Indexed OCR Text
Pages 481-500
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٣) حدیث فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ لَّهُ: إِذَا سُلَّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلَّي أجاب السلام كلاماً (فرجع إليه عبد الله بن عمر فقال له: إذا سُلُم) بضم السين على بناء المجهول (على أحدكم وهو يصلي) قال أبو عمر في ((الاستذكار))(١): أجمع على أنه ليس بواجب ولا سنة أن يسلِّم على المصلي، واختلفوا هل يجوز أم لا؟ فذهب بعضهم: لا يجوز لحديث ابن مسعود: إذا سلم على النبي ◌ُّ وهو يصلي فلم يردّ عليه فلما سلم قال: ((إن في الصلاة لشغلاً))، وقال آخرون: جائز لحديث صهيب، قال: (كنت مع النبي ◌ُّ في مسجد بني عمرو بن عوف، والأنصار يدخلون، وهو يصلي فيسلمون عليه، فيرد عليهم إشارة بيده)) وتأوله بعضهم بأن إشارته وَالد كانت أن لا تفعلوا، وهذا وإن كان محتملاً، فهو بعيد، انتهى. قال ابن قدامة(٢): سئل أحمد عن الرجل يدخل على القوم وهم يصلون أيُسَلِّم عليهم؟ قال: نعم، وروى ابن المنذر عن أحمد: أنه سلّم على مصلٍّ، وفعل ذلك ابن عمر، وكره عطاء وأبو مجلز والشعبي وإسحاق، لأنه ربما غلط المصلي، فرد عليه کلاماً، انتهى. وفي ((الروض)): لا بأس بالسلام على المصلي، ويرده بالإشارة، فإن رده بالكلام بطلت، ويرده بعدها استحباباً لرده عليه الصلاة والسلام على ابن مسعود بعد السلام، انتهى. وفي ((المدونة))(٣) قلت: فما قول مالك - رضي الله عنه - فيمن سلم على المصلي أكان يكره للرجل أن يسلم على المصلين؟ قال: لا، لم يكن يكره (١) (٦/ ٢٩٢). (٢) ((المغني)) (٤٦١/٨). (٣) (٩٨/١). ٤٨١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٣) حديث ذلك، لأنه قال: من سلم عليه وهو يصلي فليرد إشارة، فلو كان يكره لقال: أكره أن يسلم، انتهى. وكذا صرح بجوازه في ((الشرح الكبير)). وقال ابن العربي(١) في ((شرح الترمذي)): وقد أجاز ابن القاسم في ((المدونة)) السلام على المصلي وكرهه في ((المبسوط))، انتهى. وفي (الإكمال)): اختلف قول مالك في جواز السلام على المصلي بالجواز والكراهة، انتهى. وقال ابن رسلان: ومذهب الشافعي أنه لا يسلم عليه، وإن سلم لم يستحق جواباً، وقال به جماعة من العلماء، وعن مالك روايتان: إحداهما كراهة السلام، والثانية جوازه، للحديث، انتهى. وقال الحنفية بكراهة السلام على المصلي، كما صرح به أهل الفروع من ابن عابدين وغيره. قال الحافظ (٢) في شرح حديث ابن مسعود: ((إن في الصلاة لشغلاً)): وفي هذا الحديث كراهة ابتداء السلام على المصلي، لكونه ربّما شغل بذلك فكره، واستدعى منه الرد، وهو ممنوع منه، وبذلك قال جابر راوي الحديث، وكرهه عطاء والشعبي ومالك في رواية ابن وهب، وقال في ((المدونة)): لا یکره، وبه قال أحمد والجمهور، انتهى. -- -- ۔۔ قلت: لكن أخرج أبو داود، عن الإمام أحمد في شرح قوله وَله : ((لا غرار في صلاة ولا تسليم)). قال أحمد: يعني فيما أرى أن لا تسلم ولا يسلم عليك، وهذا نص منه - رضي الله عنه - في منع السلام على المصلي. وما قال الحافظ: به قال أحمد والجمهور مشكل أيضاً لما قد علمت أنه يكره عند الحنفية قولاً واحداً، ومنعه الإمام أحمد أيضاً، وقولان للإمام مالك، (١) ((عارضة الأحوذي)) (١٦٢/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٨٧/٣). ٤٨٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٣) حديث فَلَا يَتَكَلَّمْ، وحكى ابن رسلان مذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنه لا يسلم عليه، فليت شعري من بقي في الجمهور. وقال النووي في ((شرح مسلم))(١): أما ابتداء السلام على المصلي فمذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنه لا يسلم عليه، فإن سلم لم يستحق جواباً. وقال به جماعة من العلماء. وعن مالك روايتان: جوازه وكراهته، انتهى. فقد عرفت أن مذهب الجمهور كراهة ذلك، وقد استنبطه الإمام أحمد بحديث أبي داود. وقد أخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)): ((سلم على النبي ◌َّ رجل وهو يصلي، فأشار إليه بيده كأنه ينهاه)). وأخرج ابن أبي شيبة والطحاوي بسنديهما عن جابر، قال: ((ما كنت لأسلم على رجل وهو يصلي))، الحديث، وهو راوي حديث السلام على النبي ◌َّ في الصلاة. وقال محمد في ((موطئه)) (٢) بعد حديث الباب: وبهذا نأخذ، لا ينبغي للمصلي أن يرد السلام إذا سلم عليه، ولا ينبغي أن يسلم عليه وهو يصلي، وهو قول أبي حنيفة، قال في هامشه عن ((الاستذكار))(٣): لأنه شغل عن رده، وإنما السلام على من يمكنه الرد، انتهى. (فلا يتكلم) برد السلام، لأنه مفسد، قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)): لم يختلف الفقهاء أن من رد السلام وهو يصلي كلاماً مفهوماً مسموعاً أنه قد أفسد صلاته، وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم، وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء من أهل العلم، وقد روي عن طائفة من التابعين: منهم الحسن وقتادة أنهم أجازوا أن يرد السلام كلاماً، لأن رد السلام واجب؛ (١) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (٢٧/٥). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥٣١/١). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩٢/٦). ٤٨٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٣) حديث وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ . ومن فعل ما يجب عليه فعله لم تفسد صلاته، وابن عمر - رضي الله عنهما - لم يأمره بإعادة الصلاة. وقال ابن قدامة(١): إذا سلم على المصلي لم يكن له رد السلام بالكلام، فإن فعل بطلت صلاته. روي نحو ذلك عن أبي ذر وعطاء والنخعي، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور، انتهى. وحجة الجمهور كنا نتكلم في الصلاة ويسلّم بعضنا بعضاً، الحديث. وحديث ابن مسعود مرفوعاً قال: ((إن الله يحدث من أمره ما شاء)»، الحديث. والأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة أخرجها أصحاب الصحاح والحسان غنية عن إحصائها، والمنسوخ لا يجوز العمل به، ولذا ترى الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء أجمعوا على فساد الصلاة بالجواب كلاماً. قال ابن عبد البر(٢): وابن عمر - رضي الله عنه - يحتمل أن يكون مذهبه مذهبَ الحسن وغيره، ويحتمل أنه أمره بالإعادة ولم يَنْقل، انتهى. قلت: والظاهر الثاني إذ لو كان مذهبه الجواز لما أنكر عليه، وما حكى ابن عبد البر عن طائفة أنه امتثل الواجب، لم يلتفت إلى رده لكونه ظاهر البطلان، فإنه يجب إنجاء الغريق والحريق ونحوهما، ويقطع الصلاة به، على أن رد السلام ليس على الفور كما هو ظاهر لمن طالع كتب الروايات، سيما قصة المهاجر بن قنفذ، وأبواب التيمم، وأبواب العمل في الصلاة، وقد ورد في عدة طرق من حديث ابن مسعود وغيره، فلما قضى النبي ◌َّ صلاته قال: ((وعليك السلام)). (وليشر بيده) أي في رد السلام على الظاهر، ويحتمل للمنع أيضاً، قال (١) ((المغني)) (٤٦٠/٢). (٢) ((الاستذكار)) (٢٩٥/٦). ٤٨٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٣) حديث العيني(١): ثم الأئمة اختلفوا في هذا الباب فقال قوم: يرد السلام نطقاً، وهو المروي عن أبي هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وإسحاق وقتادة، ومنهم من قال: يستحب رده بالإشارة، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأبو ثور، وقيل: يرد في نفسه، روي ذلك عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقال قوم: يرد بعد السلام، وهو قول عطاء والثوري والنخعي، وهو المروي عن أبي ذر وأبي العالية، وبه قال محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: لا يرد لا في الحال ولا بعد الفراغ، وقالت طائفة من الظاهرية: إذا كانت الإشارة مفهمة قطعت عليه صلاته، اهـ. قلت: ما حكى العلامة العيني عن الأئمة الثلاثة من استحباب الرد بالإشارة يخالفه ما قال ابن رشد: ومنع ذلك قوم بالقول، وأجازوا الرد بالإشارة وهو مذهب مالك والشافعي، ومنع آخرون رده بالقول والإشارة، وهو مذهب النعمان، أهـ. قلت: وهذا أوجه عندي لما تقدم من ابن رسلان والنووي من مذهب الشافعي أن من سلّم على المصلي لا يستحق الجواب، ولما تقدم عن ((الروض)) في مذهب الحنابلة أن يرد بعد الصلاة استحباباً إلا أنه تقدم عن ((المدونة)) وليشر بيده، لكن ابن رشد مالكي، فتأمل. وأما عندنا، فقال في ((البدائع))(٢): لا ينبغي للرجل أن يسلم على المصلي، ولا للمصلي أن يرد سلامه بإشارة ولا غير ذلك، أما السلام فلأنه يشغل قلب المصلي عن صلاته، فيصير مانعاً له عن الخير، وإنه مذموم، وأما رد السلام بالقول أو الإشارة، فلأن رد السلام من جملة كلام الناس، لما روينا (١) ((عمدة القاري)) (٥٨٨/٥). (٢) ((بدائع الصنائع)) (١/ ٥٤٤). ٤٨٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٣) حديث من حديث عبد الله بن مسعود، وفيه: أنه لا يجوز الرد بالإشارة لأن عبد الله قال: فسلمت عليه فلم يرد، فيتناول جميع أنواع الرد ولأن في الإشارة ترك سنة اليد، وهي الكف لقوله وَالر: (كُفُّوا أيديكم في الصلاة)) غير أنه إذا رد بالقول فسدت صلاته، لأنه كلام، ولو رد بالإشارة لا تفسد لأن ترك السنة لا يفسد الصلاة، ولكن يوجب الكراهة، اهـ. وقد استدل الطحاوي(١) بأحاديث الباب على ردٍّ من قال: إن الإشارة في الصلاة تقطع الصلاة، ثم قال: قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار أن الإشارة لا تقطع الصلاة، وقد جاءت مجيئاً متواتراً غير مجيء الحديث الذي خالفها، فهي أولى، فإن قال قائل: إذا كانت الإشارة عندكم قد ثبت أنها بخلاف الكلام، وأنها لا تقطع الصلاة، واحتججتم في ذلك بهذه الآثار التي رويتموها، فلِمَ كرهتم رد السلام بالإشارة، وقد فعل ذلك رسول الله وسلم فيما رويتموه؟ قيل له: ما احتججنا بهذه الآثار أن الإشارة لا تقطع الصلاة، فقد ثبت. وأما ما ذكرت من إباحة الإشارة في الصلاة في رد السلام، فليس فيه دليل على ذلك، لأنه احتمل أن تكون تلك الإشارة كانت رداً منه السلام كما ذكرتم، واحتمل أن تكون نهياً لهم عن السلام عليه وهو يصلي، فلما لم يكن في هذه الآثار من هذا شيء، واحتملت من التأويل ما ذهب إليه كل واحد من الفريقين، لم يكن ما تأوّل أحد الفريقين أولى مما تأوّل الآخر إلا بحجة. .-- ثم أخرج عدة روايات عن ابن مسعود - رضي الله عنهما - في قصة سلامه على النبي ◌َّ في الصلاة من حديث أبي بكرة عن مؤمل، ومن حديث علي بن شيبة، ومن حديث أبي بكرة عن أبي داود، ومن حديث فَهْد بألفاظ مختلفة . (١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (٢٦٣/١ وما بعدها) طبع الهند. ٤٨٦ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٣) حديث ثم قال: ففي حديث أبي بكرة عن أبي داود أن رسول الله مح لول ردّ على الذي سلّم عليه في الصلاة بعد فراغه منها، فذلك دليل على أنه لم يكن منه في الصلاة رد السلام عليه، لأنه لو كان ذلك منه لأغناه عن الرد عليه بعد الفراغ من الصلاة، كما يقول الذي يرى الرد في الصلاة بالإشارة، وأن المصلي إذا فعل ذلك بمن يسلم عليه في الصلاة، فلا يجب عليه الرد بعد فراغه من الصلاة، وفي حديث أبي بكرة عن مؤمل فلم يرد عليّ، فأخذني ما قدم وما حدث. ففي ذلك دلیل أنه لم یکن رد أصلاً بالإشارة ولا غيرها، لأنه لو كان رد عليه بإشارته لم يقل: لم يرد عليّ، ولقال: ردَّ عليّ إشارةً ولما أصابه من ذلك ما أخبر أنه أصابه مما قدم ومما حدث، وفي حديث علي بن شيبة، فقال رسول الله ﴾: ((إن في الصلاة شغلاً)) فذلك دليل على أن المصلي معذور بذاك الشغل عن رد السلام على المسلم عليه، ونَهْيٌّ لغيره عن السلام عليه. وقد روي عن عبد الله من قوله بعد رسول الله وَّ ما قد حَدَّثنا فَهْدٌ بسنده عن عبد الله: أنه كره أن يسلم على القوم وهم في الصلاة، وقد روي عن جابر عن النبي ◌ُّ﴾ نظير ما روي عن ابن مسعود عن النبي ◌َّل، حدثنا أحمد بن داود بسنده عن جابر: ((كنا مع النبي (وَّر في سفر)) الحديث. وفيه: ((فسلمت عليه فلم يرد عليّ فلما سلّم ردّ عليّ)). وحدثنا أبو بكرة بسنده مثله غير أنه لم يقل: فلم يرد عليّ، وقال: فلما فرغ من صلاته قال: ((أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي)) فهذا جابر بن عبد الله أيضاً قد أخبر أن رسول الله وَّ لم يرد عليه، وأنه لما فرغ من صلاته رد عليه، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي، فأخبر رسول الله وَّر أنه لم يكن رد عليه شيئاً، فذلك ينفي أن يكون رد عليه بإشارة أو غيرها . ٤٨٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٣) حديث وقد حدثنا ابن أبي داود بسنده عن جابر أن النبي وَل بعثه لبعض حاجته، فجاء وهو يصلي على راحلته، فسلم عليه فسكت ثم أومأ بيده، ثم سلم عليه فسكت ثلاثاً، فلما فرغ قال: ((أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي)) فهذا جابر أخبر أنه وَّ أومأ إليه بيده حين سلم، ثم قال بعدما فرغ عن الصلاة: ((أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي))، فأخبر ◌َّ أنه لم يكن رد عليه في الصلاة، فدل على أن تلك الإشارة لم تكن رداً، وإنما كان نهياً عنه. وقد روي عن جابر يقول: ما أحب أن أسلم على الرجل وهو يصلي، الحديث. فهذا جابر قد كره أن يسلم على المصلي، وقد كان سلم على رسول الله ، وهو يصلي فلو كانت الإشارة التي كانت من النبي وَلّه رداً للسلام عليه، لما كره ذلك، لكنه كره ذلك لأن تلك الإشارة كانت عنده نهياً منه ◌َجلاء . وقد حدثنا عبد الله بن محمد بسنده عن عطاء: أن ابن عباس سلم عليه رجل وهو يصلي فلم يرد عليه شيئاً، وغمزه بيده، فهذا ابن عباس أيضاً لم يرد في صلاته على الذي سلم عليه في الصلاة، لكنه غمز بيده على الكراهة، فلما كان ابن مسعود وجابر، وقد كانا سَلَّما على النبيِ وَ ل# وهو يصلي، قد كرها من بعد رسول الله وَّ السلام على المصلي، فثبت أن ما كان من إشارته وَلا) لم يكن رداً للسلام، بل كان نهياً له، انتهى ملخصاً. وقال السيوطي في ((الدر)): أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والأصبهاني في (الترغيب)) والبيهقي في (الشعب)) عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: من القنوت: الركوع والخشوع، وطول القيام، وغضّ البصر، وخفض الجناح، والرهبة لله، وكان الفقهاء من أصحاب النبي وَّ إذا قام أحدهم في الصلاة يهاب الرحمن ٤٨٨ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٤) حديث ٣٩٤/ ٧٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ نَسِيَ صَلاةَ، فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ الصَّلاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ بَعْدَهَا الأَخْرَى. سبحانه وتعالى أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يشدّ بصره أو يعبث بشيء أو يُحَدِّث بشيء من أمر الدنيا إلا ناسياً حتى ينصرف. وأخرج الأصبهاني في ((الترغيب)) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ قال: كانوا يتكلمون في الصلاة ويأمرون بالحاجة فنُهوا عن الكلام والالتفات في الصلاة، وأُمِرُوا أن يخشعوا إذا قاموا في الصلاة قانتين خاشعين، غير ساهين ولا لاهين، اهـ. ٧٧/٣٩٤ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يقول) هكذا في رواية ((الموطأ)) موقوفاً، واختلف في رفعه كما سيأتي في فقه الحديث، ولو سُلِّم وقفه فهو في حكم المرفوع، لأنه مما لا يدرك بالقياس، وبسط الحافظ في ((الدراية)) في أقوال من أنكر رفعه (من نسي صلاة) من الصلوات (فلم يذكرها) أي الفائتة (إلا وهو) يصلي (مع الإمام) في صلاة أخرى، فلا يقطع صلاته هذه، بل يتمها مع الإمام لئلا تفوت فضيلة الجماعة، ولا يبطل العمل. (فإذا سلم الإمام) وسلم هذا معه (فليصل) تلك (الصلاة التي نسي) وهذا الأمر مجمع عليه (ثم ليصل بعدها) أي بعد تلك الصلاة الفائتة، يعيد الصلاة (الأخرى) التي صلاها مع الإمام وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وقال الشافعي: يعتدُّ بصلاته تلك، ويقضي الفائت خاصة، وهذه المسألة مبنية على مراعاة الترتيب في الصلاة، قاله الباجي. قلت: ومسألة الترتيب لها شروط وأقاويل للعلماء بسطها الباجي وابن عبد البر، ومحلها كتب الفروع، وما يليق بهذا المختصر. ما قاله ابن قدامة في ٤٨٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٤) حديث ((المغني))(١): إن الترتيب واجب في قضاء الفوائت، نص عليه في مواضع، وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ما يدل على وجوب الترتيب ونحوه عن النخعي والزهري وربيعة ويحيى الأنصاري ومالك والليث وأبي حنيفة وإسحاق، وقال الشافعي: لا يجب، ثم يجب الترتيب فيها وإن كثرت نص عليه أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة، اهـ. وقال ابن رشد (٢): اختلفوا في وجوب الترتيب في قضاء المنسيات، أعني وجوب ترتيب المنسيات مع الصلاة الحاضرة الوقت، وترتيب المنسيات بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من صلاة واحدة. فذهب مالك إلى أن الترتيب واجب فيها في خمس صلوات فما دونها، وأنه يبدأ بالمنسية، وإن فات وقت الحاضرة حتى إنه قال: إن ذكر المنسية وهو في الحاضرة فسدت الحاضرة عليه، وبمثل ذلك قال أبو حنيفة والثوري إلا أنهم رأوا الترتيب واجباً مع اتساع وقت الحاضرة، واتفق هؤلاء على سقوط وجوب الترتيب مع النسيان، وقال الشافعي: لا يجب الترتيب، وإن فعل ذلك إذا كان في الوقت مُتَّسعٌ، فحسن، يعني في وقت الحاضرة، اهـ. وقال العلامة العيني(٣) في شرح حديث الخندق: وفيه ما يدل على وجوب الترتيب بين الوقتية والفائتة، وهو قول النخعي والزهري وربيعة ويحيى الأنصاري والليث، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأحمد وإسحاق، وهو قول عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، وقال طاووس: الترتيب غير -------- (١) (٣٣٦/٢) قلت: الترتيب واجب عند الإمام كما في ((المغني)) ولا يسقط عنده بالكثرة أيضاً خلافاً للحنفية والمالكية إذا قالوا بسقوطه بالكثرة. هامش ((الكوكب الدري)) (٢٠٨/١). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٨٣/١). (٣) ((عمدة القاري)) (١٢٩/٤). ٤٩٠ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٤) حديث واجب، وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن القاسم وسحنون، وهو مذهب الظاهرية، ومذهب مالك وجوب الترتيب كما قلنا، لكن لا يسقط بالنسيان ولا بضيق الوقت ولا بكثرة الفوائت، كذا في ((شرح الإرشاد)»، والصحيح المعتمد من مذهب مالك سقوط الترتيب (١) كما نطقت به كتب مذهبه، وعند زفر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة، وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا تجوز صلاة سنة بعدها، اهـ. ثم قال ابن رشد (٢): والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب، واختلافهم في تشبيه القضاء بالأداء، فأما الآثار فورد في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما ما روي عنه وَلّ أنه قال: ((من نسي صلاة))، الحديث. فذكر حديث الباب. ثم قال: وأصحاب الشافعي يضعفون هذا الحديث، ويصححون حديث ابن عباس أن النبي ◌َّ قال: ((إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة، فليتم التي هو فيها، فإذا فرغ منها قضى التي نسي))، والحديث الصحيح في هذا الباب هو قوله وَّر: ((إذا نام أحدكم عن الصلاة أو نسيها))، الحديث. وأما اختلافهم في جهة تشبيه القضاء بالأداء، فإن من رأى أن الترتيب في الأداء إنما لزم من أجل أن أوقاتها المختصة بصلاة منها، هي مرتبة في نفسها إذا كان الزمان لا يعقل إلا مرتباً لم يلحق بها القضاء، لأنه ليس للقضاء وقت مخصوص، ومن رأى أن الترتيب في الصلوات المؤادة هو في الفعل، وإن كان الزمان واحداً مثل الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، شبه القضاء بالأداء، اهـ. (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥٨٦/١). (٢) (بداية المجتهد)) (١ / ١٨٤). ٤٩١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٤) حديث وقال ابن قدامة(١): ولنا ما روي أن النبي وَلّر فاته يوم الخندق أربع صلوات فقضاهن مرتبات، وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي جمعة حبيب بن سباع، وكان قد أدرك النبي وَليقول، قال: إن النبي ◌ّ عام الأحزاب صَلّى المغرب، فلما فرغ قال: ((هل علم أحدٌ منكم أني صليت العصر؟))، فقالوا: يا رسول الله ما صليت، فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر، ثم أعاد المغرب، وهذا يدل على وجوب الترتيب، وروى أبو حفص بإسناده عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وم لو قال: ((من نسي صلاة)) الحديث حديث الباب(٢)، وروي عن ابن عمر موقوفاً: ولأنهما صلاتان مؤقتتان، فوجب الترتيب بينهما، كالمجموعتين، اهـ. وقال العيني(٣): استدل صاحب ((الهداية)) وغيره في مذهبنا بما رواه الدارقطني، ثم البيهقي في ((سننيهما)) عن ابن عمر مرفوعاً: ((من نسي صلاة))، الحديث. وقال الدارقطني: الصحيح أنه من قول ابن عمر - رضي الله عنهما - كذا رواه مالك عن ابن عمر - رضي الله عنهما - من قوله، وقال عبد الحق: وقفه سعيد بن عبد الرحمن، ووثقه يحيى بن معين، قال العيني: وأخرجه أبو حفص بن شاهين مرفوعاً، اهـ. - قلت: وأخرجه البيهقي من حديث إسماعيل بن بسام أبي إبراهيم الترجماني ثنا سعيد بن عبد الرحمن عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَّ قال: ((من نسي صلاة))، الحديث. ثم قال: تفرد أبو إبراهيم الترجماني برواية هذا الحديث مرفوعاً، والصحيح أنه من قول ابن عمر موقوفاً، وهكذا رواه غير أبي إبراهيم عن سعيد، ثم أخرجه من طريق يحيى بن أيوب (١) ((المغني)) (٣٣٤/٢). (٢) ((السنن الكبرى)) (٢٢١/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (١٢٩/٤). ٤٩٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٤) حديث ثنا سعيد مثله، ولم يرفعه، ثم قال: وكذلك رواه مالك بن أنس وعبد الله بن عمر العمري عن نافع موقوفاً . قال ابن التركماني(١): الترجماني أخرج له الحاكم في ((المستدرك))، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وعن يحيى بن معين: ليس به بأس، وكذا قال أبو داود والنسائي، ذكر ذلك المزي في كتابه، ومشهور عن ابن معين أنه إذا قال عن شخص: ليس به بأس كان توثيقاً منه، ففي رواية الترجماني زيادة الرفع، وهي زيادة ثقة، فوجب قبولها على مذاهب أهل الفقه والأصول، ثم على تقدير تسليم أنه قول ابن عمر - رضي الله عنهما -، فقد قال الطحاوي في (كتاب اختلاف العلماء)): لا يعلم عن أحد من الصحابة خلافه، وكذا ذكر صاحب ((التمهيد))(٢)، اهـ. وفي ((البرهان)): لنا قوله ◌َّ: ((من نسي صلاة))، الحديث، رواه الدارقطني ثم البيهقي في ((سننيهما)) عن إسماعيل بن إبراهيم الترجماني عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، ورواه مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفاً، وصحح الدارقطني وأبو زرعة وغيرهما وقفه، واختلفوا في نسبة الخطأ في رفعه فمنهم من نسبه إلى الجمحي ومنهم من نسبه إلى الترجماني، ولا يخفى أن الرفع زيادة، وهي من الثقة مقبولة، وهما ثقتان، قال ابن معين وأبو داود وأحمد في الترجماني: لا بأس به، وكذا وثّق ابن معين والنسائي الجمحيَ. فإن قلتَ: لا يقاوم مالكاً؟ قلتُ: إن المختار في تعارض الوقف والرفع ليس كون الاعتبار للأكثر ولا للأحفظ، وإن كانت مذاهب، بل للرافع بعد كونه (١) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٢٢١/٢). (٢) انظر: ((التمهيد)) (٤٠٨/٦). ٤٩٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٥) حدیث ٧٨/٣٩٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّه وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ؛ ثقة، وهذا لأن الترجيح بذلك هو عند تعارض المرويين، ولا تعارض في ذلك لظهور أن الراوي قد يوقف الحديث وقد يرفعه، وقول حبيب بن سباع، وكان من أصحاب النبي وسلم: إن النبي ◌َّلل صلى المغرب ونسي العصر فقال لأصحابه: ((هل رأيتموني صليت العصر؟)) الحديث، رواه أحمد في (مسنده)) والطبراني في ((معجمه))، وأعلَّه في الإمام بابن لهيعة فقط، اهـ. قلت: ابن لهيعة مختلف في توثيقه، وقال أبو داود عن أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وكذا وثقه غيره وضعفه آخرون، وقال ابن العربي بعدما ذكر تضعيف الروايات التي تمسك بها الجمهور: فإذا لم يصح في الباب كله شيء ففيه متعلقان من الأثر والنظر، أما الأثر فقول ابن عمر - رضي الله عنهما - الموقوف عليه، وهو أحق أن يتبع، وأما النظر فقد كان المكلف خوطب بالصلوات في أوقاتها، وألزم أداؤها فلما نسي أداءها بقيت في ذمته قضاؤها على الوجه الذي كانت ترتبت عليه، وإذا تكررت وكثرت عسر ضبط الترتيب فيها وشق، فيسقط المشقة حسب ما قدرناه في ((كتاب الإنصاف)) والله أعلم، اهـ. ٧٨/٣٩٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة وشد الموحدة آخره نون، قال في (الاستذكار)) (١): هكذا رواية يحيى، وتابعه طائفة من رواة ((الموطأ)) وغيره، ورواه أبو مصعب وغيره في ((الموطأ)) عن مالك عن محمد بن يحيى، ولم يذكروا يحيى بن سعيد، وذكر ابن أبي شيبة: ثنا يعلى بن عبيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان، فذكر مثله سواء إلى آخره، انتهى. (عن عمه واسع بن حبان) قال ابن رسلان: يحتمل الصرف، ومنعه نظراً (١) (٣٠٣/٦). ٤٩٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٥) حدیث أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى جِدَارِ لْقِبْلَةِ ، إلى اشتقاقه من حبن أو حب، انتهى. ابن منقذ بضم الميم وسكون النون وكسر القاف، وبالذال المعجمة ابن عمرو الأنصاري المازني المدني، قال الزرقاني(١): صحابي ابن صحابي، وقيل: بل من كبار التابعين الثقات، انتهى. وكذا قال الحافظ في ((التقريب))، وقال في ((تهذيبه)): ذكره البغوي في الصحابة، وقال: في صحبته مقال، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وزعم العدوي أنه شهد بيعة الرضوان، انتهى. وعدّه في ((رجال جامع الأصول)) في فصل التابعين، وفي ((الإصابة)): واسع بن حبان بن منقذ الأنصاري، قال العدوي: شهد بيعة الرضوان والمشاهد بعدها، وقتل يوم الحرة، قال الحافظ : وهذا غير الراوي فيما أظن، لأنه مشهور في التابعين، وقد فرق بينهما ابن فتحون في ((ذيل الاستيعاب)). (أنه قال: كنت أصلي وعبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - الواو حالية (مسند ظهره إلى جدار القبلة) فيها الإستناد إليها، وقال العلامة النووي(٢) في شرح حديث الإسراء: قوله : ((فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور)) قال عياض: يستدل به على جواز الاستناد إلى القبلة وتحويل الظهر إليها ، اهـ. وقال القاري(٣) في ((شرح الشفاء)): وفي استدلاله نظر، لاحتمال كون إبراهيم حينئذ متوجهاً إلى الكعبة، أو إلى العرش، أو باعتبار نظر ذي الجلال مع احتمال أن يكون التقدير مسنداً ظهره إلى شيء من أجزاء السماء أو إلى طرف بابها متوجهاً إلى البيت المعمور، اهـ. وفيه ما فيه. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٣/١). (٢) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (٢/ ٢١٣). (٣) (٣٧٠/٢). ٤٩٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٥) حديث فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلاتِي انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ شِقِّي الأَيْسَرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْ يَمِينِكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ(١): رَأَيْتُكَ، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْكَ، وقال الأبي(٢) في شرح حديث الإسراء: فيه إسناد الظهر إلى الكعبة، وإذا جاز فيها ففي غيرها أجوز، اهـ. وفي الزرقاني على ((المواهب)): قال الحافظ: فيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وبغيره، لأن البيت المعمور كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة، وقد أسند إبراهيم ظهره إليه، اهـ. وقال التلمساني: قيل: فيه دلالة على أن الأفضل في غير الصلاة، إسناد الظهر للقبلة، وقيل: الأفضل استقبالها، ولعل إبراهيم أسند ظهره ليتوجه للمصطفى ويخاطبه، اهـ. قال الزرقاني: وقد يقال: إنما دل على الجواز لا على أنه أفضل، كيف وفي الحديث: ((أشرف المجالس ما استقبل به القبلة)) رواه الطبراني(٣)، اهـ. فائدة: صرح أهل الفروع من ابن عابدين وغيره أن لا تقبل شهادة من يمد الرجل إليها . (فلما قضيت) أي أتممت (صلاتي انصرفت إليه) أي إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - (من قبل) بكسر قاف ففتح موحدة أي من جهة (شقي الأيسر) علم منه أن ابن عمر - رضي الله عنهما - لم يكن في مواجهته، بل كان في الجانب الأيسر (فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - اختباراً لحاله وخوفاً منه أنه يرى الانصراف يساراً أحق كما أن بعضهم يرى الانصراف إلى اليمين (ما منعك أن تنصرف عن) الصلاة إلى (يمينك) قال واسع: (فقلت:) ما قصدت الانصراف إلى اليسار خاصة، بل (رأيتك) جالساً على يساري (١) في نسخة: قال: قلت. (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٠٨/١). (٣) وذكر طرقه صاحب ((السعاية)) (٣٠٢/٦). : ٤٩٦ --- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٥) حديث قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَإِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ، إِنَّ قَائِلاَ يَقُولُ: انْصَرِفْ عَنْ يَمِينِكَ، فَإِذَا كُنْتَ تُصَلَّي، فَانْصَرِفْ حَيْثُ شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ عَنْ يَمِينِكَ، وَإِنْ شِئْتَ عَنْ يَسَارِكَ. (فانصرفت إليك، فقال عبد الله) بن عمر - رضي الله عنهما -: (فإنك قد أصبت) حيث رأيت الانصراف إلى كلا الجهتين جائزاً، ثم أراد ابن عمر - رضي الله عنهما - أن ينبِّهه على ما قال بعضهم من الانصراف إلى اليمين خاصة لئلا يحتج به أحد بعد ذلك. فقال: (إن قائلا) يعني بعضهم (يقول: انصرف) بصيغة الأمر (عن يمينك) وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) بسنده عن الحسن: أنه كان يستحب أن ينصرف الرجل من صلاته عن يمينه. قلت: ولا بعد في أن بعضهم كان يوجبه فحق الإنكار عليه، ولما لم يصب هذا القائل رد عليه ابن عمر فقال: (فإذا كنت تصلي فانصرف) عن صلاتك (حيث شئت) أجمله أولاً ثم فصله، فقال: (إن شئت عن يمينك وإن شئت عن يسارك) قال أبو عمر(١): وأما انصراف المصلي فالسنة أن ينصرف كيف يشاء، وأكثر العلماء على أنه لا فضل في الانصراف على اليمين، وأنه كالانصراف إلى الشمال سواء، ثم ذكر مؤيداته مرفوعاً وموقوفاً، ثم قال: وكان الحسن وطائفة من أهل العلم يستحبون الانصراف عن يمينه، لحديث أنس: أنه وَ لّ كان ينصرف عن يمينه، وليس فيها حجة على أنه كان لا ينصرف إلا عن يمينه، وقد قال ابن مسعود: أكثر ما كان ينصرف وَّر عن شماله، انتهى. وتوضيح المقام في ذلك أن الإمام إذا فرغ من صلاته ينبغي له أن لا يجلس مثل ما كان جالساً قبل ذلك، قال ابن العربي: فإذا سلم وثب ساعة يسلم ولا يستقر في مكانه، اتفق عليه العلماء، وإن اختلفوا في تعليله، انتهى. (١) ((الاستذكار)) (٣٠٢/٦). ٤٩٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٥) حديث قال العيني(١): فالمستحب للإمام أن يقوم من مصلاه عقيب صلاته كذا قاله الشافعي في ((المختصر))، وفي ((الإحياء)) للغزالي: إن ذلك فعل النبي وَل وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهم -، وصححه ابن حبان في غير ((صحيحه))، وقال النووي: عللوا قول الشافعي - رضي الله عنه - بعلتين: إحداهما: لئلا يشك من خلفه هل سلم أم لا؟ الثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة، فيقتدي. وقال صاحب ((التوضيح)): لكن ظاهر حديث البراء: فجلسته بين التسليم والانصراف قريباً من السواء يدل على أنه لم يكن يثب ساعة ما يسلم بل كان يجلس بعد السلام جلسة . وفي ((الأخيرة)): أجمعوا على أنه لا يمكث في مكانه مستقبل القبلة، وجميع الصلوات في ذلك سواء، فإن لم يكن بعدها تطوع إن شاء انحرف عن يمينه أو يساره، وإن شاء استقبل الناس بوجهه، إذا لم يكن أمامه من يصلي، وإن كان بعد الصلاة سنن يقوم إليها، انتهى. - - وقال الحافظ(٢): الحكمة في استقبال المأمومين أن يُعلّمهم ما يحتاجون إليه، فعلى هذا يختص بمن كان في مثل حاله ◌َّر من قصد التعليم والموعظة، وقيل: الحكمة فيه تعريف الداخل بأن الصلاة انقضت، وقال الزين بن المنير: استدار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين، انتهى. قلت: واتفقت فقهاء الأمصار على أنه يستحب للإمام الانحراف عن جهة القبلة كما تقدم، نقل الإجماع على ذلك، وصرح به أهل الفروع(٣) من الأئمة، (١) ((عمدة القاري)) (٥٩٩/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٣٣٤/٢). (٣) انظر: ((المغني)) (٥٥١/١ - ٥٥٨)، و((الشرح الصغير)) (٣١٥/١)، و((فتح القدير)) (١/ ٢٢٥)، و((بدائع الصنائع)» (١١٣/١). ٤٩٨ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٥) حديث وورد في ذلك روايات كثيرة، منها روايات الانصراف عن اليمين والشمال، ومنها روايات استقبال المأمومين إذا قضى الصلاة وغير ذلك، والطرق في تلك الروايات شهيرة في الصحاح والحسان، واختلف شراح الحديث ومشايخ الدرس في محامل تلك الروايات، فمنهم من حمل الروايات على التوسع، فقالوا: يتخير المصلي كيف ما يجلس منحرفاً إلى الجهتين أو إلى القوم وهو مختار مشايخي ومختار ((الذخيرة)) كما تقدم عن العيني. وفي ((البحر)): إن كان إماماً وكانت صلاة يتنفل بعدها فإنه يقوم ويتحول عن مكانه، والجلوس مستقبلاً بدعة، وإن كان لا يتنفل بعدها يقعد مكانه، وإن شاء انحرف يميناً أو شمالاً وإن شاء استقبلهم بوجهه إلا أن يكون بحذائه مصلٍ، انتهى. وقال في (البدائع))(١): إذا فرغ الإمام من الصلاة فلا يخلو إما إن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنة، أو كانت صلاة تصلى بعدها سنة، فإن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنة كالفجر والعصر، فإن شاء قام وإن شاء قعد في مكانه يشتغل بالدعاء، إلا أنه يكره المكث على هيئته مستقبل القبلة، لرواية عائشة: أن النبي ◌َّ لا يمكث في مكانه إلا مقدار أن يقول: ((اللهم أنت السلام)) الحديث، وروي جلوس الإمام في مصلاه بعد الفراغ مستقبل القبلة بدعة، ولأن مكثه يوهم الداخل أنه في الصلاة، فكان المكث تعريضاً لفساد اقتداء غيره به، فلا يمكث، ولكنه يستقبل القوم بوجهه إن شاء إن لم يكن بحذائه أحد يصلي، لما روي أنه * إذا صلى الفجر استقبل بوجهه أصحابه، وقال: هل رأى أحدكم رؤيا؟ وإن شاء انحرف لأن بالانحراف يزول الاشتباه كما يزول بالاستقبال، وهو مخير إن شاء انحرف يمنة ويسرة هو الصحيح، لأن المقصود من الانحراف زوال الاشتباه، انتهى. (١) (بدائع الصنائع)) (٣٩٣/١). ٤٩٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٥) حديث وقال ابن القيم(١): وكان ◌َّ إذا سلم استغفر ثلاثاً، وقال: ((اللهم أنت السلام)) الحديث، ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك، بل يسرع الانتقال إلى المأمومين، وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره ولا يخص ناحية منهم دون ناحية، انتهى. وفي (العيني))(٢) عن ((التوضيح)): إذا أراد الإمام أن ينتقل في المحراب ويقبل على الناس للذكر والدعاء جاز أن ينتقل كيف شاء، والأفضل أن يجعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب، وقيل: عكسه، وبه قال أبو حنيفة، انتهى. وإليه يشير تبويب ابن تيمية في ((المنتقى)) إذ بوّب أولاً ((الانحراف والاستقبال))، ثم بوّب ((جواز الانحراف يميناً وشمالاً))، ومنهم من فرق بين محامل الروايات بأن حملوا روايات الانصراف على الذهاب إلى البيت، وقالوا: سنة الجلوس استقبال المأمومين أو الانصراف إلى موضع الحاجة يمنة أو يسرة، وهو مختار بعض مشايخ الدرس . وإليه يظهر ميل القسطلاني، إذ شرح تبويب البخاري ((باب الانفتال)) أي لاستقبال المأمومين ((والانصراف)) أي لحاجته ((عن اليمين والشمال))، والظاهر أنه أخذه عن كلام الزين بن المنير كما حكى عنه الحافظ(٣)، إذ قال: جمع أي البخاري في الترجمة بين الانفتال والانصراف للإشارة إلى أنه لا فرق في الحكم بين الماكث في مصلاه إذا انفتل لاستقبال المأمومين وبين المتوجه لحاجته إذا انصرف إليها، انتهى. ومنهم من أوّل حديث سمرة: ((إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه)) إلى حديث البراء بلفظ: ((أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه)). (١) ((زاد المعاد)) (٢٨٥/١). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٩٩/٤). (٣) ((فتح الباري)) (٣٣٨/٢). ٥٠٠