Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٣ - كتاب الاستسقاء (٣) باب (٤٣٩) حديث ثُمَّ يَتْلُو هُذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمَسِكَ فَلَاْ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِمَّ﴾ ٠ عزّ وجلّ علينا، (ثم يتلو) لبيان المراد بالفتح في كلامه (هذه الآية) التي في سورة فاطر: (﴿مَّا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾)(١) أي مطر ورزق على هذا القول. واختلفت الأقوال في تفسير الآية وقد بُسِطَتْ في محلها (﴿فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾) أي لا يستطيع أحد أن يمنعها عنهم (﴿وَمَا يُمْبِكَ فَلَا مُرْسِلَ لَكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾). قال الباجي(٢): يريد بذلك أنه لا نوء ينزل المطر ولا ينزل به، وإن الذي يُنْزِل به المطر، هو فتح الله تعالى الرحمة للناس، انتهى. قال الزرقاني(٣): استعمل النوء في الفتح الإلهي للإشارة إلى رد معتقد الجاهلية من إسناده للكواكب، كأنه يقول: إذا لم تعدلوا عن لفظ نوء، فأضيفوه إلى الفتح، انتهى. قلت: بل لعله إشارة إلى أن المنع من نسبة المطر ليس للفظ النوء، فإن النوء إذ نسب إلى صفته عز وجل فلا بأس بذلك، وإنما المنع من نسبة المطر إلى غيره سبحانه وتقدَّس . (١) سورة فاطر: الآية ٢. (٢) ((المنتقى)) (٣٣٥/١). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٠/١). ١٦١ ١٤ - كتاب القبلة (١) باب ١٤ - كتاب القبلة (١) باب النهي عن استقبال القبلة، والإنسان على حاجته (١) (النهي عن استقبال القبلة) وكذا استدبارها (والإنسان) الواو حالية (يريد حاجته) أي البول أو الغائط، وفي النسخ المصرية ((والإنسان على حاجته))، وهو المراد بما في النسخ الهندية، وإلاّ فالنهي عن الاستقبال عند الإرادة لم يرد، ولم يقل به أحد. واختلفت الروايات في ذلك، ولذا اختلفت فيه فقهاء الأمصار على ثمانية أقوال: الأول: المنع مطلقاً. والثاني: الإباحة مطلقاً. والثالث: التفرقة بين الصحارى والبنيان؛ وهذه الثلاثة من المذاهب الشهيرة في الباب، وسيأتي الكلام عليها بنوع من البسط. والرابع: لا يجوز الاستقبال مطلقاً لا في الصحارى، ولا في العمران، ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد. والخامس: أن النهي للتنزيه، ونسب إلى إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي ثور، قلت: وهو ظاهر صنيع ((الموطأ)» كما ترى. السادس: جواز الاستدبار في البنيان فقط، وهو مروي عن أبي يوسف. السابع: التحريم مطلقاً حتى في القبلة المنسوخة، وهو محكي عن إبراهيم وابن سيرين. الثامن: أن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، وأما من كانت قبلته إلى الشرق والغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار، قاله أبو عوانة صاحب المزني. قال العيني في ((شرح البخاري)) (١) للأقوال الأربعة الأول: هذه المذاهب (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٧٨/٢/١)، و((فتح الباري)) (٢٤٦/١). ١٦٢ ---- ١٤ - كتاب القبلة (١) باب الأربعة مشهورة عن العلماء، ولم يذكر النووي غيرها، وكذلك عامة شراح البخاري . قلت: وأشهرها الثلاثة الأول منها، وذكرها عامة الشراح. الأول: المنع مطلقاً وهو قول أبي أيوب الأنصاري ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وأبي ثور وأحمد في رواية، ونسبه في ((البحر)) إلى الأكثر، ورواه ابن حزم في ((المحلّى)) عن أبي هريرة وابن مسعود وسراقة بن مالك وعطاء والأوزاعي وعن السلف من الصحابة والتابعين، قاله الشوكاني (١). قال الحافظ: هو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي ورجحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم، وحجتهم أن النهي مقدم على الجواز، انتهى. والثاني: الجواز مطلقاً، وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة الرأي شيخ مالك وداود الظاهري. والثالث: التفرقة بين الصحارى والبنيان، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو مروي عن العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبي وإسحاق بن راهويه، ونسبه في ((الفتح)) إلى الجمهور. قلت: وتوضيح مسلك الأئمة الثلاثة كما في فروعهم هكذا، قال في ((نيل المآرب)): ويُحَرَّمُ استقبال القبلة واستدبارها بشرطين؛ الأول: أن يكون في الصحراء. والثاني: أن يكون بلا حائل، ويكفي إرخاء ذيله والاستتار بدابة وجدار وجبل. وفي ((الشرح الكبير)) للمالكية: جاز بمنزل وطء وحدث مستقبل قبلة ومستدبراً، وإن لم يلجأ لا في الفضاء إلا بساتر، وهذا هو المعتمد، وما زاد على ذلك فهو ضعيف. وفي شرح محمد بن قاسم على متن أبي شجاع من فروع الشافعية: يجتنب وجوباً قاضي الحاجة استقبال الكعبة واستدبارها في الصحراء، إن لم يكن بينه وبين القبلة ساتر، والبنيان في هذا كالصحراء إلا البناء المعَدَّ لقضاء الحاجة فلا حرمة فيه مطلقاً . (١) ((نيل الأوطار)) (١٠٣/١/١). ١٦٣ ١٤ - كتاب القبلة (١) باب قال ابن رشد في ((البداية))(١) بعد ذكر هذه الأقوال الثلاثة: والسبب في اختلافهم هذا حديثان متعارضان ثابتان، أحدهما حديث أبي أيوب الأنصاري، والثاني حديث ابن عمر، فذهب الناس في هذين الحديثين إلى ثلاثة مذاهب؛ أحدها: مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح، والثالث: الرجوع إلى البراءة الأصلية إذا وقع التعارض، والمراد بالبراءة الأصلية عدم الحكم، ومن ذهب إلى الجمع حمل حديث أبي أيوب على الصحارى وحيث لا سترة، وحمل حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - على السترة، ومن ذهب إلى الترجيح رَجَّح حديث أبي أيوب، لأنه إذا تعارض حديثان، أحدهما فيه شرع موضوع، والآخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم، ولم يعلم المتقدم منهما من المتأخر، وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع، انتهى. قال العيني (٢): واستدل أهل المقالة الأولى أيضاً بحديث عبد الله بن الحارث بن جزء: أنا أول من سمع النبي ◌َّ يقول: ((لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة))، الحديث، ولا التفات إلى ما قال ابن يونس في ((تاريخه)): إن الحديث معلولٌ فإن ابن حبان صححه، وبحديث معقل بن أبي معقل: نهى رسول الله وَاليهود أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط، أخرجه ابن ماجه وأبو داود، والنهي عن القبلتين يحتمل أن يكون على معنى الاحترام للبيت المقدس، إذ كان مرة قبلتنا، ويحتمل أن يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة، وبحديث سلمان - رضي الله عنه - قال: نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، الحديث. أخرجه مسلم والأربعة، وبحديث أبي هريرة: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، الحديث، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، انتهى. (١) ((بداية المجتهد)) (١/ ٨٧). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٩٤/٢). ١٦٤ .- --- : - ---- ١٤ - كتاب القبلة (١) باب قال ابن العربي (١): المختار - والله الموفق - أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء ولا في البنيان، لأنا إذا نظرنا إلى المعاني فقد بيَّنا أن الحرمة للقبلة، ولا يختلف هذا في البادية ولا في الصحراء، وإن نظرنا إلى الآثار، فإن حديث أبي أيوب عام في كل موضع معلل بحرمة القبلة، وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يعارض، ولا حديث جابر لأربعة وجوهٍ؛ أحدها: أنه قول وهذان فعلان ولا معارضة بين القول والفعل. والثاني: أن الفعل لا صيغة له، وإنما هو حكاية حال وحكايات الأحوال معرَّضة للأعذار والأسباب والأقوال لا محتمل فيها من ذلك. الثالث: أن القول شرع مبتدأ وفعله عادة، والشرع مقدم على العادة. والرابع: أن هذا الفعل لو كان شرعاً لما تستر به، انتهى. قال الشيخ ابن القيم في ((الهدي)): وكان لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا بغائط فإنه نهي عن ذلك في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وعبد الله بن الحارث وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - وعامة هذه الأحاديث صحيحة وسائرها حسن، والمعارض لها إما معلول السند وإما ضعيف الدلالة فلا يرد صريح نهيه المستفيض عنه بذلك، كحديث عراك عن عائشة: حولوا مقعدتي قبل القبلة، رواه الإمام أحمد، وقال: هو أحسن ما روي في الرخصة وإن كان مرسلاً، ولكن هذا الحديث طعن فيه البخاري وغيره من أئمة الحديث ولم يثبتوه ولا يقتضي كلام الإمام أحمد تثبيته ولا تحسینه . قال الترمذي في ((العلل الكبير)): سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: فيه اضطراب، والصحيح عندي عن عائشة قولها. قال ابن القيم: وله علة أخرى وهي انقطاعه بين عراك وعائشة فإنه لم يسمع منها، وقد رواه (١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٧/١). ١٦٥ ١٤ - كتاب القبلة (١) باب عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذّاء عن رجل عن عائشة، وله علة أخرى وهي ضعف خالد بن أبي الصلت، ومن ذلك حديث جابر: رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها، وهذا الحديث غرّبه الترمذي بعد تحسينه، وقال في ((كتاب العلل)): هذا حديث صحيح رواه غير واحد عن ابن إسحاق، فإن كان مراد البخاري صحته عن ابن إسحاق لم يدل على صحته في نفسه، وإن كان مراده صحته في نفسه، فهي واقعة عين، حكمها حكم حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، لما رأى رسول الله وَل يقضي حاجته مستدبر الكعبة وهذا يحتمل وجوهاً ستة، نسخ النهي، وعكسه، وتخصيصه به ◌َّله، وتخصيصه بالبنيان، وأن يكون العذر اقتضاه المكان أو غيره، وأن يكون بياناً لأن النهي ليس للتحريم، ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين. وإن كان حديث جابر لا يحتمل الوجه الثاني منها، فلا سبيل إلى ترك أحاديث النهي الصحيحة الصريحة المستفيضة بهذا المحتمل مع سلامة قول أصحاب العموم من التناقض الذي يلزم المفرقين بين الفضاء والبنيان، فإنه يقال لهم: ما حدّ الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان ولا سبيل إلى ذكر حد فاصل، وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزاً لذلك لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينها جبل قريب أو بعيد، كنظيره في البنيان، وأيضاً فإن النهي تكريم لجهة القبلة، وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان، وليس مختصاً بنفس البيت فكم من جبل وأكمة حائل بين البائل وبين البيت بمثل ما يحول جدران البنيان وأعظم، وأما جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها، وعلى الجهة وقع النهي لا على البيت نفسه فتأمله، انتهى. وقال الشوكاني في ((النيل)) (١): الإنصاف الحكم بالمنع مطلقاً، والجزم بالتحريم حتى ينتهض دليل يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة، ولم نقف (١) ((نيل الأوطار)) (١٠٣/١/١). ---- - ١٦٦ - - ١٤ - كتاب القبلة (١) باب على شيء من ذلك إلا ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - من قوله: إنما نهي عن ذلك في الفضاء لحصر النهي فيه وسيأتي ما فيه، انتهى. قلت: وقد علم مما سبق أنهم اختلفوا في علة النهي أيضاً، قال ابن العربي(١): اختلف في تعليل المنع في الصحراء، فقيل: لحرمة المصلين، وقيل: لحرمة القبلة، لكن جاز في الحواضر للضرورة، والتعليل بحرمة القبلة أولى بخمسة أوجهٍ؛ أحدها: أن الوجه الأول قاله الشعبي فلا يلزم الرجوع إليه. الثاني: أنه إخبار عن مغيب فلا يثبت إلا عن الشارع. الثالث: أنه لو كان لحرمة المصلين لما جاز التغريب والتشريق أيضاً لأن العورة لا تخفى معه أيضاً عن المصلين، وهذا يعرف باختبار المعاينة. الرابع: أن النبي ◌َّ عَلّل بحرمة القبلة فروي أنه قال: ((من جلس لبولٍ قبالة القبلة فذكر فانحرف عنها إجلالاً لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له)) أخرجه البزار. الخامس: ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحرمة للقبلة لقوله: ((لا تستقبلوا القبلة))، فذكرها بلفظها، فأضاف الاحترام لها، انتهى. وفي ((الدسوقي)) (٢): اختلف في علة المنع هل هي للستر من الملائكة المصلين وصالحي الجن لأنهم يطوفون في الصحارى، وعلى هذا لو كان هناك ساتر جاز لوجود الستر أو هي تعظيم القبلة، وهو المختار، وهذا يستوي فيه الصحارى والمدن، فمقتضى القياس المنع فيهما لكن أبيح في المدن للضرورة، انتهى. وكذا في ((حواشي الإقناع)) وغيره، ثم الذين قالوا: إن النهي لإكرام القبلة اختلفوا في أن النهي لخروج الخارج من القبل والدبر إلى القبلة، فيدخل فيه الجلوس لإخراج دم الفصد والحجامة وغير ذلك، أو لكشف العورة فيدخل فيه الوطء مستقبلاً القبلة والختان والاستحداد وغير ذلك، والبسط في ((المطولات)). (١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٤/١). (٢) (١٠٩/١). ١٦٧ ١٤ - كتاب القبلة (١) باب (٤٤٠) حديث ١/٤٤٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ، مَوْلَى لَآَلِ الشِّفَاءِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مَوْلَى أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّه سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ وَثِهِ، وَهُوَ بِمِصْرَ، ويكره عندنا الحنفية الاستقبال والاستدبار تحريماً في الغائط والبول، وتنزيهاً في الوطء وغيره كما في ((الشامي)). ١/٤٤٠ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن رافع بن إسحاق) الأنصاري المدني تابعي ثقة من رواة الترمذي والنسائي (مولى لآل الشفاء) كذا ليحيى وقوم، وقال آخرون: عن مالك مولى الشفاء بحذف آل، وهذا إنما جاء عن مالك قاله أبو عمر(١)، يعني أن مالكاً - رضي الله عنه - يقول تارة: آل وأخرى لا يقولها، قاله الزرقاني. قلت: وأهل الرجال يذكرونه بمولى الشفاء بدون لفظ الآل والشفاء بكسر الشين المعجمة وبالفاء يمد ويقصر وضبطها صاحب ((المغني)) و((رجال جامع الأصول)) بالمد بنت عبد الله بن عبد شمس أم سليمان بن أبي حثمة صحابية قرشية أسلمت قبل الهجرة (وكان يقال له: مولى أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري جد إسحاق الراوي، ويقال: مولى أبي أيوب الأنصاري. (أنه) أي رافع (سمع أبا أيوب) خالد بن زيد (الأنصاري) البدري (صاحب النبي). وفي النسخ المصرية: صاحب رسول الله (مَلة) يل من كبار الصحابة (وهو بمصر) هكذا في رواية النسائي(٢)، وفي رواية ((الصحيحين)) وأبي داود والترمذي: فقدمنا الشام، قال السيوطي في ((زهر الربى)): قال العراقي في (١) انظر: ((التمهيد)) (٣٠٤/١). (٢) ((سنن النسائي)) (٢٢/١). ١٦٨ ١٤ - كتاب القبلة (١) باب (٤٤٠) حديث يَقُولُ: وَاللَّهِ! مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَابِيْسِ(١)؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((إِذَا ذَهَبَ أَحَذُكُمُ الْغَائِطُ أَوِ الْبَوْلَ، ((شرح أبي داود)): لا تنافي بين الروايتين، فيمكن أنه وقع له هذا في البلدين معاً قدم كلاً منهما فرأى مراحيضهما إلى القبلة، انتهى. ولو حُمِلا على وحدة القصة فيمكن التوجيه بأن قوله: وهو بمصر حال لقوله: سمع، والإشارة بهذه الكراييس إلى مراحيض الشام، فتأمل. (يقول) أبو أيوب: (والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكراييس) قال السيوطي: بياءين مثناتين من تحت قال في ((النهاية)): يعني الكنف واحدها كرياس، وهو الذي يكون مشرفاً على سطح بقناة إلى الأرض، فإذا كان أسفل فليس بكرياس، سُمِّي به لما تَعْلَقُ به من الأقذار، ويتكرس كَكِرْسِ الدِّمَنِ، وقال الزمخشري: الكرناس بالنون، انتهى. وقال المجد: الكرياس الكنيف في أعلى السطح بقناة من الأرض فعيال من الكرس للبول والبعر المتلبد، قال الزرقاني: الكرابيس: المراحيض، وقيل: تختص بمراحيض الغرف، وأما مراحيض البيوت فيقال لها: الكنف(٢)، انتهى. (وقد قال رسول الله وآثر: إذا ذهب أحدكم لغائط أو لبول) بلام فيهما منكراً هكذا في النسخ التي بأيدينا من النسخ الهندية، وأما في النسخ المصرية فبلفظ: الغائط أو البول، وهكذا عند الزرقاني، فقال: بالنصب على التوسع، وفي نسخة: إلى الغائط أو البول، ولفظة ((أو)) للتنويع لرواية بول ولا غائط، فما قاله الباجي: يحتمل الشك من الراوي ليس بوجيه، وأصل الغائط المكان المطمئن من الأرض في الفضاء كان يقصد لقضاء الحاجة، ثم كني به عن العذرة نفسها كراهة لذكرها بخاص اسمها، وعادة العرب استعمال الكنايات صوناً للألسنة عما تصان الأسماع والأبصار عنه، فصارت حقيقة عرفية غلبت على الحقيقة اللغوية. (١) كذا في نسخة (ف) والزرقاني. (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٧٧/٧). ١٦٩ ١٤ - كتاب القبلة (١) باب (٤٤٠) حديث فَلا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَذْبِرْهَا بِفَرْجِهِ)). أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ١١ - باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول. ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ١٧ - باب الاستطابة، حديث ٥٩. وقال ابن العربي(١): أصله المكان المطمئن من الأرض كانوا أتوه للتستر عند الحاجة فسميت به وغلب عليها حتى صار هذا اللفظ في الحاجة أعرف منه في مكانها وهو أحد قسمي المجاز. (فلا يستقبل) بكسر اللام لأن ((لا)) ناهية على ما ضبطه الحافظ، وتبعه الزرقاني، وقال العيني: يجوز فيه الوجهان الكسر على أنه نهي، والضم على أنه نفي (القبلة) بالنصب أي الكعبة، فاللام للعهد (ولا يستدبرها) أي لا يجعلها مقابل ظهره (بفرجه). قال الحافظ(٢): ظاهر الروايات من قوله: لا يستدبرها ببول أو بغائط اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة، وقيل: مثار النهي كشف العورة، ونقله ابن شاس المالكي قولاً في مذهبهم، وكأنه تمسك برواية ((الموطأ)): ((لا تستقبلوا القبلة بفروجكم))، لكنها محمولة على المعنى الأول أي حال قضاء الحاجة جمعاً بين الروايتين، انتهى. قلت: والأوجه عندي أن زيادة ((بفرجه)) ليست للإشارة إلى مثار النهي ليحتاج إلى الجمع بين الروايات، بل إشارة إلى أن المعتبر ههنا الاستقبال بالفرج بخلاف الصلاة، فإن المعتبر فيها الاستقبال بالصدر، قال ابن عابدين: نص الشافعية على أنه لو استقبلها بصدره وحَوّل ذكره عنها، وبال لم يكره بخلاف عكسه، فالمعتبر الاستقبال بالفرج، وهو ظاهر قول محمد في ((الجامع الصغير)): يكره أن يستقبل القبلة بالفرج في الخلاء، انتهى. (١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٤/١). (٢) ((فتح الباري)) (٢٤٦/١). ١٧٠ ----- ١٤ - كتاب القبلة (١) باب (٤٤١) حديث ٢/٤٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَرِ، وفي ((الصحيحين)) وغيرهما زيادة وهي: قال أبو أيوب: وقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة فننحرف ونستغفر الله. ووجه الاستغفار بوجوه ذكرت في محلها، ولعل أبا أيوب لم يبلغه حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، أو بلغه ولم يره مخصصاً، وحمل ما رواه على العموم وهو الظاهر قال ابن عبد البر: هكذا يجب على كل من بلغه شيء أن يستعمله على عمومه حتى يثبت ما يخصصه أو ینسخه. ٢/٤٤١ - (مالك عن نافع) مولى ابن عمر (عن رجل من الأنصار أن رسول الله ◌َجلة) قال ابن عبد البر (١): هكذا رواه يحيى وأما سائر الرواة فهم يقولون: عن رجل من الأنصار عن أبيه أن رسول الله وَ لل، وهو الصواب كذا في ((التنوير))، وفي ((الخلاصة)): نافع عن رجل من الأنصار عن أبيه هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، قلت: عبد الرحمن من مشاهير التابعين ووالده أبو ليلى صحابي، له عدة أحاديث ذكرها أهل الرجال، وأخرجها أحمد في ((مسنده) لكني لم أجد فيها حديث الباب. قلت: وههنا اختلاف آخر في نسخ ((الموطأ)) وهو أن سياق النسخ المصرية كلها مغاير لسياق النسخ الهندية، ففي الأولى: عن رجل من الأنصار أن رسول الله وَ﴾ نهى، الحديث. وفي الثانية: عن رجل من الأنصار أنه سمع رسول الله وَلّ ينهى، الحديث. والظاهر عندي: أن هذا الاختلاف مبني على الاختلاف الأول، ففي الروايات التي فيها تصريح بواسطة الأب فيها تصريح بالسماع أيضاً، ويؤيده رواية الطحاوي عن ابن وهب أن مالكاً حدثه عن نافع أن رجلاً من الأنصار أخبره عن أبيه أنه سمع رسول الله وَلّل ينهى، الحديث. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦١/١)، و(«التمهيد)) (١٢٥/١٦). ١٧١ ١٤ - كتاب القبلة (٢) باب نَهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ لِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ . (٢) باب الرخصة في استقبال القبلة لبول أو غائط وترك الواسطة في رواية يحيى، فلفظ السماع في روايتها ليس على وجهه، فتأمل. (نهى أن نستقبل) بالنون في النسخ الهندية فهو بفتح أوله ببناء المتكلم المعروف وبالتاء في النسخ المصرية، وبضم أوله ضبطه الزرقاني، فهو ببناء المجهول الغائب. (القبلة) بالنصب مفعول على النسخ الهندية، وضبطه الزرقاني بالرفع نائب الفاعل واللام للعهد، فالمراد الكعبة على الظاهر، ويحتمل شموله بيت المقدس إذ كان قبلة، قاله الزرقاني (لبول أو الغائط) وفي معناه الاستدبار عند الجمهور كما تقدم خلافاً لمن فرق بينهما . (٢) الرخصة في استقبال القبلة لبول أو غائط قد تقدم أن مسلك الإمام مالك - رضي الله عنه - جواز الاستقبال في البنيان وتحريمه في الصحارى، وهذا وجه الجمع بين مختلف الروايات عنده، وهذا هو المشهور في الكتب وهو المعتمد في مذهبه لما عليه أهل فروعه قاطبة، لكن ظاهر صنيع ((الموطأ)) أن وجه الجمع عند الإمام مالك - رضي الله عنه - كون روايات النهي عزيمة وروايات الإباحة رخصة محمولة على بيان الجواز، فيكون مؤدى ذلك المذهب الخامس من المذاهب الثمانية المتقدمة، ويكون ذلك إحدى الروايتين عن الإمام مالك كما هو إحدى الروايات لبعض الأئمة الآخرين، فتأمل . وهذا أوجه عندي لموافقة الظاهر مما قاله الزرقاني: إن الرخصة شرعاً الإباحة للضرورة، وقد تستعمل في إباحة نوع من جنس ممنوع، فالرخصة ههنا تناولت بعض أحوال قضاء الحاجة وهي ما إذا كانوا في البيوت، انتهى. ولا شك أن هذا التوجيه يوافق المشهور من قول الإمام - رضي الله عنه - إلا أن ظاهر السياق يؤيد الأول. ١٧٢ ..--- ۔۔ - ١٤ - كتاب القبلة (٢) باب (٤٤٢) حديث ٣/٤٤٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ نَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أُنَاساً يَقُولُونَ: إِذَا فَعَنْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ. ثم الظاهر أن المراد بالقبلة في الترجمة الكعبة ليوافق الترجمة السابقة، وليس في الحديث الآتي استقبال الكعبة فيمكن أن يوجّه أن المراد في الترجمة الاستقبال والاستدبار معاً والحديث يطابق الجزء الثاني، أو يقال: لما كان حكم الاستقبال والاستدبار عند المصنف واحداً ذكر الحديث لأجل هذا المعنى، ويحتمل على البعد أن المراد بالقبلة في الترجمة البيت المقدس إما باعتبار أنها كانت قبلة، أو باعتبار أن المنسوخ منها التوجه في الصلاة، وسائر أحكامها باقية على ما كانت قبل النسخ، كذا أفاده شراح ((الموطأ)). ٣/٤٤٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة وشد الموحدة (عن عمه واسع بن حبان) والثلاثة مدنيون أنصاريون تابعيون، وقيل: لواسع صحبة، (عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أنه كان يقول) قال الحافظ (١): أي ابن عمر كما صرح به مسلم في روايته، ومن زعم أن الضمير لواسع فوهم منه، وأورد ابن عمر - رضي الله عنهما - هذا القول منكراً له ثم بيّن سبب إنكاره بما رواه عن النبي و 18 من رؤيته (أن ناساً) بدون الألف في أوله وفي النسخ بزيادة الألف في أوله، وهو بضم الهمزة في أوله بمعنى الناس. أشار ابن عمر - رضي الله عنهما - بذلك إلى رد من كان يقول بعموم النهي لعموم الروايات وهم جماعة من الصحابة منهم أبو أيوب وأبو هريرة ومعقل الأسدي وغيرهم، (يقولون: إذا قعدت على حاجتك) كناية عن التبرز ونحوه، وذكر القعود على الغالب وإلا فحال القيام كذلك (فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس) بالنصب عطف على القبلة، وفيه لغتان مشهورتان فتح الميم (١) ((فتح الباري)) (١/ ٢٤٧). ١٧٣ ١٤ - كتاب القبلة (٢) باب (٤٤٢) حديث قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّه وسكون القاف وكسر الدال المهملة مخففاً، وضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع معناه المطهر من الأصنام أو من الذنوب، والمخفف لا يخلو إما أن يكون مصدراً أو مكاناً، قاله العيني(١)، أي بيت مطهر الذنوب (قال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - رداً على القول المذكور ذكر الراوي هذا اللفظ مكرراً للتأكيد. ورَدُّ ابن عمر - رضي الله عنهما - يحتمل رد العموم بتخصيص الإباحة بالكنف، ويحتمل الرد بعموم الإباحة كما قال به داود وغيره، ولكن رواية أبي داود(٢) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - بنفسه بلفظ إنما نهى عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس به يعين الأول إلا أن الرواية مما تُكُلِّمَ فيها(٣) . (لقد ارتقيت) أي صعدت، واللام جواب قسم محذوف (على ظهر بيت لنا) وفي رواية: ((على ظهر بيتنا))، وفي أخرى: ((على ظهر بيت حفصة))، وجمع بينها الحافظ بأن إضافة البيت إليه على سبيل المجاز لكونها أخته، أو يقال: حيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبي ◌َّر، وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونها كانت شقيقته، ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب، انتهى. (فرأيت رسول الله وَّة) ولم يقصد ابن عمر - رضي الله عنهما - الإشراف على النبي ◌ّ في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة كما في رواية (١) ((عمدة القاري)) (٣٩٧/٢). (٢) أخرجه أبو داود (٣/١ - ٤) باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. (٣) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٩/١). ١٧٤ - ٠. ----- ١٤ - كتاب القبلة (٢) باب (٤٤٢) حديث عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلَّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ، قَالَ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي، وَاللَّهِ. البخاري: ((ارتقيت لبعض حاجتي))، ((فحانت منه التفاتة)) كما في رواية للبيهقي، قال الأبي في ((شرح مسلم)) (١): لعل اطلاعه بغير قصد، وقيل: إنه قصد ليعلم حكم الجلوس لقضاء الحاجة وذلك يظهر برؤية الوجه دون رؤية غيره، انتهى . قلت: وهذا بعيد. (على لبنتين) بفتح اللام وكسر الموحدة وفتح النون تثنية لبنة وهي ما يصنع من الطين أو غيره للبناء قبل أن يحرق، وفيه أدب الجالس لقضاء الحاجة أن يرتفع عن الأرض (مستقبلاً) بدون الإضافة في النسخ الهندية، فبيت المقدس منصوب على المفعولية وبالإضافة في النسخ المصرية (بيت المقدس) مستدير الكعبة (لحاجته) أي لأجل حاجته، ولابن خزيمة: «فرأيته يقضي حاجته محجوباً عليه بلبن))، وللحكيم الترمذي بسند صحيح: ((فرأيته في كنيف)). وانتفى بهذا إيراد من قال: ممن يرى الجواز مطلقاً، قلت: واختلفت الفقهاء في التمسك بهذا الحديث كما سيأتي بيانها . (ثم قال) ابن عمر - رضي الله عنهما -: (لعلك) خطاب لواسع، وغلط من زعم أنه مرفوع (من الذين يصلون على أوراكهم) قال المجد: الوَرِكُ بالفتح والكسر، ككتف، ما فوق الفخذ، مؤنثة جمعه أوراك، والورك محركة عظمها، وتورَّك فلان الصبيَ جعله على وركه معتمداً عليها، وفي الصلاة وضع الوَرِك على الرِّجل اليمنى أو وضع أَليته أو إحداهما على الأرض وهذا منهي عنه، انتھی . (قال) واسع: (قلت: لا أدري) أي لا أشعر (والله) أنا منهم أم لا؟ يعني (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٣/٢). ١٧٥ ١٤ - كتاب القبلة (٢) باب (٤٤٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الَّذِي يَسْجُدُ وَلَا يَرْتَفِعُ عَلَى الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ . أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ١٢ - باب من تبرز على لبنتين. ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ١٧ - باب الاستطابة، حديث ٦١. لا شعور عنده بشيء مما ظنه ابن عمر - رضي الله عنهما - به، ولذا لم يُغَلِّظ له ابن عمر - رضي الله عنهما - في الزجر. قاله الحافظ (قال) أي الإمام (مالك) - رضي الله عنه - في تفسير قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: يصلون على أوراكهم (يعني الذي يسجد ولا يرتفع عن(١) الأرض) يعني لا يرفع وركيه عن الأرض في السجود (يسجد) قال العيني(٢): جملة في محل النصب على الحال، انتهى. قلت: بل استئناف تفسير بأوضح عبارة لقوله الأول: الذي يسجد ولا يرتفع على الأرض يعني يسجد (وهو) جملة حالية (لاصق) بوركيه (بالأرض). قال الحافظ(٣): يعني من يلصق بطنه بوركيه إذا سجد وهو خلاف هيئة السجود المشروعة وهي التجافي والتجنح. وفي ((النهاية)): وفسر بأنه يُفَرِّج ركبتيه، فيصير معتمداً على ورکیه. واستشكلت مناسبة ذكر ابن عمر - رضي الله عنهما - هذه المسألة مع الأولى، وأجاب عنه الكرماني باحتمال أنه أراد أن الذي خاطبه لا يعرف السنة إذ لو عرفها لعرف الفرق بين الفضاء وغيره، أو الفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس، وكنى عمن لا يعرف السُّنَّة بالذي يصلي على وركيه، لأن فاعل ذلك لا يكون إلا جاهلاً، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلف وليس في السياق أن واسعاً سأله عن المسألة الأولى حتى ينسبه إلى عدم معرفتها، ثم الحصر مردود لأنه قد يسجد على وركيه ممن يعلم سنن الخلاء. (١) هكذا في أصل الشارح. (٢) ((عمدة القاري)) (٣٩٨/٢). (٣) ((فتح الباري)) (٢٤٨/١). ١٧٦ -- ... ١٤ - كتاب القبلة (٢) باب (٤٤٢) حديث ٠٠٠ ٫٠٠ والذي يظهر ما يدل عليه رواية مسلم بلفظ: (كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - مسندٌ ظهره إلى القبلة، فلما قضيت صلاتي وانصرفت إليه من شقي، فقال عبد الله: يقول ناس))، الحديث، ليس فيه ذكر الصلاة على الورك، فكأن ابن عمر - رضي الله عنهما - رأى منه في حال سجوده شيئاً لم يتحققه عنده، فقدمها على ذلك للأمر المظنون، ولا بُعْدَ أن يكون قريبَ عهدٍ بقول من نقل عنهم ما نقل، فأحب أن يعرفه هذا الحكم لينقله عنه على أنه لا يمتنع إبداء مناسبة بين هاتين المسألتين، بأن يقال: لعل الذي يسجد وهو لاصق بطنه بوركيه كان يظن امتناع استقبال القبلة بفرجه، على كل حال، فأشار ابن عمر - رضي الله عنهما - إلى أن الستر بالثياب كافٍ كما أن الجدار كافٍ في كونه حائلاً بين العورة والقبلة، انتهى. ثم حديث الباب اختلفت فقهاء الأمصار في التمسك به ومناط الحكم في ذلك على أقوال: الأول: أنه حجة لمن فرق بين الاستقبال والاستدبار، قال الحافظ: دل حديث ابن عمر على جواز الاستدبار وحديث جابر على جواز الاستقبال، ولولا ذلك لكان حديث أبي أيوب لا يخص من عمومه بحديث ابن عمر إلا جواز الاستدبار فقط، ولا يقال: يلحق به الاستقبال قياساً؛ لأنه لا يصح إلحاقه به لكونه فوقه، فقد تمسك به قوم، فقالوا : بجواز الاستدبار دون الاستقبال وحكي عن أبي حنيفة وأحمد، انتهى. قلت: ومن خص الجواز بالاستدبار فقط يقول: حديث جابر ضعيف كما جزم به ابن حزم، وقال البزار: لا نعرفه، وقال أبو عمر في ((التمهيد)): رد أحمد بن حنبل حديث جابر هذا، وهو ليس بصحيح فيعرج عليه، لأن أبان الراوي ضعيف حكاه العيني(١). وقال ابن العربي(٢): حديث جابر فيه تكلّم. (١) (عمدة القاري)) (٢٧٨/٢/١). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢٧/١). ١٧٧ ١٤ - كتاب القبلة (٢) باب (٤٤٢) حديث القول الثاني: أنه حجة لمن فرق بين الصحارى والبنيان. قال ابن العربي: أما مالك والشافعي فجعلا حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أصلاً في جواز الاستدبار في الأبنية، وابتنيا عليه جواز الاستقبال. وتقدم في القول الأول أن الحافظ أنكر القياس، وأضاف إلى ذلك الاستدلال بحديث جابر، فالجملة أن جماعة من الأئمة احتجُّوا بحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - على التفريق بين البنيان والصحارى، واختلفوا بعد ذلك، فمنهم من قاس الاستقبال على ذلك، ومنهم من أضاف الاستدلال بحديث جابر، وصحح حديثه كالحافظ وغيره بخلاف أهل المقالة الأولى، فإنهم ضعفوه كما تقدم. واستدلوا أيضاً بحديث عائشة عند ابن ماجه: ((حولوا مقعدتي نحو الكعبة))، وأطال ابن القيم في ((تهذيب السنن)) الكلام عليه. والقول الثالث: أنه حجة لمن اعتقد نسخ التحريم مطلقاً، قال العيني(١): ومنهم من رأى هذا الحديث ناسخاً لحديث أبي أيوب المذكور، واعتقد الإباحة مطلقاً، وقاس الاستقبال على الاستدبار، وترك حكم تخصيصه بالبنيان، ورأى أنه وصف ملغى الاعتبار، انتهى. قلت: وأضاف أهل هذه المقالة الاستدلال بحديث جابر المذكور، وقالوا: إنه ليس في حديث جابر تخصيص البنيان، وما قيل: إنه فعل لا عموم له يقال مثله في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أيضاً. والقول الرابع: أن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - المناط فيه جواز استقبال بيت المقدس لا القبلة. قال العيني: وظاهر عبارة الكلام يدل على إنكار ابن عمر - رضي الله عنهما - على من يزعم أن استقبال بيت المقدس عند الحاجة غير جائز، فمن ذلك قال أحمد بن حنبل: حديث ابن عمر ناسخ للنهي (١) ((عمدة القاري)) (٤٠٠/٢). ١٧٨ Pm ١٤ - كتاب القبلة (٢) باب (٤٤٢) حديث عن استقبال بيت المقدس واستدباره، والدليل على هذا ما روى مروان الأصفر عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن ذلك؟، الحديث. قلت: لكن الحديث في أبي داود بلفظ: ((مستقبل القبلة))، اللَّهم إلا أن يقال: إن الحديث روي باللفظين معاً فعلى هذا يكون لفظ القبلة في أبي داود محمولاً على بيت المقدس لأنه مجمل وهذا مفسر، فتأمل. القول الخامس: أن الدلائل متعارضة، ولا وجه للترجيح، وإليه أشار العيني بقوله: ومنهم من توقف في المسألة. القول السادس: الجمع بينها بأن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ونحوه صارف للنهي عن معناه الحقيقي، وهو التحريم إلى الكراهة، وهذا صنيع من قال بكراهة التنزيه في المسألة، كما حكاه عنهم الشوكاني وغيره. القول السابع: أن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يقاوم أحاديث النهي لكثرتها وشهرتها وصحتها على ما في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - من الاحتمالات المذكورة - وهذا صنيع من قال بعموم التحريم، وقالوا: إن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - محتمل لمعانٍ كثيرة، منها الستة المذكورة كما بَيَّنْتها، ومنها الستة المذكورة في كلام الشيخ ابن القيم المذكور في أول الباب، ومنها الأربعة المذكورة في كلام ابن العربي، واشتركوا في ذكر بعض المحتملات(١). واختصوا ببعضها . ومنها : ما تقدم قريباً أن المعتبر فيه استقبال الفرج واستدباره لا الصدر بخلاف الصلاة، فيحتمل أنه و 14. كان مستقبلاً بالصدر دون الفرج، ومنها أن الترجيح للمحَرِّم عند التعارض. ومنها أن فضلاته وَ لّ طاهرة فلا يوجد علة (١) راجع لاستيفاء الموضوع ((فتح الملهم)) (٤٢٤/١)، و((معارف السنن)) (١٠٠/١). ١٧٩ ١٤ - كتاب القبلة (٣) باب (٤٤٣) حديث (٣) باب النهي عن البصاق في القبلة ٤/٤٤٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴿ رَأَى بُصَاقاً فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهُ. المنع، وهي ترك الاحترام، ومنها: احتمال أنه ول# يكون منحرفاً عن عين القبلة، فكُشِفَ مَثَلُ القبلة لا يبعد عنه بَّ، ومنها: مختار شيخنا رحمه الله في ((البذل))(١)، أن هذا الفعل منه ◌َ﴾ل في الخلوة، حيث أحب أن لا يطلع عليه أحد فلا يكون تشريعاً . (٣) النهي عن البصاق، في القبلة البصاق: بضم الباء الموحدة وبصاد مهملة، وفي لغة: بالزاي، وأخرى بالسين وضعفت، والباء مضمومة في الثلاث، ما يسيل من الفم، قال الراغب: بصق وبسق أصله بزق، قال المجد: البصاق والبساق والبزاق: ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه؛ فرِيقٌ. ٤/٤٤٣ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَال رأى بصاقاً في جدار القبلة) وفي رواية عند البخاري: ((في قبلة المسجد)) (فحكّه) بيده الشريفة، وفي رواية البخاري: ((ثم نزل فحكّه بيده))، وفيه إشعار بأنه رآه في حالة الخطبة، وبه صرح في رواية الإسماعيلي زاد: ((وأحسبه دعا بزعفران فلطخه به))، زاد عبد الرزاق عن معمر عن أيوب: فلذلك صنع الزعفران في المساجد، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ . قلت: وأخرجه أبو داود (٢) أيضاً عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: (١) ((بذل المجهود)) (١/ ٣٢). (٢) في الصلاة (٤٧٩) باب كراهية النخامة في المسجد (٢٥١/١). ١٨٠