Indexed OCR Text
Pages 361-380
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٩) باب
(٣٧٥) حديث
٥٨/٣٧٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ
عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَلَمْ أَرَ صَاحِبَكَ .
قلت: وما حكى ابن القيم في ((الهدي)) عن ((مسند أحمد)) نص في
الباب، ولفظه من حديث عطاء الخراساني عن نبيشة الهذلي، أنه كان يحدث
عن رسول الله وَّل: ((أن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل إلى المسجد
لا يؤذي أحداً، فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام
خرج جلس واستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعة غفر له))، الحديث.
واستدلوا أيضاً بما قال جماعة منهم القرطبي: أقوى ما اعتمده المالكية
في هذه المسألة عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد
مالك، أن التنفل في حالة الخطبة ممنوع مطلقاً، وما تعقبه الحافظ (١) بفعل
أبي سعيد الخدري يحتمل أن مروان أدخل في الخطبة ما ليس منه، سيما إذا
تقدم عن الخدري مرفوعاً المنع منه، بل النظر الدقيق حاكم بأن حديث
أبي سعيد مؤيد للمانعين لعدم شيوع ذلك، ولذا أراد حرس مروان أن يمنعوه،
ولو كان شائعاً لم يمنعوه.
واستدلوا أيضاً بما في البخاري وغيره: أن رجلاً دخل والنبي وقّ يخطب،
فقال: ((هلك المال وجاع العيال))، فدعا النبي ◌ُّلّ مستسقياً ولم يأمره بالركعتين،
ثم جاء رجل في الجمعة الثانية، وقال: ((تهدمت البيوت))، فقال عليه السلام:
((اللّهم حوالينا)) الحديث. ولم يأمره النبي وَّل بتحية المسجد، ولمسلم والنسائي
عن أبي رفاعة العدوي: ((أتيت النبي وَل# وهو يخطب فقلت: يا رسول الله رجل
غريب جاءك يسأل عن دينه)) الحديث، ولم يأمره النبي ◌ُّ بهما .
٥٨/٣٧٥ _ (مالك، عن أبي النضر) سالم بن أمية (مولى عمر بن عبيد الله)
بضم العين فيهما (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه) أي أبا سلمة (قال له) أي
لأبي النضر (ألم أر) بزيادة الاستفهام في أوله (صاحبك) أي مولاك عمر بن
(١) (فتح الباري)) (٤٠٩/٢).
٣٦١
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٩) باب
(٣٧٥) حدیث
إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَجْلِسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ؟ قَالَ أَبُو النَّضْرِ: يَعْنِي
بِذْلِكَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، ويَعِيبُ ذُلِكَ عَلَيْهِ، أَنْ يَجْلِسَ إِذَا دَخَلَ
الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ .
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ
عبيد الله أنه (إذا دخل المسجد يجلس قبل أن يركع) ركعتين تحية المسجد (قال
أبو النضر: يعني) أي أبو سلمة (بذلك) أي بلفظ صاحبك (عمر بن عبيد الله)
مولاي، وهو عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي، بسط الحافظ الكلام
على ترجمته في ((التعجيل)) (١)، ولآه الزبير البصرة، ثم ولآه قتال الأزارقة لما
ولّي مصعب بن الزبير على العراق، وولي إمرة فارس أيضاً، ولد عام قتل
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وكان أحد وجوه قريش وأشرافها، وكان
جواداً ممدوحاً شجاعاً، وروى الزبير بن بكار: أن مدنياً كانت له جارية
يحبها، فأملق فباعها، فاشتراها عمر بن عبيد الله، فقالت الجارية حين فارقها
سيدها أبياتاً منها :
هنيئاً لك المال الذي قد أصبته
ولم يبق في كفي إلا تفكري
فأجابها بأبيات منها :
ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
عليك سلام لا زيارة بيننا
فقال ابن معمر: لقد شئت، خذها ولك ثمنها، وأخباره في الجود
والشجاعة شهيرة، يقال: مات سنة ٨٢هـ وكان مقصود أبي سلمة (أنه يعيب
ذلك) إشارة إلى ما سيأتي من قوله: أن يجلس إلخ (عليه) أي على مولاي،
وفسره بقوله: (أن يجلس إذا دخل المسجد قبل أن يركع) ركعتين والغرض أن
أبا سلمة أنكر على عمر بن عبيد الله تركه تحية المسجد والاستمرار عليه.
(قال يحيى: قال مالك: وذلك) أي الركوع عند دخول المسجد
(١) (ص٢٩٩).
٣٦٢
------------
- -
-------
۔ ۔
----
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٠) باب
(٣٥٧) حديث
حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ .
(٢٠) باب وضع اليدين على ما يوضع عليه الوجه في السجود
(حسن)(١) أي مستحب عندنا (وليس بواجب) وعلى ذلك فقهاء الأمصار كما
تقدم، وهذا إشارة إلى توجيه ترك عمر بن عبيد الله إياه، والأوجه أن ذكر أثر
عمر بن عبيد الله لبيان أن الأمر الوارد في الحديث ليس للوجوب، ثم نبّه على
ذلك بهذا القول .
(٢٠) وضع اليدين على ما يوضع عليه الوجه في السجود
اعلم هاهنا ثلاثة مباحث فقهية، ويحتمل ترجمة المصنف أن يُحمل على
كل منها، وتنطبق الآثار الواردة في الباب بكل منها، لكن بعضها أظهر من
بعض .
الأول: بيان فرضية وضع اليدين للسجود، وذكر الدسوقي في وجوب
وضع اليدين للسجود قولين في مذهبه، فهي مختلفة في المالكية فيما بينهم،
وأما غير المالكية فالاختلاف فيما بينهم في أن السجود هو وضع الوجه فقط،
أو سبعة آراب، والخلاف فيه مشهور.
والثاني: بيان موضع اليدين في السجود، وكونهما قريباً من الوجه،
فيكون معنى الترجمة يضع يديه على الموضع الذي يضع عليه الوجه، لتكونا
قريباً من الوجه، وإلى هذا المعنى أشار محمد في ((موطئه))، إذ قال بعد ذكر
الأثرين: قال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا وضع جبهته، ساجداً أن
يضع كفيه بحذاء أذنيه، وفي ((التعليق الممجد)) (٢): هكذا روي عن النبي وَل أنه
(١) واختلف الفقهاء فيمن ركع ركعتي الفجر في بيته، ثم دخل المسجد قبل أن تقام صلاة
الصبح، فاختلف في ذلك قول مالك، وقال أبو حنيفة والليث والأوزاعي: لا يركع،
وقال الشافعي وأحمد وداود: يركع. انظر: ((الاستذكار)) (٢٥٥/٦).
(٢) (٤٧٨/١).
٣٦٣
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٠) باب
وضع وجهه بين كفيه من حديث وائل، أخرجه مسلم وأبو داود وإسحاق بن
راهويه وابن أبي شيبة والطحاوي، ومن حديث البراء أخرجه الترمذي، وأخرج
البخاري وأبو داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي أنه ◌َّ وضع
اليدين حذو المنكبين، وبه أخذ الشافعي ومن تبعه، اهـ. قلت: وافق الشافعي
أحمد في هذه المسألة كما في ((المغني))، ووافق أبا حنيفة مالك كما في
(الشرح الكبير)): إذ قال: وندب وضعهما حذو أذنيه أو قربهما، اهـ. وبوّب ابن
أبي شيبة في ((مصنفه)) (١) في اليدين ((أين تكونان من الرأس؟)) وذكر فيه
الروايات والآثار المختلفة.
.--------.-
والثالث: بيان لكشف اليدين في السجود، وإليه أشار شيخنا الدهلوي في
((المصفّى)) إذ بوّب على هذين الأثرين ((باب يضع كفيه على ما يضع عليه الوجه
في السجود ويخرجهما من الكمين))، اهـ. فهذا تفسير لقوله الأول، وإليه مال
الزرقاني بظاهره، كما يظهر من ملاحظة شرحه، ويؤيده أيضاً أن ابن أبي شيبة
بوّب في ((مصنفه))(٢): ((من كان يخرج يديه إذا سجد))، وذكر فيها الآثار بمعنى
آثار «الموطأ)».
منها: عن أسامة بن زيد قال: رأيت سالماً إذا سجد أخرج يديه من
برنسه حتى يضعهما على الأرض، وعن ابن عون قال: كان محمد يباشر بكفيه
الأرض إذا سجد، وعن أبي هند قال: قال ابن عمر: إذا سجد أحدكم فليباشر
بكفيه الأرض، ويؤيده أيضاً ما في («المدونة»: قال مالك: تبدي المرأة كفيها
في السجود حتى تضعهما على ما تضع عليه جبهتها .
وهذه المسألة أي كشف اليدين في السجود أيضاً مختلفة بين الأئمة، قال
(١) (٢٩١/١).
(٢) (٢٩٨/١).
٣٦٤
----
----
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٠) باب
الشعراني: ومن ذلك قول أبي حنيفة وأحمد والشافعي في أصح القولين: إنه
لا يجب كشف اليدين مع قول مالك والشافعي في أحد القولين إنه يجب، اهـ.
قلت: اختلاف الشافعية في ذلك مشهور في الشروح والكتب، لكن قول
المالكية بالوجوب لم أجده في فروعهم، بل ما سيأتي من الزرقاني في شرح
الحديث، من قوله: تحصيلاً للأفضل يأباه، نعم يؤيده ما سيأتي من كلام
ابن رشد في آخر البحث.
قلت: وهاهنا احتمال رابع يظهر من ملاحظة اللفظ ظاهراً، لكن لم أره
في كتب الفروع، وهو أن غرض الإمام بيان اشتراك موضع الوجه واليدين إن
كان أرضاً أو ثوباً أو غير ذلك ولا يكون أن يسجد على الثوب ويضع يديه على
الأرض أو عكس ذلك، ولم أر التعرض له في كتب الفروع، لكن يؤيده كلام
((المدونة))(١) إذ قال: قال مالك: أرى أن لا يضع الرجل كفيه إلا على الذي
يضع عليه جبهته، قال: وإن كان حراً أو برداً فلا بأس بأن يبسط ثوباً يسجد
عليه، ويجعل كفيه عليه، قال: وبلغني أن عمر بن الخطاب وابن عمر كانا
يفعلان ذلك، قال مالك: تبدي المرأة كفيها في السجود حتى تضعهما على
ما تضع عليه جبهتها .
قال: وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس، وبسط الشعر
والثياب والأدم، وكان يقول: لا بأس أن يقوم عليها ويركع عليها ويقعد عليها،
ولا يسجد عليها، ولا يضع كفيه عليها، وكان لا يرى بأساً بالحصر وما أشبهها
مما تنبت الأرض أن يسجد عليها وأن يضع كفيه عليها، قال: وبلغني أن
عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر كانا يسجدان على الثوب من الحر والبرد،
ويضعان أيديهما عليه، وقال مالك: لا بأس بالرجل يقوم في الصلاة على
(١) (٧٦/١).
٣٦٥
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٠) باب
(٣٧٦) حدیث
٥٩/٣٧٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ
بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سَجَدَ، وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي يَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ.
قَالَ نَافِعٌ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي يَوْمِ شَدِيدِ الْبَرْدِ، وَإِنَّهُ لَيُخْرِجُ كَفَّيْهِ
مِنْ تَحْتِ بُرْنُسٍ لَهُ،
أحلاس الدواب، ويركع عليها ويسجد على الأرض، ويقوم على الثياب
والبسط وما أشبه ذلك، ويسجد على الخمرة والحصيرة وما أشبه ذلك، ويضع
يديه على الذي يضع عليه جبهته، اهـ. فهذه الأقوال كلها صريحة في اشتراك
موضع السجود والیدین .
قال ابن رشد في ((البداية))(١): واختلفوا أيضاً هل من شرط السجود أن
تكون يد الساجد بارزة وموضوعة على الذي يوضع عليه الوجه أم ليس ذلك من
شرطه؟ فقال مالك: ذلك من شرط السجود، أحسبه شرط تمامه، وقالت
جماعة: ليست ذلك من شرط السجود، اهـ. قلت: وهذا الاحتمال الرابع
أقرب عندي، لكن يبعده أنه لم يتعرض له أهل الفروع من المالكية، ولا شراح
((الموطأ)»، والله أعلم وعلمه أتم.
-- -
٥٩/٣٧٦ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان
إذا سجد وضع كفيه على) الموضع (الذي يضع عليه وجهه) وفي النسخ
المصرية: جبهته والمؤدى واحد، قال الزرقاني(٢): لأنه السنة، ولأن اليدين
مما يرفع ويوضع في السجود، كالوجه بخلاف سائر الأعضاء. قال ابن
عبد البر: وهذا مستحب عند العلماء، اهـ. هذا وقد عرفت أن الراجح عندي
ما تقدم من الاحتمال الرابع.
i
(قال نافع: ولقد رأيته) أي ابن عمر (في يوم شديد البرد وإنه ليخرج) بضم
الياء (كفيه من تحت برنس له) والبرنس هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من
(١) (١٣٩/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٩/١).
٣٦٦
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٠) باب
(٣٧٧) حديث
حَتَّى يَضَعَهُمَا عَلَى الْحَصْبَاءِ.
٦٠/٣٧٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالأَرْضِ، فَلْيَضَّعْ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي
يَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ،
دراعة أو جبة أو غيرهما، قال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك
يلبسونها في صدر الإسلام من البرس بكسر باء القطن كذا في ((المجمع)) (حتى
يضعهما) أي اليدين (على الحصباء) أي موضع السجود. وقال الزرقاني(١):
تحصيلاً للأفضل، وكان سالم وقتادة وغيرهما يباشرون بأكفهم الأرض، وأمر
بذلك عمر، وكان جماعة من التابعين يسجدون وأيديهم في ثيابهم، اهـ.
قال الإمام محمد في ((موطئه))(٢) بعد ذكر هذا الأثر: أما من أصابه برد
يؤذي، وجعل يديه على الأرض من تحت كساء أو ثوب، فلا بأس بذلك، اهـ.
قال ابن قدامة(٣): ولا تجب مباشرة المصلي بشيء من هذه الأعضاء،
قال القاضي: إذا سجد على كور العمامة أو كمه أو ذيله فالصلاة صحيحة،
رواية واحدة، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، وممن رخص في السجود على
الثوب في الحر والبرد عطاء وطاووس والنخعي والشعبي والأوزاعي
وإسحاق، اهـ.
قلت: واختلف نقلة المذاهب في بيان مذهب الإمام الشافعي في ذلك،
وهو مبني على اختلاف الروايات عنه.
٦٠/٣٧٧ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان
يقول: من وضع جبهته) في السجود (بالأرض فليضع كفيه) أيضاً (على)
الموضع (الذي يضع عليه جبهته) لأنه مرغب فيه كما تقدم على رأي الزرقاني،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٩/١).
(٢) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٧٩/١).
(٣) («المغني)) (٢/ ١٩٧).
٣٦٧
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٠) باب
(٣٧٧) حديث
ثُمَّ إِذَا رَفَعَ، فَلْيَرْفَعْهُمَا، فَإِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ.
وشرط على رأي ابن رشد. (ثم إذا رفع) رأسه من السجدة (فليرفعهما) أي
اليدين أيضاً (فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه) هذا تعليل للأمر بوضع
اليدين على الأرض على ما قاله الزرقاني (١).
والأوجه عندي أنه تعليل لكلا الأمرين، وإشارة إلى أن سجدة الوجه كما
لا بد لها من رفع الرأس، كذلك سجدة اليدين لا بد لها من رفعهما، والمسألة
مختلفة فيما بين المالكية، فيمن لم يرفع يديه عن الأرض بين السجدتين، هل
تصح صلاته أم لا؟ ذكر الدسوقي فيه القولين عن سحنون، في قول: يبطل
صلاة من لم يرفعهما عن الأرض، قال الزرقاني: لأن رفعهما فرض عند
الجميع، إذ لا يعتدل من لم يرفعهما، انتهى.
قلت: النسبة إلى الجميع مشكل، سيما إذ خالف فيه المالكية بأنفسهم،
وفرضية رفع اليدين عن الأرض لم يذكرها أحد من أصحاب الفروع، بل
ملاحظة كتب الفروع من الأئمة الأربعة لا توجب أكثر من الكراهة، سيما عند
المالكية قال في ((الشرح الكبير)): والمعتمد صحة صلاة من لم يرفع يديه عن
الأرض حال الجلوس بين السجدتين، حيث اعتدل، انتهى. فقول الزرقاني
وهو صاحب ((المذهب)): لم أتحصله بعد، إلا أن يقال: إنه مبني على أحد
القولين، وهو المعتمد عنده، وأما غير المالكية فلم يذكر أحد منهم رفع اليدين
عن الأرض بين السجدتين من الأركان أو الواجبات بل عَدُّوه من السنن.
فغرض المصنف إن كان بيان إيجاب الرفع فهو تأييد لأحد قولي المالكية
خلافاً للجمهور، وإن كان بيان سنيته على ما هو المعتمد عندهم فهو موافق
للجمهور.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٠/١).
٣٦٨
----
- . .
------
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٢١) باب الالتفات والتصفيق في الصلاة عند الحاجة
(٢١) الالتفات والتصفيق في الصلاة عند الحاجة
قال المجد: التصفيق: الضرب بباطن الراحة على الأخرى، وفي
((المجمع)): هو ضرب إحدى اليدين على الأخرى، كذا في ((البذل))، ثم هو
والتصفيح بمعنى واحد، جزم به الخطابي وأبو علي القالي والجوهري وغيرهم،
وادّعى ابن حزم نفي الخلاف في ذلك، وتعقب بما حكاه عياض في
((الإكمال))، أنه بالحاء ضرب ظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف ضرب
باطنها على باطن الأخرى، وقيل: بالحاء الضرب بأصبعين للإنذار والتنبيه،
وبالقاف لجميعها للهو ولعب، قاله الزرقاني(١).
قال في ((الاستذكار)): الالتفات مكروه عند جميع العلماء إذا رمى ببصره
وصغر عينيه يميناً وشمالاً(٢)، انتهى. قلت: وهذا إذا لم يحتج إليه، قال
الزرقاني: وهو مكروه بإجماع، والجمهور على أنها للتنزيه، وقال أهل الظاهر:
يحرم إلا لضرورة.
وقال الشيخ في ((البذل))(٣): الالتفات في الصلاة على ثلاثة أوجه: أولها
بطرف العين، فلا بأس به، والثاني بطرف الوجه، فهو مكروه، والثالث بحيث
تحول صدره عن القبلة، فصلاته باطلة بالاتفاق، انتهى بتغير.
قلت: وهذا التفصيل هو الوجه، وما يظهر من الاختلاط في كلام نقلة
المذاهب فهو مبني على الاختلاف في المراد من الالتفات من أنواعه.
قال الحازمي: قال بعض أهل العلم: لا بأس بالالتفات في الصلاة ما
لم يلوِ عنقه، وإليه ذهب عطاء ومالك وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وأهل
(١) (٣٣٢/١).
(٢) هكذا في الأصل وفي ((الاستذكار)) (٢٤٣/٦) وصَعَّدَ عنقه يميناً أو شمالاً.
(٣) (١٨٢/٥).
٣٦٩
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
الكوفة، كذا في ((النيل))(١) وهذا هو النوع الأول، وبسط هذا التفصيل أهل
الفروع من الحنفية سيما ابن نجيم في ((البحر)) إذ قال: ثم المذكور في عامة
الكتب أن الالتفات المكروه هو تحويل الوجه عن القبلة، وممن صرح به
صاحب (البدائع)) و((النهاية)) و((الغاية)) و((التبيين)) و(فتح القدير)) وغيرها وقيده
في ((الغاية)) بأن يكون لغير عذر، أما تحويل الوجه لعذر فغير مكروه، وينبغي
أن تكون تحريمية كما هو ظاهر الأحاديث، وإنما كره لغير عذر؛ لأنه انحراف
عن القبلة ببعض بدنه، ولو انحرف بجميع بدنه فسدت، وقد صرحوا بأن
التفات البصر يمنة ويسرة من غير تحويل الوجه أصلاً غير مكروه مطلقاً؛
والأولى تركه لغير حاجة، والظاهر أن فعله وله إياه كان لحاجة تفقد حال
المقتدين مع ما فيه من بيان الجواز، اهـ.
وفي مفسدات ((الدر المختار))(٢): تحويل صدره عن القبلة بغير عذر؛ هذا
كله عندنا الحنفية، وأما عند المالكية ففي ((الشرح الكبير)): وكره التفات يميناً
أو شمالاً، ولو بجميع جسده حيث بقيت رجلاه للقبلة بلا حاجة، وإلا فلا
كراهة، اهـ. قال الدسوقي: والالتفات بالخد أخف من ليّ العنق، وليّ العنق
أخف من ليّ الصدر؛ وهو أخف من ليّ البدن كله، انتهى مختصراً.
وفي مكروهات ((نيل المآرب)) (٣) من فقه الحنابلة: التفاته في الصلاة
ومحل الكراهة إذا كان الالتفات بلا حاجة كخوف ومرض، والمراد بالالتفات
الذي يكره ولا تبطل به الصلاة إذا لم يستدبر بجملته ويستدبر القبلة، وقال:
يبطل الصلاة استدبار القبلة حيث شرط استقبالها، اهـ.
(١) (نيل الأوطار)) (٢/ ١٧٧).
(٢) انظر: (٤٦٨/٢).
(٣) (١٧٦/١).
٣٧٠
------
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
٦١/٣٧٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِم،
سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وست
ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ.
وقال ابن قدامة: يكره أن يلتفت في الصلاة لغير حاجة لرواية عائشة
- رضي الله عنها -: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، ولأنه يشغل
عن الصلاة، فكان تركه أولى، فإن كان لحاجة لم يكره لرواية أبي داود عن
سهل بن الحنظيلة قال: ثوب بالصلاة، فجعل رسول الله وَل يصلي وهو يلتفت
إلى الشعب، ولا تبطل الصلاة بالالتفات إلا أن يستدبر بجملته عن القبلة، اهـ.
وأما عند الشافعية ففي ((الإقناع)): يكره الالتفات في الصلاة بوجهه يمنة
أو يسرة إلا لحاجة فلا يكره، قال في ((حاشيته)): والمراد بقوله: يكره ما لم
يقصد اللعب، وإلا حرم وبطلت صلاته، وكذا لو حول صدره عن القبلة كما
في ((البرماوي))، اهـ.
٦١/٣٧٨ - (مالك، عن أبي حازم) بحاء مهملة وزاي، سلمة (بن دينار)
التمار (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين ((قسطلاني)) (الساعدي)
الأنصاري الصحابي، وفي رواية النسائي عن أبي حازم: سمعت سهلاً، قاله
الحافظ. (أن رسول الله ﴾ ذهب) في أناس من أصحابه بعد أن صلّى الظهر،
قاله القسطلاني(١) (إلى بني عمرو بن عوف) بفتح العين فيهما ابن مالك بن
الأوس، أحد قبيلتي الأنصار، وهما الأوس والخزرج، وبنو عمرو بطن كبير
من الأوس فيه عدة قبائل، كانت منازلهم بقبا، بسطهم الحافظ في ((الفتح))
(ليصلح) بضم الياء (بينهم) لأن رجلين منهم تشاجرا كما في رواية المسعودي،
وللنسائي بطريق سفيان عن أبي حازم، وقع بين حيين من الأنصار كلام،
وللبخاري من رواية محمد بن جعفر عن أبي حازم: أن أهل قبا اقتتلوا حتى
(١) انظر: ((المنتقى)) (٢٨٨/١) و((شرح الزرقاني)) (٣٢٠/١).
٣٧١
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي
لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ.
تراموا بالحجارة، وفي رواية له: فخرج في أناس من أصحابه، وسمى الطبراني
منهم أبياً وسهل بن بيضاء.
قال الباجي (١): فيه إصلاح الإمام والحاكم بين الناس، وأن يذهبا
بأنفسهما فيما احتاجا إلى مشاهدته من القضايا؛ وقال غيره: وفيه تقديم مثل
ذلك على مصلحة الإمام بنفسه، واستنبط منه توجه الحاكم لسماع دعوى بعض
الخصوم إذا رجح ذلك على استحضارهم.
(وحانت الصلاة) وللطبراني أن الخبر جاء بذلك، وقد أذن بلال الظهر،
وللبخاري بطريق حماد بن زيد عن أبي حازم: أنه ذهب إليهم بعد أن صلى
الظهر، فالمراد بالصلاة في حديث الباب: العصر، ويؤيده ما سيأتي (فجاء
المؤذن) وهو بلال كما سيأتي (إلى أبي بكر) الصديق، ولأحمد وأبي داود
وابن حبان بطريق حماد: قال ◌َ* لبلال: ((إن حضرت العصر ولم آتك فمُرْ
أبا بكر فليصلِّ بالناس)) الحديث، وفيه: أن المؤذن يأتي الإمام ليعلمه بحضور
الجماعة (فقال) بلال لأبي بكر - رضي الله عنهما - (أتصلي) بهمزة الاستفهام
(للناس) استفهمه، لأن في الوقت سعة، فهل يبادر إلى الصلاة أو ينتظر
النبي ◌ّ﴾؟ وفيه عرض على الأفضل في غيبة الإمام أن ينوب عنه (فأقيم)
بالنصب على جواب الاستفهام، ويجوز الرفع على أنه خبر لمحذوف أي فأنا
أقيم (فقال) أبو بكر - رضي الله عنه - (نعم) ظناً منه - رضي الله عنه - أنه وَّ
يصلي في بني عوف وعلماً لأنه وَّ قد أمره أن يصلي، قال النووي: فيه أن
الإمام إذا تأخر عن الصلاة تقدم غيره إذا لم يخف فتنة وإنكاراً من الإمام،
انتھی .
(فصلى أبو بكر) أي شرع الصلاة، ولفظ أحمد في ((مسنده)): ثم أقام
(١) انظر: ((المنتقى)) (٢٨٨/١) و((شرح الزرقاني)) (٣٢٠/١).
٣٧٢
- .
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهَ، وَالنَّاسُ فِي الصَّلاةِ، فَتَخَلْصَ حَتَّى وَقَفَ فِي
الصَّفِّ،
فأمر أبا بكر فتقدم، فلما تقدم جاء رسول الله وَّر، وللبخاري برواية عبد العزيز:
وتقدم أبو بكر فكبر، وللطبراني: فاستفتح أبو بكر الصلاة، وظاهر هذه الألفاظ
أن الصديق - رضي الله عنه - كان في الركعة الأولى.
قال الحافظ: وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين حيث امتنع أبو بكر
- رضي الله عنه - هاهنا أن يستمر إماماً واستمر في مرض موته وقَّ حين صلى
خلفه الركعة الثانية من الصبح، فكأنه لما أن مضى معظم الصلاة حسن
الاستمرار، ولما لم يمض منه إلا اليسير لم يستمر، وكذا وقع لعبد الرحمن بن
عوف حيث صلى النبي ◌ّ خلفه الركعة الثانية من الصبح فاستمر في صلاته
لهذا المعنى، قاله الزرقاني(١). وتقدم في قصة إمامة عبد الرحمن: أن الشيخ
لم يرتض بهذا التوجيه (فجاء) أي رجع (رسول الله (آل﴾) من القبا (والناس)
جملة حالية أي دخلوا (في الصلاة) مع الصديق - رضي الله عنه - (فتخلص) قال
الكرماني: أي صار خالصاً من الاشتغال، قال العيني(٢): ليس هذا المراد
هاهنا بل معناه فتخلص من شق الصفوف حتى وقف في الصف الأول (حتى
وقف في الصف) الأول، وفي رواية للبخاري: فمال النبي ◌ُّل يمشي في
الصفوف يشقها شقاً حتى قام في الصف الأول، ولمسلم: فخرق الصفوف حتى
قام عند الصف المقدم.
قال ابن رسلان: فيه جواز خرق الإمام الصفوف ليصل إلى موضعه إذا
احتاج إلى خرقها لخروجه لطهارة أو نحوها، انتهى. ولا يشكل هذا بالنهي عن
تخطي الرقاب لما قاله المهلب من أن التخطي فيه الأذى بخلاف شق
الصفوف .
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٣٠/١ - ٣٣١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٩٢/٤).
٣٧٣
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لا يَلْتَفِتُ فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ
مِنَ التَّصْفِيقِ،
والأوجه عندي أن يقال: إنه 18َّ كان له أن يتقدم لما في تأخره من
التشويش على المصلين حتى ما اختاروا من تقديم الصديق - رضي الله عنه -
وأكثروا في التصفيق، فلو قام النبي ◌َّ في الصف المؤخر كان احتمال
التشويش على من تقدمه من المصلين أكثر، سيما وقد قال عز اسمه: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾(١) الآية. وقال القسطلاني(٢): تخلص
من شق الصفوف حتى وقف في الصف الأول وهو جائز للإمام مكروه لغيره،
انتهى. (فَصَفَّقَ الناس) وفي رواية للبخاري: فأخذ الناس في التصفيح وهما
بمعنى، قال سهل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق، وبه جزم الخطابي
وأبو علي القالي والجوهري وغيرهم، وادّعى ابن حزم نفي الخلاف في ذلك
كما تقدم مبسوطاً، وأغرب الداودي فزعم أن الصحابة ضربوا بأكفهم على
أفخاذهم، قال عياض: كأنه أخذه من حديث معاوية بن الحكم عند مسلم
وغيره، وفيه: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، قاله الزرقاني. وهكذا
ذكر في ((إكمال المسلم))(٣) احتمالاً، لكن لفظ التصفيق والتصفيح معناهما
ضرب الأيدي بعضهم ببعض، وفيه دليل على عدم جواز الكلام لإصلاح الناس
فإنه لو كان جائزاً لما احتاجوا إلى ذلك سيما إكثار التصفيق.
(وكان أبو بكر) - رضي الله عنه - لكمال خشوعه واستغراقه في المناجاة
بربه (لا يلتفت في صلاته) وذلك لما تقدم أن الالتفات في الصلاة اختلاس من
الشيطان .
(فلما أكثر الناس من التصفيق) قال الباجي: يريد أنه صفّق منهم العدد
(١) سورة الحجرات: الآية ١.
(٢) ((إرشاد الساري)) (٢/ ٣٧٠).
(٣) (١٧٧/٢).
٣٧٤
-
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ مَ﴿ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ أَنِ
امْكُتْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ مِنْ ذَلِكَ،
الكثير، لا أن كل واحد منهم أكثر التصفيق (التفت) أبو بكر - رضي الله عنه -،
قال ابن رسلان: وفي رواية النسائي: فلما أكثروا علم أنه قد نابهم شيء في
صلاتهم فالتفت، فإذا برسول الله وَلل، انتهى. قال الباجي: فيه أن الالتفات لا
يبطل الصلاة لأنه فعله بحضرته ◌َّله ولم ينكر عليه ولا خلاف في ذلك، انتهى.
ومثله في (الاستذكار)) (١)، وتقدم المذاهب مبسوطاً.
(فرأى) أبو بكر - رضي الله عنه - (رسول الله) على المفعولية (ج ليا) فهمَّ
بالرجوع ليلحق بالصف (فأشار إليه) أي إلى أبي بكر - رضي الله عنه -
(رسول الله) على الفاعلية ({184) فيه جواز الإشارة في الصلاة، وقد روى
عبد الرزاق عن أنس وابن عمر: أن النبي ◌ّ كان يشير في الصلاة (أن امكث)
لفظة أن مفسرة، وقال العيني: مصدرية، وامكث أمر من المكث، والجملة
مفعول لأشار (مكانك) بنصب النون على المفعولية أي أشار بالمكث في
مكانه .
(فرفع أبو بكر) - رضي الله عنه - (يديه) بالتثنية، وفيه: أن من آداب
الدعاء رفع اليدين (فحمد الله) عزّ وجلّ، وفيه استحباب حمده تعالى لمن
تجددت عليه نعمة (على ما أمره به رسول الله ﴿ل﴾ من ذلك) لما فيه من الوجاهة
الدينية، قال الباجي(٢): ويحتمل أنه - رضي الله عنه - حمده على أن لم يكن
أخطأ في تقدمه بالناس في موضع لا يأمن فيه ورود النبي ◌َّ، انتهى.
قال ابن الجوزي: أشار أبو بكر - رضي الله عنه - بالشكر والحمد بيده
(١) انظر: (٢٣٦/٦).
(٢) («المنتقى)) (٢٨٩/١).
٣٧٥
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
ولم يتكلم، ويؤيده رواية أحمد بطريق عبد العزيز بلفظ: يا أبا بكر لم رفعتَ
يديك، وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟ قال: رفعت يدي لأني حمدت
الله على ما رأيت منك، الحديث.
قال العيني(١): في الحديث جواز التسبيح، والحمد في الصلاة، لأنه من
ذكر الله تعالى، أما إذا قال: الحمد لله وأراد به الجواب اختلف المشايخ في
فساد صلاته. وفي ((المحيط)): لو حمد الله العاطس في نفسه ولا يحرك لسانه
عن أبي حنيفة لا تفسد، وفي ((فتاوى العتابي)): لو قال السامع: الحمد على
رجاء الثواب من غير إرادة الجواب لا تفسد.
قال السفاقسي: قال مالك: من أخبر في صلاته بسرور فحمد الله تعالى
لا تضر صلاته، وقال ابن القاسم: من أخبر بمصيبة فاسترجع أو أخبر بشيء
فقال: الحمد لله على كل حال أو قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
لا يعجبني وصلاته مجزية، قال أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة،
انتھی .
قلت: وسيأتي أنه يبطل عند الشافعية أيضاً. وقال العيني أيضاً في موضع
آخر: قال صاحب ((التوضيح)) في الحديث: إن التسبيح جائز للرجال والنساء
عندما ينزل بهم حاجة، وبهذا قال مالك والشافعي: إن من سبّح في صلاته
لشيء ينوبه أو أشار إلى إنسان، فإنه لا يقطع صلاته، وخالف في ذلك
أبو حنيفة، قال العيني: لا نسلم أن أبا حنيفة خالف، فإنه هو الذي خالف فإن
مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه إذا سبح أو حمد جواباً لإنسان فإنه
يقطع لأنه يكون كلاماً، وأما إذا وقع شيء من ذلك لغير جواب فلا يضر ذلك،
ثم إنهم فهموا أن حمد أبي بكر - رضي الله عنه - وهو في الصلاة إنما كان
(١) ((عمدة القاري)) (٢٩٤/٤).
٣٧٦
-..
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
ثُمَّ اسْتَأْخَرَ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَنَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ، فَصَلَّى،
لأمر نابه، وليس كذلك فإنه حمد الله على ما أمر به رسول الله وَّل على أن
ابن الجوزي ادَّعى أنه أشار بالشكر والحمد بيده ولم يتكلم.
(ثم استأخر) أي تأخر أبو بكر - رضي الله عنه - من غير استدبار للقبلة،
قال ابن رسلان: ولفظ النسائي ((ثم رجع القهقرى)) قلت: وفي رواية لمسلم:
((ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف)) (حتى استوى في الصف) الذي يليه
(وتقدم رسول الله (ّلل فصلى) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١): أما تأخر
أبي بكر وتقدم النبي ◌َّ إلى مكانه، فهو موضع خصوص عند أكثر العلماء،
كلهم لا يجيزون إمامين في صلاة واحدة من غير عذر حَدَثَ يقطع صلاة الإمام
ويوجب الاستخلاف، وفي إجماعهم على هذا دليل على خصوص هذا الموضع
لفضل رسول الله وَ﴾، وأنه لا نظير له، اهـ.
قال الحافظ (٢): ونوقض دعوى الإجماع بأن الخلاف ثابت، فالصحيح
المشهور عند الشافعية الجواز، اهـ
وقال النووي: استدل به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يحرم
بالصلاة بعده، فإن الصديق - رضي الله عنه - أحرم بالصلاة أولاً، ثم اقتدى
بالنبي ◌َّ حين أحرم بعده، هذا هو الصحيح في مذهبنا، اهـ.
قال الزرقاني(٣): ما في (فتح الباري)) تحاملٌ، فإن ابن عبد البر لم يَدَّع
ذلك ولم يُطْلِقِ الإجماع، إنما قال: هذا موضع خصوص عند جمهور العلماء،
لا أعلم بينهم خلافاً أن المأمومين في صلاة واحدة من غير عذر حدث يقطع
صلاة الإمام ويوجب استخلافه إلخ.
(١) (٢٣٨/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (١٦٩/٢).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٣٢/١).
٣٧٧
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
قلت: والأصل أن الأئمة اختلفت ههنا في عدة مسائل فرعية متقاربة
المعنى، منها: جواز الاستخلاف، قال العيني(١): في الحديث دليل على جواز
الاستخلاف إذا أصاب الإمام ما يوجب ذلك، وهو قول أبي حنيفة ومالك،
وأحد قولي الشافعي، وهو قول عمر وعلي والحسن وعلقمة وعطاء والنخعي
والثوري، وعن الشافعي وأهل الظاهر لا يستخلف، اهـ.
ومنها: لو تخلف إمام الحي عن الصلاة لعذر، وصلى غيره وحضر إمام
الحي في أثناء الصلاة فبنى على صلاة خليفته، قال ابن قدامة: في ذلك
وجهان: أحدهما: يجوز لأن النبي وَيّ فعله، فيجوز لغيره أن يفعل مثل فعله،
والثاني: لا يجوز لاحتمال أن يكون ذلك خاصاً للنبي وَّ، لعدم مساواة غيره
له في الفضل، اهـ.
-- --
:
والجملة أن محمل الحديث مختلف عند الأئمة حسب ما تحقق عندهم
من شروط جواز الاستخلاف، وتقدم أن معظم المالكية على اختصاصه
بالنبي ◌ّة، وإليه أشار الأبي في ((الإكمال))(٢). إذ قال في قصة إمامة أبي بكر
الصديق - رضي الله عنه - في مرض وفاته ول9: وفي الحديث صحة الائتمام
بالمأموم، وعندنا فيه قولان، وفيه أيضاً إيقاع صلاة إمام بعد إمام لعذر، وهو
أصل الاستخلاف، وأما لغير عذر فمنعه الجمهور. وأجازه البخاري والطبري
لهذا الحديث، ولا يصح التمسك به، لأنه لعذر أن لا يتقدم أحد بين يدي
رسول الله ◌َّيّة، ووقع لابن القاسم في إمام أحدث فاستخلف أنه إذا رجع يتأخر
له ويتقدم، فيتم بهم وكأنه أخذ بظاهر هذا الحديث، وهو خارج عن
أصولنا، اهـ.
(١) ((عمدة القاري)) (٢٩٥/٤).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (١٧٢/٢).
٣٧٨
---
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
وزاد السنوسي في ((المكمل)) بعد نقل هذا القول، قلت: وتقدم أن ذلك
خاص به ◌َّ لمنع التقدم بين يديه، اهـ.
وقال الأبي(١) أيضاً في قصة بني عمرو بن عوف: قوله: فتأخّر أبو بكر،
احتج به من شيوخنا من أجاز للإمام أن يتأخر من غير عذر ويتقدم غيره، ومنع
ذلك غيره، ورأى الحديث خاصاً به وهل﴾، أو أن تأخر أبي بكر - رضي الله عنه -
إنما كان لعذر أن لا يتقدم بين يدي رسول الله و183، وأما لعذر فجائز، وهو
أصل الاستخلاف، اهـ.
قال الزرقاني: وممن قال بالخصوصية يحيى بن عمر، وقال الباجي: إنه
الأظهر، اهـ.
قلت: وللحنفية في محمل الحديث مسلكان: أحدهما: هو ذاك المذكور
المختار للمالكية، قال في ((البدائع)): وإنما تأخر أبو بكر - رضي الله عنه - لأنه
عجز عن المضي، لكون المضي من باب التقدم على رسول الله وح له، وقال
الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ»﴾(٢) الآية، فصار هذا
أصلاً في حق كل إمام عجز عن الإتمام أن يتأخر ويستخلف غيره، أهـ.
والمسلك الثاني: ما في ((البدائع)) (٣) أيضاً: ولو حصر الإمام عن القراءة
فاسخلف غيره جاز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا يجوز،
وتفسد صلاتهم، وجه قولهما أن جواز الاستخلاف حكم ثبت على خلاف
القياس بالنص، وأنه ورد في الحديث الذي هو غالب الوقوع، والحصر بالقراءة
ليس نظيره، فالنص الوارد ثمة لا يكون وارداً هاهنا، وصار كالإغماء،
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (١٧٦/٢).
(٢) سورة الحجرات: الآية ٤١.
(٣) (بدائع الصنائع)) (٥٢٦/١).
٣٧٩
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢١) باب
(٣٧٨) حديث
ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْر، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟))
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ، أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ،
ولأبي حنيفة: أنا جَوَّزنا الاستخلاف هاهنا بالنص الخاص، لا بالاستدلال،
وهو حديث أبي بكر - رضي الله عنه -: أنه كان يصلي بالناس بجماعة،
بأمره وَّ في مرضه الذي مات فيه، فوجد خِفَّةً فحضر المسجد، فلما أحس
الصديق برسول الله ور حصر في القراءة، فتأخر، وأتم النبي وَلّ الصلاة، اهـ.
قلت: ولا يبعد عندي أن يكون هذان المسلكان للحديثين المختلفين،
فالأول: وقع في قصة عمرو بن عوف، وفهم الصديق - رضي الله عنه - أنه
داخل في مفهوم الآية، ولذاك اعتذر بقوله: ((ما لابن أبي قحافة أن يتقدم بين
يدي رسول الله (ّل)، والثاني: وقع في قصة المرض كما هو ظاهر، ولعل وجه
الحصر شدة السرور بصحته * عن المرض، كما أفاده عند الدرس أبي
وشیخي - نور الله مرقده - والله أعلم.
(ثم انصرف) رسول الله وسلّم من الصلاة، ولفظ البخاري: فلما انصرف
(فقال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت) على إمامتك (إذ أمرتك؟) فيه أن الأمر قد
يتحقق بالإشارة أيضاً (فقال أبو بكر: ما) نافية (كان) ينبغي (لابن أبي قحافة)
بضم القاف وخفة الحاء المهملة وبعد الألف فاء، عثمان بن عامر، والد
أبي بكر أسلم في الفتح وتوفي سنة ١٤ هـ في خلافة عمر - رضي الله عنه -
وعبَّر بذلك بدون أن يقول: ((ما كان لي)) ونحوه تحقيراً لنفسه واستصغاراً
لمرتبته (أن يصلي بين يدي) سيد ولد آدم (رسول الله وَّية) وقدامه.
قال النووي(١): فيه: أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه إكرامه
بذلك الشيء لا تحتم الفعل، فله أن يتركه، ولا يكون هذا مخالفة للأمر. بل
يكون أدباً وتواضعاً وتحذقاً في فهم المقاصد، اهـ.
(١) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (١٤٥/٤).
٣٨٠