Indexed OCR Text

Pages 541-560

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٢) حديث
غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى
الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة - رضي الله
عنهم - إلى الزيادة في المسجد بنوا على القبر الشريف حيطاناً مرتفعة مستديرة،
لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليها العوام، انتهى.
قال ابن عبد البر: قيل معناه: النهي عن السجود على قبور الأنبياء،
وقيل: النهي عن اتخاذها قبلة يصلى إليها .
قال القاري(١): سبب لعنهم إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم
تعظيماً لهم، وذاك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى
في مدافن الأنبياء والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظراً منهم بذلك إلى
عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي، لتضمنه
ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له، قاله بعض الشراح من أئمتنا .
وقال القاضي البيضاوي: كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم،
ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فقد اتخذوها أوثاناً، فلذلك لعنهم،
ومُنع المسلمون عن مثل ذلك، أما من اتخذ مسجداً في جوار صالح، أو صلى في
مقبرة وقصد الاستظهار بروحه أو وصول أثرٍ ما من أثر عبادته إليه، لا للتعظيم له
والتوجه نحوه، فلا حرج عليه، ألا ترى أن مرقد إسماعيل عليه السلام في المسجد
الحرام عند الحطيم، ثم ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى للصلاة، كذا ذكره الطيبي.
وذكر غيره أن صورة قبر إسماعيل في الحجر تحت الميزاب، وأن في
الحطيم بين(٢) الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبياً، وفيه: أن قبر إسماعيل
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٢/٢).
(٢) كذا في الأصل، وهكذا في هامش ((المشكاة)) عن ((اللمعات))، والظاهر سقوط قبل لفظ
بین، اهـ ((ز)).
قلت: الظاهر سقط (و) بعد الحطيم، والله أعلم.
٥٤١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٢) حديث
عليه السلام وغيره مندرسة، فلا يصلح الاستدلال به. وقال ابن حجر: أشار
الشارح إلى استشكال الصلاة عند قبر إسماعيل بأنها تكره في المقبرة، وأجاب
بأن محلها في مقبرة منبوشة لنجاستها، وكله غفلة عن قولهم: يستثنى مقابر
الأنبياء فلا يكره الصلاة فيها مطلقاً، لأنهم أحياء في قبورهم، وعلى التنزل
فجوابه غير صحيح لتصريحهم بكراهة الصلاة في مقبرة غير الأنبياء وإن لم
تنبش، لأنه محاذٍ للنجاسة، ومحاذاتها في الصلاة مكروهة سواء كانت فوقه أو
خلفه أو تحت ما هو واقف عليه.
وفي ((شرح السنة)): اختلف في الصلاة في المقبرة، فكرهها جماعة، وإن
كانت التربة طاهرة، والمكان طيباً، للأحاديث، وقيل: بجوازها، وتأويل
الحديث أن الغالب من حال المقبرة اختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومها،
والنهي لنجاسة المكان، فإن كان المكان طاهراً فلا بأس، انتهى.
قال العيني(١): ذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يفرق بين
المنبوشة وغيرها ولا بين أن يفرش عليها شيء يقيه من النجاسة أم لا، ولا بين
أن تكون بين القبور أو في مكان منفرد عنها، كالبيت والعلو. وقال أبو ثور: لا
يصلى في حمام ولا مقبرة، على ظاهر الحديث يعني قوله وَلجر: ((الأرض كلها
مسجد إلا المقبرة والحمام))، وذهب الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي إلى كراهة
الصلاة في المقبرة.
۔
وفَرَّق الشافعي - رضي الله عنه - بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقال: إذا
كانت مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة
فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته. وقال
الرافعي: أما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال.
(١) ((عمدة القاري)) (٤٢٦/٣).
٥٤٢
------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٢) حديث
قلت: وهو المرجح عند الشافعية في فروعهم، إذ صرحوا بعدم جواز
الصلاة في المقبرة المنبوشة، وبكراهتها في المنبوشة، ولم ير مالك بالصلاة في
المقبرة بأساً، وحكى أبو مصعب عن مالك الكراهة في المقبرة، كقول
الجمهور. وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الصلاة في المقبرة سواء كانت مقابر
المسلمين أو المشركين، وحكى ابن حزم عن خمسة من الصحابة النَّهْيَ عن
ذلك، وهم: عمر وعلي وأبوهريرة وأنس وابن عباس - رضي الله عنهم -
أجمعين، وقال: ما نعلم لهم مخالفاً في الصحابة، وحكاه عن جماعة من
التابعين .
قال العيني: قوله: لا نعلم لهم مخالفاً من الصحابة معارض بما حكاه
الخطابي في ((معالم السنن)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه رخص في
الصلاة في المقبرة، وحكى أيضاً عن الحسن البصري أنه صلى في المقبرة، اهـ.
قلت: ما نقل عن مالك الإباحة أو الكراهة مطلقاً يخالفه ما في الباجي
إذ فرق بين مقابر المسلمين والمشركين، وجعل علة المنع في مقابر المشركين
أنها بقعة خصت بأهل العذاب وسخط الله تعالى، قال: فشرع اجتنابها كما
شرع تحري مواضع الصالحين، ولذلك كان يتحرى عبد الله بن عمر - رضي الله
عنهما - والناس بعده موضع صلاة النبي مَّ فيصلون فيه، اهـ.
قال العيني(١): وفي ((شرح الترمذي)): حكى أصحابنا اختلافاً في الحكمة
في النهي عن الصلاة في المقبرة، فقيل: المعنى فيه ما تحت مصلاه من
النجاسة، وقد قال الرافعي: لو فرش في المجزرة والمزبلة شيئاً، وصلَّى عليه
صحت صلاته، وبقيت الكراهة لكونه مصلياً على النجاسة، وإن كان بينهما
حائل، وقال القاضي حسين: إنه لا كراهة مع الفرش على النجاسة مطلقاً،
(١) ((عمدة القاري)) (٤٢٦/٣).
٥٤٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٢) حديث
وحكى ابن الرفعة في ((الكفاية)): أن الذي دل عليه كلام القاضي أن الكراهة
لحرمة الموتى.
وعلى كل تقدير من هذين المعنيين فينبغي أن يقيد الكراهة بما إذا حاذى
الميت، أما إذا وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة، فلا
كراهة، إلا أن ابن الرفعة بعد أن حكى المعنيين السابقين قال: لا فرق في
الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه، اهـ.
وفي ((البدائع)): قيل: إنما نهى عن ذلك لما فيه من التشبه باليهود، كما
يدل عليه لفظ الروايات، وعلى هذا تجوز الصلاة وتكره، وقيل: معنى النهي
أن المقابر لا تخلو عن النجاسات، لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور،
فيبولون ويتغوطون خلفه، فعلى هذا لا تجوز الصلاة لو كان في موضع يفعلون
ذلك لانعدام طهارة المكان، اهـ.
وفي ((شرح المنهاج)): علته محاذاته للنجاسة سواء ما تحته أو أمامه أو
بجانبه، ومن ثم لم تفترق الكراهة بين المنبوشة بحائل وغيرها، ولا بين المقبرة
القديمة والجديدة، وتنتفي الكراهة حيث لا محاذاة، وأما مقبرة الأنبياء فلا
تكره الصلاة فيها، لأنهم أحياء في قبورهم، فلا نجاسة، والنهي عن اتخاذ
قبورهم مساجد لا ينافي ذلك، خلافاً لمن زعمه، لأنه يعتبر ههنا قصد
الاستقبال، على أن استقبال غيرهم أيضاً مكروه، كما أفاده خبر: ((ولا تصلوا
إليها)) فحينئذ الكراهة لشيئين: الاستقبال، ومحاذاة النجاسة، وهذا الثاني منتف
في الأنبياء، اهـ.
قلت: وحجة الجمهور في جواز الصلاة مع الكراهة ما تقدم في الصلاة
في أعطان الإبل التعارض بين روايات المنع وعموم قوله وتثير: ((جعلت لي
الأرض مسجداً وطهوراً)) كما بسط هنالك، واستدل البيهقي بقوله ◌َ له: ((جعلت
لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً، وأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان)).
وأخرج عن ابن جريج قلت لنافع: أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور؟
٥٤٤
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٣) حديث
٨٦/٤٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ؛
قال: لقد صلينا على عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما - وسط البقيع،
والإمام يوم صلينا على عائشة أبوهريرة، وحضر ذلك عبد الله بن عمر - رضي الله
عنهما -، وأخرج البخاري في ((صحيحه)): رأى عمر - رضي الله عنه - أنس بن
مالك يصلي عند قبر، فقال: القبر، القبر، ولم يأمره بالإعادة.
وقال ابن العربي (١): الحديث الصحيح: ((جعلت لي الأرض مسجداً
وطهوراً)) وهي خصيصة فضلت بها هذه الأمة على سائر الأمم، لا يستثنى منها
إلا البقاع النجسة والمغصوبة التي يتعلق بها حق الغير، وكل حديث سوى هذا
ضعيف، حتى حديث السبعة المواطن التي ورد النهي عنها، لا يصح عن
النبي وَلّر، والمواضع التي لا يصلى بها ثلاثة عشر موضعاً، ثم بسطها فارجع
إليه .
٨٦/٤٠٣ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن محمود بن لبيد
الأنصاري) هكذا في النسخ الهندية من المتون والشروح، قال ابن عبد البر(٢):
كذا قال يحيى، وهو غلط بيّنٌ، إنما هو عن محمود بن الربيع، لا يحفظ إلا
له، ولم يروه أحد من أصحاب مالك ولا من أصحاب ابن شهاب إلا عن
محمود بن الربيع، اهـ.
وكذا قال غيره من الشراح: إن يحيى وهم في ذلك، فعُلِم منه أن الثابت
في رواية يحيى محمود بن لبيد وإن كان غلطاً في نفسه، فما يوجد في النسخ
المصرية بدله محمود بن الربيع، وعليه بناه الزرقاني ليس في محله، ولعلهم
أرادوا تصحيح الغلط، وما كان ينبغي لهم.
(١) ((عارضة الأحوذي)) (١١٤/٢).
(٢) ((الاستذكار)) (٣٤١/٦).
٥٤٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٣) حديث
أَنَّ عُتْبَانَ بْنَ مَالِكِ
قال في ((جواهر الأصول)): إذا وقع في رواية لَحْنٌ أو تحريفٌ، فقال
ابن سيرين: يرويه كما سمعه، وقول الأكثرين روايته على الصواب، وأما
الإصلاح في الكتاب فجوّزه البعض، والصواب تقريره على حاله مع التضبيب
عليه، وبيان الصواب في الحاشية، اهـ.
وهكذا في ((التقريب)) للنووي: قال السيوطي: فإن ذلك أجمع للمصلحة
وأنفى للمفسدة، وقد يأتي من يظهر له وجه صحته، ولو فتح باب التغيير لجسر
عليه من ليس بأهل، اهـ.
فعلم بذلك أنه لما ثبت عن يحيى محمود بن لبيد، كان إبقاؤه والتنبيه
عليه أولى بالصواب، وتقدم ترجمة محمود بن لبيد في محله، ومحمود بن
الربيع بن سراقة الخزرجي الأنصاري من بني عبد الأشهل، وقيل: من
الحارث بن الخزرج، وقيل: من بني سالم بن عوف معدودٌ في أهل المدينة
مات سنة ٧٩هـ، وله ٧٣ سنة، وقيل غير ذلك، كذا في ((رجال جامع
الأصول)). قال الحافظ: صحابي صغير، جُلّ روايته عن الصحابة.
--
(أن عتبان) بكسر المهملة، ويجوز ضمها وسكون الفوقية؛ قاله المغني(١)
والزرقاني، وفي ((رجال جامع الأصول)) في ترجمة محمود بكسر العين المهملة
وسكون التاء، وبالباء الموحدة والنون (ابن مالك) بن عمرو بن العجلان
الأنصاري الخزرجي السالمي بدري عند الجمهور، ولم يذكره ابن إسحاق
فيهم، ذكر ابن سعد: أن النبي ◌َّ﴿ آخى بينه وبين عمر - رضي الله عنه -، مات
في خلافة معاوية، كذا في ((الإصابة)). قلت: وفي رواية البخاري في المساجد
في البيوت: أن عتبان بن مالك، وهو من أصحاب النبي وَ* ممن شهد بدراً
من الأنصار، الحديث صريح في شهوده بدراً .
(١) ((المغني في ضبط أسماء الرجال)) (ص ١٧٠).
٥٤٦

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٣) حديث
كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى.
ثم قال الكرماني: الظاهر أنه مرسل، لأنه لا جزم أن محموداً سمع من
عتبان، ولا أنه رأى بعينه ذاك، لأنه كان صغيراً عند وفاته وَّ، قال العيني(١):
وقد وقع تصريحه بسماعه عند أبي عوانة، فيكون رواية الصحابي عن
الصحابي، اهـ. (كان يؤم قومه وهو أعمى) أي حين لقيه محمود وسمع منه
الحديث، لا حين سؤاله النبي ◌َلّ بل كان إذ ذاك قريب العمى، كما بسطه
الزرقاني(٢) تبعاً للحافظ، وذكر الروايات المختلفة في ذاك، وفيه حجة لجواز
إمامة الأعمى.
قال ابن حجر: لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه أولى من البصير أو
عكسه .
وقال الشوكاني(٣): صرح أبو إسحاق المروزي والغزالي، بأن إمامة
الأعمى أفضل من إمامة البصير، لأنه أكثر خشوعاً من البصير، لما فيه من
شغل القلب بالمبصرات. ورجح البعض أن إمامة البصير أولى لأنه أشد توقياً
للنجاسة .
قال في ((البدائع))(٤): من يصلح للإمامة في الجملة كل عاقل مسلم، حتى
تجوز إمامة العبد والأعرابي والأعمى وولد الزنا والفاسق، وهذا قول العامة،
وقال مالك: لا تجوز الصلاة خلف الفاسق، لأن الإمامة من باب الأمانة،
والفاسق خائن.
ولنا قوله وَ﴾: ((صَلُّوا خلف كل بَرِّ وفاجر))، والصحابة كابن عمر
(١) ((عمدة القاري)) (٤١٨/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٢/١).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٤١٨/٢).
(٤) (٣٨٦/١).
٥٤٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٣) حديث
وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَله: إِنَّها تَكُونُ الظّلْمَةُ وَالْمَطْرُ وَالسَّيْلُ،
- رضي الله عنهما - وغيره، والتابعون اقتدوا بالحجاج مع أنه كان أفسق أهل
زمانه، حتى كان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يقول: لو جاءت كل أمة
بخبيثها وجئنا بأبي محمد لغلبناهم، وأبو محمد كنية الحجاج.
وروي أن رسول الله ور استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة بالمدينة
حين خرج إلى بعض الغزوات، وكان أعمى، ولأن جواز الصلاة متعلق بأداء
الأركان، وهؤلاء قادرون عليها، إلا أن غيرهم أولى لأن مبنى الإمامة على
الفضيلة، ولذا كان رسول الله ولم يؤم غيره، ولا يؤمه غيره، وكذا كل واحد
من الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - في عصره، ولأن الناس لا يرغبون في
الصلاة خلف هؤلاء، فتؤدي إمامتهم إلى تقليل الجماعة، وذلك مكروه.
ثم قال: والأعمى يوجهه غيره إلى القبلة، فيصير في أمر القبلة مقتدياً
بغيره، وربما يميل في خلال الصلاة عن القبلة، ألا ترى إلى ما روي عن
ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يمتنع عن الإمامة بعدما كف بصره،
ويقول: كيف أؤمكم وأنتم تعدلونني، ولأنه لا يمكنه التوقي عن النجاسة،
فكان البصير أولى إلا إذا كان في الفضل لا يوازيه في مسجده غيره، فحينئذ
يكون أولى، ولذا استخلف النبي ◌َّر ابن أم مكتوم، اهـ.
(وأنه قال) يوم الجمعة كما في رواية الطبراني، وفيه: أنه أتاه يوم
السبت، قاله الحافظ (لرسول الله وَ ل38) ظاهره مشافهة، وهو ظاهر رواية الليث:
((أنه أتى رسول الله وَّ))، وفي رواية لمسلم: ((أنه بعث إلى النبي(وَّ)) فيحتمل
أنه نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازاً، والأوجه أنه أتاه مرة، وبعث إليه
أخرى، إما متقاضياً وإما مذكِّراً.
(إنها تكون) موانع له عن الحضور في المسجد الذي يؤم فيه، وعن شهود
صلاة الجماعة، ثم ذكر أربعة موانع، وإن كفى كل واحد منها في عذر ترك
الجماعة ليبين كثرة موانعه، فقال: (الظلمة والمطر والسيل) يعني سيل الماء في
٥٤٨
---- -------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٣) حديث
وَأَنَا رَجُلٌّ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكاناً أَتَّخِذُهُ
مُصَلَّى. فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
الوادي، وفي رواية الليث: وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار، سال الوادي
الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي مسجدهم، فأصلي بهم (وأنا رجل ضرير
البصر) أي ناقصه، فإذا عمي أطلق عليه ضرير من غير تقييد، قاله أبو عمر (١)، وفيه
إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، وليس يكون من الشكوى (فَصَلِّ يا رسول الله
في بيتي مكاناً) بالنصب على الظرفية أو على نزع الخافض، أي في مكان (أتخذه)
بالجزم في جواب الأمر وبالرفع، والجملة في محل نصب صفة مكاناً أو مستأنفة لا
محل لها (مصلى) بالميم موضعاً للصلاة، وفيه التبرك بمصلى الصالحين ومساجد
الفاضلين، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يتحرى مواضع صلاته وقَلل، وفيه
أيضاً جواز اتخاذ موضع معين للصلاة.
ولا يخالفه ما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن شبل، مرفوعاً:
((النهي أن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير))، لأن النهي
يختص بما يؤدي إلى الرياء والسمعة، كما جزم به العيني (٢)، أو يخلّ بالخشوع
كما في ((البحر)) إذ قال: ويكره تخصيص مكان في المسجد لنفسه لأنه يُخِلّ
بالخشوع، أو المراد بالنهي إيطان المسجد، فإن المساجد لم تبن للإيطان كما
حكاه ابن رسلان، أو هو مخصوص بالمسجد لئلا يزاحم من سبقه، فإن مِنَى
مناخ من سبق، كما اختاره الشيخ في ((البذل))، وهو الأوجه عندي، وقيل غير
ذلك، ويؤيد حديث الباب أمره ◌َّ أن تُبنى المساجد في الدور.
(قال: فجاءه) أي بيته (رسول الله ﴿ ﴿) ومعه أبو بكر وعمر ونَفرٌ من
أصحابه كما في الروايات التي ذكرها الحافظ (٣)، وفيه: أنه من دعا من
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٥٢/١).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٢٢/٣)، و((فتح الباري)) (٥٢٢/١).
(٣) (فتح الباري) (٥٢٢/١).
٥٤٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٣) حدیث
فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟))، فَأَشَارَ لَهُ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ،
فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾(١).
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٤٦ - باب المساجد في البيوت.
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٤٧ - باب الرخصة في
التخلف عن الجماعة بعذر، حديث ٢٦٣.
الصلحاء إلى شيء يتبرك به منه، فله أن يجيب إليه إذا أمن العجب (فقال: أين
تحب أن أصلي) من بيتك؟ (فأشار) عتبان (له) وَلّر (إلى مكان) معين (من البيت)
أي إلى موضع يحب أن يتخذه مصلى، وفي رواية الليث: ((فلم يجلس حين
دخل البيت، ثم قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت له إلى ناحية من
البيت، فقام فكبر)) وهذا بخلاف ما وقع منه ◌َله في بيت مليكة ((جلس فأكل ثم
صلى)) لأنه هناك دعي إلى طعام، فبدأ به، وههنا دعي إلى الصلاة فبدأ بها
(فصلى فيه رسول الله و18َّ) وفي رواية الليث: ((فقام فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى
رکیتین ثم سلم)).
وفيه حجة للجمهور في إمامة الزائر، وقال إسحاق: لا يصلي أحد
بصاحب المنزل، وإن أذن صاحب المنزل، لحديث أبي عطية، قال: كان
مالك بن حويرث يأتينا إلى مصلانا هذا، فأقيمت الصلاة، فقلنا له: تقدم
فصلِّه، فقال لنا: قدِّموا رجلاً منكم يصلي بكم، وسأحدثكم لِمَ لا أصلي بكم؟
سمعت رسول الله وَّل* يقول: ((من زار قوماً فلا يؤمهم، وليؤمهم رجلٌ منهم)).
قال ابن رسلان: لا خلاف بين العلماء أن صاحب الدار أولى من
الزائر، وقال ابن بطال: لا أجد فيه خلافاً، وجمع بينه وبين حديث عتبان بأنه
محمول على الإذن، وذاك على غيره. وقال ابن بطال: حديث مالك إسناده
(١) قال ابن عبد البر: أدخل مالك هذا الحديث بإثر الذي قبله، والله أعلم، ليبين لك أن
معنى هذا الحديث مخالف للذي قبله. ((الاستذكار)) (٣٤٣/٦).

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٣) حديث
ليس بقائم، وأبو عطية مجهول يروي عن مجهول، وصلاة النبي ◌َّ في بيت
عتبان مخالفة له، وكذا ذكره السفاقسي. قال العيني(١): وفيه نظر. وقال
ابن تيمية: أكثر أهل العلم على أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المنزل.
وقال الحافظ(٢): إن عموم النهي مخصوص بما إذا كان الزائر هو الإمام
الأعظم فلا يكره، وكذا من أذن له صاحب المنزل، وفي الحديث أيضاً: أن
العمى من الأعذار المبيحة لترك الجماعة، وقد قرره النبي ◌َّيقر، ويخالفه حديث
ابن أم مكتوم في مسلم وأبي داود وغيرهما أنه سأل النبي ◌َّ: ((إني رجل
ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلاومني، فهل لي رخصة أن أصلي
في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة)).
قال الشيخ في (البذل))(٣): الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى
حَرَجٌ﴾، (٤) وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾(٥). وأيضاً أجمع
المسلمون على أن المعذور لا يجب عليه حضور المسجد، وأجيب بأن معنى
قوله: ((لا أجد لك رخصة)) أي في إحراز الفضيلة، ويمكن أن يكون هذا في
بدء الإسلام، أو يكون خاصة به، فإنها واقعة عين، فلا تعم، انتهى.
وقريب منه ما في النووي، إذ قال: أجاب عنه الجمهور بأنه سأل: هل
له رخصة أن يصلي في بيته، وتحصل له فضيلة الجماعة؟ ويؤيِّده أن حضور
الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة حديث عتبان، قال
(١) (عمدة القاري)) (٤٢٢/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٢٢/١).
(٣) (١٣٦/٤).
(٤) سورة النور: الآية ٦١.
(٥) سورة الحج: الآية ٧٨.
٥٥١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٤) حديث
٤٠٤ / ٨٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ
عَبَّادِ بْنِ تَمِیم،
ابن رسلان، وأجاب عنه بعضهم بأن النبي ◌َّ عُلم منه أنه يمشي بلا قائد،
لشدة حذقه وذكائه، كما هو مشاهد في بعض العميان، انتهى.
قال ابن الهمام: ما رُوِيَ عن ابن أم مكتوم معناه: ((لا أجد لك رخصة))
تحصل لك فضيلة الجماعة من غير حضورها لا الإيجاب على الأعمى، فإنه وَاله
رخّص لعتبان في ترکها، انتهى.
٨٧/٤٠٤ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عباد) بفتح العين
المهملة وشد الموحدة (ابن تميم) الأنصاري المازني المدني من مشاهير
التابعين وثقاتهم، كما عليه أهل الرجال قاطبة، لكن قال الذهبي في ((التجريد)):
عباد بن تميم بن غزية بن عمر المازني النجاري، شيخ الزهري، قال: أعي يوم
الخندق، كان لي خمس سنين، وحكاه الحافظ في ((تهذيبه)) برواية الواقدي.
وزاد ابن رسلان بعد ذلك: كنت مع النساء، وقال في ((التقريب)) قيل: إن له
رؤية، واختلف أهل الرجال في اسم والد تميم اختلافاً كثيراً.
قال الحافظ في ((التقريب)): عباد بن تميم بن غزية الأنصاري، وكذا قال
في ((التهذيب))، وكذا في ((الخلاصة)) و ((التجريد)) وذكره الحافظ في
(الإصابة))(١) بلفظ: قيل، ونسب إلى الأكثر أنه ابن زيد، فقال: تميم بن زيد
الأنصاري والد عبّاد، وأخو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني في قول الأكثر،
وقيل: هو أخوه لأمِّه، وأما أبوه فهو غزيّة بن عبد عمرو بن عطية بن خنساء،
وبذلك جزم الدمياطي تبعاً لابن سعد، وقال ابن حبان: تميم بن زيد المازني له
صحبة وحديثه عندولده، انتهى.
واختاره في ((رجال جامع الأصول)) فقال: عباد بن تميم بن زيد بن
(١) (٤/ ٢٢) .
٥٥٢
-------- - -

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
( ٤٠٤) حدیث
شَنْ عَمِّهِ؛ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ
وَلِ مُسْتَلْقِياً فِي الْمَسْجِدِ، وَاضِعاً
وسـ
إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى.
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٨٥ - باب الاستلقاء في المسجد
ومدّ الرجل .
ومسلم في: ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٢ - باب في إباحة الاستلقاء
ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، حديث ٧٥.
عاصم بن عمرو بن عوف بن مبذول الأنصاري المازني، واختاره ابن الأثير في
((أسد الغابة)) فقال: تميم بن زيد أخو عبد الله بن زيد الأنصاري أبو عبَّاد، يُعَدُّ
في أهل المدينة، وقال العيني(١) في ((شرح البخاري)): عباد بن تميم بن زيد بن
عاصم الأنصاري المدني، انتهى. فعُلِمَ بذلك أنه مختلف في صحبته ونسبه
أيضاً .
(عن عمه) وهو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، تقدم الاختلاف في
أنه هل عم عباد لأبيه كما نسبه الحافظ إلى الأكثر، وإليه ميل ابن حبان،
ويظهر من ((أسد الغابة)) والعيني في ((شرح البخاري)) و((رجال جامع الأصول))
أو هو أخو تميم لأمه كما هو مختار الحافظ في ((التقريب)) و ((التهذيب))، وبه
جزم الدمياطي وابن سعد كما تقدم، وقال الحافظ في (تلخيص الحبير)) (٢):
ليس أخاً لأبيه، وإنما قيل له: عمه؛ لأنه كان زوج أمه، وقيل: كان تميم أخا
عبد الله لأمه، أمهما أم عمارة نسيبة، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن ما في
((موطأ محمد)) عن عمه عتبة وهم من أحد الرواة.
(أنه) أي عبد الله (رأى) أي أبصر (رسول الله ويل مستلقياً في المسجد،
واضعاً إحدى رجليه على الأخرى) قال العيني(٣): مستلقياً، حال، وكذلك
(١) (٣٥٦/٢).
(٢) (٦٣٣/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٥٣٩/٣).
٥٥٣

.. ..
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٤) حديث
واضعاً، كلاهما من رسول الله وَعليه، وهما حالان مترادفتان، ويجوز أن يكون
واضعاً حالاً من الضمير الذي في مستلقياً، فعلى هذا يكون الحالان
متداخلتين، واختلفت الروايات في وضع إحدى الرجلين على الأخرى مستلقياً،
فحديث الباب يدل على الجواز.
وقد أخرج مسلم(١) وغيره عن جابر بن عبد الله: ((أن رسول الله الَّةُ نهى
أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلقٍ))، ولأجل ذلك اختلف
العلماء في هذا الباب، فذهب ابن سيرين ومجاهد وطاووس وإبراهيم النخعي
إلى أنه يكره وضع إحدى الرجلين على الأخرى، وروي ذلك عن ابن عباس
وكعب بن عجرة، وخالفهم آخرون، فقالوا: لا بأس بذلك، وهم: الحسن
البصري والشعبي وسعيد بن المسيب وأبو مجلز ومحمد بن الحنفية، ويروى عن
أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وأبيه عمر بن الخطاب وعثمان وابن مسعود
وأنس بن مالك - رضي الله عنهم -، وقد حكى العيني الآثار عن هؤلاء برواية
ابن أبي شيبة، وإليه مال الخطابي من المتأخرين، وقال: النهي الوارد عن ذلك
منسوخ، أو يقال: إن علة النهي بدوُّ العورة، فإن الإزار ربما ضاق، فإذا شال
لابسه إحدى رجليه فوق الأخرى بقيت هناك فرجة تظهر منها عورته.
قال الحافظ(٢): والثاني أولى من ادّعاء النسخ، لأنه لا يثبت بالاحتمال،
وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين، وجزم ابن بطال ومن
تبعه أنه منسوخ، انتھی.
ويقال: يحتمل أن يكون الشارع فعل ذلك لضرورة، أو كان ذلك بغير
محضر جماعة، فجلوس رسول الله وّل في الجامع كان على خلاف ذلك من
(١) أخرجه مسلم (٢٠٩٩) وأحمد (٣٤٩/٣) وأبو داود (٤٨٦٥) والترمذي (٢٧٦٧).
(٢) ((فتح الباري)) (١/ ٥٦٣).
٥٥٤
- .
-
--

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٤) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
الْمُسَيَّب؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضي الله
عنهما -، كَانَا يَفْعَلانِ ذُلِكَ .
التربع والاحتباء وجلسات الوقار والتواضع، قاله العيني(١). ومال المازري إلى
أن الجواز مخصوص له وسل﴾، لكن أُشكل بما سيأتي عن عمر وعثمان - رضي الله
عنهما -.
(مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب أن عمر بن
الخطاب وعثمان بن عفان) - رضي الله عنهما - (كانا يفعلان ذلك) قال
أبو عمر (٢): أردف المرفوع بفعلهما، كأنه ذهب إلى أن نهيه منسوخ، فاستدل
على نسخه بعملهما، وأقل أحوال الأحاديث المتعارضة أن تسقط، ويرجع إلى
الأصل، والأصل الإباحة، حتى يرد منعٌ بدليل لا معارض له، انتهى.
قال الزرقاني(٣): ولا يتعين ما قال، بل يجوز أنه إشارة إلى أن النهي
للتنزيه، أو حيث خشي ظهور العورة، فلو كان للتحريم أو مطلقاً لم يفعله
الخليفتان، وزاد الحميدي عن ابن مسعود أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى
عنه -، انتهى.
وبسط العلامة الطحاوي الكلام في ذلك، وذكر أولاً حديث جابر بخمسة
أوجه أو ستة، ثم ذكر الروايات والآثار الدالة على الجواز، ثم قال: قد جاء
ما ذكرنا في الفصل الثاني من إباحتها باستعمال رسول الله ◌َ﴾، فاحتمل أن
يكون أحد الأمرين قد نسخ، فلما وجدنا أبا بكر وعمر وعثمان وهم الخلفاء
الراشدون المهديون، على قربهم من رسول الله سير وعلمهم بأمره، قد فعلوا
(١) ((عمدة القاري)) (٥٣٩/٣).
(٢) ((الاستذكار)) (٣٤٥/٦).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٣/١).
٥٥٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٤) حديث
ذلك بعده بحضرة أصحابه جميعاً، وفيهم الذي حدث بالحديث الأول، فلم
ينكر على ذلك أحد منهم، ثم فعله ابن مسعود وابن عمر وأسامة بن زيد
وأنس بن مالك فلم ينكر عليهم منكر، ثبت بذلك أن هذا هو ما عليه أهل
العلم من هذين الخبرين المرفوعين، وبطل بذلك ما خالفه.
وقد روي عن الحسن في ذلك ما يدل على غير هذا المعنى ، فأخرج
عنه، قيل للحسن: قد كان يكره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى؟
فقال الحسن: ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود، فيحتمل أن يكون كان من شريعة
موسى عليه السلام كراهة ذلك الفعل، فأمر رسول الله صلهر على شريعة النبي
الذي كان قبله، ثم أمر رسول الله وَّ بإباحة ذاك الفعل، وقد رُوِيَ عن الحسن
أيضاً أنه قال: إنما كره ذلك أن يفعله بين يدي القوم مخافة أن ينكشف، قال
الطحاوي: والوجه الأول عندي أشبه من هذا.
وقال الباجي(١): يمكن الجمع بينهما بوجوه.
أحدها: أن يختص النبي ◌ّ بجواز ذلك في المسجد، إلا أن فعل عمر
وعثمان - رضي الله عنهما -، وتكرر ذلك منهما مع عدم الخلاف عليهما دليل
على جوازه لغيره
والثاني: أن المنع متوجه إلى صفة وهو أن يقيم إحدى رجليه ويضع عليها
الأخرى .
والثالث: أن النهي لمن عليه ثوب واحد، لأنه يؤدي إلى كشف العورة،
على أنه لو لم يصح الجمع لكان حديث الزهري أولى، لأن روايته أثبت،
وأخذ الجماعة به واتصال العمل به دليل على صحته وبقاء حكمه وإن كان
أحدهما ناسخاً للآخر، فخبر الإباحة هو الناسخ للإجماع بعد النبي ◌ُّ على
جوازه، انتهى مختصراً.
(١) ((المنتقى)) (٣٠٧/١).
٥٥٦
----
--

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٥) حديث
٨٨/٤٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ لإِنْسَانِ: إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَا ؤُهُ، قَلِيلٌ
قُرَّاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ،
قلت: واختار الشيخ في (البذل)) (١) الوجه الثاني، فقال: وعندي وجه
الجمع بينهما أن رفع الرِّجل على الأخرى على نوعين: إما أن تكون رِجْلانِ
ممدودتين ومبسوطتين على الأرض فيضع إحداهما على الأخرى، ففي هذه
الصورة مأمون عن التكشف، وإذا كانت إحداهما مقبوضة فيرفعها ويضع على
ركبته الأخرى، فعلى هذا إذا كان لابساً إزاراً يحتمل كشف العورة، فعلى هذا
ورد النهي، وأما إذا كان عليه سراويل، فلا يحتمل كشف العورة في الصورتين
فيجوز في الحالتين، انتهى.
٨٨/٤٠٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال
الإنسان) لم يسم (إنك في زمان كثير) بالجر صفة جرت على غير من هي له،
والرفع خبراً لقوله (فقهاؤه) المستنبطون للأحكام من القرآن، كما هو المعروف
من حال الصحابة (قليل) بالرفع والجر كما تقدم (قُرَّاؤه) الذين يقرأون بدون
معرفة المعنى، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يقرأون القرآن بالتدبُّر
والفقه، ولذا يقدم في الإمامة أقرؤهم لأنه يكون أفقههم، وليس المعنى أن
القراء كانوا إذ ذاك قليلين لبداهة البطلان .
(تحفظ فيه) أي في هذا الزمان (حدود القرآن) الحد: الحاجز بين الشيئين
الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، يقال: حدَّدت كذا جعلت له حداً يميز،
وحد الشيء الوصف المحيط بمعناه المميز عن غيره، قال تعالى: ﴿اَلْأَعْرَابُ
أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) أي أحكامه، وقيل:
حقائق معانيه، قاله الراغب.
(١) (١٩ /١١١).
(٢) سورة التوبة: الآية ٩٧.
٥٥٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٥) حدیث
وَتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ، قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ، كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي،
وقد ورد عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه))،
وغرائبه: فرائضه وحدوده. قال القاري: المراد بالفرائض المأمورات،
وبالحدود المنهيات، أو الفرائض الميراثية والأحكام الشرعية، أو مطلق
الفرائض القرآنية وما يطلع عليه من الحدود، أعني الدقائق والرموز
العرفانية، اهـ.
(وتضيع حروفه) قال الزرقاني (١) تبعاً للباجي: لا يجوز حمله على
ظاهره، لأن ترك الحروف لا يخلو من أن يزيد من نحو ألف ولام، أو يريد
لغاته، وفي تضييع أحد الأمرين منع من حفظه، ولم يرد أن فضلاء الصحابة
يُضَيِّعون حروفه، إذ لو ضيّعوها لم يصل أحد إلى معرفة حدوده، إذ لا يعرف
ما تضمن من الأحكام، إلا من قرأ الحروف، وعرف معانيها، وحملاه على
مقصري هذا الزمان من المنافقين وغيرهم بأنهم لا يقرأونه، وإن التزموا أحكامه
خوفاً من الصحابة الفضلاء ..
والأوجه عندي: أن الحديث عام لا يختصر بالمنافقين وغيرهم، ولا بُعْد
في ذلك، فإن القُرّاء في الصدر الأول كانوا في وُسْع من القراءة بسبعة أحرف،
ولذا اختلفوا في مواضع، ولا ينكر ذلك أحد، وليس معناه أنه لم يكن محافظاً
على حروفه أحد، بل الحكم باعتبار الأكثر، فهم لذاك التوسع كانوا إلى
محافظة الفقه أشدّ اهتماماً من محافظة الحروف، والإظهار والإخفاء وغير
ذلك، وقريب منه ما قاله السيوطي: المحافظون على حدوده أكثر من
المحافظين على التوسع في معرفة أنواع القراءات، وقال البوني: فيه أن تعلُّمَ
حدوده واجب، وحفظ حروفه أي القراءات السبع مستحبٌ.
(قليل من يسأل) الناس المال لكثرة المتعفِّفين (كثير من يعطي) المال
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٤/١).
٥٥٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٥) حدیث
يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلاةَ، وَيُقْصِرُونَ(١) الْخُطْبَةَ، يُبَدُّونَ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ
أَهْوَائِهِمْ،
لكثرة المتصدِّقين، وهذا وصف لأغنياء ذاك الزمان بالصدقة والفضل
والمؤاساة، ووصف لفقرائهم بالصبر وغنى النفس والقناعة، وقيل: أراد من
يسأل العلم لأن الناس حينئذ كانوا كلهم فقهاء.
(يطيلون فيه الصلاة) فإن أفضل الصلوات طول القنوت (ويقصرون) بضم
أوله وكسر الصاد من أقصر وبفتحه وضمها من قصر (فيه الخطبة) قال
أبو عمر (٢): كان ل# يأمر بذلك ويفعله، وكان يخطب بكلمات قليلة طيبة،
وكره التشدق، والمواعظ إنما يعتبر ما حفظ وذلك لا يكون إلا مع القلة، وفيه
معنى آخر أن الخطبة وعظ والصلاة عمل، يريد أن عملهم كثير، ووعظهم
قليل، قاله الزرقاني.
قلت: وقد ورد عند مسلم وغيره: ((أنه ◌ُّ* لا يطيل الموعظة يوم
الجمعة، إنما هو كلمات يسيرات))، وعن عمار رفعه: ((أن طول صلاة الرجل
وقِصَر خطبته مثنَّة من فقهه، فأقصروا الخطبة، وأطيلوا الصلاة))، (يُبَدُّون) قال
الزرقاني(٣): بضم الياء وفتح الباء، أي يقدمون (فيه أعمالهم) الأعمال وإن كان
اللفظ واقعاً في أصل كلام العرب على كل عمل من بر وفسق، إلا أن المراد
به ههنا البر (قبل أهوائهم) يعني إذا عرض لهم عمل بر وهوى بدأوا بعمل البر،
وقدموه على ما يهوون، وقال أبو عبد الملك: هو مثل قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا
نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ﴾ الآية، فإذا كانوا في أشغالهم وسمعوا نداء الصلاة قاموا إليها،
وتركوا أشغالهم، وفي ((المسوى)): يعني إذا عرض لهم عمل من أعمال البر
وهوى، بدأوا بعمل البر وقدموه على الهوى، ويحتمل أن يكون المراد بالهوى
(١) زاد في نسخة: فيه.
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٤٦/٦).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٤/١).
٥٥٩

----
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٥) حديث
وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ، يُحْفَظُ فِيهِ
حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ، كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ، قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي،
العقيدة المبتدعة، والمعنى يشتغلون بالعمل ولا يشتغلون بمداخلة الرأي في
العقائد الحقة لتفضي بهم إلى اختراع العقائد الزائغة، وذكر البداءة لمعنى
المشاكلة بما بعده من قوله: يبدأون فيه أهواءهم قبل أعمالهم، اهـ.
(وسيأتي) بعد ذلك (على الناس زمان قليل فقهاؤه) لاشتغالهم بحظوظ
أنفسهم عن طلب العلم، وقد ورد مرفوعاً (١): ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً
ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً
اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) (كثير
قراؤه) .
قال الباجي(٢): يعني أكثر من في ذاك الزمان يقرأ القرآن ولا يفقه فيه،
وهذا إخبار منه ◌َ﴿ أن قراءة القرآن لا تقلُّ في آخر الزمان، لأنه تعالى وعد
بحفظه، ولم يرد أن كثرة القراءة عيب في ذاك الزمان، وإنما عابه بقلة الفقهاء،
وأن قُرَّاءه لا يفقهون ولا يعملون به، وإنما غايتهم منه تحفظه وهو نقص وعيب
فیھم .
(تحفظ فيه) أي في ذاك الزمان (حروف القرآن) بأن يجتهد في إصلاحها
كثيراً حتى يجاوز عن الحد (وتضيع حدوده) عاب عليهم بأنهم لا يفقهون ولا
يعملون به، وإنما غايتهم منه تلاوته فقط، وقد روي مرفوعاً: ((أكثر منافقي أمتي
قُرّاؤها)) (كثير من يسأل) لكثرة الحرص، وقلة الصبر، والتعفف (قليل من
يعطي) لكثرة شح الأغنياء فيكثر السائل ويقلّ المعطي، والعيان في أهل هذا
.------
(١) أخرجه البخاري في: كتاب العلم، ((باب كيف يقبض العلم)) ح (١٠٠).
(٢) انظر: ((المنتقى)) (٣٠٨/١).
٥٦٠