Indexed OCR Text
Pages 301-320
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب ( ٣٦٣) حديث ٤٦/٣٦٣ - حَدَّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمَ بْنِ أَبِي الْمَخَارِقِ الْبَصَرِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: مِن كَلامِ النُبُوَّةِ: الأول: في أصل الوضع، فعندنا يضع، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل العلم، وهو قول علي وأبي هريرة والنخعي والثوري، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي مجلز وأبي ثور وأبي عبيد وابن جرير وداود، وهو قول أبي بكر، وعائشة، وجمهور العلماء، اهـ. قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١): وهو عند جمیعهم حسن، وليس بواجب، ومنهم من قال: إنه سنة مسنونة، واختلفوا، فقال بعضهم: عند الصدر، وقال بعضهم: عند السُرَّة، اهـ. والثاني: مختار الحنفية كما سيأتي في آخر الباب. ٤٦/٣٦٣ - (مالك، عن عبد الكريم بن أبي المخارق) بضم الميم وخفة خاء معجمة أبو أمية (البصري) قال الزرقاني عن ((التمهيد)) (٢): روى عنه من المرفوع في ((الموطأ)» هذا الحديث الواحد، وفيه ثلاثة أحاديث مرسلة يتصل من غير روايته من وجوه صحاح، ولم يروٍ عنه حكماً، إنما روى عنه ترغيباً وفضلاً، اهـ. قلت: تقدم الكلام على ترجمته في الجزء الأول، وما في ((التمهيد)) وتبعه الزرقاني فيه أن حديث الباب أيضاً مرسل، فتأمل. (أنه قال من كلام النبوة) أي مما اتفق عليه شرائع الأنبياء، ويؤيده ما سيأتي من رواية ربعي من كلام النبوة الأولى، قال العيني: أي مما ندب إليه الأنبياء، ولم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم، لأنه أمر أطبقت عليه العقول، اهـ. (١) (١٩٦/٦). (٢) انظر: التمهيد (٦٥/٢٠ - ٦٦)، وذكره الذهبي في («الميزان)) (٦٤٦/٢) فقال: أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم متابعة. ٣٠١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٣) حديث ((إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ))، وقال أيضاً: يعني أن الحياء لم يزل مستحسناً في شرائع الأنبياء السالفة، وأنه باقٍ لم ينسخ، فالأولون والآخرون في استحسانه على منهاج واحد، اهـ. (إذا لم تستحي فاصنع) وفي النسخ المصرية من ((التنوير)) والزرقاني فافعل (ما شئت) قال ابن عبد البر: لفظه أمر، ومعناه الخبر، بأن من لم يكن له حياء يحجزه عن محارم الله، فسواء عليه فعل الصغائر والكبائر، ومنه حديث المغيرة مرفوعاً: ((من باع الخمر فليستفض(١) الخنازير))، وقال أبو دلف(٢): إذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً وتَسْتَحِ مخلوقاً فما شئتَ فاصنع وقيل: معناه: إذا كان الفعل مما لا يستحيا منه شرعاً فافعله، ولا عليك من الناس، قال: وهذا تأويل ضعيف، والأول هو المعروف عند العلماء، وأخرج البخاري(٣) وأبو داود وابن ماجه وابن أبي شيبة المعنى من طريق منصور عن ربعي بن حراش عن أبي مسعود البدري: أن رسول الله وَّه قال: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تسْتَح فاصنع ما شئت)). قال العيني(٤): وفيه - يعني معنى الحديث - أوجه؛ أحدها: إذا لم تستح من العتب ولم تخش العار فافعل ما تحدثك به نفسُك، حسناً كان أو قبيحاً، ولفظه أمر، ومعناه توبيخ. الثاني: أن يحمل الأمر على بابه تقول: إذا كنت آمناً في فعلك أن تستحي منه لجريك فيه على الصواب، وليس من الأفعال التي يستحى منها، فاصنع ما شئت. الثالث: معناه الوعيد، أي افعل ما شئت (١) فليستفض: معناه فليستحل أكلها، وفي ((الاستذكار)) (١٩١/٦) فَلْيُشَقِّص. (٢) انظر ترجمته في: ((مروج الذهب)) (٥/٤، ٦٢)، و((وفيات الأعيان)) (٧٣/٤ - ٧٩)، هو أبو دُلف: القاسم بن عيسى العِجلي. (٣) أخرجه البخاري (٣٤٨٣ - ٦١٣٠)، وأبو داود (٤٧٩٧)، وابن ماجه في ((الزهد)) (٤١٨٣). (٤) ((عمدة القاري)) (٢٣٥/١١). ٣٠٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٣) حديث وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأَخْرَى فِي الصَّلاةِ (يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) تجازى به، كقوله عز وجل: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾. الرابع: لا يمنعك الحياء من فعل الخير. الخامس: هو على طريق المبالغة في الذم، أي تركك الحياء أعظم مما تفعله، اهـ. وقال الحافظ(١): هو أمر بمعنى الخبر، أو هو للتهديد أي اصنع ما شئت فإن الله يجزيك، أو معناه انظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحى منه فافعله، وإن كان مما يستحى منه فدعه، أو المعنى: أنك إذا لم تستح من الله من شيء يجب أن لا تستحي منه من أمر الدين فافعله ولا تبال بالخلق، أو المراد الحث على الحياء والتنويه بفضله، أي لما لم يجز صنع جميع ما شئت لم يجز ترك الاستحياء، اهـ. (ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة) وقوله: (يضع اليمنى على اليسرى) تفسير من الإمام مالك لوضع إحداهما على الأخرى، وليس من الحديث، قاله الزرقاني(٢). قال ابن عبد البر في ((التقصي))(٣): هو أمر مجمع عليه في هيئة وضع اليدين إحداهما على الأخرى، اهـ. وأخرج ابن ماجه من حديث قبيصة بن هلب عن أبيه قال: ((كان النبي صَلى اللّه يؤمُّنا فيأخذ شماله بيمينه))، وأخرج مسلم في ((صحيحه)) (٤) عن وائل بن حجر: ((أن رسول الله ◌َّ﴾ رفع يديه))، الحديث. وفيه: ((ثم وضع يده اليمنى على اليسرى))، وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن مسعود: ((أنه (١) (فتح الباري)) (٦ /٥٢٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/١). (٣) (ص١٠٨). (٤) حديث (٨٧١). ٣٠٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٣) حديث وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ، والاسْتِينَاءُ بِالسَّحُورِ. أخرجه البخاريّ في: ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٥٤ - باب حدثنا أبو اليمان. كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي وَ لّر فوضع يده اليمنى على اليسرى))، وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((إنا معاشر الأنبياء أُمِرْنا بأن نمسك بأيماننا على شمالنا))، وفي إسناده طلحة بن عمرو متروك. وأخرج أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً نحو حديث ابن عباس، وفي إسناده النضر بن إسماعيل. قال ابن معين: ليس بشيء ضعيف، كذا في العيني(١) مختصراً. قلت: وأخرج أبو داود عن ابن الزبير يقول: ((صَفُّ القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة)). (وتعجيل الفطر والاستيناء بالسحور) قال الشيخ في ((المسؤَّى)): الاستيناء: الانتظار والتربص، اهـ. وقال المجد: الوَنَى، كَفَتى، التعب، والفترة، وامرأةٌ وانيةٌ، حليمةٌ، بطيئةُ القيام والقعود والمشي، اهـ. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس: سمعت النبي ◌َّ يقول: : ((إنا معاشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة))، وأخرج أيضاً عن أبي الدرداء وابن عبد البر عن أبي هريرة رفعاه ((ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة)) ورواه سعيد بن منصور عن عائشة، والطبراني عن يعلى بن مرة رفعه ((ثلاث يحبها الله عز وجل: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وضرب اليدين إحداهما بالأخرى في الصلاة))(٢) قاله الزرقاني، وغير ذلك ذكره الزرقاني. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٨٨/٤ - ٣٨٩). (٢) (سنن الدار قطني)) (٢٨٤/١) و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٩/٢). ٣٠٤ ..--- ۔ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٤) حديث ٤٧/٣٦٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، ◌َنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْبَدَ الْيُّمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ. ٤٧/٣٦٤ - (مالك، عن أبي حازم) بحاء مهملة وزاي سلمة (بن دينار) المدني (عن سهل) بسكون الهاء (ابن سعد) بسكون العين ابن مالك الأنصاري الخزرجي (الساعدي) الصحابي ابن الصحابي (قال: كان الناس) أي في زمان النبي ◌َّ على الظاهر (يؤمرون) قال الحافظ (١): هذا حكمه الرفع، لأنه محمول على أن الآمر لهم النبي ◌ٍَّ. قال السيوطي في ((التدريب))(٢): قول الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا وما أشبهه كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور، قال ابن الصلاح: لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، ومن يجب اتباع سنته وهو رسول الله وَل﴾، وقال غيره: لأن مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة ولا العادة، والشرع يتلقى من الكتاب والسنة والإجماع والقياس. ولا يصح أن يريد أمر الكتاب لكون ما في الكتاب مشهوراً يعرفه الناس، ولا الإجماع لأن المتكلم بهذا من أهل الإجماع، ويستحيل أمره نفسه، ولا القياس إذ لا أمر فيه، فتعين كون المراد أمر الرسول وَل، وقيل: ليس بمرفوع لاحتمال أن يكون الآمر غيره كأمر القرآن، أو الإجماع، أو بعض الخلفاء، وأجيب ببعد ذلك مع أن الأصل الأول، اهـ. (أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) وفي حديث وائل عند أبي داود والنسائي: ((ثم وضع بَّ يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ من الساعد))، وصححه ابن خزيمة وغيره، والرسغ بضم الراء وسكون (١) ((فتح الباري)) (٢٧٥/٢) برقم (٧٤٠). (٢) انظر: ((تدريب الراوي)) (٢٥٧/١ وما بعدها). ٣٠٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٤) حديث قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ يَنْمِي ذُلِكَ. أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٨٧ - باب وضع اليمنى على اليسرى . السين المهملة والغين المعجمة: المفصل بين الساعد والكف، ذكر الحلبي في (شرح المنية)) حديث سهل هذا، وحديث قبيصة بن هلب المذكور قبل بلفظ: يأخذ شماله بيمينه، وحديث وائل بلفظ: وضع يده اليمنى على اليسرى، ثم قال: السنة أن يجمع بين الوضع والقبض، جمعاً بين ما ورد في الأحاديث المذكورة إذ في بعضها: ذكر الأخذ، وفي بعضها: ذكر وضع اليد على اليد، وفي البعض: وضع اليد على الذراع، فكيفية الجمع أن يضع الكف اليمنى على الكف اليسرى، ويحلق الإبهام والخنصر على الرسغ ويبسط الأصابع الثلاث على الذراع فيصدق أنه وضع اليد على اليد، وعلى الذراع، وأنه أخذ شماله بيمينه، اهـ. وهذا جمع حسن بجميع الروايات الواردة في الباب. (قال أبو حازم: ولا أعلم إلا أنه) أي سهلاً (ينمي ذلك) بفتح الياء وسكون النون وكسر الميم، قال الجوهري: يقال: نميت الأمر أو الحديث إلى غيري إذا أسندته ورفعته إليه، كذا في ((الفتح الرحماني)) عن العيني(١)، وقال الزرقاني(٢): قال أهل اللغة: يقال: نميت الحديث: رفعته وأسندته، وصرح معن بن عيسى وعبد الله بن يوسف وابن وهب ثلاثتهم عن مالك عند الدارقطني بلفظ: يرفع ذلك، اهـ. يعني يرفعه إلى النبي ◌َّة، وقال الزرقاني تبعاً للحافظ: حكي في ((المطالع)): أن القعنبي رواه بضم أوله، من أنمى. قال: وهو غلط، ورُدَّ بأن الزجاج وابن دريد وغيرهما حكوا نميت الحديث، وأنميته، ومع ذلك فالذي ضبطناه في البخاري عن القعنبي بفتح أوله من الثلاثي، فلعل الضم رواية القعنبي في ((الموطأ))، اهـ. (١) ((عمدة القاري)) (٣٨٨/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/١). ٣٠٦ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٤) حديث قلت: وهذا الاختلاف غير الاختلاف الذي أشار إليه البخاري في لفظ الحديث إذ قال: وقال إسماعيل: يُنْمَى ذلك ولم يقل: ينمي، قال الحافظ(١): الأول بضم أوله وفتح الميم بلفظ المجهول، والثاني وهو المنفي كرواية القعنبي، اهـ. ثم قوله: ينميه أيضاً من ألفاظ الرفع. قال السيوطي في ((التدريب))(٢): إذا قيل في الحديث عند ذكر الصحابي يرفعه، أو رفع الحديث، أو ينميه، أو يبلغ به، أو رواية، فكل هذا وشبهه مرفوع عند أهل العلم، وإذا قيل عن التابعي يرفعه، أو سائر الألفاظ المذكورة فمرفوع مرسل، انتهى مختصراً. واعترض الداني في ((أطراف الموطأ)) فقال: هذا معلول، لأنه ظن من أبي حازم ورُدَّ بأن أبا حازم لو لم يقل: لا أعلم إلخ، لكان في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: كنا نؤمر من ألفاظ الرفع - كما تقدم - قيل: لو كان مرفوعاً ما احتاج أبو حازم إلى قوله: لا أعلم إلخ، وجوابه: أنه أراد الانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له: المرفوع، وإنما يقال له: حكم الرفع، قاله الحافظ، والزرقاني. قلت: لكن أهل الفن عدوا هذا النوع أيضاً من المرفوع حكماً، والعجب من الحافظ إذ قال في ((الفتح))(٣): إنه رفع صريحاً، وعدّه في (شرح النخبة)) من الرفع الحكمي، فقال: ويلتحق بقولي حكماً ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة، كقول التابعي عن الصحابي: يرفع الحديث، أو يرويه، أو ينميه إلخ، وكذا عدّه في شرح ((ألفية السيوطي)) من المرفوع حكماً. (١) (فتح الباري)) (٢٧٦/٢) برقم (٧٤٠). (٢) (٢٦٦/١). (٣) (٢٢٤/٢). ٣٠٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٤) حديث ثم اختلفت الأئمة في محل الوضع، واختلف نقلة المذاهب فاعتمدنا في ذلك على فروعهم، قال ابن قدامة في ((المغني)) (١): ويجعلهما تحت سرته، اختلفت الرواية في موضع وضعهما، فروي عن أحمد: أنه يضعهما تحت سرته، وروي ذلك عن علي، وأبي هريرة، وأبي مجلز، والنخعي، والثوري، وإسحاق، وعن أحمد: يضعهما فوق السرة، وهو قول سعيد بن جبير، والشافعي، وعنه: أنه مخير في ذلك لأن الجميع مروي والأمر في ذلك واسع، اهـ. وعدَّ صاحب ((نيل المآرب))(٢): من سنن الأفعال وضع اليمين على الشمال وجعلهما تحت سرته، وكذا في ((الأنوار)) و ((الروض المربع)) فعلم بذلك أن المرجح المعتمد عند الحنابلة هي رواية تحت السرة، وبه قالت الحنفية، وتقدم أن الراجح عند المالكية الإرسال، وأما على رواية الوضع فمحله تحت الصدر فوق السرة، كما في ((الشرح الكبير)). وأما عند الشافعية فذكر الأردبيلي في ((الأنوار)): من السنن أن يضع اليمنى على اليسرى بين الصدر والسرة، وكذا في ((شرح الإقناع)) وغيره من فروعهم، فالمرجح عندهم هي هذه الرواية وإلا فعن الإمام الشافعي ثلاث روايات، إحداها مثل الحنفية، والثالثة على الصدر، لكن المعتمد عندهم هي الرواية الأولى. قال في ((البدائع))(٣): أما محل الوضع فما تحت السرة في حق الرجل، والصدر في حق المرأة، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: محله الصدر في حقهما جميعاً، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾ أي (١) (١٤١/٢). (٢) (١٥٠/١). (٣) (٤٧٠/١). ٣٠٨ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٤) حديث ضع اليمين على الشمال في النحر وهو الصدر، كذا روي عن علي - رضي الله عنه - في تفسير الآية (١). ولنا ما روي عن النبي ونَ﴾ ((ثلاثٌ من سنن المرسلين)) من جملتها ((وضع اليمين على الشمال تحت السرة))، وأما الآية فمعناه أي صلِّ الصلاة، وانحر الجزور وهو الصحيح من التأويل، لأنه حينئذ يكون عطف الشيء على غيره، كما هو مقتضى العطف في الأصل، ووضع اليد من أفعال الصلاة وأبعاضها، ولا مغايرة بين البعض والكل، أو يحتمل ما قلنا، فلا يكون حجة مع الاحتمال على أنه روي عن أبي هريرة وعلي أنهما قالا: السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة فلم يكن تفسير الآية عنه، انتهى. قال محمد: ينبغي إذا قام في صلاته أن يضع باطن كفه اليمنى على رسغه الأيسر تحت السرة، لحديث أبي جحيفة عن علي أنه قال: ((من السنة وضع الكف على الكف تحت السرة»، قال العيني (٢): هذا اللفظ يدخل في المرفوع عندهم، ويرمي ببصره إلى موضع سجوده، أي في حال القيام، كذا فسره الطحاوي، وهو قول أبي حنيفة. قال العيني: وعامة أهل العلم، وهو قول علي وأبي هريرة، والنخعي، والثوري. وفي ((التوضيح)): وهو قول سعيد بن جبير، وأبي عبيد، وابن جرير، وداود، وهو قول أبي بكر وعائشة، وجمهور العلماء، كذا في ((الفتح الرحماني)). وقال ابن قدامة (٣): لما روي عن علي أنه قال: ((من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة)) رواه الإمام أحمد وأبو داود، وهذا ينصرف إلى سنة النبي ◌َّر، ولأنه قول من ذكرنا من الصحابة، انتهى. (١) انظر: (تفسير ابن كثير)) (٥٥٨/٤) و((إعلاء السنن)) (١٧٣/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٨٩/٤). (٣) ((المغني)) (١٤١/٢). ٣٠٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٤) حديث قلت: قد عرفت مما سبق أن الوضع تحت السرة قول أكثر الأئمة، المؤيد باختيار أجل الصحابة، وهو قول إمام المحدثين أحمد بن حنبل، وأئمة الظاهرية: داود، وإسحاق، وغيرهما، فلم يبق الاحتياج بعد ذلك إلى سرد الأدلة، ولا إلى الجواب عما ورد من زيادة ((على الصدر)) في بعض الروايات، لأنه يكفي لشذوذها إعراض أئمة الفن عن تلك الزيادة. ونشير إلى مستدلات الجمهور مختصراً كدأبنا في هذا ((الأوجز))، منها: حديث علي المذكور، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود، وأحمد، والدارقطني، والبيهقي، قاله النيموي، ولا ينزل عن درجة الحسن كما حقق في ((إعلاء السنن))(١) لا سيما إذا سكت عليه في ((جمع الفوائد)) بعد عزوه إلى رزين، وقد جزم في مفتتح كتابه: أن ما سكت عنه صحيح، أو حسن، ومنها: حديث وائل بن حجر(٢) قال: رأيت النبي ◌َّ يضع يمينه على شماله تحت السرة، رواه ابن أبي شيبة، وإسناده صحيح، على ما قاله النيموي، وسقوط زيادة (تحت السرة)) من بعض النسخ سهواً، أو اختصاراً لا ينفي وجودها إذ ثبتت في النسخ المصححة كما بسطه الشيخ النيموي في ((آثار السنن))، والشيخ أبو الطيب في ((شرح الترمذي)). ومنها: حديث الحجاج بن حسان قال: سمعت أبا مجلز، أو سألته قال: قلت: كيف أضع؟ قال: يضع باطن كف يمينه على ظاهر كف شماله ويجعلهما أسفل من السرة، رواه أبو بكر بن أبي شيبة(٣)، وإسناده صحیح، قاله النيموي. ومنها: ما أخرجه أبو داود عن أبي وائل قال أبو هريرة: أخذ الكف على (١) (١٦٦/٢). (٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٦٧) في باب رفع اليدين في الصلاة، وباب افتتاح الصلاة. (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١/ ٤٢٧). ٣١٠ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٥) باب (٣٦٤) حديث الكف في الصلاة تحت السرة؛ وفيه: عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، ضعيف؛ لكن ضعفه قد انجبر بمتابعة الروايات المتقدمة، وقال أبو الطيب في (شرح الترمذي)) (١): وضعف عبد الرحمن لا يلزم منه ضعف الحديث عند الإمام أبي حنيفة ومالك لتقدمهما عليه، انتهى. قلت: والأقرب أن الإمام أخذه عن سيّار أبي الحكم لأنه من مشايخ أقران الإمام الثوري وشعبة وغيرهما . ومنها: ما أخرجه ابن حزم في ((المحلى)) تعليقاً من عائشة أنها قالت: ثلاث من النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ وعن أنس مثل هذه أيضاً إلا أنه قال: من أخلاق النبوة، وزاد: تحت السرة، انتهى، قاله النيموي. قلت: والأصل في الباب أن الأئمة الأربعة - شكر الله مساعيهم - اختلفوا في مدار الحكم، واجتهدوا في ذلك على حسب عادتهم في الأحكام الشرعية، بما أدى إليه نظرهم بعد ملاحظة الروايات والآثار في الباب، ولكلِّ وجهة هو موليها، فرأى الإمام مالك - رضي الله عنه - وضع اليدين راحة لهما فحملها على بيان الجواز، وإليه أوّل ما ورد من الوضع. ففي ((المدونة))(٢): قال مالك في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، قال: لا أعرف ذلك في الفريضة، وكان ما يكرهه، ولكن في النوافل إذا طال القيام، فلا بأس بذلك يعين به نفسه، فهذا كالصريح بأن ما ورد لضرورة أن یعین به نفسه . (١) هو شرح لأبي الطيب بن عبد القادر السندي مولداً، والمدني موطناً، قد طبع في مجموعة الشروح الأربعة لـ((جامع الترمذي))، في المطبع النظامي بكانبور، الهند سنة ١٢٩٩ هـ وراجع (١/ ٣٧٧) منه . (٢) (٧٦/١). ٣١١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٦) باب (١٦) باب القنوت في الصبح والإمام الشافعي - رضي الله عنه - جمع بين روايات الإرسال والوضع، فاختار الإرسال الخفيف بعد التحريمة، ثم الوضع، واختار من هيئات الوضع فوق السرة تحت الصدر محاذياً بهما للقلب، لأن القلب أشرف الأعضاء، محل الإيمان، ومن احتفظ على شيء جعل يديه عليه، ففي ((حاشية شرح الإقناع))(١): يسن أن تكونا إلى جهة اليسار أميل لما ذكر، اهـ. والحنفية والحنابلة حملوها على الوقوف بهيئة الذلّة والاستكانة بين يدي رب العزة ذي الجلال، فاختاروا جمعهما في منتهى مدهما بدون التكلف، وهي هيئة الأدب في الحضور عند الأكابر، وهذه العلة أولى مما سبق لكونها منصوصاً عن السلف، ففي ((عقود الجواهر)): أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: أن النبي ﴿ كان يعتمد بيمينه على يساره يتواضع بذلك لله عز وجل، هكذا رواه محمد في ((الآثار))، وابن خسرو، انتهى. فتأمل في دقائق أنظارهم، ولا تتصد إلى توهين الآثار بمجرد الأفكار، والله ولي الرشد. (١٦) القنوت في الصبح لفظ القنوت يطلق على أكثر من عشرة معانٍ نظمها بعضهم في البيتين : إقامتُها إقراره بالعبوديه دعاءٌ خشوعٌ والعبادةُ طاعةٌ كذاك دوامُ الطاعة الرابحُ القنيه(٢) سكوتٌ صلاةٌ، والقيامُ وطولُه ولكن المراد ههنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام. وفي القنوت أربع مسائل خلافية بين الأئمة: الأولى: في قنوت الوتر، يعني هل يقرأ القنوت في الوتر أم لا؟ وتقدم الكلام على ذلك في أبواب رمضان. (١) (٥٨/٢). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٢٢/١) و((فتح الباري)) (٤٩١/٢). ٣١٢ --- -- - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٦) باب والثانية: هل يقرأ في غير الوتر أيضاً سيما في الصبح، وسيأتي الكلام على ذلك . والثالثة: في ألفاظ القنوت، ولم يذكره المصنف، واقتفينا أثره في ذلك الخوف الإطالة مع قلة الجدوى، والجملة أن المرجح عندنا الحنفية سورة الحفد، وسورة الخلع، لأنهما سورتان من القرآن في مصحف أُبيّ، فهما أشبه بألفاظ القرآن، ومعلوم أن من المرجحات القوية عندنا الحنفية الوفق بالقرآن، واختار الشافعية اللَّهم اهدنا فيمن هديت إلى آخره، وهو مختار الحنابلة، إلا أنهم أضافوا فيها بعد ذلك التعوذ أيضاً كما في فروعهم، ومختار الإمام مالك(١) الجمع بين مختاري أبي حنيفة والشافعي كما في الدسوقي، واقتصر ابن رشد في ((الحكاية)) عن الإمام مالك على السورتين فقط. والاختلاف الرابع: في أن القنوت قبل الركوع أو بعده ولم يذكره أيضاً المصنف، واقتفينا أثره فيه أيضاً، إلا أن المرجح (٢) عندنا الحنفية والمالكية قبل الركوع، والشافعية والحنابلة بعد الركوع كما في ((الفروع))، هذا إجمال الكلام على مسائل القنوت، وذكر المصنف منها الثانية فقط فنقتفيه في ذلك. قال ابن رشد في ((البداية))(٣): اختلفوا في القنوت فذهب مالك إلى أن القنوت مستحب، وذهب الشافعي إلى أنه سنة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز القنوت في صلاة الصبح، وأن القنوت إنما موضعه الوتر، وقال قوم: بل يقنت في كل صلاة، وقال قوم: لا قنوت إلا في رمضان، وقال قوم: بل في (١) قال الكوفيون ومالك: ليس في القنوت دعاء موقت، لكنهم يستحبون ألا يقنت إلا بقولهم: اللهم إنا نستعينك ونستهديك إلخ، ((الاستذكار)) (٢٠٣/٦)، وانظر: ((حاشية الدسوقي)) (٢٤٨/١). (٢) في الوتر أما في الصبح فبعده، وعند المالكية قبله مطلقاً، وعند الشافعية والحنابلة بعده مطلقاً ، اهـ. ز. (٣) (بداية المجتهد)) (١٣١/١). ٣١٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٦) باب النصف الآخر منه، وقال قوم: بل في النصف الأول، والسبب في ذلك اختلاف الآثار المنقولة في ذلك عن النبي ◌ّر، وقياس بعض الصلوات في ذلك على بعض، أعني التي قنت فيها على التي لم يقنت فيها، انتهى. وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١): أما القنوت في صلاة الصبح، اختلفت الآثار المسندة في ذلك، وكذلك اختلف فيه عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم، فروي عنهم القنوت وتركه، وكذلك اختلف عنهم في القنوت قبل الركوع وبعده، قال: وكان الشعبي لا يرى القنوت، وسأله ابن شبرمة عنه فقال: الصلاة كلها قنوت، وأما الفقهاء الذين دارت عليهم الفتوى في الأمصار، فكان مالك وابن أبي ليلى والحسن بن حي والشافعي وأحمد بن حنبل وداود: يرون القنوت في الفجر، قال الشافعي وأحمد: بعد الركوع، وقال مالك: قبل الركوع وروي عنه: أنه خير في ذلك قبل الركوع وبعده. وقال ابن شبرمة وأبو حنيفة وأصحابه والثوري في رواية والليث بن سعد: لا قنوت في الفجر، قال أبو حنيفة ومحمد: إن صلى خلف من يقنت سكت، وهو قول الثوري في رواية، وقال أبو يوسف: يتبع الإمام، انتهى. قال الباجي(٢): وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقنت في شيء من الصلاة، وإليه ذهب يحيى بن يحيى الليثي من أصحابنا، انتهى. قلت: ما نقل استحباب قنوت الصبح من الشافعي ومالك - رضي الله عنه - فمسلّم، فإنه صرح أهل فروعهما باستحبابه كـ(التوشيح)) و ((شرح الإقناع))(٣) (١) (١٩٩/٦). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٢/١). (٣) انظر: (٥٤/٢). ٣١٤ ..--- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٦) باب وغيرهما من فروع الشافعية، وكالدسوقي وغيره من فروع المالكية، لكن ما نقل عن أحمد - رضي الله عنه - فمشكل، لأن كتب فروعهم تأباه، قال في ((نيل المآرب)): ويقنت في الوتر في الركعة الأخيرة من جميع السنة وكره القنوت في غير الوتر، انتهى. وفي ((الروض المربع))(١): ويكره قنوت في غير الوتر، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء، وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة إلا إذا نزل بالمسلمين نازلة، انتهى. وقال ابن قدامة في ((المغني)) (٢): ولا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر، وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة، وروي عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء، وقال مالك وابن أبي ليلى والشافعي: يسن القنوت في صلاة الصبح في جميع الزمان، انتهى. فعُلِم بهذا كله أن الإمام أحمد موافق للحنفية في ذلك، فمن نقل عنه خلافه غفل عن كتب فروعه، ووافق الحنفية في ذلك جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم. قال العيني(٣): وقد ذكرنا فيما مضى أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير وأبا مالك الأشجعي لم يكونوا يقنتون، ولا رأوا القنوت في الصلاة، وقد ذكرنا عن ابن عمر وابن عباس: أن القنوت في الصبح بدعة، وقد ذكرنا أن ابن عمر كان ينكر على من يقنت. (١) (٢١٩/١). (٢) (٥٨٥/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (٢٤١/٥) رقم الحديث (١٠٠٤). ٣١٥ - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٦) باب (٣٦٥) حديث ٤٨/٣٦٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَقْنُتُّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلاةِ. وقد ذكرنا من التابعين الذين لا يرون القنوت: عمرو بن ميمون والأسود والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاووساً حتى قال طاووس: القنوت في الفجر بدعة، وحكي عن الزهري أيضاً. ومن الأئمة الذين لا يرون به: الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق والليث بن سعد، انتهى. ٤٨/٣٦٥ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان لا يقنت في شيء من الصلاة) قال ابن عبد البر(١): أما ابن عمر فكان لا يقنت لم يختلف عنه في ذلك، وروى ابن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: قلت لمجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة فهل رأيته يقنت؟ قال: لا، قال: ولقيت سالم بن عبد الله، فقلت له: أكان ابن عمر يقنت؟ قال: إنما هو شيء أحدثه الناس، انتھی. قال الباجي (٢): ذكر مالك في الترجمة: القنوت في الصبح، ولم يدخل في الباب ما فيه القنوت، بل أدخل فعل ابن عمر مخالفاً لما يعتقده هو في ذلك، انتھی. قلت: لم يحكم في الترجمة بشيء، ولما ثبت بالرواية المذكورة فيها عدم القنوت علم حكم الترجمة، وهذا على اختيار يحيى بن يحيى صاحب الرواية، وأما على ما هو المختار عند الإمام مالك، فمذكور في ((الموطآت)) غير يحيى. قال ابن عبد البر: لم يذكر في رواية يحيى غير ذلك، وفي أكثر ((الموطآت)) بعد حديث ابن عمر: مالك عن هشام بن عروة أن أباه كان لا يقنت : ٠٠ (١) ((الاستذكار)) (٢٠٠/٦). (٢) ((المنتقى)) (٢٨١/١). ٣١٦ --------- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٦) باب (٣٦٥) حديث في شيء من الصلاة، ولا في الوتر إلا أنه كان يقنت في الفجر قبل أن يركع الركعة الأخيرة إذا قضى قراءته، انتهى. فهذا مؤيد لما هو المختار عند الإمام مالك، والظاهر أن الإمام - رضي الله عنه - أسقط هذه الرواية في العرضة الأخيرة من ((الموطأ)) ولذا لا توجد في رواية يحيى، ولما لم تكن رواية القنوت في روايته، بل كان فيها رواية ابن عمر الدالة على ترك القنوت، اختار يحيى عدم القنوت، وهذا من جملة المسائل التي خالف فيها يحيى إمامه كما تقدم في المقدمة . وحديث الباب مستدل الحنفية أيضاً في ترك القنوت، واستدلوا أيضاً برواية قتادة عن أنس: ((أن رسول الله وَلَّل قنت شهراً يدعو على أحياءٍ من أحياء العرب ثم تركه))، رواه مسلم. وعنه: عن أنس ((أن النبي وَّ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم))، رواه ابن خزيمة، قال النيموي: إسناده صحيح(١). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله ولو كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال: إذا قال: سمع الله لمن حمده: اللّهم ربنا لك الحمد، اللَّهم انج الوليد بن الوليد، الحديث. وفي آخره حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾، رواه البخاري(٢). وعنه قال: كان رسول الله ◌َ﴾ لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم، رواه ابن حبان في ((صحيحه)) وإسناده صحيح. وعن الأسود: أن عمر - رضي الله عنه - كان لا يقنت في صلاة الصبح، رواه الطحاوي، وإسناده صحيح. وعنه: أنه صحب عمر بن الخطاب سنين في (١) ((آثار السنن)) للنيموي (٢٠/٢)، وانظر: ((إعلاء السنن)) (٨٤/٣ - ٨٥). (٢) ((صحيح البخاري)) (٦٢٠٠). ٣١٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٦) باب (٣٦٥) حديث السفر والحضر، فلم يره قانتاً في الفجر حتى فارقه، رواه محمد في ((كتاب الآثار)) وإسناده حسن. وعنه قال: كان عمر - رضي الله عنه - إذا حارب قنت، وإذا لم يحارب لم يقنت، رواه الطحاوي وإسناده حسن. وعن علقمة والأسود ومسروق أنهم قالوا: كنا نصلي خلف عمر الفجر فلم يقنت، رواه الطحاوي(١) وإسناده صحيح. وعن علقمة قال: كان عبد الله لا يقنت في صلاة الصبح، رواه الطحاوي، وإسناده صحيح. وعن الأسود قال: كان ابن مسعود لا يقنت في شيء من الصلوات إلا الوتر، فإنه كان يقنت قبل الركعة، رواه الطحاوي والبزار وإسناده صحيح. وعن أبي الشعثاء قال: سألت ابن عمر عن القنوت؟ فقال: ما شهدت وما رأيت، رواه الطحاوي وإسناده صحيح. وعنه قال: سئل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن القنوت فقال: ما القنوت؟ فقال: إذا فرغ الإمام من القراءة في الركعة الآخرة قام يدعو، قال: ما رأيت أحداً يفعله، وإني لأظنكم معاشر أهل العراق تفعلونه، رواه الطحاوي وإسناده صحيح. وعن أبي مجلز قال: صليت خلف ابن عمر الصبح فلم يقنت، فقلت: الكبر يمنعك، فقال: ما أحفظه عن أحد من أصحابي، رواه الطحاوي والطبراني وإسناده صحيح. وعن عمران بن الحارث السلمي قال: صليت خلف ابن عباس الصبح فلم يقنت، رواه الطحاوي وإسناده صحيح. وعن عمرو بن دينار قال: كان عبد الله بن الزبير يصلي بنا الصبح بمكة فلا يقنت، رواه الطحاوي وإسناده صحيح. قال النيموي(٢): تدل الأخبار على أن النبي ◌ّر وأصحابه لم يقنتوا في الفجر إلا في النوازل، انتهى مختصراً . (١) (شرح معاني الآثار)) (٢٤٩/١). (٢) ((آثار السنن)) (٣١/٢). ٣١٨ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٦) باب (٣٦٥) حديث وقال ابن قدامة(١): ولنا ما روي أن النبي ◌َّ قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه، رواه مسلم(٢)، وروى أبو هريرة وأبو مسعود عن النبي * مثل ذلك، وعن أبي مالك قال: قلت لأبي: يا أَبَةَ إنك قد صليت خلف رسول الله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة نحواً من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدثٌ، قال الترمذي(٣): هذا حديث حسن صحيح. وقال النخعي: أول من قنت في صلاة الغداة عليٍّ، وذلك أنه كان رجلاً محارباً يدعو على أعدائه، وروى سعيد في ((سننه)) عن هشيم عن عروة الهمداني عن الشعبي، قال: لما قنت علي - رضي الله عنه - في صلاة الصبح أنكر ذلك الناس، فقال عليٍّ: إنما استنصرنا على عدونا هذا. وعن أبي هريرة: أن رسول الله وَ﴿ كان لا يقنت في صلاة الفجر إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم، رواه سعيد. وحديث أنس يحتمل أنه أراد طول القيام، فإنه يسمى قنوتاً، وقنوت عمر - رضي الله عنه - يحتمل أنه كان في أوقات النوازل، فإن أكثر الروايات عنه أنه لم يكن يقنت، روى ذلك عنه جماعة، فدل على أن قنوته كان في وقت نازلة (٤) . فإن نزل بالمسلمين نازلة فللإمام أن يقنت في صلاة الصبح، نص عليه أحمد، قال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن القنوت في الفجر؟ فقال: لو قنت أياماً معلومة ثم يترك، كما فعل النبي وَّر، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري (١) («المغني)) (٢٨٥/٢). (٢) رواه مسلم (١/ ٤٦٩) باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، من كتاب المساجد. (٣) أخرجه الترمذي (٤٠٣). (٤) قد ذكر في ((إعلاء السنن)) (٩٤/٦/٣) عشر أحكام في قنوت النازلة، فارجع إليه. ٣١٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٦) باب (٣٦٥) حديث • وذلك لما ذكرنا أنه عليه الصلاة والسلام قنت شهراً ثم تركه، وأن علياً - رضي الله عنه - قنت، وقال: إنما استنصرنا على عدونا هذا، ولا يقنت آحاد الناس، ويقول في قنوته نحواً مما قال النبي ◌َّ وأصحابه. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقول في القنوت: ((اللَّهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأَلِّفْ بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللَّهم العن كفرةَ أهل الكتاب الذين يُكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك، اللَّهم خَالِفْ بين كلمتهم، وزَلْزِلْ أقدامَهم، وأَنْزِلْ بهم بأسَك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، بسم الله الرحمن الرحيم اللَّهم إنا نستعينك))(١) ولا يقنت في غير الصبح من الفرائض، قال عبد الله عن أبيه: كل شيء يثبت عن النبي ◌َّ في القنوت إنما هو في الفجر، ولا يقنت في الصلاة إلا في الوتر والغداة، إذا كان مستنصراً، اهـ. قال القاري(٢): روى البزار وابن أبي شيبة والطبراني والطحاوي كلهم من حديث شريك القاضي عن أبي حمزة القصاب عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله - أي ابن مسعود -: قال: ((لم يقنت رسول الله مَّ في الصبح إلا شهراً، ثم تركه، لم يقنت قبله ولا بعده)) . وحاصل تضعيفهم أي الشافعية القصاب أنه كان كثير الوهم، وبمثل هذا ضعف جماعةٌ أبا جعفر الراوي حديثهم فكافأه القصاب. وأنص ما في الباب ما أخرجه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: أن رسول الله ◌َّ لم يقنت في الفجر قط إلا شهراً واحداً، لم يُرَ قبل ذلك ولا بعده، فهذا لا غبار عليه، اهـ. وتضعيف الحافظ لا يمشي في (١) أخرجه البيهقي: ((السنن الكبرى)) (٢١٠/٣، ٢١١). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨١/٣). ٣٢٠ -----