Indexed OCR Text

Pages 41-60

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
والثاني: زعم أهل الهيئة أن كسوف الشمس لا حقيقة له، فإنها لا تتغير
في نفسها، وإنما القمر يحول بيننا وبينها، ونورها باقٍ، وأما كسوف القمر
فحقيقي، فإن ضوءه من ضوء الشمس، وكسوفه بحيلولة ظل الأرض بين
الشمس وبينه بنقطة التقاطع، فلا يبقى فيه ضوءٌ ألبتة، وأبطله ابن العربي بأنهم
زعموا أن الشمس أضعاف القمر، فكيف يحجب الأصغر الأكبر إذا قابله.
قال العيني(١): وأيضاً قلتم: إن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضِعفاً
أو نحوها، وقلتم: إن القمر أكبر منها بأقل من ذلك، فكيف يقع الأعظم في
ظل الأصغر؟ وكيف تحجب الأرض نور الشمس، وهي في زاوية منها، وأيضاً
فالشمس لها فلك ومجرى، والقمر كذلك له فلك ومجرى، ولا خلاف أن كل
واحد منهما لا يعدو مجراه كل يوم إلى مثله، فلو كان الكسوف لوقوعه في ظل
الأرض في وقت، لكان ذلك الوقت محدوداً معلوماً، لأن المجرى منهما
محدود معلوم، فلما كان تأتي في الأوقات المختلفة والجري واحد، والحساب
واحد، علم قطعاً فساد قولهم.
وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب
ينافي قوله عليه السلام: ((يخوف الله بهما عباده)) وليس بشيء لأن للَّه تعالى
أفعالاً على حسب العادة وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل
سبب، فله أن يقتطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض.
والحاصل: أن قول أهل الحساب إن كان حقاً لا ينافي التخويف، قال
العيني: فإن قيل: ما الكسوف؟ يجاب: بأنه تغير يخلقه الله تعالى فيهما لأمر
يشاؤه ولا يُدرى ما هو، ويكون تخويفاً للاعتبار بهما مع عظم خلقهما فكيف
بابن آدم الضعيف، وقيل: يحتمل أن يكون عند تجلي الله سبحانه وتقدَّس، كما
(١) ((عمدة القاري)) (٦٧/٧/٤).
٤١

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
في حديث قبيصة الهلالي عند أبي داود والنسائي: ((وإذا تجلى بشيء من خلقه
خشع له)) الحديث، انتهى. وعزاه الحافظ(١) إلى أحمد وابن ماجه وأنكره
الغزالي، ورد قوله العيني(٢) فارجع إليه إن شئت.
وقال: كيف يرد الحديث وقد أثبته جماعة من العلماء وصححه ابن خزيمة
والحاكم؟ قال ابن بزيزة: وهذا عجب منه كيف يسلم دعوى الفلاسفة، ويزعم
أنها لا تضاد الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كروي الشكل، وظاهر
الشرع يعطي خلاف ذلك، والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة
القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء،
والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتراب، والحديث الذي
ردّه الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى
أيضاً، لأن النوريةَ والإضاءة من عالم الجمال الحسي، فإذا تجلّى انطمست.
الأنوار لهيبته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ﴾(٣)، انتهى.
ويؤيده ما روي عن طاوس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت، فبكى حتى
كاد أن يموت، وقال: هي أخوف للَّه منا، انتهى ما في ((الفتح)) (٤).
والثالث: كان المشهور في أيام الجاهلية أنهما ينكسفان لحدوث تغير في
الأرض من موت أو ضرر، فأبطله النبي وَل# بأنه اعتقاد باطل، وأنهما مسخران
للَّه تعالى، ولذا ورد في الروايات الكثيرة أنهما لا يخسفان لموت أحد
ولا لحياته.
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٣٧).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣١٧/٥).
(٣) سورة الأعراف: الآية ١٤٣.
(٤) ((فتح الباري) (٢/ ٥٣٧).
٤٢
-- -

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
والرابع: في فوائد الكسوف وحكمه، قال العيني(١): فيه سبع فوائد، ثم
ذكرها. وذكر غيره غيرها، وجملة ما قالوا في الكسوف من الفوائد:
١ - ظهور التصرف في هذين الخلقين العظيمين.
٢ - وإزعاج القلوب الغافلة وإيقاظها .
٣ - وتبيين قبح شأن من يعبدهما .
٤ - وليرى الناس أنموذج القيامة، لكونهما يفعل بهما ذلك.
٥ - ثم يعادان إلى ما كَانَا عليه فيكون تنبيهاً على خوف المكر ورجاء
العفو .
٦ - وللإعلام بأنه قد يؤخذ من لا ذنب له، فكيف من له ذنب.
٧ - ولأن الصلوات المفروضة صارت عادة فلا يوجد فيها الهيبة، كذا
في ((شرح الإحياء)) والعيني وغيرهما .
وقال شيخنا الشاه ولي الله الدهلوي(٢): الأصل فيها أن الآيات إذا
ظهرت انقادت لها النفوس، والتجأت إلى الله تعالى، وانفكّتْ عن الدنيا نوع
انفكاك، فتلك الحالة غنيمة المؤمن، ينبغي أن يبتهل في الدعاء والصلاة وسائر
أعمال البر، وأيضاً فإنها وقت قضاء الله الحوادث في عالم المثال، ولذلك
يستشعر فيها العارفون الفزع، وفزع رسول الله وسلّ عندها لأجل ذلك، وهي
أوقات سريان الروحانية في الأرض.
فالمناسب للمحسن أن يتقرب إلى الله عز وجل في تلك الأوقات، وهو
قوله ◌َّيه في الكسوف في حديث النعمان: ((فإذا تجلى الله لشيء من خلقه خشع
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٦٦/٧/٤).
(٢) ((حجة الله البالغة)) (٢٠/٢).
٤٣

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
له)). وأيضاً فالكفار يسجدون للشمس والقمر وكان من حق المؤمن إذا رأى آية
عدم استحقاقها العبادة، أن يتضرع إلى الله عز وجل ويسجد له وهو قوله
تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾(١) ليكون
شعاراً للدين وجواباً مسكتاً لمنكريه، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(٢): قيل في سبب الكسوف: إن الملائكة تجرها وفي
السماء بحر، فإذا وقعت فيه حال سيرها استتر ضوؤها .
قال السيوطي: الحكمة فيهما أن الله تعالى لما أجرى في سابق علمه أن
الكواكب تعبد من دونه وخصوصاً النَّيِّرين، قضى عليهما بالكسوف والخسوف،
وصَيَّرَ ذلك دلالة على أنهما مع إشراق نورِهما، وما يظهر من حسن آثارهما
مأموران في مصالح العباد مسيران، قال ابن العماد: سبب كسوف الشمس
تخويف العباد بحبس ضوئها ليرجعوا إلى الطاعة، فإن هذه النعمة إذا حبست لم
ينبت زرع، ولم يجف ثمر، ولم يحصل له نضج.
ثم قيل: في الشمس خواص لا توجد في القمر، وبالعكس، فإن الله تعالى
جعل الشمس طباخة للثمار والفاكهة، ولولاها ما نبت زرع ولا خرجت فاكهة،
ومن خواصها أيضاً أنها ترطب بدن الإنسان إذا نام فيها، وتُسخِّن الماء البارد،
وتُبَرِّد البطيخ الحار، ومن خواص القمر: أنه تعالى جعله صباغاً لسائر أنواع
الفاكهة، وإذا نام فيه الإنسان يصفرُّ لونه ويثقل لونه، ويسوس العظام، ويبلى
ثياب الكتان. وورد أن السواد الذي فيه أثر مسحة جبرائيل، كما حكاه
السيوطي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ﴾ يقال: إذا نظرت إلى السواد
الذي فيه وجدت حروف ((ج م ي ل ا)) يعني جميلاً، انتهى.
(١) سورة فصلت: الآية ٣٧.
(٢) (٢٢٧/٢).
٤٤
-- -
-----
-----
----- -----
------ -
--- -
----

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
وبسط في ((شرح الإحياء)) على حقيقة الكسوف الحقيقي بطريق أهل
العرفان من الأنوار والظلمات، فارجع إليه لو كان لك ذوق من ذلك الفن،
والله الموفق لعرفانه.
والخامس: في تاريخ الكسوف في زمانه بَّرَ، واختلف فيه أهل السير
جداً، قال القاري(١): فعله ◌َلّ لكسوف الشمس، وكذا للقمر في السنة
الخامسة في جمادى الآخرة كما صححه ابن حبان، انتهى.
وروايات الحديث كلها متظافرة على أنه يوم مات إبراهيم بن النبي عليهما
الصلاة والسلام.
وفي ((شرح الإحياء)): مات إبراهيم عليه السلام بالمدينة في السنة العاشرة
من الهجرة كما عليه جمهور أهل السير في ربيع الأول أو في رمضان أو
ذي الحجة، في عاشر الشهر، وعليه الأكثر، أو في أربعة أو في أربع عشرة،
ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة، لأنه قد ثبت أنه ◌ّ شهد وفاته من
غير خلاف ولا ريب أنه ◌ّ كان إذ ذاك بمكة في حجة الوداع، لكن قيل: إنه
كان في سنة تسع، فإن ثبت صح ذلك. وجزم النووي بأنها كانت سنة
الحديبية، ويجاب بأنه وَّ رجع منها في آخر القعدة، فلعلها كانت في آخر
الشهر، انتهى.
قلت: وذكره في ((تاريخ الخميس)) في السنة السادسة، فقال: وفي هذه
السنة كسفت الشمس أول مرة، قيل: الكسوف الذي كان فيه موت إبراهيم،
كذا في ((الوفاء)).
ثم ذكر في السنة العاشرة، فقال: وفي هذه السنة، يوم الثلاثاء لعشر ليال
خلون من ربيع الأول، توفي إبراهيم بن رسول الله وَّل، وانكسفت الشمس يوم
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٧/٣).
٤٥

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
مات، فقال الناس: إنما كسفت لموت إبراهيم، قيل: إن الغالب أن الكسوف
يكون يوم الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين، وانكسفت في العاشر فقالوا:
إنها کسفت لموته، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)): وفي أوائل ((الثقات)) لابن حبان: أن الشمس
كسفت في السنة السادسة فصلى عليه الصلاة والسلام صلاة الكسوف، ثم
كسفت في السنة العاشرة يوم مات ابنه إبراهيم، انتهى.
وفي ((الأنوار الساطعة)) من مسالك الشافعية، قال في ((حاشية
الباجوري)): شرعت صلاة كسوف الشمس في السنة الثانية من الهجرة، وصلاة
خسوف القمر في الخامسة في جمادى الآخرة على الراجح، انتهى.
وذكر ابن الجوزي في ((التلقيح)): سنة ست من الهجرة الكسوف، وذكر
في العاشرة موت إبراهيم، ولم يذكر فيه الكسوف.
وفي ((العرف الشذي)) عن رسالة (١) محمود شاه الفرنساوي: أن الكسوف
في عهده وَّر واحد، وانكسف وقت ثماني ساعات ونصف ساعة على حساب
عرض المدينة في السنة التاسعة سنة ٩(٢) هجرية، انتهى.
والسادس: فيما قال أهل الهيئة: إن الكسوف لا يكون إلا في الثامن
والعشرين أو التاسع والعشرين، وقد ورد عند أهل التاريخ وقوعهما في
الأوقات المختلفة، وورد أن الشمس كسفت عند شهادة الإمام حسين في
(١) اسم هذه الرسالة: ((نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام))، لمحمود باشا الفلكي،
ذكر فيها أن الكسوف في عهده وَّ وقع مرة يوم مات فيه إبراهيم - ابن النبي وم طهر - ساعة
ثماني ونصف ساعة على تحديد عرض المدينة. وذلك في السنة العاشرة من الهجرة،
وعلى هذا جمهور أهل السير كما في ((فتح الباري)) (٤٥٣/٣)، وأما الخسوف فذكر
محمود باشا أنه وقع مرة في عهده ول# يوم الأربعاء ١٤ جمادى الأولى سنة ٢ من
الهجرة، ٢٠ نوفمبر سنة ٦٢٥م، انظر ((معارف السنن)) (٦/٥).
(٢) هكذا في ((العرف الشذي)) والصواب كما في ((معارف السنن)).
٤٦
------------ ----

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
العاشوراء، وتقدم عن العيني راداً على أهل الهيئة أنه لو كان الكسوف لوقوعه
في ظل الأرض في وقت، لكان ذلك الوقت محدوداً معلوماً، لأن المجرى
منهما محدود معلوم، فلما كان يأتي في الأوقات المختلفة، والجري واحد
والحساب واحد، علم قطعاً فساد قولهم، انتهى.
وقال أيضاً قوله تعالى: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ، عِبَادَهُ يَعِبَادٍ﴾ فيه ردٌّ لقول أهل
الهيئة: إنه أمر عادي لا يتقدم ولا يتأخر، لأنه لو كان كذلك ليس فيه
التخويف، ويكون كالمدِّ والجزر في البحر، إلى آخر ما قاله، وتقدم ما قال
ابن دقيق العيد: أن التخويف لا ينافي الحساب، واستدل البيهقي على جواز
اجتماع العيد والخسوف بما روي عن الواقدي وفاة إبراهيم بن النبي {قَّ في
العاشر من الشهر.
قال الذهبي في (مختصر السنن)): لم يقع ذلك ولن يقع، والله قادر على
كل شيء، لكن امتناع وقوع ذلك كامتناع رؤية الهلال ليلة الثامن والعشرين من
الشهر، كذا في ((العيني)).
والسابع: اختلف المحققون من شراح الحديث والفحول من أهل الفقه
والسير في تعدد الكسوف في زمانه وَّر، وإفراده، قال النووي: قال جماعة من
العلماء منهم إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر: جرت صلاة الكسوف
في أوقات، واختلاف صفاتها محمول على بيان جواز جميع ذلك، قال
النووي: وهذا أقوى، انتهى.
وكذا حكى البيهقي(١) عن جماعة، فقال بعد ذكر الروايات المختلفة في
أعداد الركعات: قال الشيخ: ومن أصحابنا من ذهب إلى تصحيح الأخبار
الواردة في هذه الأعداد، وإن النبي ◌َّ﴾ فعلها مرات، مرة ركوعَين في كل
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٢٧).
٤٧

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
ركعة، ومرة ثلاثة ركوعات، ومرة أربعة ركوعات، فأدى كل منهم ما حفظ،
وأن الجميع جائز، وكأنه ◌ّ كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد تجلت،
ذهب إلى هذا إسحاق بن راهويه، ومن بعده محمد بن إسحاق بن خزيمة،
وأبو بكر الصبغي، والخطابي، وأبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن المنذر
صاحب ((الخلافيات))(١)، انتهى.
وتقدم في المبحث الخامس أن صاحب ((الخميس)) ذكره مرتين: الأولى
في السنة السادسة، والثانية في السنة العاشرة. وقال ابن تيمية على ما حكاه
ابن القيم(٢): إنما صلَّى ◌َّ الكسوف مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم، انتهى.
وإليه مال البيهقي في ((سننه))، وسيأتي عن العشماوي في خسوف القمر الذي
في كتب الحديث أن كسوف الشمس لم يقع في زمنه إلا مرة واحدة.
والثامن: في صلاة الكسوف، واختلفت الأئمة فيها بمسائل:
الأولى: في حكمها ذكر في ((شرح الإحياء)): أنها سنة مؤكدة عند
الشافعي لفعله وَّر وأمره، والصارف عن الوجوب ما سبق في العيد من قوله
عليه السلام: ((لا، إلا أن تتطوع)) وعند أبي حنيفة سنة غير مؤكدة، وقول
الشافعي في ((الأم))(٣): لا يجوز تركها، حملوه على الكراهة ليوافق كلامه في
مواضع أخر، وصرح أبو عوانة في (صحيحه)) بوجوبها، وإليه ذهب بعض
الحنفية، واختاره صاحب ((الأسرار)) وهو أبو زيد الدبوسي، ثم من أوجبها
منهم إنما أوجبها للشمس دون القمر، وهو محجوج بالإجماع قبله، انتهى.
قال الحافظ: (٤) الجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرح أبو عوانة
(١) ((السنن الكبرى)) (٣٣٠/٣).
(٢) ((زاد المعاد)) (١/ ٤٣٧).
(٣) (٣٤٣/١).
(٤) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٢٧).
٤٨
- -
--------
٠٠ ----

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
بوجوبها، ولم أره لغيره إلا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة،
ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنفي
الحنفية أنها واجبة، انتهى.
وقال ابن الهمام: للأمر بها، والظاهر أن الأمر للندب لأن المصلحة دفع
الأمر المخوف، فهي مصلحة تعود إلينا دنيوية، إلى آخر ما قاله.
وحكى ابن رشد اتفاقهم على سنيتهما، وفي (نيل المآرب)»: هي سنة
مؤكدة، حتى سفراً. وفي ((الشرح الكبير))(١) للمالكية: وسن عيناً للمأمور
بالصلاة، وإن لعمودي وصبي ومسافر لم يجِدَّ سَيْرُه لكسوف الشمس ركعتان،
انتھی .
وفي ((الإقناع)): صلاة الكسوف الشامل للخسوف سنة مؤكدة، وقال
الطحطاوي على ((المراقي)): صلاة الكسوف سنة عند الجمهور، وقيل: واجبة،
انتهى. وقال العيني (٢): الأصح أنها سنة، وعن بعض أصحابنا أنها واجبة
للأمر بها، وصرح أبو عوانة بوجوبها، وعن مالك: أنه أجراها مجرى الجمعة،
وقيل: فرض كفاية، واستبعد ذلك، انتهى.
الثانية: في وقتها، قال الحافظ في ((الفتح))(٣): لا وقت لصلاة الكسوف
معين، لأنها علقت برؤيته في قوله عليه السلام: ((فإذا رأيتموها فقوموا وصلوا))
وهي ممكنة في كل وقت من النهار، وبهذا قال الشافعي ومن تبعه، واستثنى
الحنفية أوقات الكراهة، وهو مشهور مذهب أحمد، وعن المالكية وقتها من
حِلّ النافلة إلى الزوال، وفي رواية: إلى صلاة العصر، ورجح الأول بأن
(١) (١/ ٤٠١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٩٦/٥).
(٣) (فتح الباري)) (٥٢٨/٢).
٤٩

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد
الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله، فيفوت المقصود، ولم
أقف في شيء من الطرق مع كثرتها على أنه وَ ل# صلاها إلاّ ضحىً، لكن ذلك
وقع اتفاقاً، ولا يدل على منع ما عداه، واتفقت الطرق على أنه بادر إليها،
انتھی .
قلت: ما حكي عن الإمام أحمد هو المعتمد في فروعه، قال في
(الروض)): ولا تعاد إن فرغت قبل التجلي، بل يدعو ويذكر كما لو كان
وقت نهي، انتهى. والمعتمد عند المالكية الأولى من روايتيه، قال في
((الشرح الكبير)): ووقتها كالعيد، من حِلّ النافلة إلى الزوال، فإن جاء
الزوال أو كسفت بعده، لم تصل، قال الدسوقي: هي رواية ((المدونة))
وفيه روايتان أخريان، قلت: ذكرهما الباجي، فقال: أوله وقت جواز
النافلة بعد طلوع الشمس، ولا خلاف في ذلك، وآخره، فعن مالك في
ذلك ثلاث روايات: إحداها: آخرها وقت زوال الشمس، رواها
ابن القاسم. والثانية: وقت امتناع النافلة بعد العصر. والثالثة: تصلى بعد
العصر أيضاً، انتهى.
قال العيني(١): وقال الكوفيون: لا تُصلّى في الأوقات المنهي عن الصلاة
فيها، لورود النهي بذلك، وتصلى في سائر الأوقات، وبه قال ابن أبي مليكة
وعطاء وجماعة والحسن وعكرمة وعمرو بن شعيب وقتادة وأيوب وإسماعيل بن
علية وأحمد، وقال إسحاق: يصلون بعد العصر ما لم تصفرّ الشمس، ولو
كسفت في الغروب لم تصل(٢) إجماعاً، ولو طلعت مكسوفة لم تصل(٣) حتى
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٦١/٧/٤).
(٢)(٣) هكذا في الأصل والظاهر لا تصلى.
٥٠

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
تحل النافلة، وبه قال أحمد ومالك وآخرون، وقال ابن المنذر: به أقول خلافاً
للشافعي، انتھی .
والثالثة: في كيفيتها، واختلفوا فيها أيضاً بمواضع من عدد الركعات
والركوع والجهر والخطبة وغير ذلك، سيأتي الكلام عليها في مواضعه من
الروايات.
والرابعة: في أنه إذا لم تنجلٍ، فهل تكرر الصلاة أم لا؟ ففي ((الشرح(١)
الكبير)) للمالكية: ولا تكرر الصلاة إن أتمُّوها قبل الانجلاء، وفي
((المدونة))(٢): قال مالك: وإن صلوا صلاة الخسوف جماعة أو صلاها رجل
وحده فبقيت الشمس على حالها لم تنجل، قال: يكفيهم صلاتهم، لا يصلون
صلاة الخسوف ثانياً، ولكن الدعاء، ومن شاء تنفل، وإنما السنة في صلاة
الخسوف، فقد فرغوا عنها، انتهى. وكذلك في ((نيل المآرب)) للحنابلة، ولا
تعاد إن فرغت قبل التجلي، بل يذكر ويدعو، وكذلك في ظاهر الرواية عندنا،
الركعتان، ثم الدعاء حتى تنجلي.
التاسع: في خسوف القمر، ذكر في حاشية ((شرح الإقناع)) (٣): قال
العشماوي: الذي في كتب الحديث أن خسوف القمر وقع مرتين في زمنه { خير،
وكسوف الشمس لم يقع إلا مرة، انتهى. وفي ((شرح الإحياء)): ذكر صاحب
((جمع العمدة)): أن خسوف القمر وقع في السنة الرابعة، في جمادى الآخرة،
ولم يشتهر أنه وقّ جمع له الناس، انتهى. وسيأتي عن ((سيرة ابن حبان)): أن
القمر خسف في السنة الخامسة.
(١) (٤٠٤/١) .
(٢) (١٥١/١).
(٣) (٢٢٨/٢).
٥١

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
وفي ((تاريخ الخميس)) (١) في وقائع السنة الخامسة: وفي هذه السنة
انخسف القمر في جمادى الآخرة، وجعل اليهود يضربون بالطساس(٢)،
ويقولون: سحر القمر، فصلى بهم النبي ◌َلّ صلاة الخسوف حتى انجلى
القمر، رواه ابن حبان، انتهى. وفي ((الأنوار)) من مسالك الشافعية: شرعت
صلاة خسوف القمر في السنة الخامسة من الهجرة في جمادى الآخرة على
الراجح، كذا في ((حاشية الباجوري))، انتهى.
العاشر: في صلاة الخسوف، واختلفوا فيها أيضاً بمواضع:
الأول: في حكمها، والأئمة الأربعة متفقون على استحباب الصلاة فيه،
مع الاختلاف فيما بينهم في كيفيتها، واستدلوا على ذلك برواية أبي بكرة عند
البخاري(٣) وغيره: ((الشمس والقمر آيتان)) الحديث، وفيه: ((وإذا كان ذلك
فصلوا)) وأصرح منه ما في ابن حبان في هذا الحديث: ((فإذا رأيتم شيئاً من
ذلك))، وعنده من حديث عبد الله بن عمرو: ((فإذا انكسف أحدهما))، وفي
حديث أبي داود عن عبيد بن عمير: أخبرني من أصدق (٤) بلفظ: ((فإذا كسفا
فافزعوا إلى الصلاة)).
---
والثاني: هل صلى رسول الله وَّ صلاة الخسوف؟ ذكر في ((المدونة))(٥)
قال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله وَل﴿ل صلى إلا في خسوف الشمس، وحكى
القاري عن الدارقطني بسنده عن ابن عباس: أنه وُّ صلى في كسوف الشمس
(١) (١/ ٤٦٩).
(٢) كذا في ((تاريخ الخميس)) (٤٦٩/١) والظاهر الطاس (أي النحاس) كما في ((شرح
الإقناع)) (٢٢٨/٢).
(٣) أخرجه البخاري في باب الصلاة في كسوف الشمس (١٠٤٠).
(٤) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٣٣/٦).
(٥) (١٥٢/١).
٥٢
----

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
والقمر أربع ركعات في أربع سجدات، وإسناده جيد. وعن عائشة قالت: إن
رسول الله ير كان يصلي في كسوف الشمس أربع ركعات وأربع سجدات،
انتھی .
وفي ((الإقناع)) (١) عن ((ثقات ابن حبان)): أنه وَّ صلى في خسوف القمر.
وفي ((الفتح)) (٢): ووقع عند ابن حبان أنه ◌ّ صلى في كسوف الشمس والقمر،
وأخرجه الدارقطني أيضاً، وفي هذا رد على من أطلق كابن رشيد أنه وَلّ لم
يصل فيه، ومنهم من أول قوله: ((صلى فيه)) أي أمر بالصلاة، جمعاً بين
الروايتين، وقال صاحب ((الهدي)): لم ينقل أنه 18 صلى في كسوف القمر
جماعة، لكن حكى ابن حبان في السيرة له، أن القمر خسف في السنة
الخامسة، فصلى النبي ◌َ ◌ّ بأصحابه، وكانت أول صلاة كسوف في الإسلام،
وهذا إن ثبت انتفى التأويل المذكور، وقد جزم به مغلطاي في سيرته، انتهى.
والثالث: في كيفيتها، فعند الحنابلة كما في فروعهم كالكسوف ركعتان
مع الجماعة، وفرادى بأربع ركوعات، وجهر قراءة بدون الخطبة بعدها، وبدون
الإعادة إذا لم ينجل، وكذلك عند الشافعية، كالكسوف بتكرار الركوع وسنية
الجماعة والخطبة بعدهما إلا أن القراءة في الكسوف سرِّية، وفي الخسوف
جهرية، وعند المالكية: ركعتان جهراً كالنوافل، بقيام واحد وركوع واحد،
ويكره لها الجماعة والمسجد، بل يؤتى بها في البيوت فرادى، ويستحب
تكرارها حتى ينجلي. وعند الحنفية: صلاة الخسوف فرادى لأن القمر خسف
مراراً في عهد النبي ◌َله، ولم ينقل أيضاً أنه جمع الناس، كذا في ((الأنوار
الساطعة)). قلت: ولكونها صلاة ليلية مخير فيها الجهر بالقراءة، ولا خطبة
بعدها .
(١) (٣٩٢/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٤٨/٢).
٥٣

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
١/٤٣٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَ﴿ أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ
وفي العيني(١): قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجمع في
الخسوف كما يجمع في الكسوف، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن ليس في
خسوف القمر جماعة. قال العيني: أبو حنيفة لم ينفِ الجماعة، بل قال:
الجماعة فيه غير سنة، بل هي جائزة، وذلك لتعذر اجتماع الناس من أطراف
البلد، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا
المكتوبة)). وقال مالك: لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أنه مَّ جمع لكسوف القمر،
ولا نقل عن أحد من الأئمة بعده أنه ◌َّ جمع فيه. ونقل ابن قدامة في
((المغني)) عن مالك: ليس في كسوف القمر سنة، ولا صلاة.
وقال المهلب: يمكن أن يكون تركه بَل﴿ - والله أعلم - رحمةً للمؤمنين،
لئلا تخلو بيوتهم بالليل فيخطفهم الناس ويسرقون، وقال ابن القصار: خسوف
القمر يتفق ليلاً، فيشق الاجتماع له، وربما أدرك الناس نياماً فيثقل عليهم
الخروج، ولا ينبغي أن يقاس على الكسوف، لأنه يدركهم مستيقظين ولا يشق
اجتماعهم، ثم أجاب العيني عن الروايات الدالة على الجماعة لها، فارجع إليه
إن شئت، لا يسعه هذا المختصر.
---------
١/٤٣٠ - (مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه) أي عروة بن الزبير،
وزيادة لفظ: ((عن أبيه)) لا توجد في أكثر النسخ المصرية(٢)، والظاهر أنه
سقوط من الناسخ وهو موجود في نسخة الشروح من الزرقاني والباجي، ولم
يتعرض أحد من الشراح بتركه (عن عائشة) أمّ المؤمنين (زوج النبي ◌َّ أنها
قالت: خسفت) بفتح الخاء والسين، لازم، أو بالضم فالكسر على أنه متعد،
(١) ((عمدة القاري)) (٣٠٢/٥).
(٢) ولا توجد في ((الاستذكار)) (١١٦/٧) أيضاً.
٥٤
-------
--

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ اَلْهِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ
بالنَّاس،
وحكى ابن الصلاح منعه، ولم يبيّن دليلاً (الشمس) بالضم (في عهد) أي زمان
(رسول الله (4)) زاد في رواية ((الصحيحين))، فبعث منادياً: ((الصلاة جامعة))
وينادى بها عندنا الحنفية كما صرح به في ((الدر المختار))، ولم أره في فروع
المالكية، وأنكروها في العيد، لكن حكى الدسوقي عن القاضي عياض أنه
استحسن أن يقال عند كل صلاة لا يؤذن لها: ((الصلاة جامعة)).
(فصلّى رسول الله ◌َل# بالناس) استدل بعدم ذكر الوضوء على أنه لاَّ كان
يحافظ على الوضوء، وليس بشيء إلا أن الدوام على الطهارة جدير بحاله وَالت،
نعم يصح الاستدلال بها على الجماعة، وذكر ابن رشد اتفاق الأئمة على
الجماعة فيها .
وقال الشوكاني(١): ذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، إلى
أن صلاة الكسوف والخسوف تُسَنُّ الجماعة فيهما. وقيل: الجماعة شرط
فيهما، وقال الإمام يحيى: إنها شرط في الكسوف فقط، وقال العراقيون: إن
صلاة الكسوف والخسوف فرادى، وحكي في ((البحر)) عن أبي حنيفة ومالك:
أن الانفراد شرط، وحكى النووي في ((شرح مسلم)) عن مالك: أنها تسن في
الكسوف والخسوف، انتهى مختصراً .
وقال الأبي(٢): صلاتها سنة عند الجميع، والجماعة فيها سنة عند
الأكثر، وذكر الخطابي عن العراقيين أنه لا يجمع لها، وقال ابن حبيب:
الجماعة فيها شرط، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)) عن ((الروضة)): تستحب الجماعة في صلاة
الكسوفين، ولنا وجهٌ أن الجماعة فيهما شرط، ووجهٌ لا تقام إلا في جماعة
واحدة كالجمعة، وهما شاذَّان، انتهى .
(١) ((نيل الأوطار)) (٢/ ٦٤٢).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٥١/٣).
٥٥

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حدیث
وبوَّب البخاري ((صلاة الكسوف جماعة)) قال الحافظ(١): أي إن لم
يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم، وبه قال الجمهور. وعن الثوري: إن لم
يحضر الإمام صلوا فرادى.
وقال العيني(٢): أشار بهذا إلى أنها بالجماعة سنة، وقال صاحب
((الذخيرة)) من أصحابنا: الجماعة فيها سنة، ويصلي بهم الإمام الذي يصلي
الجمعة والعيدين، وفي ((المرغيناني)): يؤمهم فيها إمام حيهم بإذن السلطان،
لأن اجتماع الناس ربما أوجب فتنة وخللاً، ولو لم يقمها الإمام صلى الناس
فرادی، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): فعلها جماعة بمسجد أفضل، وفي ((الروض
المربع)) (٣): تسن جماعة، وهي أفضل، وفرادى كسائر النوافل. وفي ((الشرح
الكبير)) (٤) للمالكية: وندب صلاة كسوف الشمس بالمسجد لا بالمصلى إن
وقعت في جماعة، كما هو المندوب، وأما الفذ فله فعلها في بيته. وفي
(الإقناع)) (٥): تسن الجماعة فيها للاتباع، وتسن للمنفرد والعبد والمرأة
والمسافر، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (٦): يصلي بالناس من يملك إقامة الجمعة ركعتين،
قال ابن عابدين: بيان للمستحب يعني فعلها بالجماعة إذا وجد إمام الجمعة،
وإلا فلا تستحب الجماعة، بل تُصلى فرادى، هذا ظاهر الرواية، وعن الإمام
(١) ((فتح الباري)) (٥٤٠/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٢٢/٥).
(٣) (٣١٢/١).
(٤) (١/ ٤٠٢).
(٥) (٣٩٣/١).
(٦) (٧٧/٣).
٥٦
--

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ،
في غير رواية ((الأصول)): لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعة في مسجده،
انتھی .
قال في ((البدائع))(١): ثم هذه الصلاة تقام بالجماعة، لأنه ◌َلّ أقامها
بالجماعة، ولا يقيمها إلا الإمام الذي يصلي بالناس الجمعة والعيدين، فأما أن
يقيمها كل قوم في مسجدهم فلا، وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -
الجواز، والصحيح ظاهر الرواية؛ لأن أداء هذه الصلاة بالجماعة عرف
بإقامته وَّة، فلا يقيمها إلا من هو قائم مقامه، انتهى.
(فقام فأطال القيام) لطول القراءة، وفي الرواية الآتية نحواً من سورة البقرة
وطول القراءة فيها مستحب عند الكل، وجعلها الشافعية في فروعهم ثلاث
صور: إحداها: كالنوافل، والأكمل منها بركوعين في كل ركعة مع الاقتصار
على الفاتحة فقط، وثالثها وهو الأكمل منهما أن يصلي بركوعين في كل ركعة
مع تطويل القراءة. وذكر في ((شرح الإحياء)) عن الشافعية استحباب الإطالة،
وإن لم يرض القوم، وعن ابن الهمام: أنها مستثنى من كراهة التطويل، انتهى.
(ثم ركع) الركوع الأول (فأطال الركوع) قال الحافظ (٢): لم أر في شيء
من الطرق بيان ما قال فيه إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه، وإنما فيه
الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما، وفي فروع الشافعية والحنابلة: يسبح قدر
مائة من البقرة، وفي فروع المالكية: كالقيام الذي قبله (ثم قام) إلى القيام
الثاني من الركعة الأولى (فأطال القيام) في رواية ابن شهاب، ثم قال: ((سمع الله
لمن حمده))، وزاد من وجه آخر عنه: ((ربنا ولك الحمد)) واستدل به على
استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في هذا القيام.
(١) (٢٨٠/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٣٠).
٥٧

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ.
واستشكله بعض متأخري الشافعية من كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال،
بدليل اتفاق العلماء ممن قال: بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة
فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه، والجواب: أن صلاة
الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت
عنه وَّر أنه فعله فيها كان مشروعاً، لأنها أصل برأسه، قاله الحافظ.
وقال الباجي(١): يستفتح القراءة في الركعة الأولى والثالثة بأم القرآن،
وأما الثانية والرابعة، فإنه يقرأ فيهما بالسورة، وهل يقرأ الفاتحة أم لا؟ قال
مالك: نعم، وقال محمد بن مسلمة: لا. وجه الأول: أنها ركعة بقراءة،
فوجبت الفاتحة كالأولى. ووجه الثاني: أن الركعتين في حكم الركعة الواحدة،
بدليل أن المأموم يجزئه إدراك إحداهما، فالقراءتان في حكم القراءة الواحدة،
فوجب أن لا تتكرر الفاتحة، انتهى.
وفي ((التوشيح)): يرفع قائلاً: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويقول
ذلك في كل رفع، خلافاً للماوردي في أنه لا يقول ذلك في الرفع الأول، بل
يرفع مكبّراً، لأنه ليس اعتدالاً، انتهى.
والحاصل: أن هذا الاعتدال أنكر بعض الشافعية فيه التسميع والتحميد،
وأنكر محمد بن مسلمة فيه الفاتحة، والجمهور على إثبات كل منهما. (وهو
دون القيام الأول) وفي ((الإقناع)): نص في ((البويطي)): أنه يقرأ في القيام الثاني
آل عمران أو قدرها، وكذا في ((الشرح الكبير)) للمالكية، ولم يعين الحنابلة
سورة، بل قالوا: دون القيام الأول.
قلت: لكنه يخالف حديث عائشة؛ لأنها حزرت القيام في الركعة الثانية
بآل عمران فتأمل.
(١) انظر: ((المنتقى)) (٣٢٦/١).
٥٨
---
------
---

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ.
(ثم ركع) ثانياً (فأطال الركوع) قدّر في ((الإقناع)) تسبيح الركوع الثاني قدر
ثمانين آية، وقريب منه ما في فروع المالكية والحنابلة. (وهو دون الركوع
الأول) ولذا فرقوا بينهما بقدر عشرين آية. لكن الأئمة الثلاثة اختلفوا فيما
بينهم: أي الركوعين منهما فرض، ومدرك أيهما يكون مدرك الركعة، ففي
((شرح الإقناع)) (١): من أدرك الإمام في ركوع أول من الركعة الأولى أو الثانية
أدرك الركعة، كما في سائر الصلوات، ومن أدركه في ركوع ثان أو قيام ثان
من أي ركعة فلا يدرك شيئاً؛ لأن الأصل هو الركوع الأول وقيامه، وأما
الركوع الثاني وقيامه فتابع، انتهى.
وكذلك عند الحنابلة، قال في ((نيل المآرب)): وما بعد الركوع الأول من
كل ركعة سنة كتكبيرات العيد، لا تدرك به الركعة، ولا تبطل الصلاة بتركه،
انتهى .
وخالفهما المالكية، ففي ((الشرح الكبير)) (٢) لهم: وتدرك الركعة مع الإمام
من كل ركعة بالركوع الثاني، لأنه الفرض، وأما الركوع الأول فسنة. قال
الدسوقي: فمن أدرك مع الإمام الركوع الثاني من الأولى لم يقض شيئاً، وإن
أدرك الركوع الثاني من الركعة الثانية يقضي الركعة الأولى بقيامها فقط، ولا
يقضي القيام الثالث، انتهى.
وكذلك قال في ((المدونة))(٣): من أدرك الركعة الثانية من الركعة الأولى
يجزئه التي أدركها من التي فاتته، كما يجزىء من أدرك الركوع في الصلاة من
القراءة. قال الدسوقي: اعلم أن الزائد في كل من الركعتين القيام الأول
(١) (٢٣٣/٣).
(٢) (٤٠٣/١).
(٣) (١٥٢/١).
٥٩

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
ثُمَّ رَفَعَ
والركوع الأول، فكل واحد منهما سنة، وأما القيام الثاني والركوع الثاني في
كل ركعة فهو الأصلي، ويترتب على سنية الأول منهما السجود لتركه، انتهى.
(ثم رفع) رأسه من الركوع الثاني، قال الحافظ (١): لم يقع في هذه
الرواية ذكر تطويل الاعتدال الذي يقع السجود بعده، ووقع في حديث جابر
عند مسلم تطويل الاعتدال الذي يليه السجود، ولفظه: ((ثم ركع فأطال ثم رفع
فأطال ثم سجد)). وقال النووي: هي رواية شاذّةٌ مخالفة، فلا يعمل بها، أو
المراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع.
1
وتُعقّب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن
عمرو، أيضاً ففيه: ((ثم ركع فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فأطال حتى
قيل: لا يسجد، ثم سجد فأطال)) الحديث، رواه ابن خزيمة من طريق الثوري
عن عطاء بن السائب، والثوري سمع منه قبل الاختلاط، فالحديث صحيح،
انتھی .
ولفظ النووي قوله في حديث جابر: ((ثم رفع فأطال)) ظاهره أنه طول
الاعتدال الذي يلي السجود، ولا ذكر له في باقي الروايات ولا في رواية جابر
من غير جهة أبي الزبير.
وقد نقل القاضي إجماع العلماء على أنه لا يطول الاعتدال الذي يلي
السجود، وحينئذ يجاب عن هذه الرواية بجوابين؛ أحدهما: أنها شاذة مخالفة
الرواية الأكثرين، فلا يعمل بها. والثاني: أن المراد بالإطالة تنفيس الاعتدال،
ومدُّه قليلاً لا إطالته نحو الركوع، انتهى (٢).
(١) «فتح الباري)) (٥٣٩/٢).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٦/٦).
٦٠
----
-----