وقال الإسماعيلي: قوله: ((حكّه بيده))، أي تولى ذلك بنفسه لا أنه باشر بيده، ويؤيد ذلك حديث أبي داود برواية جابر: ((أنه حكها بعرجون)) . قال الحافظ(١): ولا مانع من التعدد، قلت: بل هو المتعين، ولا يبعد وقوع مثل هذا عن عدة أشخاص، فلا إشكال بما أخرجه البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيد: ((أن رسول الله وَل# رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة فحكّها بيده))، الحديث. وسياق أبي داود برواية جابر يدل على أن القصة وقعت في مسجد جابر، ولفظه عن عبادة بن الوليد، وقال: أتينا جابراً وهو في مسجده، فقال: ((أتانا رسول الله وَّر في مسجدنا هذا وفي يده عرجون ابن طاب، فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها فحتّها بالعرجون، ثم قال: أروني عبيراً، فقام فَتَّى من الحي يشتدُّ إلى أهله، فجاء بخَلُوق في راحته، فأخذه رسول الله بَّر، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة». وأخرج النسائي عن أنس، قال: ((رأى رسول الله وَ لّ نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمَرَّ وجهه. فقامت امرأة من الأنصار فحكّتها، وجعلت مكانها خلوقاً))، وذكر ابن خالويه: ((أن النبي وَ ل لما رأى النخامة في المحراب، قال: ((من إمام هذا المسجد؟)) قالوا: فلان، قال: ((عزلته))، فقالت امرأته: لِمَ عزل النبي ◌َّل زوجي عن الإمامة؟ فقال: رأى نخامة في المسجد. فعمدت إلى خلوقٍ طيب فخلقت به المحراب، فاجتاز عليه الصلاة والسلام بالمسجد، فقال: من فعل هذا؟ قال: امرأة الإمام! قال: ((قد وهبت ذنبه (١) (فتح الباري)) (٥٠٨/١). ١٨١ ١٤ - كتاب القبلة (٣) باب (٤٤٣) حديث ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّ، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ . لامرأته، ورددته إلى الإمامة))، فكان هذا أول خلوق في الإسلام، قاله (١) . العینی وأخرج أبو داود(٢) عن أبي سهلة الصحابي ((أن رجلاً أمّ قوماً، فبصق في القبلة ورسول الله وَلّ ينظر، فقال حين فرغ: ((لا يصلي لكم .. )) الحديث. فعلم بهذا كله تعدد القصة في ذلك، قال القرطبي: يصح الجمع بينهما بأن ذلك كان في أوقات مختلفة بينها، ففي وقت حكّها بيده وطيّبها، وفي وقت فعلته المرأة، ويمكن أن يقال: نسبة الحكّ والطيب إليه وَلّ مجازي باعتبار الأمر، انتهى. قلت: لكن يبقى إذاً الاختلاف بين المرأة والرجل وبين المساجد، فلا مفرَّ بدون التعدد. (ثم أقبل على الناس) بوجهه الكريم (فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق) بالجزم على النهي (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي قدام (وجهه) زاد الباجي: حال الصلاة، ثم قال: وهذا يحتمل معاني؛ أحدها: أنه نص في هذا الحديث على النهي عن البصاق قبل وجهه حال الصلاة لفضيلة تلك الحال على سائر الأحوال، فخصها بالذكر. الثاني: خص بالذكر حال الصلاة لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة في سائر الأحوال، قد تكون القبلة عن يساره، وهي الجهة التي أمر بالبصاق إليها وأمامه. والثالث: أنه لو لم ينص حال الصلاة يجوز المكلف أن يكون النهي توجه إلى سائر الأحوال، وإن حال الصلاة لا يجوز أن يقصد فيها إلى شيء وليبصق كيف تيسَّر له في قبلته وغيرها فبين بذلك أن هذا من إكرام القبلة وتنزيهها، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (١٤٩/٤/٢)، و((بذل المجهود)) (٣٢٤/٣). (٢) أخرجه أبو داود (٤٨١). ١٨٢ . .. ... ..-- ١٤ - كتاب القبلة (٣) باب (٤٤٣) حديث فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قِبَلَ وَجْهِهِ، إِذَا صَلَّى)). أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٣٣ - باب حكّ البزاق باليد في المسجد . ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١٣ - باب النهي عن البصاق في المسجد، في الصلاة وغيرها، حديث ٥٠. قال القسطلاني(١): الظاهر تخصيص المنع بحالة الصلاة، لكن التعليل بتأذي المسلم يقتضي المنع مطلقاً ولو لم يكن في الصلاة، نعم هو في الصلاة أشدّ إثماً مطلقاً وفي جدار القبلة أشدّ إثماً من غيرها من جدار المسجد، انتهى. (فإن الله تبارك وتعالى قبل وجهه إذا صلى) قال الخطابي: معناه: أن توجهه إلى القبلة مُفْضٍ له بالقصد منه إلى ربه، فصار بالتقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف، أي عظمة الله، أو ثوابه. وقال الباجي(٢): يحتمل ذلك معنيين؛ أحدهما: ثوابه وإحسانه، والثاني: أن الباري تعالى عزّ اسمه أمرنا باستقبال القبلة وتعظيمها، وتنزيهها، ولا سيما في حال الصلاة، فإن الله تعالى قِبل وجهه، بمعنى إنما أمره بتنزيهه وتعظيمه قبل وجهه، وإن في تعظيمه تلك الجهة تعظيم الله وطاعته، انتهى. وقال ابن عبد البر(٣): هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وقد نزع به بعض المعتزلة القائلين بأن الله عز وجل في كل مكان، وهو جهل واضح، لأن في الحديث: ((أنه يبزق تحت قدمه))، وفيه نقض ما أَصَّلُوه، وفيه ردٌّ على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تؤول به جاز أن يتأوّل به ذاك، قاله الحافظ (٤). (١) ((إرشاد الساري)) (٨٢/٢/١). (٢) ((المنتقى)) (٣٣٨/١). (٣) ((الاستذكار)) (١٨٣/٧). (٤) (٥٠٨/١). ١٨٣ : ١٤ - كتاب القبلة (٣) باب (٤٤٤) حدیث ٥/٤٤٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَ﴿؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّ رَأَى فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ بُصَاقاً، أَوْ مُخَاَطاً، أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ. أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٣٣ - حكّ البزاق باليد في المسجد . ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١٣ - باب النهي عن البصاق في المسجد، في الصلاة وغيرها، حديث ٥٢. وأجاد شيخ مشايخنا العلامة رئيس المتكلّمين مولانا محمد قاسم النانوتوي - نوّر الله مرقده - البحث في ذلك في رسالة كبيرة فارسية سماها (قبله نما)) وأجاب فيها عما يُشكل عن بعض المشركين أن المسلمين ينهون عن عبادة الأصنام ويعبدون بأنفسهم جدر الكعبة، ولا فرق بين عبادة الصنم وبين السجدة إلى الكعبة، فأبطل شيخنا - برّد الله مضجعه وأجزأه عنا وعن سائر المسلمين - بأجوبة لطيفة دقيقة، فارجع إليه إن شئت. ٥/٤٤٤ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة زوج النبي ◌ّ أن رسول الله وَله رأى) أي أبصر مرة (في جدار القبلة بصاقاً أو مخاطاً) هو ما يسيل من الأنف (أو نخامة) بضم النون والميم، هكذا في ((الموطأ)) وكذا في رواية البخاري عن مالك. قال الحافظ: وللإسماعيلي من طريق معن عن مالك: ((أو نخاعاً)) بدل مخاطاً وهو أشبه، والنخامة قيل: هي ما يخرج من الصدر، وقيل: النخاعة بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس، انتھی . - - - -------- والرواية هكذا بالشك في ((الموطأ))، وكذا عند الشيخين من رواية مالك. (فحكّه) أي الذي رأى في جدار القبلة، والحُّ إمرار جرم على جرم صكّاً، وفي الحديثين: تنزيه المساجد من كل ما يستقذر وإن كان ظاهراً، ويدل على طهارته ما ورد في الروايات من زيادة، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد ١٨٤ -. - . ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٥) حديث (٤) باب ما جاء في القبلة ٤٤٥ /٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، ◌َمَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ؛ بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا. قال ابن رسلان(١): ولا أعلم أحداً قال بنجاسة البزاق إلا إبراهيم النخعي، انتهى. وأخرج أبو داود قوله وّ لمن بصق في القبلة: ((إنك آذيت الله ورسوله))، قال ابن رسلان: واستدل به على أن البزاق في القبلة حرام لأن أذى الله ورسوله حرام. يدل على التحريم ما في «صحيحي ابن خزيمة وابن حبان)» من حديث حذيفة مرفوعاً: ((من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة، وتفله بين عينيه)) وذكر عدة روايات في معناه. وحكى القاري(٢) عن ابن العماد: لا خلاف أن من بصق بالمسجد استهانة به كفر، هذا، وقد روي عن النبي ◌َ﴾ بطرقٍ: ((البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها))، ونازع فيه النووي والقاضي عياض، وحاصل النزاع أن ههنا عمومين، أحدهما المذكور، والثاني قوله وَله: ((وليبصق عن يساره أو تحت قدمه))، فالنووي يجعل الأول عاماً ويخص الثاني بغير المسجد، وعكسه القاضي، فيجعل الثاني عاماً ويخص الأول بما إذا لم يرد دفنها، وقد وافق القاضي جماعةٌ منهم ابن مكي في (التنقيب)) والقرطبي في ((المفهم))، وذكر له الحافظ شواهد(٣). (٤) ما جاء في القبلة ٦/٤٤٥ - (مالك عن عبد الله بن دينار) المدني (عن عبد الله بن عمر) (١) انظر: ((بذل المجهود)) (١٤٤/٣). (٢) (مرقاة المفاتيح)) (٢٠٠/٢). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٥١٢/١). ١٨٥ ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٥) حديث أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ - رضي الله عنهما - قال ابن عبد البر (١): هكذا رواه جماعة إلا عبد العزيز بن يحيى، فإنه رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - والصحيح ما في ((الموطأ)). (أنه قال: بينما)، وفي بعض النسخ: (بينا))، وهما بمعنى (الناس) المعهودون في الذهن وهم أهل قباء ومن كان يصلي معهم، (بقباء) بالضم والمد والتذكير، والصرف على الأشهر، ويجوز القصر والتأنيث والمنع، وفيه مجاز حذف أي بمسجد قباء، (في صلاة الصبح). ولا يخالف حديث البراء في ((الصحيحين)) بصلاة العصر لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، وذلك في حديث البراء، والآتي إليهم بذلك عَبَّاد بن بشر، كما رواه ابن منده وغيره، وقيل: عَبَّاد بن نهيك، ورجح ابن عبد البر الأول، وقيل: عَبَّاد بن نصر الأنصاري، والمحفوظ عَبَّاد بن بشر. ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة، وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء وذلك في حديث ابن عمر (إذ جاءهم آتٍ) فاعل من الإتيان ولم يُسَمَّ الآتي. وما نقل ابن طاهر وغيره أنه عباد بن بشر فيه نظر، لأن ذلك ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر كما تقدم، فإن كان ما نقلوه محفوظاً، فيحتمل أن عباداً أتى بني حارثة أولاً في صلاة العصر، ثم توجّه إلى أهل قباء، فأعلمهم بذلك في صلاة الصبح، ومما يدل على تعددهما أن في مسلم عن أنس: ((أن رجلاً من بني سلمة مَرّ وهم ركوع في صلاة الفجر))، الحديث. فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سلمة غير بني حارثة، قاله الحافظ. .- وفَسَّر ابنُ رسلان الآتي في حديث أنس بعباد بن نهيك. (فقال: إن (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٨٨/٧)، و((شرح الزرقاني)) (٣٩٤/١). ١٨٦ ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٥) حديث رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ. رسول الله وَّة قد أنزل عليه الليلة قرآن) بالتنكير لإرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِىِ السَّمَاءِ ﴾ الآيات، وفيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي مجازاً . وقال الباجي: أضاف النزول إلى الليل على ما بلغه، ولعله لم يعلم بنزوله قبل ذلك، أو لعله ◌َ# أمر باستقبال الكعبة بالوحي، ثم أنزل عليه القرآن من الليلة، قاله الزرقاني(١). قال الحافظ(٢): واختلفت الروايات في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء أنها الظهر، وذكر محمد بن سعد في ((الطبقات)) يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي ◌ّ أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاماً، وحانت الظهر، فصلّى رسول الله بَّر بأصحابه ركعتين، ثم أمر، فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين. قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا، وأخرج ابن أبي داود بسند ضعيف عن عمارة بن رويبة بلفظ: إحدى صلاتي العشي، والبزار من حديث أنس بلفظ: وهو يصلي الظهر، وفيه ضعف، انتهى. وقال الحافظ(٣) أيضاً: التحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٥/١). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٠٣/١). (٣) ((فتح الباري)) (١/ ٩٧). ١٨٧ ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٥) حديث قلت: ولا يُشكل إذاً بما في إيمان البخاري من حديث البراء: أنه وقَالـ صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، الحديث. لكن يشكل عليه ما في ((روح المعاني))، إذ قال: ذكر القاضي تبعاً لغيره أنه ◌ّ صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين. وهذا كما قال السيوطي تحريف للحديث، فإن قصة بني سلمة لم يكن فيها النبي ◌َّ﴿ إماماً، ولا هو الذي تحول في الصلاة، فقد أخرج النسائي عن أبي سعيد بن المعلى: كنا نغدو إلى المسجد فمررنا يوماً ورسول الله وَّل قاعد على المنبر، فقلت: حدث أمرٌ، فجلست فقرأ رسول الله وَّ: ﴿قَدْ نَزَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية. فقلت لصاحبي: تعالَ نركع ركعتين، قبل أن ينزل رسول الله وَ ل، ثم نزل رسول الله وقدر، فصلى للناس الظهر يومئذ. وأخرج أبو داود عن أنس: ((مر رجل ببني سلمة وناداهم وهم ركوع))، الحديث. فما ذكر مخالف للروايات الصحيحة الثابتة عند أهل هذا الشأن فلا يعول علیه، انتهى. وفي ((التلقيح)) لابن الجوزي في السنة الثانية، قال محمد بن حبيب الهاشمي: حولت في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان زار # أم بشر في بني سلمة، فتغذّى هو وأصحابه، وجاء الظهر، فصلى بأصحابه في مسجد القبلتين ركعتين من الظهر إلى الشام، ثم أمر أن يستقبل القبلة وهو راكع في الركعة الثانية، فاستدار إلى الكعبة، ودارت الصفوف معه فسمي مسجد القبلتين، انتهى. وحكى الزرقاني(١) عن الحافظ برهان الدين: أن التحويل وقع في ركوع (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٧/١). ١٨٨ ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٥) حديث وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ. فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٣٢ - باب ما جاء في القبلة. ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢ - باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، حديث ١٣. الثالثة فجعلت الركعة كلها ركعة للقبلة لأنه لا اعتداد بالركعة، ما لم يرفع الرأس من الركوع، انتهى. وفي ((الخميس)) (١): في نصف شعبان يوم الثلاثاء حولت القبلة كما قاله ابن حبيب وقيل: في رجب، انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)) (٢): وكان التحويل في نصف شهر رجب على الصحيح وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وجزم موسى بن عقبة أنه كان في جمادى الآخرة (وقد أمر) ببناء المجهول (أن) أي بأن (يستقبل) بكسر الباء (الكعبة) فيه أنّ أفعاله ◌َّ يقتدى بها ما لم يقم دليلُ الخصوص. (فاستقبلوها) بفتح الموحدة رواية الأكثر أي فتحول أهل قباء إلى جهة الكعبة، ويحتمل الضمير للنبي وَلّ ومن معه، وفي رواية بالكسر أمر وهو الأوجه عندي لرواية البخاري، ((ألا فاستقبلوها))، ولئلا يتكرر قوله الآتي: ((فاستداروا إلى الكعبة))، (وكانت) قبل ذلك (وجوههم) أي أهل قباء (إلى الشام) أي بيت المقدس (فاستداروا إلى الكعبة) فالضمائر كلها إلى أهل قباء، ويحتمل النبي ومن معه ◌َّل ووقع بيان كيفية التحويل في حديث تويلة (٣) عند أبي حاتم. قالت: فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فيكون (١) ((تاريخ الخميس)) (٣٦٧/١). (٢) ((فتح الباري)) (١/ ٩٧). (٣) انظر: ((التمهيد)) (٤٦/١٧). ١٨٩ ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٦) حديث تحويل الإمام من مكانه إلى مؤخر المسجد، وهذا كله يستدعي عملاً كثيراً، والظاهر أنه وقع قبل تحريم العمل الكثير، أو اغتفر للمصلحة كصلاة الخوف، ويبعد ما يقال: إنه يحتمل إن لم تتوال الأقدام. وفي الحديث: أن حكم الناسي لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة مع أن أمر الاستقبال وقع قبل صلاتهم. وفي الحديث نسخ القطعي بخبر الواحد، فقيل: كان جائزاً إذ ذاك، والأوجه أن الخبر كان محتفًّا بِقَرائن، أفادت القطع عندهم، وهي انتظاره بَّ من قبل ذلك، فقد ورد أنه كان يدعو وينظر إلى السماء. قال الباجي(١): ظاهر الحديث يدل على أنهم بنوا على ما تقدم من صلاتهم، ولو شرع أحد صلاته إلى غير القبلة، وهو يظنها إلى القبلة ثم تبيّن له، فإن كان منحرفاً انحرافاً يسيراً رجع إلى القبلة وبنى، وإن كان منحرفاً عنها انحرافاً كثيراً استأنف الصلاة(٢). والفرق بينه وبين أهل القباء أنهم افتتحوا الصلاة إلى ما شرع لهم من القبلة، فلما طرأ النسخ في نفس العبادة لم يجز إفساد ما تقدم منها على الصحة، انتهى. قلت: ولا تفصيل في ذلك عندنا الحنفية، وتصح صلاته بكل حال، قال الإمام محمد في ((موطئه))(٣) بعد حديث الباب: قال محمد: وبهذا نأخذ فيمن أخطأ القبلة حتى صلى ركعة أو ركعتين، ثم علم أنه يصلي إلى غير القبلة فلينحرف إلى القبلة، فيصلي ما بقي، ويعتدّ بما مضى، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، انتهى. وبه قال أحمد. (١) ((المنتقى)) (٣٣٩/١). (٢) جملة قول مالك وأصحابه: أنه يعيد صلاته في الوقت، فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، ووجه الإعادة في الوقت استدراك الكمال، وذلك استحباب مؤكد عندهم. انظر: ((الاستذكار)) (٢١٦/٧). (٣) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤٤/٢). ١٩٠ -- ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٦) حديث ٧/٤٤٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ،وَلَ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً، قال الموفق(١): إن تغيّر اجتهاده في الصلاة استدار إلى الجهة الثانية وبنى على ما مضى من صلاته، نصَّ عليه أحمد في رواية الجماعة، وقال ابن أبي موسى والآمدي: لا ينتقل ويمضي على اجتهاده الأول، ثم استدل للقول الأول بقصة أهل قباء، ومذهب الشافعية الإعادة مطلقاً لمن اجتهد في القبلة فأخطأ، كما في ((الفتح))(٢) وغيره. ٧/٤٤٦ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب أنه قال) قال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٣): هكذا في ((الموطأ)) مرسلاً، وأسنده محمد بن خالد بن عثمة بمثلثة ساكنة قبلها فتحة عن مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة لكن انفرد به عن محمد المذكور عبد الرحمن بن خالد بن نجيح، وهو ضعيف، لا يحتج به، وقد جاء معناه مسنداً من حديث البراء وغيره، انتهى بزائد (صلى رسول الله نَ له بعد أن قدم المدينة) مهاجراً (ستة عشر شهراً). كذا رواه النسائي وأبو عوانة بعدة طرق عن البراء ورواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس، ورجحه النووي، وفي ((الصحيحين)) (٤) والترمذي عن البراء: ستة عشر أو سبعة عشر بالشك، وللبزار والطبراني عن عمرو بن عوف، وللطبراني عن ابن عباس: سبعة عشر شهراً، قال القرطبي: هو الصحيح . (١) ((المغني)) (١٠٧/٢). (٢) (٥٠٥/١). (٣) («التمهيد)) (١٣٤/٢٣). (٤) أخرجه البخاري (٣٩٩) ومسلم (٥٢٥). ١٩١ ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٦) حديث نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قال الحافظ(١): والجمع بينهما سهل، بأن من جزم بستة عشر لفق من شهري القدوم والتحويل شهراً، وألغى [الأيام] الزائدة، ومن جزم لسبعة عشر عدّهما معاً، ومن شك تردد في ذلك أن القدوم في شهر ربيع الأول بلا خلاف، والتحويل في نصف رجب على الصحيح، وبه جزم الجمهور، وقال ابن حبان: سبعة عشر شهراً وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم ثاني عشر ربيع الأول، ولابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش: ثمانية عشر شهراً وأبو بكر سيىء الحفظ، وقد اضطرب فيه، وخرجه بعضهم على قول محمد بن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النووي في ((الروضة)) وأقره مع كونه رجح في ((شرح مسلم)) رواية ستة عشر شهراً لكونها مجزوماً بها عند مسلم، ومن الشذوذ أيضاً ثلاثة عشر شهراً، ورواية تسعة عشر شهراً وعشرة أشهر وشهرين وسنتين، وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأول. فجملتها تسع روايات، انتهى. (نحو بيت المقدس) بأمر الله تعالى، وهو قول الجمهور ليجمع له بين القبلتين وتأليفاً لليهود كما قال أبو العالية، خلافاً لقول الحسن البصري: إنه باجتهاده، ولقول الطبري: خُيِّر بينه وبين الكعبة، فاختاره طمعاً في إيمان اليهود، ورُدَّ بما رواه ابن جرير عن ابن عباس لما هاجر رََّ إلى المدينة أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، الحديث. واختلف في صلاته وَّل بمكة فقال قوم: لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ، وقال قوم: يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضاً، وعن ابن عباس: كانت قبلته بمكة بيت المقدس لكنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، قاله القسطلاني(٢). ورجح الحافظان ابن حجر والعيني هذا الأخير، وضعّفا الأول لما فيه من تعدد النسخ. - (١) ((فتح الباري)) (٩٦/١)، و((عمدة القاري)) (٣٧٤/٣). (٢) انظر: ((إرشاد الساري)) (٦٨/٢). ١٩٢ ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٧) حديث ثُمَّ حُوَّلَتِ الْقِيْلَةُ قَبْلَ بَدْر بِشَهْرَيْنِ . ٨/٤٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وقال الجصاص في ((أحكام القرآن)): لم يختلف المسلمون أنه وَلّ كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس، وبعد الهجرة بمدة من الزمان، واختلفوا هل كان توجهه عليه السلام إلى بيت المقدس فرضاً لا يجوز غيره أو كان مخيّراً في ذلك؟ بالأول قال ابن عباس - رضي الله عنه -، وبالثاني قال الربيع بن أنس. وقال ابن العربي (١): نسخ الله القبلة ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية مرتين مرتين. وقال: ولا أحفظ رابعاً. اهـ. وقال أبو العباس الغرفي: الرابع الوضوء مما مسّت النار، كذا في ((القوت))، وزاد العيني عن بعضهم الكلام في الصلاة و (ثم حولت القبلة قبل) غزوة (بدر بشهرين) لأنها كانت في رمضان والتحويل على ما تقدم كان في نصف رجب على قول الجمهور. ٨/٤٤٧ - (مالك عن نافع أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - فيه إرسالٌ لأنه لم يلق عمر - رضي الله عنه -، ولعله حمله عن ابنه عبد الله - رضي الله عنهما -، قاله الزرقاني (٢). قلت: هو الظاهر، ووصله البيهقي بسنده إلى نافع بن أبي نعيم عن نافع عن ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهما -، وقد روي الحديث مرفوعاً برواية أبي هريرة عند الترمذي، ورواية ابن عمر - رضي الله عنهما - عند البيهقي بطريقين، قال البيهقي: تفرد بالأول ابن مجبر وبالثاني يعقوب، والمشهور رواية الجماعة حماد بن سلمة وزائدة ويحيى القطان وغيرهم عن عبيد الله عن نافع (١) ((عارضة الأحوذي)) (١٣٩/٢)، و((الكوكب الدري)) (٣٣١/١ -٣٣٢). (٢) (٣٩٥/١). ١٩٣ ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٧) حديث قَالَ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ. إِذَا تُوُجِّهَ قِبَلَ الْبَيْتِ. عن ابن عمر عن عمر من قوله، وروي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن النبي ◌َلّ مرسلاً . قال الزيلعي في ((نصب الراية))(١): الحديث رواه أبو هريرة، أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وتكلم فيه أحمد وقوّاه البخاري، ورواه أيضاً ابن عمر، أخرجه الحاكم في ((المستدرك))(٢) وقال: صحيح على شرطهما (قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجه) بضم التاء، ولابن وضَّاح: بفتحها أي المصلي (قبل) بكسر ففتح أي إلى جهة (البيت) أي الكعبة الشريفة. واختلفت أئمة الفقه والحديث في معنى الحديث، وشرحه على أقوالٍ : أحدها: ما فسره به فقهاء المالكية، فقالوا: ورد الحديث لأهل المدينة خاصة، والمعنى: أن ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا جعل البيت إلى وجهه، بحيث يجعل المغرب إلى يمينه والمشرق إلى يساره، وهذا احتراز عن عكسه بحيث يجعل المشرق إلى يمينه فحينئذ يكون مستدبر الكعبة. قال العراقي: ليس عاماً في سائر البلاد، وإنما هو بالنسبة إلى المدينة المشرفة وما وافق قبلتها. وهكذا قال البيهقي في ((الخلافيات)) وقال أحمد بن خالد: إنما ذلك لأهل المدينة ومن كان مثلهم ممن قبلته بين المشرق والمغرب رواه محمد بن مسلمة عن مالك، وأما من كان من مكة في المشرق أو في المغرب فإن قبلتهم ما بين الجنوب والشمال ولهم من السعة في ذلك مثل ما لأهل المدينة وغيرهم، وهذا الذي قال أحمد بن خالد بَيِّنٌ صحيح، انتهى كلام الباجي. وقال ابن عبد البر: هذا صحيح لا مدفع له، ولا خلاف بين أهل العلم فيه، انتهى. (١) (٢٠٥/١). (٢) (٣٠٣/١). ١٩٤ ١٤ - كتاب القبلة (٤) باب (٤٤٧) حديث ٠ وثانيها: ما فسره به الحنابلة. قال الباجي(١): قال الإمام أحمد بن حنبل: قوله: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة))، هذا في كل البلدان إلا بمكة عند البيت، فإنه إن زال عنها شيئاً وإن قلّ؛ فقد ترك القبلة، انتهى. وبسطه الشوكاني في ((النيل)). قال ابن قدامة في ((المغني))(٢): الواجب على سائر من بعُد من مكة طلبُ جِهَةِ الكعبة دون إصابة العين، قال أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة، فإن انحرف عن القبلة قليلاً لم يُعِدْ، ولكن يتحرى الوَسَطَ، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي في أحد قوليه كقولنا والآخر الفرض إصابة العين بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٍ﴾ (٣) ولنا قوله وَلّر: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة))، رواه الترمذي(٤) وقال: حسن صحيح، وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، انتهى. قلت: وهذا أحد المعنيين فسره بهما الزيلعي إذ قال: الحديث له معنيان أحدهما أن المراد صحة الصلاة في جميع الأرض، انتهى. وثالثها: ما فسره به أصحاب الشافعي أن ليس المراد من هذا الحديث أن كل ما يصدق عليه أنه بين مشرق ومغرب فهو قبلة؛ لأن جانب القطب الشمالي يصدق عليه ذلك وهو بالاتفاق ليس بقبلة، بل المراد أن الشيء الذي بين مشرق معين ومغرب معين قبلة، وهو المشرق الشتوي والمغرب الصيفي، لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل، والمغرب (١) انظر: ((المنتقى)) (٣٤٠/١)، و((الاستذكار)) (٢٢٠/١). (٢) (١٠١/٢). (٣) سورة البقرة: الآية ١٥٠. (٤) أخرجه الترمذي برقم (٣٤٢). ١٩٥ ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٨) حديث صَلىالله وسه (٥) باب ما جاء في مسجد النبي ٩/٤٤٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاح، الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل والذي بينهما هو سمت مكة، انتهى . ورابعها: أحد الأقوال الذي فسره بها صاحب ((المجمع)): أن المراد به المسافر إذا التبس عليه قبلته، انتهى. قلت: فالظاهر على هذا معنى قوله: ((إذا توجه)) أي إذا تحرَّى وقصد توجه البيت. وخامسها: أنه محمول على التطوع في السفر، ومعنى قوله: إذا توجه قبل البيت يعني في الشروع، وهذا على رأي من اشترط فيها التحريمة إلى القبلة. قلت: وليس في حديث الترمذي لفظ: إذا توجه إلى البيت فيحتمل معانيَ أخر مثل قبلة المريض والخائف والتطوع على الراحلة عند من لا يشترط التوجه في التحريمة وغير ذلك، هذا وقد علم مما سبق اختلاف الأئمة في القبلة . وحاصله كما في ((روح المعاني)): أن صرف الوجه في مكان يكون مسامتاً ومحاذياً للكعبة هو مذهب أبي حنيفة وأحمد وهو قول أكثر الخراسانيين من الشافعية، ورجحه الغزالي في ((الإحياء))، وقال العراقيون والقفال منهم: يجب إصابة العين، وقال الإمام مالك: إن الكعبة قبلة أهل المسجد والمسجد قبلة مكة وهي قبلة الحرم وهو قبلة الدنيا، وفي حديث ابن عباس مرفوعاً ما يدل عليه، وهذا الخلاف في غير من يكون شاهداً، أما هو فيجب عليه إصابة العين بالإجماع، انتهى. وقريب من ذلك ما قاله ابن قدامة في ((المغني)) (١). (٥) (ما جاء) في فضل الصلاة (في مسجد النبي وَيد) بالمدينة المنورة ٩/٤٤٨ - (مالك عن زيد بن رباح) بفتح الراء وتخفيف الموحدة وحاء (١) انظر: ((المغني)) (١٠٠/٢). ١٩٦ -- ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٨) حديث وَغُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَلْمَانَ الأَغَرّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ مهملة، المدني الثقة المتوفى سنة ١٣١هـ، قاله الزرقاني(١). وفي ((الخلاصة))(٢): قتل سنة إحدى وأربعين ومائة، وذكرهما الحافظ، وزاد سنة ١٣٥ هـ وقال: روى عنه مالك مقروناً بعبيد الله بن أبي عبد الله الأغر في أكثر المواضع، من رواة البخاري والترمذي في ((الجامعين)) وأبي داود والنسائي في غير كتابي ((السنن)). (وعبيد الله) بضم العين المهملة مصغراً، قال الحافظ: قال بعضهم: عبد الله والصحيح الأول (ابن أبي عبد الله) سلمان الأغر الآتي بيانه، المدني، ثقة من رواة البخاري والترمذي وابن ماجه في ((الصحاح)) والنسائي في غير ((السنن)). (عن أبي عبد الله) ليس في بعض النسخ الهندية لفظ الكنية، بل فيها عن عبد الله الأغر هو تصحيف من الناسخ، ليس في الرواة أحد اسمه عبد الله الأغر، بل أبو عبد الله سلمان بفتح السين المهملة وسكون اللام (الأغر) بفتح الهمزة والغين المعجمة وشدّ الراء المهملة، المدني الثقفي مولى جهينة، أصله من أصبهان ثقة كان قاصاً من أهل المدينة قليل الحديث من رواة الستة. (عن أبي هريرة) قال أبو عمر: لم يختلف على مالك في إسناده في (الموطأ))، ورواه محمد بن سلمة المخزومي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس، وهو غلط فاحش وإسناده مقلوب، ولا يصح فيه عن مالك إلا حديث ((الموطأ))، وقد روي عن أبي هريرة من طرق متواترة كلها صحاح ثابتة، كذا في ((العيني))(٣)، زاد: وروى عن أبي هريرة غير الأغر سعيد وأبو صالح وابن قارظ وأبو سلمة وعطاء. (١) (٢/٢). (٢) (١٢٨). (٣) ((عمدة القاري)) (٢٥٥/٧/٤). ١٩٧ ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٨) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((صَلاَّةٌ فِي مَسْجِدِي هُذَا، (أن رسول الله (وَلي قال) وفي الباب عن علي وميمونة وأبي سعيد وجبير بن مطعم وعبد الله بن الزبير وابن عمر وأبي ذر والأرقم بن الأرقم وأنس، واختلف فيه عليه. وأيضاً عن جابر وسعد بن أبي وقاص وأبي الدرداء وعائشة، ذكر تخريج هذه الروايات العيني تركناها للاختصار. (صلاة) التنكير للوحدة أي صلاة واحدة (في مسجدي هذا) بالإشارة يدل على أن تضعيف الصلاة في مسجد المدينة يختص بمسجده وّ الذي كان في زمانه دون ما أضيف فيه بعده تغليباً للإشارة، وبه صرح النووي، فخص التضعيف بذلك بخلاف المسجد الحرام، فإنه لا يختص بما كان لأن الكل يعمه اسم المسجد الحرام. قال العيني: إذا اجتمع الاسم والإشارة هل تغلب الإشارة أو الاسم؟ فيه خلاف. فمال النووي إلى تغليب الإشارة، فعلى هذا إذا اقتدى بزيد فإذا هو عمرو يصح اقتداؤه، وجزم ابن الرفعة بعدم الصحة، ومذهبنا كما يظهر من قولهم: إذا اقتدى بفلان فإذا هو غيره لا يجزيه إذ الاسم يغلب الإشارة، انتهى. قلت: تقدم البحث في ذلك في الجزء الأول في الجمعة، والمرجح عندنا تضعيف الأجر في المزيد. قال القاري(١): قال النووي: المضاعفة تختص بالأول، ووافقه السبكي وغيره، واعترضه ابن تيمية وأطال البحث، والمحب الطبري وأوردا آثاراً استدلا بها، وبأنه سُلِّم في مسجد مكة أن المضاعفة لا تختص بما كان إذ ذاك، وبأن الإشارة في الحديث إنما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه وص الات، وبأن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - لما سئل عن ذلك أجاب بعدم الخصوصية، وقال: لأنه أخبر ◌َ ◌ّ بما يكون بعده، وزُويت له الأرض، فعلم بما يحدث (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٧/٢). ١٩٨ --- --- -* ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٨) حديث خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٠ - كتاب الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ١ - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٩٤ - باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، حديث ٥٠٥. بعده، ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن يستزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر ذلك عليهم. وبما في ((تاريخ المدينة))(١) عن عمر - رضي الله عنه - أنه لما فرغ من الزيادة قال: لو انتهى إلى الجبّانة(٢) لكان الكل مسجد النبي ◌َّ﴾، وفي رواية: إلى ذي الحليفة، وبما رُوِيَ عن أبي هريرة مرفوعاً: سمعت رسول الله وَل يقول: ((لو زيد في هذا المسجد ما زيد لكان الكل مسجدي))، وفي رواية: ((لو بُنِي هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي))، هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر في ((الجوهر المنظم))، انتهى. (خير من ألف صلاة) تصلى (فيما سواه إلا المسجد الحرام) بالنصب على الاستثناء وروي بالجر على أن إلا بمعنى غير. وفي الحديث عدة أبحاث: الأول: في التضعيف في المزيد من المسجد وقد تقدم. والثاني: في معنى الاستثناء. قال الكرماني: الاستثناء يحتمل ثلاثة أمور: أن يكون مساوياً لمسجد الرسول، وأفضل منه، وأدون منه، بأن مسجد المدينة ليس خيراً منه بألف بل بتسعمائة مثلاً ونحوه. وقال ابن بطال: يجوز فيه التساوي، وأن يكون فاضلاً أو مفضولاً، والأول أرجح؛ لأنه لو كان فاضلاً أو مفضولاً لم يعلم مقدار ذلك، إلا بدليل بخلاف المساواة، وقال أبو بكر عبد الله بن نافع صاحب مالك: معناه: أن الصلاة في مسجد (١) انظر: ((خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى وَالر)) (٤٨٨/١). (٢) جبانة: بالفتح ثم التشديد، والجبّانُ في الأصل، الصحراء، وأهل الكوفة يسمون المقابر جبّانة ((معجم البلدان)) (٩٩/٢). ١٩٩ ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٨) حديث الرسول مَ﴾ أفضل من الصلاة في الكعبة بألف درجة، وأفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة، وقال بذلك جماعة من المالكيين، ورواه بعضهم عن الإمام مالك، قال الباجي: روى أشهب عن مالك: أن الصلاة في مسجده وَلّ تفضل أقل من ألف صلاة في المسجد الحرام، وبهذا قال ابن نافع، انتھی . وقال عامة أهل الفقه والأثر: إِنَّ الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة فيه، لظاهر الأحاديث، كذا في ((العيني))(١). قال الحافظ(٢): دليل كونه فاضلاً ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان عن عطاء عن ابن الزبير مرفوعاً : ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا)). قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت، ومثله لا يقال بالرأي، وفي ابن ماجه عن جابر مرفوعاً: ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه، وصلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة فيما سواه)) رجال إسناده ثقات، لكنه من رواية عطاء، قال ابن عبد البر: جائز أن يكون لعطاء فيه عنهما، وعلى ذلك يحمله أهل العلم بالحديث؛ لأن عطاء واسع الرواية معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير. وبسط القاري الكلام على توثيقه وصحته، وللبزار والطبراني عن أبي الدرداء رفعه: ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة))، قال البزار: إسناده حسن، فوضح بذلك أن المراد بالاستثناء تفضيل المسجد الحرام، انتهى. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٥٧/٧/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٦٧/٣). ٢٠٠ 1