Indexed OCR Text

Pages 501-520

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٦) حديث
٧٩/٣٩٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَّامٍ بُن عُرْوَةَ، عَن
أَبِهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسَاً، أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛
قال الشوكاني(١): يمكن الجمع بين الحديثين بأنه كان تارة يستقبل جميع
المؤتمين، وتارة يستقبل أهل الميمنة، أو يجعل حديث البراء مفسراً لحديث
سمرة، فيكون المراد أقبل علينا، أي على بعضنا إذ أنه كان يصلي في الميمنة
فقال: ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين، انتهى.
والأوجه عندي كما يظهر بملاحظة الروايات الواردة في الباب أن
الانصراف هو التحول عن الصلاة، لا يختص بالجلوس منحرفاً ولا بالذهاب
إلى موضع الحاجة، بل هو أعم منهما، وكان من عادته الشريفة وَلّ إذا سلّم
انحرف، فإن كان إذ ذاك شيء يتعلق بالكلام مع القول كما في صلاة الصبح إذ
يسأل عنهم الرؤيا، وكما في صبيحة الحديبية إذ أخبرهم ما قال ربنا سبحانه
وتقدس: ((أصبح مؤمن بي وكافر)).
وإليه يشير كلام الحافظ المتقدم إذ قال: فعلى هذا يختص بمن كان في
مثل حاله وَّر من قصد التعليم والموعظة، وإليه أشار تبويب البيهقي(٢) إذ قال:
الإمام يقبل على الناس بوجهه إذا سلّم فيحدثهم في العلم وفيما يكون خيراً،
وإن لم يكن هناك شيء يتعلق بالقوم ينحرف يميناً وشمالاً أعم من أن يجلس
منحرفاً أو يذهب إلى موضع حاجته، ولا شك في أن روايات الانصراف تتناول
الحالين معاً، وبعضها يختص بحال دون حال، فإن رواية البراء المذكورة ليس
فيها إلا الجلوس منحرفاً إلى اليمين.
٧٩/٣٩٦ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن رجل من المهاجرين
لم ير به بأسا أنه) أي ذاك المهاجري (سأل عبد الله بن عمرو بن العاص) بدون
(١) ((نيل الأوطار)) (١٥٢/٢).
(٢) (السنن الكبرى)) (١٨٧/٢).
٥٠١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٦) حديث
الياء في النسخ الهندية، وبإثباتها في نسخة الزرقاني والباجي، وتقدم أن مختار
الزرقاني والنووي إثبات الياء، واختار القاري حذفها .
ثم اختلف في سند هذا الحديث في محلين: الأول ما في ((الاستذكار))(١)
دون الزرقاني، فقال: هكذا في ((الموطأ)) عند جميع الرواة، ورواه وكيع
وعبدة بن سليمان عن هشام، قال: ثنا رجل من المهاجرين وبعضهم يقول: عن
هشام عن رجل من المهاجرين، ولم يذكروا ((عن أبيه))، وزعم مسلم أن مالكاً
وهم فيه، وأن وكيعاً ومن تابعه أصابوا، وهذا عندي ظنٌّ وتوهّمٌ، ولا دليل
عليه، ومعلوم أن مالكاً أحفظ ممن خالفه في ذلك وأعلم بهشام، ولو صح
ما ينقله غير مالك عن هشام ما كان عندي إلا وهماً من هشام، انتهى.
وحاصل هذا الاختلاف أن بعضهم ذكروا في الحديث واسطة عروة،
وآخرون لم يذكروها. ومال مسلم إلى وهم مالك - رضي الله عنه - ومال ابن
عبد البر إلى أن رواية من خالفه وهم، ولو صح فالوهم من هشام دون مالك،
وحديثا عبدة ووكيع أخرجهما ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عبدة عن هشام،
حدثني رجل سأل عبد الله بن عمر عن الصلاة في أعطان الإبل؟ قال: فنهاه،
وقال: صلِّ في مراح الغنم. والثاني، ما ذكراه معاً فقالا: ورواه يونس بن بكير
عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((صلوا في مراح الغنم، ولا
تصلوا في معاطن الإبل)) والصواب في إسناده عن هشام ما قاله مالك، وأما
يونس(٢)، فليس بالحافظ، انتهى. زاد الزرقاني: ولا يحتج به فيما خالفه فيه
مالك، انتهى .
وحاصل هذا الكلام الاختلاف في رفع الحديث ووقفه، فإن مالكاً وقفه
(١) (٣٠٤/٦).
(٢) انظر: ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٤٥/٩).
٥٠٢
-------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٦) حديث
أَأُصَلِّي فِي عَطَنِ الإِبِلِ؟
ويونس رفعه، ورجح الزرقاني رواية مالك، وقال ابن عبد البر: مثل هذا الفرق
لا يدرك بالرأي، يعني فهو مرفوع حكماً، وقال العيني: وذكر أحمد في
(مسنده)) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ◌ُّ كان يصلي في
مرابض الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر، وأخرجه الطبراني، ولفظه:
((لا تصلوا في أعطان الإبل وصلوا في مراح الغنم))، انتهى.
ثم قال الزرقاني(١): نعم جاء مرفوعاً من حديث أبي هريرة والبراء وجابر
وغيرهم بأسانيد حسان عزاها الزرقاني إلى مخرّجيها، فارجع إليه إن شئت.
ولا يحتاج إليه، لأن الرواية مشهورة، وبسط العيني الكلام على طرقها
ومخرجیھا .
(أأصلي) بالهمزتين في أكثر النسخ، الأولى استفهامية، وفي بعض النسخ
بحذف حرف الاستفهام، (في عطن الإبل؟) قال في ((الاستذكار)) (٢): عطن
الإبل بروكها عند سقيها، لأنها في سقيها لها شربتان ترد الماء فيها مرتين،
فموضع بروكها بين الشربتين، هو عطنها لا موضع مبيتها، وموضع مبيتها
مراحها، كما مراح الغنم موضع مقيلها، وموضع مبيتها، انتهى.
وقال المجد: العطن محركة: وطن الإبل ومبركها حول الحوض،
ومربض الغنم حول الماء، جمعه أعطان كالمعطن جمعه معاطن، انتهى.
وقال القاري(٣): المعاطن جمع عطن وهو مبرك الإبل حول الماء، قاله
الطيبي. وقال ابن الملك: جمع معطن، بكسر الطاء، وهو الموضع الذي تبرك
فيه الإبل عند الرجوع عن الماء، ويستعمل في الموضع الذي تكون فيه الإبل
بالليل أيضاً، ويؤيده حديث مسلم: ((نهى عن الصلاة في مبارك الإبل))، انتهى.
(١) (٣٤٣/١).
(٢) (٣٠٧/٦).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٨/٢).
٥٠٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٦) حديث
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا، وَلَكِنْ صَلِّ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ.
أخرجه أبو داود في: ٢ - كتاب الصلاة، ٢٥ - باب النهي عن الصلاة في
مبارك الإبل.
(فقال عبد الله) بن عمرو: (لا) أي لا تصل فيها، قال الباجي(١):
لا خلاف بين العلماء في كراهية الصلاة في عطن الإبل، انتهى. قلت: وكذلك
عند الحنفية كما صرح به ابن عابدين وغيره، وسيأتي الخلاف في أنه هل يصح
الصلاة أم لا؟ (ولكن صل) بصيغة الأمر (في مراح الغنم) بضم الميم مجتمعها
في آخر النهار، وموضع مبيتها، زاد عمرو: حكم مراح الغنم مع أنه لم يكن
في السؤال ليُنَّبِّه على الفرق بينهما .
قال في ((الاستذكار)) (٢): تنازع العلماء في المعنى الذي ورد له هذا الحديث
من الفرق بينهما، فقال بعضهم: كان يستتربها عندالخلاء، وقال آخرون: إنها لا
تستقرُّ في عطنها ولها إلى الماء نزوٌ، فربما قطعت على المصلي صلاته وهجمت
عليه، واعتلّوا بما في بعض الأحاديث فإنها جِنٌّ خلقت من الشياطين، أو خلقة(٣)
الشياطين، وغير ذلك من الروايات، انتهى. والزرقاني ضعف الأول ورجح الثاني.
قال الباجي: فعلى الأول تجوز الصلاة إذا أمنت النجاسة ببسط ثوب أو
تيقن طهارة، وقال بعضهم: لأنها خلقت من الشياطين، كما ورد، وعلى هذا
فيمنع الصلاة بكل وجه، قد روى ابن القاسم عن مالك لا يصلي فيها وإن لم
يجد غيرها، وإن بسط ثوباً. وقال بعضهم: إن المنع من ذلك أن نفارها جناية،
فيمنع إتمام صلاته، فعلى هذا لا يصلي فيها ما دامت فيها وإن تيقنت الطهارة،
ويصلي بعد أن تزول عنها، وقال قوم: المنع لثقل رائحتها، والصلاة سُنَّتْ لها
النظافةُ، وتطييبُ المساجد بسببها، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٣٠٢/١).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠٨/٦).
(٣) في ((الاستذكار)) من عنان الشياطين.
٥٠٤
٠ -

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٦) حديث
وبسط العلامة العيني(١) الكلام على ألفاظ الروايات في الباب وطرقها، ثم
قال: فهذا يدل على أن الإبل خلقت من الجن على الصحيح من الأقوال، وعن
هذا قال يحيى بن آدم: جاء النهي من قِبَل أن الإبل يخاف وثوبها، ألا ترى أنه
يقول: إنها جن، ومن جِنِّ خلقت، واستصوب هذا أيضاً القاضي عياض (٢).
وذكر أيضاً أن علة النهي ثلاثة أوجهٍ أخرى؛ أحدها: ما قال شريك بن
عبد الله: إن أصحابها من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول، فينجِّسون بذلك
أعطان الإبل، فنُّهي عن الصلاة لذلك، لا لعلّة الإبل، وهذا بعيد مخالف
الظاهر الحديث. والوجه الثاني: أن علة النهي هي كون أبوالها وأروائها في
معاطنها، وهذا بعيد أيضاً .
والثالث: ما ذكره يحيى بن آدم أن العلة فيها الخوف من قبلها، كما
تقدم. وقال الطحاوي: إن كانت العلة ما قال شريك، فالصلاة مكروهة، حيث
يكون الغائط والبول سواء كان عطناً أو غيره، وإن كانت ما قاله يحيى فالصلاة
مكروهة، حيث يخاف على النفوس، سواء كان عَطَناً أو غيره، اهـ.
ثم اختلفوا في معنى قوله عليه السلام: ((إنها من الشياطين)). قال
العراقي: يحتمل أن يكون على حقيقة، وإنها أنفسها شياطين، وفي رواية أحمد
بإسناد صحيح ((فإنها خلقت من الجن))، وقال ابن عابدين: الظاهر في معناه
أنها خلقت على صفة تشبههم من النفور والإيذاء، وبهذا فارقت الغنم، ويظهر
من التعليل أنه لا كراهة في معاطن الإبل الطاهرة حال غيبتها، واستشكل
بعضهم التعليل بما ثبت أنه مر كان يصلي النافلة على بعيره، وفرق بعضهم بين
الواحد وكونها مجتمعة بما طبعت عليه من النفار المفضي إلى تشويش القلب
بخلاف الصلاة على المركوب منها، اهـ.
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٣٨/٣).
(٢) ((رد المحتار على الدر المختار)) (٥٤/٢).
٥٠٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٦)
قال في ((الاستذكار))(١): واختلف العلماء في من صلى في أعطان الإبل،
والموضع طاهرٌ سالمٌ من النجاسة، فقال أهل الظاهر: صلاته فاسدة للنهي.
وفي ((الإكمال)): فإن صلى بها فروى ابن حبيب يعيد أبداً، وقال
الأصبغ: في الوقت، اهـ.
قال ابن عبد البر: وقال أكثر العلماء: بئس ما صنع إذا علم بالنهي،
وصلاته ماضية إذا سلم مما يفسدها من نجاسة أو غيرها، لأن النهي عندهم
معناه ما ذكرنا، ولا أعلم أحداً أجاز الصلاة في أعطان الإبل إلا ما روي عن
جندب بن عامر السلمي، أنه كان يصلي في أعطان الإبل ومرابض الغنم، وهذا
لم يسمع بالنهي، والله أعلم، انتهى. قلت: أو جعل النهي مؤولاً .
وقال العيني(٢) بعد ذكر التعارض بالحديث الصحيح المشهور: ((جعلت
لي الأرض مسجداً وطهوراً)): فعمومه يدل على جواز الصلاة في أعطان الإبل
وغيرها، بعد أن كانت طاهرة، وهو مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب
أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وآخرون، وكرهها الحسن
البصري وإسحاق وأبو ثور، وعن أحمد في رواية مشهورة عنه: أنه إذا صلى
في أعطان الإبل فصلاته فاسدة، وهو مذهب أهل الظاهر، اهـ.
ولا تعارض بين ما قاله العيني وابن عبد البر لأن الجواز يجتمع مع
الكراهة التنزيهية. قال ابن رشد (٣): أما المواضع التي يصلى فيها، فإن من
الناس من أجاز الصلاة في كل موضع لا تكون فيه نجاسة، ومنهم من استثنى
من ذلك سبعة مواضع، ومنهم من استثنى المقبرة فقط، ومنهم من زاد الحمام
أيضاً .
(١) (٣٠٩/٦) .
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٣٨/٣).
(٣) ((بداية المجتهد)) (١١٧/١).
٥٠٦
:
- --
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٦) حديث
وسبب اختلافهم تعارض ظواهر الآثار في هذا الباب، وذلك أن ههنا
حديثين متفق على صحتهما، وحديثين مختلف في صحتهما، أما الأول فقوله:
((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً))، وقوله عليه السلام: ((اجعلوا من صلاتكم
في بيوتكم)) وأما الغير المتفق عليهما، فما روي عن النهي في سبعة مواطن،
خرّجه الترمذي، وما روي في المنع في أعطان الإبل، فذهب الناس فيها ثلاثة
مذاهب، أحدها مذهب الترجيح والنسخ، والثاني مذهب بناء الخاص على
العام، والثالث مذهب الجمع، فقال: أحاديث النهي محمولة على الكراهة،
والأول على الجواز، اهـ.
وقال البيهقي: قال الشافعي: أكره له الصلاة في أعطان الإبل، وإن لم
يكن فيها قذر، لنهي النبي مَر، فإن صلَّى أجزأه، لأن النبي ◌َّ صلى، فمر به
شيطان، فخنقه حتى وجد برد لسانه على يده، ولم يفسد ذلك صلاته، ثم خرّج
البيهقي سنده.
وقد استدل الطحاوي على جواز الصلاة في أعطان الإبل بصلاته وَال
على بعيره، وإلى راحلته، وبوّب البخاري في صحيحه ((الصلاة في موضع
الإبل)) وأورد فيه حديث الصلاة إلى البعير، كأنه أشار إلى الجواز.
قال الحافظ (١): كأنه يشير إلى أن الأحاديث الواردة في التفرقة ليست
على شرطه، لكن لها طرق قوية، اهـ.
قال الباجي(٢): والصلاة في مراح الغنم جائزة لسلامتها من العلل،
ولا خلاف في ذلك نعلمه، اهـ. وقال القاري: وأصحاب الغنم كانوا ينظفون
المرابض، فأبيحت الصلاة فيها لذلك، وإليه ذهب أبو حنيفة، اهـ. وعدّ في
(١) ((فتح الباري)) (١/ ٥٢٧).
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٣/١).
٥٠٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٦) حديث
((الدر المختار)) معاطن الغنم في المواضع التي تكره فيها الصلاة، لكن حكى
ابن عابدين عن ((الأحكام)) للشيخ إسماعيل عن ((الملتقط)): أنها لا تكره.
ثم اختلفوا في مرابد البقر، هل تلحق بمرابد الغنم أو بمرابد الإبل، قال
الباجي: يجب أن تجري البقر مجرى الإبل، وقال العيني(١): ذكر أبو بكر بن
المنذر أنها ملحقة بمرابد الغنم، فلا تكره الصلاة فيها، فإن قلت: في حديث
عبد الله بن عمرو في ((مسند أحمد)) إلحاقها بالإبل، قلت: في إسناده ابن لهيعة،
والكلام فيه مشهور، اهـ.
وقال الحافظ (٢) بعد ذكر الحديث المذكور: سنده ضعيف، فلو ثبت لأفاد
أن حكم البقر حكم الإبل بخلاف ما ذكره ابن المنذر، اهـ. وعدّ في ((الدر
المختار)) معاطن البقر في المواضع التي تكره فيها الصلاة. قال ابن عابدين:
لم أر من ذكره عندنا، نعم ذكر بعض الشافعية أن نحو البقر كالغنم، وخالفه
بعضهم، اهـ.
قال الباجي(٣): ويدل جواز الصلاة في مرابض الغنم على طهارة أبوالها
وبعرها، وكذلك كل ما يؤكل لحمه، وبذلك قال مالك وأحمد بن حنبل، وقال
أبو حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما -: أبوالها نجسة، ودليلنا الحديث
المتقدم، انتهى.
قلت: واستدل بذلك الإمام البخاري وغيره أيضاً على طهارة بول ما يؤكل
لحمه، وتقرير الاستدلال بأن المرابض لا تخلو عادة من ذلك، فإجازته وَالو
كان إذناً معها، وأنت خبير بأن الاستدلال لا يصح لأن النهي والإذن معلل
بالأذى وعدمه، ولا تعلق للحديث بالطهارة والنجاسة.
(١) ((عمدة القاري)) (٤٣٩/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (١ / ٥٢٧).
(٣) ((المنتقى)) (٣٠٣/١).
٥٠٨
----- --

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٦) حديث
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): والتمسك بعموم حديث أبي هريرة الذي
صححه ابن خزيمة وغيره مرفوعاً بلفظ: ((استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب
القبر منه)) أولى، لأنه ظاهر في تناول جميع الأبوال، فيجب اجتنابها لهذا
الوعيد، وقال أيضاً: ليس في الحديث دلالة على طهارة المرابض، لأن فيه
النهي أيضاً عن الصلاة في المعاطن، فلو اقتضى الإذن الطهارة لاقتضى النهي
التنجس، ولم يقل أحد بالفرق، لكن المعنى في الإذن، والنهي بشيء لا يتعلق
بالطهارة ولا النجاسة، اهـ.
وقال في ((البدائع))(٢): أما الأبوال فلا خلاف في أن بول ما لا يؤكل
لحمه نجس، واختلف في بول ما يؤكل لحمه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف
نجس، وقال محمد: طاهر، واحتج بقصة العرنيين(٣).
ولهما حديث عمار: إنما يغسل الثوب من خمس، وذكر من جملتها
البول من غير فصل، وقوله عليه السلام: ((استنزهوا من البول)) من غير فصل،
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَثَ﴾، ومعلوم أن الطبائع السليمة تستخبثه،
وتحريم الشيء لا لاحترامه تنجيس له شرعاً، ولأن معنى النجاسة فيه موجود،
وهو الاستقذار الطبعي لاستحالته إلى فساد، وهي الرائحة المنتنة، فصار كروثه
وكبول ما لا يؤكل لحمه.
وأما الحديث، فقد ذكر قتادة أن النبي ◌َّ# أمر بشرب ألبانها دون
أبوالها، فلا يصح التعلق به، على أنه يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام علم
بالوحي شفاءهم فيه، والاستشفاء بالحرام جائز عند التيقن لحصول الشفاء
فيه، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٣٦/١).
(٢) (١٩٦/١).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٥٦٨٥) ومسلم (١٦٧١).
٥٠٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٧) حديث
٨٠/٣٩٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلاةٌ يُجْلَسُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا؟ .
ثُمَّ قَالَ سَعِيدٌ: هِيَ الْمَغْرِبُ، إِذَا فَاتَتْكَ مِنْهَا رَكْعَةٌ،
وبسط الحافظ في ((الفتح))(١) عدم الاستدلال بالحديث، وحديث عمار
أخرجه الدارقطني وابن عدي في ((الكامل)) والبزار، وبسط الزيلعي الكلام على
رد ما أوردوا عليه، وأخرجه أيضاً الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) وأبو يعلى
الموصلي كما في ((جمع الفوائد))، والبيهقي والعقيلي في ((الضعفاء))، وأبو نعيم
في ((المعرفة))، وأثبت الطحاوي والحافظ في ((الفتح)) أن قصة العرنيين منسوخة
وبسطا الكلام على ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة الآثار المختلفة في الباب من الطهارة والنجاسة،
وفيما ذكرنا كفاية لهذا المختصر، والبسط في المطولات، وقال ابن عابدين
قوله وَّل: ((اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر)) رواه الطبراني
بإسناد حسن.
٨٠/٣٩٧ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب)
بكسر الياء وفتحها (أنه قال: ما) استفهامية بمعنى أيّ (صلاة يجلس) ببناء
المجهول (في كل ركعة منها) قاله على وجه الاختبار لأصحابه، وتدريبهم في
المسائل، وهذا باب من أبواب آداب العالم والمتعلم، وبوّب البخاري في
(صحيحه)) (٢) ((طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم))
وأورد فيه حديث ابن عمر قال النبي ◌ّة: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط
ورقها، حدِّثوني ما هي؟)) الحديث.
(ثم قال سعيد) بنفسه إذا لم يجب أصحابه إنها (هي المغرب إذا فاتتك
منها ركعة) فيجلس في كل ركعة منها، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، قاله
(١) (٣٣٨/١ وما بعدها).
(٢) ((صحيح البخاري مع فتح الباري)) (١ / ١٤٧).
٥١٠
------- ---

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٧) حديث
وَكَذْلِكَ سُنَّةُ الصَّلاةِ، كُلَّهَا .
ابن عبد البر والزرقاني، وزادا: وكذلك إذا فاتتك منها الركعتان، وأدركت مع
الإمام ركعة واحدة فقط عند جمهور العلماء إلا ما روي عن جندب، إذ أدرك
هو ومسروق ركعة من المغرب، فقعد مسروق في كلهن، ولم يقعد جندب بعد
فراغ الإمام إلا في آخرهن، فَذَكَرا لابن مسعود، فقال: كلاكما محسنٌ، ولو
كنت صانعاً لصنعت كما صنع مسروق، قال ابن عبد البر(١): وجندب(٢) لم
يتابع عليه، إلا أنه قد جوّز ابن مسعود فعله، وإن كان الاختيار خلافه.
(وكذلك سنة الصلاة كلها) يشكل هذه العبارة جداً لأن الصلاة الرباعية لا
يجلس في كل ركعة منها بفوت ركعة منها، واختلفت النسخ في ذكر هذه
العبارة، ففي النسخ الهندية ذكرت قبل ذلك، قال مالك: وكذلك إلخ، فعلم أن
ذلك من كلام الإمام مالك، وليست لفظة قال مالك في النسخ المصرية، بل
هي مذكورة في ذيل أثر ابن المسيب.
واختلف شراح ((الموطأ)) أيضاً فجعلها ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣)
قول سعيد بن المسيب، وتبعه الزرقاني، فقالا: أما قول سعيد: وكذلك سنة
الصلاة كلها إنما أراد أن سنة الصلاة كلها إذا فاتت [المأمومَ] منها ركعة أن
يقعد إذا قضاها، لأنها آخر صلاته، انتهى.
وبهذا شرحه الباجي إلا أنه جعلها قول مالك، فقال: أما قول مالك:
وكذلك سنة الصلاة كلها يعني أن من فاته من الصلاة أي صلاة كانت ركعة فإنه
يجلس فيها لأنها آخر صلاته، ومحل لجلوسه لسلامه، انتهى. فعلى هذه
الأقوال كلها يكون التشبيه لمجرد الجلوس في آخر الصلاة لا في أن يجلس في
(١) (٣١٠/٦).
(٢) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة» (٣٦٠/١).
(٣) (٣١١/٦).
٥١١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٤) باب
(٣٩٧) حديث
كل ركعة، وزاد ابن عبد البر احتمالاً آخر فقال: ويحتمل أن يكون أراد بقوله:
وذلك سنة الصلاة كلها، أي سنةُ صلاةِ المغرب وحدها الجلوسُ في كل ركعة
منها لمن فاتته منها ركعة أو أدرك منها ركعة، والله أعلم، انتهى.
والأوجه عندي أن التشبيه في مجرد الجلوس باتباع الإمام وإن لم يكن
هذا موضوع جلوس المأموم، وهذا سنة الصلوات كلها، فمن فاته ركعة من
الرباعية وغيرها يجلس في ثانية الإمام اتباعاً له، كذلك من أدرك ركعة من
الرباعية وغيرها يجلس حيث ما يجلس الإمام.
قال الباجي(١): وإنما تصير الرباعية جلوساً كلها إذا فاتته ركعة، ثم أدرك
الثانية، ثم فاتته بقية الصلاة برعاف أو غيره، وإذا أدرك المقيم من صلاة مسافر
ركعة، فقد قال ابن المواز وابن حبيب: تصير الجلوس كلها لأنه جلس مع
الإمام في ثانية الإمام، وهي أولاء، ثم جلس في ثانيته، ثم جلس في ثالثته،
لأن منها يقوم إلى القضاء ولا يقام إلى القضاء إلا من جلوس، ثم يجلس في
الآخرة لأنها رابعة، وقال سحنون: يقوم في الثالثة ولا يجلس، انتهى.
قلت: والجمهور موافق لقول سحنون، وبه قالت الحنفية. قال في ((الدر
المختار)): فمدرك ركعة من غير فجر يأتي بركعتين بفاتحة وسورة وتشهد بينهما،
وبرابعة الرباعي بفاتحة فقط، ولا يقعد قبلها، انتهى.
والمسافر خلف المقيم صار فرضه أربعاً للتبعية، نعم يمكن عند الحنفية
صورة أخرى يجلس فيها في كل ركعة من الرباعية، وهي ما في ((الدر
المختار))(٢) إذ قال: لو استخلف الإمام مسبوقاً أو لاحقاً أو مقيماً وهو مسافر
صح، ولو جهل الكمية قعد في كل ركعة احتياطاً .
(١) ((المنتقى)) (٣٠٣/١).
(٢) (٤٤٠/٢).
٥١٢

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٨) حديث
(٢٥) باب جامع الصلاة
٣٩٨/ ٨١ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمَ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي فَتَادَةَ
قال ابن عابدين: فيه إجمال، وبيانه كما في ((النهر)) أنه علم كمية صلاة
الإمام، وكانوا كلهم كذلك أي مسبوقين ابتدأ من حيث انتهى إليه الإمام، وإلا
أتم ركعة وقعد، ثم قام وأتم صلاة نفسه ويقعد على كل ركعة ولا يتابعه القوم،
بل ليصلون بعد فراغه وُحداناً، انتهى.
(٢٥) جامع الصلاة
قال الزرقاني(١): كأنّ مغايرة هذه الترجمة التي قبلها اعتبارية، وهي أن
الأحاديث التي أوردها في تلك تتعلق بذات الصلاة، ومنه ندب إيقاعها بمسجد
قباء، وهذه تتعلق بما ليس من ذاتها، كحمل الصبية، وتعاقب الملائكة وتقديم
الأفضل للإمامة وغير ذلك، انتهى.
ولم أتحصل بعدُ الفرقَ بينهما، وما قاله الزرقاني لا يتمشى إذ لا فرق
بين حمل الصبية وجواب السلام، كلاهما عمل في الصلاة.
والأوجه عندي أن يقال: إن الغرض من الأول العمل الذي ينبغي للمصلي
أن يعمله في الصلاة، وهذا بيان الأحاديث المتفرقة المناسبة لكتاب الصلاة،
وتقدم أن جواب السلام بالإشارة مما يعمل عند المالكية على قول ((المدونة))،
وتقديم الأفضل للإمامة وإن كان من المندوبات لكنه ليس مما يعمله كل مصلٍ
في صلاته بل من أعمال الجماعة.
٨١/٣٩٨ - (مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوام القرشي
(عن عمرو) بفتح العين ابن سليم بضم السين (الزرقي) بضم الزاي (عن أبي قتادة
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٤/١).
٥١٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٨) حديث
الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ
وست
الأنصاري أن رسول الله وَّ كان يصلي وهو) الواو حالية (حامل) المشهور في
الروايات تنوينه، ونصب أمَامَةَ، وروي بالإضافة، والمراد الحمل على العنق،
ولذا بوّب البخاري في (صحيحه))، وصرح به في رواية مسلم من طريق بكير بن
الأشج عن عمرو بن سليم، ورواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ: على عاتقه،
وكذا لمسلم وغيره من طرق أخرى، ولأحمد من طريق ابن جريج على رقبته،
كذا في ((الفتح))(١) .
(أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين، بنت أبي العاص القرشية العبشمية
كانت صغيرة في عهده وَّ، وتزوجها عليٍّ بعد فاطمة بوصية منها، ولم تُعْقِبْ.
-
قال الزبير في كتاب ((النسب)): كانت زينب بنت رسول الله ولم تحت
أبي العاص، فولدت له أمامة وعلياً، وروي عن عائشة أن رسول الله وكل
أهديت له هدية فيها قلادة من جزع(٢)، فقال: لأدفعنها إلى أحبّ أهلي إليّ،
فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، فدعا رسول الله وَّر أمامة فأعلقها في
عنقها، وكان على عينها غمص فمسحه بيده.
ولما كبرت تزوجها علي بعد موت فاطمة - رضي الله عنها -، وكانت
فاطمة أوصت علياً أن يتزوجها، فلما توفيت فاطمة تزوجها، زوّجها منه
الزبير بن العوام، لأن أباها قد أوصاه بها، فلما جُرح عليٍّ خاف أن يتزوجها
معاوية، فأمر المغيرة بن نوفل أن يتزوجها بعده، فتزوج فولدت له يحيى وبه
يكنى، فهلكت عند المغيرة؛ وقيل: إنها لم تلد لعلي - رضي الله عنه -، ولا
للمغيرة، وليس لزينب بنت رسول الله صل* ولا لرقية ولا لأم كلثوم - رضي الله
عنهن - عقب، وإنما العقب لفاطمة حسب، كذا في (أسد الغابة))(٣).
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٩١/١).
(٢) الجزع: ضرب من الخرز، وقيل: هو الخرز اليماني.
(٣) (٢١٨/٥)، و((الاستيعاب)) (١٧٨٨/٤) الترجمة (٣٢٣٥).
٥١٤
.-

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٨) حديث
بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾،
(بنت زينب) بفتح المضاف أو بكسرها بالاعتبارين في أمامة، والإضافة
بمعنى اللام، فيصح عطف ما سيأتي من لفظ، ولأبي العاص (بنت
رسول الله ◌َ﴾) وهي أكبر بناته وَ ل﴾، وأول من تزوج منهن، ولدت
ولرسول الله وَ﴿ ثلاثون سنة، وشذّ من لا اعتبار به بأنها لم تكن أكبر بناته،
وليس بشيء، إنما الاختلاف بين القاسم وزينب أيهما ولد قبل الآخر، تزوجها
ابن خالتها أبو العاص.
أخرج ابن سعد بسند صحيح عن الشعبي، قال: هاجرت زينب مع أبيها،
وأبى زوجها أبو العاص أن يُسلم، وعن الواقدي بسند له عن عائشة: أن
أبا العاص شهد مع المشركين بدراً، فأسر فقدم أخوه عمرو في فدائه، وأرسلت
معه زينب قلادة من جزع، كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص، فلما
رآها رسول الله وَّر عرفها ورقّ لها، وكَلَّم الناس، فأطلقوه، وردّ عليها
القلائد، وأخذ على أبي العاص أن يخلي سبيلها، ففعل. قال الواقدي: هذا
أثبت عندنا، كذا في ((الإصابة))(١).
قلتُ: أخرج هذه القصة أبو داود أيضاً في ((سننه))(٢) وزاد: جاء بها
زيد بن حارثة ورجل آخر، ولدت زينب لأبي العاص أمامة، تقدمت ترجمتها .
وعلياً، فتوفي وقد ناهز الاحتلام، ومات في حياته ومَ ◌ّله، وكان رديفه الملّ على
ناقته يوم الفتح، توفيت في حياة أبيها و # في أول سنة ثمان من الهجرة.
وكان سبب وفاتها سقوطها من بعيرها لما طعنها هُبار بن الأسود إذ
خرجت تريد المدينة، فسقطت على صخرة، وأهريقت دماً، ولم تزل مريضة
بذلك حتى ماتت، قاله أبو عمرو، كذا في ((الخميس)).
(١) (٧ /٥٠٣).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٦٢/٢) رقم الحديث (٢٦٩٢).
٥١٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٨) حديث
ولأَّبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ
قلت: وضرب هبار يحتمل أن يكون قبل الوصول إلى زيد بن حارثة أو
وقت خروجها قبل ذلك، مع كنانة أو ابن كنانة، وأخرج مسلم في (الصحيح))
عن أم عطية قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله وح له قال: ((اغسلنها وتراً
ثلاثاً أو خمساً واجعلن في الآخرة كافوراً))، الحديث. وهو في ((الصحيحين))
من طريق أخرى بدون التسمية، وحضرت أم عطية في غسل أم كلثوم، كذا في
((الإصابة)).
(ولأبي العاص) بالياء في نسخة الزرقاني و ((التنوير)) وغيرها من النسخ
المصرية، وبدونها في النسخ الهندية، قال الكرماني: عطف على ما هو مقدر
في المعطوف عليه كما تقدم، وأشار ابن العطار إلى أن حكمة ذاك كون والد
أمامة إذ ذاك مشركاً، فنسبت إلى أمها تنبيهاً على أن الولد ينسب إلى أشرف
أبويه ديناً ونسباً، ثم بيّن أنها بنت أبي العاص تبييناً لحقيقة نسبها .
قال الحافظ (١): وهذا السياق لمالك وحده، وقد رواه غيره عن عامر بن
عبد الله، فنسبوها إلى أبيها، ثم بيّنوا أنها بنت زينب، كما في ((مسلم)) وغيره،
واختلف في اسم أبي العاص، فقيل: لقيط، وقيل: مقسم، وقيل: القاسم،
وقيل: مِهْشَمٌ - بكسر أوله وسكون الهاء وفتح الشين المعجمة -، وقيل: بضم
أوله وفتح ثانيه وكسر الشين الثقيلة، وقيل: زبير، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر.
(ابن ربيعة) كذا ليحيى وجمهور الرواة، ورواه يحيى بن بكير ومعن بن
عيسى وأبو مصعب وغيرهم ابن الربيع، وهو الصواب.
قلت: هكذا رواية محمد بدون التاء، وادّعى الأصيلي أنه ابن الربيع بن
ربيعة، فنسبه مالك إلى جده وردّه عياض والقرطبي وغيرهما لإطباق النَسَّابين
على خلافه، قاله الزرقاني(٢) تبعاً للسيوطي.
(١) ((فتح الباري)) (٥٩١/١).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٤٥/١).
٥١٦

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٨) حديث
ابْنِ عَبْدِ شَمْس،
قلت: مثل ((الموطأ)) أخرجه البخاري في ((صحيحه))، قال الحافظ: كذا
رواه الجمهور عن مالك، ورواه يحيى بن بكير وغيره عن مالك، فقالوا :
ابن الربيع، وهو الصواب، وغفل الكرماني، فقال: خالف القوم البخاري،
فقال: ربيعة وعندهم الربيع، والواقع أن من أخرجه من القوم من طريق مالك
كالبخاري، فالمخالفة فيه إنما هي عن مالك، وادّعى الأصيلي أنه نسبة إلى
جده، وردّه عياض والقرطبي وغيرهما، اهـ. نعم قوله: (ابن عبد شمس) نسبة
لأبيه إلى جده بإطباق النسابين .
قال الحافظ في ((الإصابة)): أبو العاص بن الربيع بن عبد العُزَّى بن
عبد شمس بن عبد مناف العبشمي، وكذا في ((أسد الغابة))(١) وغيره، كان من
الرجال المعدودين مالاً وأمانة وتجارة، وشهد بدراً مع المشركين، فأسر فَقُودي
عن زينب كما تقدم في ترجمتها، فأقام بمكة مشركاً حتى كان قبيل الفتح،
فاتفق أنه خرج إلى الشام في تجارة، فلما كان بقرب المدينة في الرجوع لقيته
سرية لرسول الله وَ﴾ أميرهم زيد بن حارثة، فأخذ المسلمون ما في تلك العير
من الأموال وأسروا ناساً وهرب أبو العاص، فدخل المدينة ليلاً، فدخل على
زينب فاستجار بها، فأجارته. وقال ◌َّ: ((أكرمي مثواه ولا يخلصَنَّ إليكِ،
فإنك لا تَحلّين له))، فرجع إلى مكة، وأدّى الناس ودائعهم وأسلم.
وقال: ما منعني عن الإسلام إلا خوفاً أن تظنُّوا بي أكل أموالكم، ثم
قدم على رسول الله وَ ل﴿ فحسن إسلامه، وردّ عليه رسول الله مغل ابنته بنكاح
جديد، أو بالنكاح الأول، قولان للفقهاء لاختلاف الروايات فولد له من زينب
عليٌّ، وأمامةُ، كذا في ((أسد الغابة))(٢).
(١) (٢٣/٢).
(٢) (٢٤/٥).
٥١٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٨) حدیث
فَإِذَا سَجَدَ، وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ، حَمَلَهَا .
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ١٠٦ - باب إذا حمل جارية صغيرة
على عنقه في الصلاة.
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة. ٩ - باب جواز حمل
الصبيان فى الصلاة، حديث ٤١.
وفي ((الإصابة)(١) قيل: الذي أسره جماعة أبي بصير بالساحل، يقطعون
الطريق على تجار قريش، وسار مع علي على اليمن، واستخلفه علي - رضي الله
عنه - على اليمن لما رجع، وكان مع علي يوم بويع أبو بكر، توفي في خلافة
الصديق سنة ثنتي عشرة من الهجرة، وفيها أرّخه جماعة، وشذّ أبو عبيد إذ
قال: مات سنة ثلاث عشرة، وأغرب منه قول ابن منده إذ قال: قتل يوم
اليمامة .
(فإذا سجد وضعها) كذا لمالك ولمسلم والنسائي وابن حبان بأسانيدهم
عن عامر، فإذا ركع وضعها (وإذا قام) أي عن السجود (حملها) ولمسلم: فإذا
قام أعادها، ولأبي داود بطريق المقبري عن عمرو بن سليم: حتى إذا أراد أن
يركع أخذها، فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده، وقام أخذها
فردها مكانها، قال القرطبي: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي
أحوجهم إلى ذلك أنه عملٌ كثير ظاهراً .
قال أبو عمر: لا أعلم خلافاً أن مثل هذا مكروه، فيكون إما في النافلة
وإما منسوخاً، كذا في ((حاشية الزيلعي على الكنز)). وقال الحافظ (٢): روى
عبد الله بن يوسف عن مالك أن الحديث منسوخ، وقال ابن عبد البر: لعله
نسخ بتحريم العمل، وتُعُقِّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والقصة كانت بعد
(١) ((الإصابة)) (١١٨/٧ و١١٩).
(٢) ((فتح الباري)) (١ /٥٩٢).
٥١٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٨) حديث
قوله ◌َ﴾: ((إن في الصلاة لشغلاً)) لأن ذلك كان قبل الهجرة، وهذه القصة
كانت بعد الهجرة قطعاً بمدة مديدة.
وذكر عياض عن بعضهم أن ذلك كان من خصائصه، لكونه كان معصوماً
من أن تبول وهو حاملها، ورُدَّ بأن الأصل عدم الاختصاص، وحمل أكثر أهل
العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال لوجود الطمأنينة في أركان الصلاة،
ولابن دقيق العيد ههنا بحث من جهة أن حكايات الأفعال لا عموم لها، اهـ.
وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١): وقد روي عن مالك فيه روايتان،
إحداهما أنه كان في النافلة، وأن مثل هذا غير جائز عنده في الفريضة، رواها
أشهب عن مالك.
قلت: وهو رواية ابن القاسم عن مالك كما حكاه الحافظ عن القرطبي،
وروى ابن نافع عنه أنه سئل عن تأويل هذا الحديث، فقال: ذلك عندي على
حال الضرورة إذا كان الرجل لا يجد من يكفيه، وأما لحب الولد فلا أرى
ذلك، فلم يفرق بين الفريضة والنافلة، وأجازه للضرورة، ومن الدليل على
صحة قول مالك: إني لا أعلم خلافاً أن مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة
مکروه، اهـ.
قال الزرقاني(٢): أما الأول فاستبعده المازري وعياض؛ لما في مسلم:
((رأيت النبي ◌َّل يؤمّ الناس وأمامة على عاتقه)). قال المازري: وإمامته بالناس
في النافلة ليست بمعهودة، وأصرح منه ما لأبي داود: ((بينا نحن ننتظر
رسول الله (( في الظهر أو العصر)) الحديث، لكن أعلّ ذلك ابن عبد البر بأن
أبا داود رواه من طريق ابن إسحاق عن المقبري، وقد رواه الليث(٣) عن
(١) (٣١٣/٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٥/١).
(٣) انظر: ((التمهيد)) (٢٠ /٩٦ - ٩٧).
٥١٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٨) حديث
المقبري، فلم يقل: في الظهر أو العصر، فلا دلالة فيه على أنه الفريضة، اهـ.
وعند الزبير بن بكار وتبعه السهيلي: أنه الصبح، وأخرج الطبراني في ((الكبير))
عن عمرو بن سليم الزرقي قال: إن الصلاة التي صلّى رسول الله وَلّ وهو
حامل أمامة صلاة الصبح، كذا في ((مرقاة الصعود)).
قال النووي(١): ادّعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم: أنه من
الخصائص، وبعضهم: أنه لضرورة، وكله دعاوي باطلة مردودة لا دليل عليها،
وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وثياب الأطفال
وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعمال في الصلاة لا
تبطلها إذا قلَّت وتفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعله وقَّيه
لبيان الجواز.
وقال الفاكهاني: كان السر في ذلك دفع ما ألفته العرب من كراهة البنات
وحملهن، فخالفهم حتى في الصلاة للمخالفة في ردعهم، والبيان بالفعل قد
يكون أقوى من القول، قاله الزرقاني. وفي ((التوشيح)) للسيوطي: اختلف في
هذا الحديث، فقيل: إنه من الخصائص، وقيل: منسوخ، وقيل: خاصٌّ
بالضرورة، وقيل: محمول على قلة العمل وهو الأصح، اهـ. وفي ((الدر
المختار))(٢): يكره حمل الطفل، وما ورد نسخ بحديث: ((إن في الصلاة
لشغلاً)) .
قال ابن عابدين: قوله: حمل الطفل أي لغير حاجة.
وقوله ما ورد - أي في ((الصحيحين)) من حديث أمامة، أجيب عنه
بأجوبة؛ منها: ما ذكره الشارح أنه منسوخ بحديث: ((إن في الصلاة لشغلاً)) ورُدَّ
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٦٢/٥).
(٢) (٥١٢/٢ - ٥١٣).
٥٢٠
---