Indexed OCR Text

Pages 561-580

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٦) حديث
يُِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ، وَيَقْصُرُونَ الصَّلاةَ، يُبَدُّونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ
أَعْمَالِهِمْ.
٨٩/٤٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْعَبْدِ الصَّلاةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ
مِنْهُ، نُظِرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ
الزمان على صحة الحديث كالبرهان (يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة) يعني
أن وعظهم كثير وعملهم قليل.
وهذا أيضاً مشاهد في زماننا، فإنه لا يخلو ليلة من الليالي عن المواعظ
والتقارير غالباً، لكن إذا نودي للصلاة تراهم سُكارىَ! وما هم بسكارى (يُبَدّون
فيه أهواءهم قبل أعمالهم) بل صار في زماننا هذا أنه لم يبق إلا الأهواء وتركت
الأعمال رأساً فإلى الله المشتكى، والله المستعان.
٨٩/٤٠٦ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: بلغني)
وسيأتي الكلام على أسانيد الحديث في آخره (أن أول ما ينظر فيه) يوم القيامة
(من عمل العبد) بعد الإيمان (الصلاة) المفروضة، لأنها عَلَمُ الإيمان وراية
الإسلام، وقد تقدم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ((إن أهم أمركم
عندي الصلاة، من حفظها حافظ على دينه))، الحديث. وقد روي عن جابر
(بين العبد والكفر ترك الصلاة)) (١)، وعن بريدة: ((العهد الذي بيننا وبينهم
الصلاة فمن تركها فقد كفر)) (٢)، وغير ذلك من الروايات الكثيرة التي لا تُحصى،
وذلك لأن الصلاة أهم العبادات حتى قال ابن رسلان: إذا ضاق وقت عرفة،
واجتمع فرض وحضور عرفة قُدِّم الفرض وإن فات الحج، انتهى.
(فإن قبلت) الصلاة (منه) أي العبد (نظر) بعدها (فيما بقي من عمله، وإن
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٤٨/٦)، و («التمهيد)) (٧٩/٢٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٢٠) وابن ماجه (١٠٧٨).
٥٦١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٦) حديث
لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ، لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ .
ورد في معناه حديث مرفوع عن أبي هريرة.
أخرجه أبو داود في: ٢ - كتاب الصلاة، ١٤٥ - باب قول النبيّ وَّ كل
صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه.
والترمذيّ في: ٢ - كتاب الصلاة، ١٨٨ - باب ما جاء أن أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة الصلاة.
والنسائيّ في: ٥ - كتاب الصلاة. ٩ - باب المحاسبة على الصلاة.
وابن ماجه في: ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ٢٠٢ - باب ما جاء في
أول ما يحاسب به العبد الصلاة
لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله) وقد روي عن عبد الرحمن بن عمرو بن
العاص: ((من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً، ومن لم يحافظ كان
مع قارون وهامان)). وقال أبو عمر(١) بعد حديث الباب: هذا لا يكون رأياً بل
توقيفاً، وقد روي معناه مرفوعاً من وجوه.
قال الزرقاني (٢) تبعاً للسيوطي: أقربها إلى لفظه، ما أخرجه الطبراني في
((الأوسط)) وصححه الضياء عن أنس رفعه: ((أول ما يحاسب به العبد يوم
القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله))
وأخرج أبو داود (٣) وابن ماجه والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إن
أول ما يحاسب به يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح،
وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته شيء قال الرب تبارك
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٢١) والنسائي (٤٦٣) وابن ماجه (١٠٧٩).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٥/١).
(٣) أخرجه أبو داود في الصلاة (٨٦٤)، وأخرجه ابن ماجه (١٤٢٥) والترمذي (٤١٣)
والنسائي (٣٣٢/١).
٥٦٢
---
!

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٦) حديث
وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوع، فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم
يكون سائر عمله مثل ذلك)).
وروى الحاكم في ((الكنى)) عن ابن عمر مرفوعاً: ((أول ما افترض الله
على أمتي الصلوات الخمس، وأول ما يرفع من أعمالهم الصلوات الخمس،
وأول ما يسألون عن الصلوات الخمس، فمن كان ضيّع شيئاً يقول الله تعالى:
انظروا هل تجدون لعبدي نافلة؟)) الحديث بطوله.
قال ابن عبد البر(١): ومعنى ذلك عندي فيمن سها عن فريضة أو نسيها،
أما تركها عمداً، فلا يكمل له من تطوع، لأنه من الكبائر، لا يكفر بها إلا
الإتيان بها، وهي توبته، قاله الزرقاني.
وقال ابن العربي (٢): يحتمل أن يكمل له ما نقص من فرض الصلاة،
وإعدادها بفضل التطوع ويحتمل ما نقصه من الخشوع، والأول عندي أظهر،
لقوله: ثم الزكاة كذلك، وسائر عمله، وليس في الزكاة إلا فرض أو فضل،
فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك الصلاة، وفضل الله أوسع، ووعده
أنفذ، وعزمه أعمّ وأتم، اهـ.
قلت: وهو مختار العراقي في ((شرح الترمذي)) وإليه مال القاري، إذ فسر
ما انتقص من الفريضة بقوله: أي مقداره، وإليه يظهر ميل ابن رسلان، إذ فسر
النقص في الشروط والأركان والأبعاض وغير ذلك.
وقال السيوطي(٣) على النسائي: وفي أمالي الشيخ عز الدين بن
عبد السلام وهو من كبار الشافعية، قال البيهقي: المعنى: أنها تُجُبَر السنن التي
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٤٩/٤).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢٠٧/٢).
(٣) ((زهر الربى على المجتبى)) (٢٣٣/١).
٥٦٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٦) حديث
في الصلوات، ولا يمكن أن يعدل شيء من السنن واجباً أبداً، إذ يدل له
قوله ومر حكاية عن الله تعالى: ((ما تقرب إليّ أحد بمثل ما افترضت عليه)).
قال الشيخ عز الدين: ولا شك أن هذا وإن كان يعضده الظاهر إلا أنه يشكل
من جهة أن الثواب والعقاب مرتبان على حسب المصالح والمفاسد، ولا
يمكننا أن نقول: إن ثمن درهم من الزكاة الواجبة تربو مصلحته على ألف درهم
تطوع، وإن قيام الدهر كله لا يعدل ركعتي الصبح، وهذا على خلاف قواعد
الشريعة، اهـ.
قلت: الروايات مؤيدة لكلا القولين، فقد روي عن أبي هريرة - رضي الله
عنه - أن رسول الله وَّ قال: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا
مرض لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه))(١) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي
وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه))، وذكره البخاري تعليقاً كذا في
((الترغيب)) وهذا مؤيد لمن قال: إن النفل لا يوازي الفرض، وأخرج أيضاً عن
سلمان مرفوعاً في فضل رمضان: ((من تقرب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضة
فيما سواه)) الحديث صريح في أن التطوع قد يوازي الفريضة، وفي كلا المعنيين
روايات كثيرة.
-------
ثم رواية الباب مخالفة لما روي في الصحيح: ((أول ما يقضى بين الناس
يوم القيامة في الدماء))(٢) فحديث الباب محمول على حق الله تعالى، وحديث
الصحيح في حق الآدميين فيما بينهم، فإن قيل: فأيهما يقدم، محاسبة العباد على
حق الله تعالى، أو محاسبتهم على حقوقهم؟! فالجواب: أن هذا أمر توقيفي،
فظاهر الأحاديث دال على أن الذي يقع أولاً المحاسبة على حقوق الله.
(١) ((الترغيب والترهيب)) (١٠٨/٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الديات في فاتحته (١٦٦/١٢) ومسلم (١٦٧٨) والترمذي
(١٣٩٦) .
٥٦٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٧) حدیث
٩٠/٤٠٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِِّ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَهِ الَّذِيَ يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
قال الشيخ في ((البذل))(١): إلا أن حديث المحاسبة مضطرب، تكلم في
رواته، فلا يقاوم حديث الصحيح، ولو سُلِّم فلا تعارض بينهما، لأنه يمكن أن
يكون المحاسبة أولاً في الصلاة، والقضاء أولاً في الدماء، فلا تعارض.
وفي ((الدر المختار))(٢): حمل السجادة أولى احتياطاً لما ورد: أول
ما يسأل عنه في القبر الطهارة، وفي الموقف الصلاة، قال ابن عابدين: أي في
قوله ◌َله: ((اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر)) رواه الطبراني
بإسناد حسن، وفي قوله وَلير: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة [من عمله]
صلاته)). قال العراقي: لا يعارضه حديث الصحيح ((أول ما يقضى [يوم القيامة]
في الدماء)»، لحمل الأول على حقوق الله والثاني على حقوق العباد، اهـ.
لا يقال: إنه يخالف قولهم: إن حق العباد مقدم على حق الله تعالى،
ولذا لا يجب الحج إذ يكون المال مشغولاً في النفقة، لأن ذلك في الدنيا
لاحتياج العباد، واستغنائه عز وجل.
٩٠/٤٠٧ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن
عائشة زوج النبي وقال: أنها قالت: كان أحب العمل) يروى برفع أحب اسم كان
ونصبه خبراً، والاسم قوله: الذي يدوم، والمراد بالعمل أعم من الأوراد وغيره
(إلى رسول الله 18َ) وفي رواية (الصحيحين)): ((أحب الدين إلى الله)) ولا خلاف
بينهما فما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسول الله 8# (الذي) أي العمل
الذي (يدوم) أي يواظب (عليه صاحبه) وإن قل، كما في ((الصحيحين))(٣)، لأنه
(١) (١٣٥/٥).
(٢) (٦٢٣/١).
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٦٢)، ومسلم (٧٤١)، وأبو داود (١٣١٧).
٥٦٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٧) حديث
يصل إلى الأكثر من الكثير الذي يفعل مرة أو مرتين ثم يترك ويترك العزم عليه،
على أن العزم على العمل الصالح مما يثاب عليه، وأيضاً أن العمل الذي يداوم
عليه، هو المشروع، وأن ما توغّل فيه بعنف، ثم قطع، فإنه غير مشروع، قاله
الباجي(١).
وقال النووي: بدوام العمل القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة
والإخلاص، بخلاف الكثير الشاق، حتى ينمو القليل الدائم على الكثير الشاق
أضعافاً كثيرة.
وقال ابن الجوزي: إنما أُحِبُّ الدائم، لمعنيين: أحدهما: أن التارك
للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، وهو متعرض للذم، ولذا ورد
الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه،
وثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم
وقتاً ما، كمن لازم يوماً كاملاً ثم انقطع، انتهى. على أن النفس تكون فيه
أنشط، فيحصل منه مقصود الأعمال، وهو الحضور، بخلاف ما يشق، فإنه
تعرض لأن يترك كله أو بعضه، أو يفعله بكلفة، فيفوت الخير العظيم.
وقال أبو الزناد والمهلب: إنما قاله ◌َّلل خشية الملال، وقد ذم الله تعالى
من التزم البِرَّ، ثم قطعه، بقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَةً أَبْتَدَعُوهَا﴾ الآية، قاله العيني.
على أن فيه صبغة النفس بالعبادات، ولذا ترى أهل السلوك ينكرون على ترك
الأوراد أشد الإنكار، وما ورد عنهم من الشدة محمول على التداوي لأمراض
القلوب، أو اعتياد النفس بالعبادات، فإنه وَّر قال: ((مروا صبيانكم بالصلاة
وهم أبناء سبع، واضربوا عليها وهم أبناء عشر))(٢)، فتأمل وتشكر.
(١) ((المنتقى)) (٣١٠/١).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٠ - ١٨٧).
٥٦٦
-----
1

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٨) حديث
٩١/٤٠٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَجُلانِ أَخَوَانِ، فَهَلَكَ
٩١/٤٠٨ - (مالك، أنه بلغه) قال ابن عبد البر (١): لا تحفظ قصة
الأخوين من حديث سعد إلا في بلاغ مالك هذا، وقد أنكره البزار وقطع بأنه
لا يوجد من حديث سعد ألبتة، وما كان ينبغي له ذلك، لأن مراسيل مالك
أصولها صحاح، وجائز أن يروي هذا الحديث سعد وغيره.
وقد رواه ابن وهب عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عامر بن سعد،
عن أبيه مثل حديث مالك سواء، وأظن مالكاً أخذه من كتب بكير أو أخبره به
عنه مخرمة ابنه، فإن ابن وهب انفرد به، ولم يروه أحد غيره فيما قال جماعة
من أهل الحديث، وتحفظ قصة الأخوين من حديث طلحة بن عبيد الله وأبي
هريرة وعبيد بن خالد، قاله الزرقاني(٢). قلت: وسيأتي ألفاظ حديث طلحة
وعبيد في آخر الحديث.
(عن عامر بن سعد) بسكون العين بدون الياء، وليس في رواة (الصحاح))
أو ((الموطأ)) أحد اسمه عامر بن سعيد بالياء، فما في النسخ القديمة الهندية من
لفظ عامر بن سعيد وهمٌّ من الناسخ. (ابن أبي وقاص) الزهري القرشي المدني
قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٠٤ هـ على ما عليه الجمهور من
أهل الرجال (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص الزهري أحد العشرة المبشرة (أنه
قال: كان رجلان أخوان) لم يسميا (فهلك) أي مات.
قال الزرقاني: هي لفظة ليست مستنكرة في كلام العرب والزمن القديم،
قال تعالى: ﴿حَّى إِذَا هَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً﴾ فأما الآن
فاستعملوها فيمن مات كافراً أو ظاهراً فجوره، فلا يجوز استعمالها الآن في
المسلم الميت، انتهى.
(١) ((الاستذكار)) (٣٥٠/٦)، و((التمهيد)) (٢٢٠/٢٤).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٣٥٦/١).
٥٦٧

...
۔
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٨) حدیث
أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةَ، فَذُكِرَتْ فَضِيلَةُ الأَوَّلِ عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ مَّله، فَقَالَ: ((أَلَمْ يَكُنِ الآخَرُ مُسْلِماً؟))، قَالُوا: بَلَى،
يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَانَ لا بَأْسَ بِهِ.
(أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة فذكرت فضيلة الأوَّل) أي الذي مات
أولاً (عند رسول الله وَّ) فيه جواز الثناء على الميت والإخبار بفضله، ومنه
الحديث: ((أنتم شهداء الله في الأرض)) (١) وإنما يجوز الثناء، ولا يخبر بما
يصير إليه أمره، لأنه أمر مغيب عنا، ولذا أنكر ◌ّر على أم العلاء إذ قالت
لعثمان بن مظعون: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك، لقد
أكرمك الله، فقال رسول الله وَله: ((وما يدريك أن الله أكرمه؟))(٢) الحديث،
هذا كله في الميت.
أما الحي فإن كان من يخاف عليه الفتنة بذكر ما فيه من المحاسن، فهو
ممنوع لما روي أن النبي ◌َّ سمع رجلاً يثني على رجل ويُظْريه في المدح،
فقال: ((أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل)) (٣) الحديث، وإن لم تخف فلا بأس به،
لما رُوِيّ في عدة روايات من مناقب الصحابة في وجوههم، سيما الشيخين .
- رضي الله عنهما -.
:
(فقال رسول الله ميلر: ألم يكن) بهمزة الاستفهام (الآخر) بكسر الخاء أي
المتأخر في الوفاة وفتحها أي الذي تأخرت وفاته عن أخيه (مسلماً) قال
الباجي: يحتمل أن يكون لم يعرف حاله فسألهم مستفهماً عنه، ويحتمل أن
يكون علم حاله، فأتى بلفظ الاستفهام، ومعناه التقرير (فقالوا: بلى يا رسول الله)
كان مسلماً (وكان لا بأس به) قال الباجي(٤): يعنون أنه مع إسلامه كان لا بأس
(١) أخرجه البخاري (١٣٦٧ و١٦٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٤٣)، ((عمدة القاري)) (٢١/٦).
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٦٣ و٦٠٦٠).
(٤) ((المنتقى)) (٣١٠/١).
٥٦٨
أ

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٨) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالحِه: «وَمَا يُذْرِيكُمْ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلاَتُهُ؟ إِنَّمَا مَثَلُ
الصَّلاةِ كَمَثَلِ نَهْرٍ غَمْرٍ عَذْبِ، بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَقْنَحِمُ فِيهِ كُلِّ يَوْمٍ
خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا تَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟
به، وهذه اللفظة تستعمل في التخاطب فيما يقرب معناه، ولا يراعى المبالغة
في تفضيله، انتهى. يعني أنه لم يكن مسيئاً، لكن الأول كان ذا فضائل.
(فقال رسول الله قال: وما يدريكم ما بلغت به صلاته؟) في الأربعين ليلة
التي عاشها بعد أخيه، يعني أن صلاة هذا الثاني بعد الأول من أعمال البر التي
يرفع صاحبها، وقد عمل منها بعد أخيه أربعين يوماً، ما ترفع به الدرجات فلا
يدرون لعلها قد بلغته أرفع من درجة أخيه.
ثم فسر ذلك رسول الله وسلم قال: ((إنما مثل الصلاة)) (إنما مثل الصلاة
كمثل نهر عذب) قال الراغب: ماء عذب طيب بارد، قال تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ
فُرَاتٌ﴾ وأعذب القوم صار لهم ماء عذب، قال الباجي: خص العذب بالذكر
لأنه أبلغ في الإنقاء (غمر) بفتح المعجمة وسكون الميم أي كثير الماء، قال
الراغب: أصل الغمر إزالة أثر الشيء، ومنه قيل: للماء الكثير الذي يزيل أثر
سيله غمر وغامر، والغمرة: معظم الماء الساترة لمقرها (بباب أحدكم) يريد
قرب موضعه، فإنه لا يتكلف فيه طول المسافة (يقتحم) أي يقع (فيه كل يوم
خمس مرات) يريد بذلك عدد الصلوات الخمس، قال الباجي: وهذا يدل على
نفي وجوب غيرها .
قلت: لكن يمكن لمن قال بوجوب الوتر أن يقول: إنها تابعة للعشاء،
فعُدَّت معها، (فما ترون ذلك) الغسل خمس مرات في نهر غمر عذب (يبقي)
بالباء لا بالنون، قاله أبو عمر (من درنه؟) أي وسخه.
قال ابن عبد البر(١): فيه دلالة على أن الماء العذب أنقى للدرن، كما أن
(١) انظر: (الاستذكار)) (٣٥٢/٦).
٥٦٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٨) حديث
فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٦ - باب الصلوات الخمس
كفارة .
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٥١ - باب المشي إلى
الصلاة تمحى به الخطايا، وترفع به الدرجات، حديث ٢٨٣ .
الماء الكثير أشد إنقاءً من اليسير، وفي المتفق عليه من رواية أبي هريرة
- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَله: ((أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم
يغتسل فيه كل يوم خمساً هل يبقى من درنه شيء؟)) قالوا: لا يبقى من درنه
شيء. قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا))، يعني أن
الذنوب كالوسخ، والصلاة تزيل تلك الأوساخ المعنوية، كما أن النهر يزيل
الأوساخ الحِسِّيَّة، والمعنى مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ
اُلسََِّّاتِ﴾(١).
قال أبو زرعة الرازي: خطر في بالي تقصيري في الأعمال، فكبر عليّ
فرأيت في منامي آتياً أتاني فضرب بين كتفي، وقال: قد أكثرت في العبادة، أي
عبادة أفضل من الصلوات الخمس في جماعة، قاله الزرقاني(٢).
(فإنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته) أعاده لزيادة التأكيد، لأن تفضيل
أحد على أحد بغير علم بعيد جداً، ثم قصة الأخوين مخرّجٌ في الكتب من عدة
روايات، كما تقدم منها حديث عبيد بن خالد السلمي، أخرجه أبو داود
والنسائي وغيرهما، ولفظ أبي داود (٣) قال: آخى رسول الله وَل بين رجلين،
فقتل أحدهما، ومات الآخر بعده بجمعة أو نحوها، فصلينا عليه فقال
رسول الله وَل: ((ما قلتم؟)) فقلنا: دعونا له، وقلنا: اللَّهم اغفر له وألحقه
(١) سورة هود: الآية ١١٤.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٦/١).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٢٤) باب في النور عند قبر الشهيد، والنسائي (١٩٨٥) ..
٥٧٠
---
....- -
..

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٩) حدیث
٩٢/٤٠٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ،
كَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَبِعُ فِي الْمَسْجِدِ، دَعَاهُ فَسَأَلَهُ: مَا مَعَكَ؟
بصاحبه، فقال رسول الله وَله: ((فأين صلاته بعد صلاته؟ وصومه بعد صومه؟
وعمله بعد عمله؟ إن بينهما كما بين السماء والأرض)).
وأما حديث طلحة فقد أخرج أحمد(١) بسنده عن أبي سلمة، قال: نزل
رجلان من أهل اليمن على طلحة بن عبيد الله، فقُتِل أحدهما مع رسول الله صلَّه،
ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم مات على فراشه، فأَرِي طلحة بن عبيد الله أن
الذي مات على فراشه دخل الجنة قبل الآخر بحينٍ، فذكر ذلك طلحةُ
لرسول الله وَلّ، فقال رسول الله وَل: ((كم مكث في الأرض بعده؟))، قال:
حولاً، فقال وَلّ: ((صلى ألفاً وثمانمائة صلاة، وصام رمضان)).
وفي رواية عن عبد الله بن شدّاد: أن نفراً من بني عذرة ثلاثة أَتَوْا
النبيِ وَلّ. فأسلموا، قال: فقال النبي وَلّر: ((من يكفيهم؟))، قال طلحة: أنا،
فكانوا عند طلحة، فبعث النبي وَل بعثاً، فخرج فيه أحدهم. فاستُشْهد، قال:
ثم بعث بعثاً، فخرج فيهم آخر، فاستشهد، ثم مات الثالث على فراشه، قال
طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم،
ورأيت الذي استشهد أخيراً يليه، ورأيت الذي استشهد أولهم آخرهم،
الحديث(٢) .
٩٢/٤٠٩ - (مالك، أنه بلغه أن عطاء بن يسار) الهلالي مولى ميمونة (كان
إذا مرّ عليه بعض من يبيع) أي يريد أن يبيع شيئاً (في المسجد دعاه فسأله:
ما معك؟) من المتاع، ليختبر هل يجوز بيعه أم لا؟ فقد يكون بعض المتاع لا
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (١/ ١٦٢).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٢٣/٢٤).
٥٧١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٩) حدیث
وَمَا تُرِيدُ؟ فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ، قَالَ: عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا،
وَإِنَّمَا هُذَا سُوقُ الآخِرَةِ.
يجوز بيعه مطلقاً، لا في المسجد ولا خارجه (وما تريد؟) بهذا المتاع، فيحتمل
أنه لا يقصد به البيع فيسأله أولاً ليكون إنكاره بعد إقراره بإرادة البيع.
(فإن أخبره أنه يريد بيعه) أنكر عليه البيع في المسجد (وقال: عليك بسوق
الدنيا فإنما هذا) أي المسجد (سوق الآخرة) لا يباع فيه إلا الأعمال الصالحة،
قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّنْ تَبُورَ﴾(١)، وقال وَّ: ((إذا رأيتم الرجل يبيع
ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك)).
قال الشوكاني(٢): أما البيع والشراء، فذهب جمهور العلماء إلى أن النهي
محمول على الكراهة، قال العراقي: قد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع
في المسجد لا يجوز نقضه، وهكذا قال الماوردي. وذهب بعض أصحاب
الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد، والأحاديث ترد عليه، اهـ.
وفي ((الفتح)): قال المازري: اختلفوا في جواز ذلك في المسجد مع اتفاقهم
على صحة العقد لو وقع، قال الباجي(٣): أما البيع فقد روى ابن القاسم عن
مالك في ((المجموعة)): لا بأس أن يقضي الرجل الرجل في المسجد ديناً، فأما
ما كان بمعنى التجارة والصرف فلا أحبه، فأرخص في القضاء لخفته، وقلة
ما يحظر منه، فأما المصارفة فيحظر كل واحد منه بما يعاوض به، وتكثر
المراجعة، وهذان المعنيان هما المؤثران في المنع، ولعله يريد بذلك كثرة
اللغط، ولم يحظر فيه يسير العمل ولو كان قضاء لمال جسيم تتكلف المؤنة في
استجلابه ووزنه وانتقاده، ويكثر العمل فيه لكثرته لكان مكروهاً.
(١) سورة فاطر: الآية ٢٩.
(٢) ((نيل الأوطار)) (٦٦٧/١).
(٣) ((المنتقى)) (٣١١/١).
٥٧٢
:
:
------- . "
...

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
٠
(٢٥) باب
(٤٠٩) حديث
وفي ((المبسوط)) عن مالك: لا أحب لأحد أن يظهر سلعة في المسجد
للبيع، فإما أن يساوم رجلاً بثوب عليه أو سلعة تقدمت رؤيته لها، فيواجبه البيع
فيها، فلا بأس به.
وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)) (١): إنما بنيت المساجد لذكر الله،
وما يتعلق به من أمور الآخرة، وليست من أسواق الدنيا، فلا يتخذها أحد
لذلك، ولا بأس بالشيء الخفيف من ذلك فيها، ولا بأس بالصدقة فيها على
المعرض، انتهى. هذا عند المالكية. وأما عند الحنفية: فعدّه في عامة الفروع
من المكروهات، ففي ((الدر المختار))(٢): وكل عقد إلا لمعتكف بشرطه، قال
ابن عابدين: قوله: كل عقد، الظاهر أن المراد به عقد مبادلة ليخرج نحو
الهبة، وصرح في ((الأشباه)) وغيرها: بأنه يستحب عقد النكاح في المسجد،
وقوله: بشرطه، وهو أن لا يكون للتجارة، بل يكون ما يحتاجه لنفسه أو عياله
بدون إحضار السلعة، انتهى.
قال الشوكاني(٣): فرق أصحاب أبي حنيفة بين أن يغلب ذلك ويكثر،
فيكره أو يقل، فلا كراهة، وهو فرق لا دليل عليه، انتهى.
قال الشيخ في ((البذل))(٤): هذا الذي عزاه إلى الأصحاب هو الذي ذكره
الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) إذ قال: وكذلك ما نهي عنه من البيع في
المسجد هو البيع الذي يعمه أو يغلب عليه حتى يكون كالسوق، فذلك مكروه،
فأما ما سوى ذلك فلا، ولقد روينا عن رسول الله وَليقول ما يدل على إباحة العمل
(١) ((عارضة الأحوذي)) (١١٩/٢).
(٢) (٥٢٦/٢).
(٣) ((نيل الأوطار)) (١ / ٦٦٧).
(٤) (٦ /٧٠) .
٥٧٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
٩٣/٤١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ بَنَى رَحْبَةً
الذي ليس من القرب في المسجد فذكر حديث علي - رضي الله عنه - وفيه:
لكنه خاصف النعل في المسجد، وكان قد ألقى إلى علي - رضي الله عنه - نعله
يخصفها، ثم قال: ألا ترى أن رسول الله وَل﴿ لم ينه علياً - رضي الله عنه - عن
خصف النعل في المسجد، وأن الناس لو اجتمعوا حتى يعم المسجد بخصف
النعال، كان ذلك مكروهاً، فلما كان ما لا يعم المسجد من هذا غير مكروه،
وما يعمه منه أو يغلب عليه مكروهاً كان ذلك في البيع وإنشاد الشعر والتحلق
فيه ما عمه من ذلك، مكروه، وما لم يعمه منه، ولم يغلب عليه فليس بمكروه،
انتھی .
وقال القاري(١): جوز علماؤنا للمعتكف الشراء بغير إحضار المبيع، ومن
البدع الشنيعة بيع ثياب الكعبة خلف المقام، وبيع الكتب وغيرها في المسجد
الحرام، اهـ.
٩٣/٤١٠ - (مالك، أنه بلغه) قال الزرقاني: كذا ليحيى، ولغيره: مالك
عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه
(أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (بنى رحبة) قال المجد: رَحُبَ كَكَرُمَ
وسَمِع، رُحباً، بالضم، ورحابة، فهو رَحْبٌ وَرَحِيْبٌ ورُحابٌ، اتسع، ورَحَبَة
المَكَانِ، وتُسَكَّنُ: ساحتُه ومُتَّسَعُه، ومن الوادي: مسيلُ مائهِ من جانبيه فيه،
وفي ((المجمع)): مرحباً أي لقيت رحباً وسعة، ورحبة المسجد ساحته بسكون
مهملة وفتحها، وقال الطيبي: الرحبة بالفتح: الصحراء بين أفنية القوم، ورحبة
المسجد : ساحته .
قال القاري: وما في حديث علي - رضي الله عنه - وصف وضوء
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٦/٢).
٥٧٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ. وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ،
أَوْ يُنْشِدَ شِعْراً، أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، فَلْيَخْرُجْ إِلَى هذِهِ الرَّحْبَةِ.
رسول الله اللّه في رحبة الكوفة، فإنها دكان وسط مسجد الكوفة كان علي
- رضي الله عنه - يقعد فيه ويعظ، اهـ. (في ناحية المسجد) أي في فضاء في
خارج المسجد (تسمى) تلك الرحبة (البطيحاء) بضم الباء وفتح الطاء وسكون
الياء التحتية فمهملة، تصغير بطحاء. قال المجد: البطح: ككتف والبطيحة
والبطحاء والأبطح: مسيل واسع، فيه دقاق الحصى. قال القاري: ولعلها بسط
فيها البطحاء، قال الباجي: هذه البطيحاء بناء يرفع على الأرض أزيد من
الذراع، ويحدق حواليه بشيء من جدار قصير، ويوسع كهيئة الرحبة ويبسط
بالحصباء يجتمع فيها للجلوس، اهـ.
(وقال) عمر - رضي الله عنه -: (من كان يريد أن يلغط) بفتح أوله وثالثه:
يتكلم بكلام فيه جلبة واختلاط، ولا يتبين، قاله الزرقاني. وقال القاري(١):
اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه، قاله الطيبي. والمراد من أراد أن يتكلم بما
لا يعنيه، اهـ. (أو ينشد شعراً) لنفسه أو لغيره (أو يرفع صوته) ولو بالذكر
(فليخرج إلى هذه الرحبة) تعظيماً للمسجد لأنه إنما وضع للصلاة والذكر. قال
تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ﴾(٢) الآية.
قال الباجي: لما رأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كثرة جلوس
الناس في المسجد، وتحدثهم فيه وربما أخرجهم ذلك إلى اللغط، وهو
المختلط من القول وارتفاع الأصوات، وربما جرى في أثناء ذلك إنشاد شعر،
بنى هذه البطيحاء إلى جانب المسجد وجعلها لذلك، ليتخلص المسجد لذكر الله
وما يحسن من القول، وينزّه من اللغط وإنشاد الشعر، ولم يرد أن ذلك محرم،
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢٣/٢).
(٢) سورة النور: الآية ٣٦.
٥٧٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
وإنما ذلك على معنى الكراهية، وتنزيه المساجد لا سيما مسجد النبي
صلىالله
وسام
،
فيجب له من التعظيم والتنزيه ما لا يجب لغيره.
وقد روى السائب(١) بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل
فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما فقال: من
أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما،
ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله مَّر، وفي رواية: قال عمر - رضي الله
عنه -: إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت، وقد علل ذلك محمد بن مسلمة
بعلتين: إحداهما: أنه يجب أن ينزه المسجد من مثل هذا، ومعنى هذا أن
المسجد مما أمرنا بتعظيمه وتوقيره، والثانية: لأنه مبنى للصلاة، وقد أمرنا أن
نأتيها وعلينا السكينة والوقار، فبأن يلتزم ذلك بموضعها المتخذ لها أولى، اهـ.
والفقه في الحديث ثلاث مسائل: الأولى: الكلام في المسجد. قال
الباجي(٢): العمل في المسجد على نوعين، قربة وغير قربة، أما القربة التي
بنيت لها المساجد فالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى، وأما ما ليس بقربة
فأفعال وأقوال، ثم بسط الكلام على ذلك.
وحاصله: أن المؤثر في المنع كثرة اللغط وكثرة العمل، ولا يحظر اليسير
منهما، وإنما يجوز من كلا الوجهين اليسير إذا انفرد، وإذا اجتمعا أي اللغط
والعمل، فإنه يمنع اليسير منهما، وقال الباجي: أما الجلوس في المسجد لما
لا لغو فيه من الحديث من غير رفع صوت فلا بأس به.
قال مالك في ((العتبية)): وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
يجلس في المسجد، ويجلس إليه رجال فيحدثهم عن الأجناد، ويحدثونه
(١) ((المنتقى)) (٣١٢/١).
(٢) ((المنتقى)) (٣١١/١).
٥٧٦
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
بالأحاديث، ولا يقولون له كيف تقول، كما يفعل أهل هذا الزمان،
انتهى .
وأما عند الحنفية ففي ((البحر)) صرح في ((الظهيرية)) بكراهة الحديث: أي
كلام الناس في المسجد، لكن قيده بأن يجلس لأجله، وفي ((فتح القدير)):
الكلام المباح فيه مكروه يأكل الحسنات، وينبغي تقييده بما في ((الظهيرية))، أما
إن جلس للعبادة ثم بعدها تكلم فلا، انتهى.
وفي ((المشكاة))(١) عن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله مَّر: ((يأتي
على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم، فلا تجالسوهم،
فليس لله فيهم حاجة)) رواه البيهقي في ((الشعب)).
وأما المسألة الثانية: وهي إنشاد الشعر في المسجد، فقد اختلفت
الروايات في ذلك، وحديث الباب يؤيد المنع، ويؤيده أيضاً حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده: نهى رسول الله و 18 عن تناشد الأشعار في
المسجد، رواه أبو داود، وابن خزيمة في (صحيحه))، وحسنه الحافظان
الترمذي والطوسي، وروى أبو داود من حديث حكيم بن حزام مرفوعاً: نهى
النبي ◌ّ أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه
الحدود، وروى عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن أسيد بن عبد الرحمن: أن شاعراً
جاء النبي ◌ُ ◌ّ﴾ وهو في المسجد، قال: أنشدك يا رسول الله وَ﴾؟ قال: ((لا))،
قال: بلى، قال: ((فاخرج من المسجد))، فخرج فأنشده، فأعطاه رسول الله وَ ل
ثوباً، وقال: ((هذا بدل ما مدحت به ربك))، كذا في العيني(٢)، ويعارضها
حديث أبي هريرة: أن عمر - رضي الله عنه - أنكر على حسان إنشاد الشعر في
(١) رقم الحديث (٧٤٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٨٩/٣).
٥٧٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
المسجد، فقال: قد كنت أنشد فيه مع من هو خير منك، فسكت عمر، قاله
أبو عمر بن عبد البر(١).
وقد روى هذا الحديث البخاري بمواضع من ((صحيحه))، ومسلم وأبو داود
والنسائي، كما في العيني، وروى أبو داود والترمذي مصححاً من حديث
عائشة: كان رسول الله وَ لل ينصب لحسان منبراً في المسجد، فيقوم عليه ويهجو
الكفار. وفي ((النيل))(٢): كذلك حديث جابر بن سمرة أنه قال: ((شهدت
النبي ◌َّ أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من
أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم)) رواه أحمد والترمذي وصححه.
واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث، وقد جمع ابن خزيمة في
((صحيحه)) بين الشعر الجائز إنشاده في المسجد وبين الممنوع من إنشاده فيه،
وقال أبو نعيم الأصبهاني: نهى عن تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين فيه، فأما
أشعار الإسلام والمحققين فواسع غير محظور، قاله العيني(٣).
وفي ((البذل)) (٤): جمع بين الأحاديث بوجهين: الأول: حمل النهي على
التنزيه، والرخصة على بيان الجواز. والثاني: حمل الرخصة على الشعر
الحسن، وحمل النهي على التفاخر والهجاء.
وقال ابن العربي(٥): لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح
الدين وإقامة الشرع، وإن كان فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة، وقد مدح
كعب بن زهير رسول الله وَله فقال:
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٥٤/٦).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٦٦٩/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٨٩/٣ - ٤٩٠).
(٤) انظر: ((بذل المجهود)) (٧١/٦).
(٥) ((عارضة الأحوذي)) (١١٩/٢ - ١٢٠).
٥٧٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
متيِّمٌ إثرها لم يفد مكبول
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
إلى قوله في صفة ريقها :
كأنه منهل بالراح معلول
قال: ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يرفع به صوته بحيث
يشوش ذلك على مصل أو قارئ أو منتظر الصلاة، فإن أدى إلى ذلك كره
ولو قيل بتحريمه لم يكن بعيداً، انتهى.
وقال أبو عبد الملك: كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول
الإسلام، وكذا لعب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل
الإسلام زال ذلك كله. قال العيني(١): أشار بذلك إلى النسخ، ولم يوافقه أحد
علی ذلك، انتهى.
وبسط العلامة الطحاوي(٢) الكلام على الباب فذكر أولاً حديث عمرو بن
شعيب في النهي، ثم قال: ذهب قوم إلى كراهة إنشاد الشعر لهذا الحديث،
وخالفهم آخرون، فلم يروا بإنشاد الشعر في المسجد بأساً إذا كان ذلك الشعر
مما لا بأس بروايته وإنشاده في غير المسجد، واحتجوا في ذلك بروايات وضع
المنبر لحسان وغيره.
ويجوز أن يكون المراد بالشعر في الحديث الأول الشعر الذي كانت
قريش تهجوه به، ويجوز أن يكون من الشعر الذي تُؤَبَّنُ فيه النساء، وتُرْزَأُ فيه
الأموال على ما ذكرنا في باب رواية الشعر، ويجوز أن يكون أراد بذلك الشعر
الذي يغلب على المسجد حتى يكون كل من فيه أو أكثر من فيه متشاغلاً
بذلك .
(١) ((عمدة القاري)) (٤٩٠/٣).
(٢) (شرح معاني الآثار)) (٢/ ٤٠٧) طبعة الهند.
٥٧٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
فإن قيل: إن الذي هجى به النبي ◌َّطهور، والذي أبنت فيه النساء ورزئت فيه
الأموال مكروه في غير المسجد أيضاً، فلم يكن لذكره المسجد معنى، قيل له:
قد يجري الكلام كثيراً بذكر معنى لا يكون مخصوصاً بذلك الحكم، كما في
قوله تعالى: ﴿وَرَبِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾(١) ألا ترى أنها لو كانت أسن منه
أنها عليه حرام كحرمتها لو كانت صغيرة في حجره، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قَلَهُ
مِنكُم مُتَعَمِّدًا﴾(٢) الآية، وقد أجمعت الأمة إلا من شذَّ أن قتله ساهياً، كذلك
في وجوب الجزاء، فكذلك ما رويناه من ذكره المسجد في الشعر المنهيّ عن
روايته، ليس فيه دليل على خصوصية المسجد، وكذلك ما نُهِي عنه عن البيع
في المسجد هو البيع الذي يعمه أو يغلب عليه حتى يكون كالسوق، فذلك
مكروه وما سوى ذلك فلا، أفلا ترى أن رسول الله بَّ لم ينه علياً - رضي الله
عنه - عن خصف النعل في المسجد، وأن الناس لو اجتمعوا حتى يعموا
المسجد بخصف النعال كان ذلك مكروهاً، فلما كان ما لا يعم المسجد من
هذا غير مكروه وما يعمه منه أو يغلب عليه مكروهاً كان ذلك في البيع وإنشاد
الشعر، انتهى مختصراً .
والحاصل: أن النهي محمول على ما كانت قريش تهجوه به ونحوه مما
فيه ضرر أو على ما يغلب على المسجد، وما يكون خالياً عنهما فلا ضير فيه،
وفي مكروهات ((الدر المختار)): إنشاد ضالة أو شعر إلا ما فيه ذكر، انتهى.
هذا وقد اختلف الفقهاء ههنا في مسألة أخرى(٣)، وهي إنشاد الشعر
مطلقاً، فقال الشعبي، وعامر بن سعد البجلي، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن
المسيب، والقاسم، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي،
(١) سورة النساء: الآية ٢٣.
(٢) سورة النساء: الآية ٩٣.
(٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٩٠/٣).
٥٨٠
-