Indexed OCR Text
Pages 541-560
٦ - كتاب الصلاة في رمضان
(٢) باب
(٢٤٥) حديث
قَالَ: وَكَانَ الْفَارِىءُ يَقْرَأْ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ
ومثله في ((الروض المربع)»، فعلم بذلك أن الحنفية والحنابلة متفقون في
دوام قنوت الوتر دون الصبح كما رأيت، وقنوت اللعن عندهم مخصوص
بالنوازل يكون في رمضان أو في غيره، مع أنه لا ذكر في الأثر للوتر، فيصدق
على الصبح أيضاً، والمالكية أنكروا القنوت الوارد في الباب كما تقدم عن
((المدونة)).
ثم اختلفت الأئمة في ألفاظ القنوت(١) فمختار الحنفية في الوتر سورة
الحفد والخلع، لأنهما سورتان من القرآن، وهو مختار المالكية، مع زيادة.
ومختار الشافعية: ((اللَّهم اهدنا فيمن هديت)) إلخ، وهو مختار الحنابلة
مع زيادة .
وقد أخرج أبو داود في ((المراسيل)) عن خالد بن أبي عمران: أنه عليه
السلام كان يدعو على قبائل، فأتاه جبرائيل وقال: ((يا محمد اسكت! إن الله
لم يبعثك سبَّاباً، ثم علّمه: اللَّهم إنا نستعينك ... ))، وهذا صريح في نسخ
قنوت اللعن، ولذا قال مالك: ليس عليه العمل.
وبسط طرق هذا القنوت السيوطي في ((الدر المنثور))، فقال: ذكر ما وقع
في سورة الخلع وسورة الحفد، ثم ذكر الطرق مفصلة، وأخرج محمد بن نصر
والطحاوي عن ابن عباس: أن عمر كان يقنت بالسورتين، وأخرج محمد بن
نصر: أنهم كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين، اهـ.
قلت: وهما سورتان في مصحف أُبيّ كما جزم به ابن قدامة في
((المغني))، وقنوت اللعن المذكور في الرواية محمول على القنوت المخصوص
الذي فيه لعن الكفرة، المسمى بقنوت النوازل.
(قال) الأعرج (وكان القارئ يقرأ) في زمانه (بسورة البقرة في ثمان) بحذف
الياء في أكثر نسخ ((الموطأ)) وبإثباتها فيما في نسخ ((المشكاة)) عن ((الموطأ)).
(١) انظر: ((المغني)) (١٥٢/٢).
٥٤١
٦ - كتاب الصلاة في رمضان
(٢) باب
(٢٤٦) حديث
رَكَعَاتٍ، فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ
خَفَّفَ .
٧/٢٤٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ؛
قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كُنَّا نْصَرِفُ
قال القاري: بفتح الياء، وفي نسخة صحيحة بحذف الياء (ركعات) وهذا بعد
أن خففت الصلاة عن القراءة بالمئين (فإذا قام) القارئ (بها) أي بسورة البقرة
(في اثنتي عشرة ركعة) فيه دليل على أن التراويح أكثر من ثماني ركعات خلافاً
لما توهم (رأى الناس) بالرفع (أنه قد خفف) الإمام.
فعلم أن تطويل القراءة في التراويح أفضل، وكان أُبيّ وتميم الداري
يقرآن بالمئين، وقرأ مسروق في ركعة بالعنكبوت، وابن أبي مليكة يقرأ في
ركعة بنحو فاطر، وأبو مجلز يختم في كل سبع، وقال عراك بن مالك: أدركت
الناس في رمضان يربطون لهم الحبال يستمسكون بها من طول القيام(١).
:
٧/٢٤٦ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصاري (أنه قال: سمعت أبي) أبا بكر قيل: اسمه وكنيته واحد، وقيل: كنيته
أبو محمد الأنصاري البخاري ثقة مدني قاضيها من رواة الستة، اختلف في
موته على أقوال، وفي (التقريب)): مات سنة ١٢٠، وقيل غير ذلك.
ومما يجب التنبيه عليه أنه وقع ههنا التحريف في نسخ ((المشكاة))(٢) إذ
ذكر هذا الأثر عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر، سمعت أُبيّاً فإنه وهم
فاحش، فإن عبد الله ولد بعد وفاة أُبيّ - رضي الله تعالى عنه - بأعوام كثيرة،
فكيف يقول سمعت أُبّاً؟
(يقول: كنا ننصرف) من القيام كما في نسخة، قال القاري: وإنما سمي
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٤/٢) في صلاة رمضان.
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٤/٣).
٥٤٢
.. -
٦ - كتاب الصلاة في رمضان
(٢) باب
(٢٤٦) حديث
في رَمَضَانَ، تَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالَّعَامَ، مَخَافَة الْفَجْرِ .
وحدثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَّامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ
لَثْوَانَ، أَبَا عَمْرو {وَكَانَ عَبْدَاً لِعَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ِلَّ، فَأَعْتَقَتْهُ، عَنْ
ثُدْرٍ مِنْهَا؛ كَانَ يَقُومُ يَقْرَأُ لَهَا فِي رَمَضَانَ.
بالقيام لأنهم كانوا يطيلون القيام فيه، لا لما نقل عن الحليمي: أنه لكونهم
يفعلونها عقب القيام من النوم، لأن أكثرهم كانوا يفعلونها قبل النوم (في
ريتبان فنستعجل الخدم) بفتحتين جمع خادم (بالطعام) أي بتهيئه وإحضاره
للسحور (مخافة) بالنصب علة الاستعجال (الفجر) أي طلوعه، وفي رواية:
مخافة السحور أي فوته، ومآل الروايتين واحد.
قال الباجي(١): هذا لمن كان يستديم القيام إلى آخر الليل، أو لمن كان
يخص آخره بالقيام، فأما من قال فيهم عمر: ((والتي ينامون عنها خير)) فلم يكن
هذا حالهم، وهذا يدل على اختلاف أحوال الناس في ذلك، انتهى. فبعضهم
يصلون التراويح أول الليل، وبعضهم آخرها، وبعضهم يستديمها إلى آخرها .
إمالك، عن هشام بن عروة عن أبيه، عروة (أن ذكوان) بذال معجمة
با عمرو) المدني الثقة، روى له الشيخان وأبو داود والنسائي، مات في ليالي
الحرة، قاله الواقدي. وقال الهيثم بن عدي: أحسبه قتل بالحرة سنة ثلاث
وستين، قال ابن أبي مليكة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر يؤمّ عائشة فإذا لم
يحضر ففتاها ذكوان زوكان عبداً لعائشة) - رضي الله عنها - (زوج النبي
فأنتمنه؛ أي ذكوان (عن دبر منها) أي جعلته مدبراً.
وروى الشافعي وعبد الرزاق عن ابن أبي مليكة: أنه كان يأتي عائشة هو
وأبوه وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير، فيؤمُّهم أبو عمر مولى
عائشة، وهو يومئذ غلام لم يعتق (كأن يقوم) بالليل (يقرأ لها في رمضان) أي
يؤمُّها في التراويح.
(١) ((المنتقى)) (٢١٠/١).
٥٤٣
٦ - كتاب الصلاة في رمضان
(٢) باب
(٢٤٦) حديث
قال الباجي(١): وهذا يقتضي أن قيام رمضان كان أمراً فاشياً عند
الصحابة معمولاً به حتى أن النساء كن يلتزمنه ويتخذن من يقوم بهن في
بیوتهن، اهـ.
قال أبو عمر (٢): لا خلاف في جواز إمامة العبد البالغ فيما عدا
الجمعة .
E
E
E
.....
(١) ((المنتقى)) (٢١٠/١).
(٢) ((الاستذكار)) (١٧٨/٥).
٥٤٤
---
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٧) كتاب صلاة الليل
(١) باب ما جاء في صلاة الليل
(١) ما جاء في صلاة الليل
هي من أفضل النوافل المرغّب فيها، والأحاديث في فضلها كثيرة شهيرة
قال ◌َله: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل))، وفي ((صحيح مسلم))(١):
((عليكم بصلاة الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقُربة إلى ربكم، ومكفرة
للسيئات، ومنهاة عن الإثم))، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ
أَعْيُنٍ﴾ قاله الطحطاوي.
واختار ابن عبد البر: أنها سنة لمواظبته وَ لّ عليها، قال: وقول قوم إنها
واجبة عليه، لا وجه له، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَتِّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾، أي
فضيلة، والإجماع على نسخ الوجوب في حق الأمة، وشذّ عبيدة السلماني
التابعي، فأوجبه قدر حلب شاة، وتُعُقّب بأن معنى نافلة لك، أي زائدة في
فرائضك، قاله الزرقاني (٢).
قال العيني(٣): ذكر ابن بطال عن البعض: إنما خص سيدنا ◌َّل في
قوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾، لأنها كانت فريضة عليه ولغيره تطوعاً، ومنهم من قال: إنها
كانت واجبة ثم نسخت فصارت نافلة، أي تطوعاً وزيادة في كثرة الثواب، وأما
الذين قالوا: إنها كانت واجبة عليه قالوا: معنى كونها نافلة على التخصيص،
(١) أخرجه الترمذي في الدعوات باب رقم (١١٢) وح (٣٥٤٣ و٣٥٤٤)، ورمز في جامع
الأصول إلى الترمذي، وما وجدته في صحيح مسلم، والله أعلم.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٠/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (١٦٤/٧/٤).
٥٤٥
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
٠٠٠
أي فريضة لك زائدة على الصلوات الخمس، خصصت بها من أمتك، وذكر
بعض السلف أنه يجب على الأمة ما يقع عليه الاسم ولو قدر حلب شاة، وقال
النووي: هذا غلط ومردود، وقيام الليل أمر مندوب وسنة متأكدة، اهـ.
وقال ابن القيم في ((الهدي)) (١): قد اختلف السلف والخلف في أنه هل
كان فرضاً عليه أم لا؟ والطائفتان احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الََّّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ،
نَافِلَةً لَّكَ﴾ قالوا: فهذا صريح في عدم الوجوب، وقال الآخرون: أمره بالتهجد
فيه ولم يجئ ما ينسخه، وأما قوله: نافلة فلو كان المراد به التطوع لم يخصه
بكونه نافلة له، وإنما المراد الزيادة له، اهـ.
قال أبو بكر الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): لا خلاف بين المسلمين
في نسخ فرض قيام الليل، وأنه مندوب إليه، مرغب فيه، وقد روي عن
النبي ◌َّل آثار كثيرة في الحث والترغيب فيه، اهـ.
قلت: هذا في حق الأمة، أما في حق النبي ◌َ* فقد عرفت أن فيه
طائفتين، قال الطحطاوي على ((مراقي الفلاح)): ذهب طائفة من العلماء وعليه
الأصوليون من مشايخنا إلى أن قيام الليل فرض عليه وسلّر، وعلى هذا فتكون
صلاة الليل مندوبة لأن الأدلة القولية فيه إنما تفيد الندب، وقال طائفة: كان
تطوعاً منه # فيكون في حقنا سنة، اهـ.
..---
قلت: فالحاصل أن قيام الليل مختلف في حقه ◌َّ مع إجماعهم على أنه
ليس بواجب في حق الأمة إلا من شَذَّ، والاختلاف في أنه سنة، أو مندوب
ليس بعسير، واختلفت الأئمة كلهم في ترتيب النوافل باعتبار التأكد، محله كتب
الفروع، لا يسعه هذا المختصر.
(١) ((زاد المعاد)) (٣١١/١).
(٢) (٢٠٦/٣).
٥٤٦
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٤٧) حديث
١/٢٤٧ - حَدَّثَنِي بَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَرِرِ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ رَجْلٍ عِنْدَهُ رِضاً؛ ...
٠٠٠
0
١/٢٤٧ - (مالك عن محمد بن المنكدر) بضم الميم وسكون النون، ففتح
كاف، فكسر دال مهملة، فراء (عن سعيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة
وسكون الياء التحتانية آخرها راء، كذا في ((الفتح الرحماني))، الأسدي،
مولاهم، الكوفي الوالبي بكسر اللام والموحدة، نسبة إلى بني والبة، بالولاء،
وهو والبة بن الحارث بن ثعلبة من أسد بن خزيمة، كذا في ((الفتح الرحماني))،
ثقة ثبت فقيه أحد الأعلام، قتله رئيس الظلمة الحجاج ظلماً في شعبان
سنة ٩٥، وهو ابن ٥٧ سنة، وقيل: ابن ٤٩ سنة، قال ميمون بن مهران: لقد
مات وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه(١).
(عن رجل عنده رضا) مصدر، وصف به مبالغة، كما يقال: رجل صدق
وزيد عدل، ويحتمل أن يكون صفة على وزن غنىَ كذا في ((البذل))(٢)، قال ابن
عبد البر (٣): قيل: إنه الأسود بن يزيد النخعي، فقد أخرجه النسائي من طريق
ابن جعفر الرازي عن ابن المنكدر عن سعيد عن الأسود عن عائشة به، ورواه
النسائي من وجه آخر عن أبي جعفر عن ابن المنكدر عن سعيد عن عائشة بدون
الواسطة، وجزم الحافظ بأن روايته عن عائشة مرسلة، قاله الزرقاني (٤).
قلت: وبه جزم الحافظ في ((تهذيب التهذيب))، فقال في ((المبهمات)):
سعيد بن جبير عن رجل عنده رضى عن عائشة في النوم في صلاة الليل، هو
الأسود بن يزيد النخعي، اهـ. وقال المنذري: الرجل الرضى هو الأسود بن
يزيد النخعي، قاله أبو عبد الرحمن السلمي، اهـ.
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (١١/٤)، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢١/٤).
(٢) ((بذل المجهود)) (٧١/٧).
(٣) ((الاستذكار)) (١٨٣/٥)، و((التمهيد)) (٢٦١/١٢).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٤١/١).
٥٤٧
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٤٧) حديث
أَنَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَ﴿ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ
قَالَ: «مَا مِنَ امْرِىءٍ تَكُونُ لَهُ صَلاةٌ بِلَيْلِ، يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ،
قلت: والأسود هو أسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، أو أبو
عبد الرحمن ابن أخي علقمة بن قيس، وكان أسن من عمه وخال إبراهيم النخعي،
من تابعي الكوفة، أدرك زمن النبي ◌َّ ولم يره، ورأى الخلفاء الراشدين الأربعة،
وسمع من أكابر الصحابة مات سنة خمس وسبعين، كذا في رجال ((جامع الأصول)).
ثم ههنا مسألة أصولية مختلفة بين أهل الفن، وهي: أن الرجل إذا روى
عن الثقة عنده عن فلان، فقال الحاكم: هو منقطع، ليس بمرسل، وقال غيره:
مرسل، وقال العراقي: كل من القولين خلاف ما عليه الأكثرون، فإنهم ذهبوا
إلى أنه متصل في سنده مجهول، قاله السيوطي في ((التدريب))(١).
قلت: ثم اختلفوا في قبوله أيضاً، قال الحافظ: ولا يقبل حديث المبهم،
ولو أبهم بلفظ التعديل، وهذا على الأصح، اهـ.
قلت: هو الأصح عند الحافظ، وإلا فلغيره فيه كلام، والبحث فيه
طويل، ولم يبق إليه الحاجة بعد أن تحقق أن المبهم الأسود ثقة فقيه.
(أنه) أي الرجل (أخبره) أي سعيداً (أن عائشة زوج النبي بَل أخبرته أن
رسول الله ◌ِالر قال: ما) نافية (من) زائدة (امرئ) مجرور لفظاً في محل اسم ما.
قال المجد في ((القاموس)): المرء مثلثة الميم: الإنسان، أو الرجل، ولا
يجمع من لفظه أو سمع مرؤن، وفي امرئ مع ألف الوصل ثلاث لغات، فتح
الراء دائماً، وضمها دائماً، وإعرابها دائماً، اهـ.
(تكون له صلاة) يعتادها (بليل) ثم (يغلبه) أي الرجل (عليها) أي على
الصلاة يوماً (نوم).
قال الباجي(٢): هو على وجهين؛ أحدهما: يذهب به النوم فلا يستيقظ،
(١) ((تدريب الراوي)) (٢٨٢/١) في بيان المرسل.
(٢) ((المنتقى)) (٢١١/١).
٥٤٨
----------
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٤٨) حديث
إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ صَلاتِهِ، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَدٍ)).
أخرجه أبو داود في: ٥ - كتاب التطوّع، ٢٠ - باب من نوى القيام فنام.
والنسائي في: ٢٠ - كتاب قيام الليل، ٦١ - باب من كان له صلاة بالليل
فغلبه عليها النوم.
٢/٢٤٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ، مَوْلَّى عُمَرَ بْنِ
عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ
الْنَّبِيِّ وَ﴿، أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ
والثاني: أن يستيقظ ويمنعه غلبة النوم من الصلاة، فهذا حكمه أن ينام حتى
يذهب عنه المانع النوم، انتهى. وبهما شرحه في ((الفتح الرحماني)) (إلا كتب الله
له أجر صلاته) التي اعتادها بالنية.
قال الباجي: وهذا يحتمل عندي وجوهاً؛ أحدها: أن يكون له أجرها
غير مضاعف، ولو عملها لكان له أجرها مضاعفاً لأنه لا خلاف أن الذي
يصليها أكمل حالاً، ويحتمل أن يريد أن له أجر نيته، ويحتمل أن له أجر من
تمنى تلك الصلاة، أو أراد أجر تأسفه على ما فاته منها (وكان نومه عليه
صدقة) يعني لا يحتسب به ويكتب له أجر المصلين.
٢٤٨/ ٢ - (مالك عن أبي النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن
أبي أمية (مولى عمر) بضم العين (ابن عبيد الله) بالتصغير والإضافة (عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن عائشة) أمّ المؤمنين (زوج النبي
أنها قالت: كنت أنام)، قال القاري: أي أضطجع على هيئة النائم.
قال العيني(١): فيه المطابقة بترجمة البخاري إذ بوب عليه ((الصلاة على
الفراش)) لأن نومها كان على الفراش، وقد صَرَّحَتْ في الحديث الآخر بقولها :
((على الفراش الذي ينامان عليه))، اهـ.
(١) ((عمدة القاري)) (١١٣/٤/٢).
٥٤٩
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٤٨) حديث
بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي،
فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا
مَصَابِيحُ.
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٢٢ - باب الصلاة على الفراش.
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٥١ - باب الاعتراض بين يدي المصلي،
حديث ٢٧٢.
قلت: ولا يذهب عليك أن القاري حمله على المجاز فشرحه بالاضطجاع
على هيئة النائم، كما تقدم، والعيني حمله على الحقيقة، كما سيأتي من كلامه.
(بين يدي رسول الله وَّر ورجلاي في قبلته) جملة حالية، أي مكان
سجوده، يعني كان مضجعها في جانب القبلة من مصلّى النبي ◌َّ حتى إن
رجليها تصل إلى موضع سجوده وَلّ.
(فإذا سجد) أي أراد السجود (غمزني) أي طعن بأصبعه فيّ، وكبسني
لأقبض رجلي، قال الجوهري: غمزت الشيء بيدي وغمزته بعيني، قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَنَغَامَهُونَ ﴾﴾(١)، والمراد ههنا الغمز باليد، وروى أبو داود
بلفظ: فإذا أراد أن يسجد ضرب رجلي فقبضتهما فسجد، اهـ. وفيه حجة لمن
قال: إن لمس المرأة لا ينقض الطهارة.
(فقبضت رجلي) بفتح اللام وتشديد الياء (فإذا قام) وَّر (بسطتهما) أي
رجليّ بتثنية بسطتهما ورجليّ في رواية الأكثر، وفي بعض الروايات بإفرادهما .
(قالت) عائشة اعتذاراً عنها (والبيوت) مبتدأ (يومئذ) أي حينئذ، والعرب
يُعَبِّرُ باليوم عن الحين، والمصابيح إنما تُتَّخَذ في الليالي دون الأيام (ليس فيها
مصابيح) إذ لو كانت لقبضت رجليّ، وما أحوجته ومَّو للغمز.
قال العيني: وهذا يدل على أنها كانت راقدة غير مستغرقة في النوم، إذ
(١) سورة المطففين: الآية ٣٠.
٥٥٠
١
----
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٤٨) حديث
٠ ٠
لو كانت مستغرقة لما كانت تدرك شيئاً، سواء كانت مصابيح أو لم تكن، اهـ.
وفي الحديث دليل لمن قال: إن المرأة لا تقطع الصلاة، وهو قول مالك
والشافعي وأبي حنيفة - رضي الله تعالى عنهم -. قال ابن عبد البر: وهذا
الحديث من أثبت ما جاء في هذا المعنى.
قال ابن رشد في ((البداية))(١): اختلف العلماء هل يقطع الصلاة مرور
شيء بين يدي المصلي إذا صلى لغير سترة، أو مر بينه وبين السترة؟ فذهب
الجمهور إلى أنه لا يقطع الصلاة شيء، وذهبت طائفة إلى أنه يقطعها المرأة
والحمار والكلب الأسود، وسبب هذا الاختلاف معارضة القول للفعل، وذلك
أنه خَرَّجَ مسلم عن أبي ذر مرفوعاً: يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب
الأسود، وخَرَّج مسلم والبخاري عن عائشة أنها قالت: لقد رأيتني بين يدي
رسول الله وَّ معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي، ولا خلاف بينهم في
كراهية المرور بين يدي المنفرد والإمام، اهـ. قلت: وسيأتي الكلام على ذلك
في محله.
قال العيني: في الحديث جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع
صلاته، وكرهه بعضهم لغير الشارع لخوف الفتنة واشتغال القلب بالنظر إليها ،
وأما النبي ◌ُّ فمنزه عن هذا كله مع أنه كان في الليل ولا مصابيح فيه، اهـ.
وقال أيضاً فيه: إن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها، ولا من مرت
بين يديه، وهو قول جمهور الفقهاء سلفاً وخلفاً، منهم: أبو حنيفة والشافعي
ومالك، ومعلوم أن اعتراضها بين يديه أشدُّ من المرور، وذهب بعضهم إلى أنه
يقطع مرور المرأة والحمار والكلب، وقال أحمد: يقطعها الكلب الأسود، وفي
القلب من المرأة والحمار شيء، اهـ.
(١) (بداية المجتهد)) (١ /١٨٠).
٥٥١
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٤٩) حدیث
٣/٢٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بَِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ
وقال أيضاً في الحديث: جواز الصلاة إلى النائم، وكرهه بعضهم،
واحتجوا بحديث ابن عباس: أنه وَلّ قال: ((لا تصلوا خلف النائم ولا
المتحدث))، قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه، كلها واهية، وهذا
أمثلها، وهو أيضاً ضعيف، وصرح به الخطيب وغيره، وكان ابن عمر لا يصلي
خلف رجل يتكلم إلا يوم الجمعة، اهـ.
قلت: تقدم تبويب البخاري على حديث الباب: ((الصلاة على الفراش))
وبَيَّنَ العيني اختلاف العلماء في ذلك فارجع إليه إن شئت.
٣/٢٤٩ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن
عائشة زوج النبي # أن رسول الله وَل﴾. قال) قال الحافظ(١): وهذا الحديث ورد
على سبب، وهو قصة الحولاء بنت تويت، اهـ. قلت: وسيأتي هذه القصة عند
المصنف أيضاً (إذا نعس) بفتح العين، وغلط من ضمها، وأما المضارع فبضمها
وفتحها، قاله الزرقاني(٢).
وقال القاري(٣): بفتح العين ويكسر، اهـ. وقال المجد: النعاس بالضم
الوسن، أو فترة في الحواس، نعس كمنع فهو ناعس، اهـ، وفي ((المجمع)):
النعاس هو الوسن، وأول النوم، وهو من باب نصر، وهي ريح لطيفة تأتي من
قبل الدماغ تغطي على العين، ولا تصل إلى القلب، فإذا وصله كان نوماً، اهـ.
وقال القاري: النعاس أول النوم، ومقدمته.
(١) ((فتح الباري)) (٣١٥/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٢/١).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٤/٣).
٥٥٢
..-- --
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٤٩) حديث
أَحَدُثُمْ فِي صلاتِهِ، فَلْيَرْقُدْ
٠٫٠٥
(أحدكم وهو في الصلاة) الفرض والنفل في الليل والنهار عند الجمهور
أخذاً بالعموم، وحمله مالك وجماعة على نفل الليل لأنه محل النوم، قاله
الزرقاني.
قلت: إلا أن المانع من الفرض أشدُّ من المانع من النفل، فيعتبر في
مرتبة الفرائض الغلبة التي لا يستطيع مدافعتها، قال النووي: هذا عام في صلاة
الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، لكن لا يخرج
فريضة عن وقتها، قال القاضي: وحمله مالك وجماعة على نفل الليل، لأنها
محل النوم غالباً، اهـ.
وقد قال بعض من المفسرين(١) في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى﴾(٢) أي من النوم.
قال الباجي(٣): قال جماعة من أهل التفسير: معنى ذلك أي من النوم،
والأغلب أن يكون ذلك في صلاة الليل، فمن أصابه ذلك وفي الوقت سعة،
ومعه من يوقظه، فليرقد ليتفرغ لصلاته، وإن ضاق الوقت صلى واجتهد في
تصحيحها فإن تيقن تمام فرضه وإلا قضاه بعد النوم، اهـ.
(فليرقد)، وفي رواية: فلينم، وفي أخرى: فليضطجع، والنعاس أول
النوم، والرقاد المستطاب منه، ذكره الراغب، والمراد التسليم من الصلاة بعد
تمامها، ولا يقطع الصلاة، خلافاً للمهلب إذ حمله على ظاهره فقال: إنما أمر
بقطع الصلاة لغلبة النوم، فدل على أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك عفى
عنه، اهـ.
(١) قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً تابعه على ذلك، والله أعلم. ((الاستذكار)) (٢٠٧/٥)،
انظر: ((التمهيد)) (١١٨/٢٢) ذكر فيه أقوال العلماء في هذه الآية.
(٢) سورة النساء: الآية ٤٣.
(٣) ((المنتقى)) (٢١٢/١).
٥٥٣
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٤٩) حدیث
حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لا يَدْرِي
لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبَّ نَفْسَهُ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٥٣ - باب الوضوء من النوم.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٣١ - باب أمر من نعس في صلاته،
أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد إلخ، حديث ٢٢٢.
والأمر للندب قاله الزرقاني، وقال القاري: فيترتب عليه الثواب ويكره له
الصلاة حينئذ (حتى يذهب عنه النوم) وهو غشي ثقيل يهجم على القلب فيقطعه
عن معرفة الأشياء، قاله الزرقاني(١).
(فإن أحدكم) علة لترك الصلاة التي سيشرعها (إذا صلّى وهو ناعس) جملة
حالية يريد أنه إذا صلى في حال غلبة النوم (لا يدري) ما يفعل فحذف المفعول
للعلم، واستأنف بياناً قوله (لعله يذهب يستغفر) بالرفع فيهما، أي يريد أن
يدعو ويستغفر له (فيسب) بالنصب على أنه جواب الترجي، وجوّز الرفع على
أنه عطف على يستغفر، وقيل: بالنصب أولى، قاله القاري (نفسه) أي يدعو
عليها .
وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز للمرء سب نفسه، فإن قيل: ظاهر الشرع
يقتضي أن ما يخرج من لسان الإنسان من غير اختيار لا يعتبر به فكيف بما
يخرج في حالة النعاس، فإن هذه الحالة حالة عدم الشعور فكيف يكون علة
لمنع الصلاة، فقد رفع عن الأمة الخطأ والنسيان؟ قلنا: نسلم أن ما يخرج من
لسانه بدون اختيار لا يكون فيه إثم ولا مؤاخذة، ولكن يمكن أن يكون سبباً
لما يترتب عليه من الضرر باعتبار التسبيب كالسم، إذا تناوله خطأ بلا علم لا
يأثم. ولكن يترتب عليه الموت تسبيباً.
وقد روى جابر مرفوعاً: ((لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم))،
(١) (١/ ٢٤٢).
٥٥٤
--
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٠) حديث
٤/٢٥٠ - وحذّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيم؛
أَنَّهِ بَلَعَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾، سَمِعَ امْرَأَةً مِنَ اللَّيْلِ تُصَلِّي، فَقَالَ :
(مَنْ هَذِهِ؟))، فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، لا تَنَامُ اللَّيْلَ .....
الحديث، وظاهره أن الإنسان لا يقصد في الدعاء عليه هلاكه، ولا هلاك
أولاده، وأمواله، ولكن يصدر عنه في الغضب تلك الكلمات، ومع هذا فمنع
عنه وَّ لئلا يوافق ساعة الإجابة فيستجاب له، فكذا هذا، والله تعالى أعلم.
٤/٢٥٠ - (مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم) القرشي (أنه بلغه) كذا
رواه بلاغاً، وقد رواه القعنبي (١) عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة، قال ابن عبد البر: تفرد به القعنبي دون بقية رواته، فاقتصروا منه على
طرف متصل، وهو متصل من طرق صحاح ثابتة، فأخرجه البخاري(٢) بطريق
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، والعقيلي من طريق الضحاك بن
عثمان عن إسماعيل بن أبي حكيم عن القاسم بن محمد عن عائشة.
(أن رسول الله قلة سمع امرأة من اللبل تصفي أي سمع ذكر صلاتها.
(لمان) ◌َ﴾ (من هذه؟) المرأة التي تذكر صلاتها (فقيل له) والقائل عائشة كما
في مسلم (٣) من رواية الزهري عن عروة عن عائشة فقلت: (هذه الحولاء)
بالحاء المهملة والمد، تأنيث الأحول، هو اسمها، وكَنَتْ في كثير من
الروايات بفلانة، كما في روايات البخاري وغيره (بنت توبت) بمثناتين فوقيتين،
مصغراً، ابن حبيب بفتح الحاء المهملة، ابن أسد من رهط خديجة أمّ المؤمنين،
أسلمت وبايعت (لا تنام الليل) ((تصلي))، كما زاده أحمد، وفي مسلم: ((زعموا
أنها لا تنام الليل)).
(١) انظر: ((التمهيد)) (١/ ١٩٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان رقم الحديث (٤٣)، باب أحبُّ الدين إلى الله أدومه.
(٣) وأخرجه مسلم في: كتاب صلاة المسافرين رقم الحديث (٢١٥)، باب فضيلة العمل
الدائم من قيام الليل وغيره.
٥٥٥
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٠) حديث
قلت: وأخرج البخاري القصة في ((صحيحه)) في الإيمان والتهجد، ولفظه
عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن النبي ◌َّلو دخل عليها وعندها امرأة، فقال:
((من هذه؟))، قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: ((مه، عليكم ما تطيقون))
الحديث.
قال الحافظان ابن حجر (١) والعيني: فلانة - أي الحولاء الأسدية -، قال
الحافظان: كذا في حديث هشام ((دخل عليها وهي عندها)، وفي رواية
الزهري: ((أن الحولاء مرت بها))، فظاهره التغاير، فيحتمل أن تكون المارة
امرأة غيرها من بني أسد أيضاً، أو أن قصتها تعددت، أو أن القصة واحدة،
ويبين ذلك رواية ابن إسحاق عن هشام في هذا الحديث ، ولفظه: ((مرت
برسول الله ﴿ الحولاء بنت تويت))، أخرجه محمد بن نصر، فيحمل على أنها
كانت أولاً عند عائشة، فلما دخل ◌َ ﴿ على عائشة قامت المرأة فلما قامت
لتخرج مرت به في خلال ذهابها، فسأل عنها، وبهذا تجتمع الروايات.
(تنبيه): يشكل على الحديث مدح عائشة إياها في وجهها، وأجاب عنه
ابن التين، فقال: لعلها أمنت عليها الفتنة فمدحتها في وجهها، قال الحافظان:
لكن رواية حماد بن سلمة عن هشام في هذا الحديث تدل على أنها ما ذكرت
ذلك إلا بعد أن خرجت المرأة، اهـ.
ثم هذه القصة غير قصة زينب التي أخرجها الشيخان وغيرهما من حديث
أنس قال: دخل النبي ◌َّ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ((ما هذا
الحبل؟))، قالوا: حبل لزينب، فإذا فترت تعلَّقت، فقال النبي وَالَ: ((لا، حُلُّوه
ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد))، انتهى. لكن الأمر المشترك بينهما الحث
على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليها بنشاطه.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠١/١)، و((عمدة القاري)) (١١٠/٣/٢).
٥٥٦
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٠) حديث
فَكَّرَهَ ذُلِكَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ، حَتَّى عُرِفَتِ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ
قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ نَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا،
٠٠
(فكره ذلك رسول الله ﴾ حتى عرفت الكراهية) بخفة الياء (في وجهه) وَل﴾
يعني أنه رؤي في وجهه من التقطيب وغير ذلك ما عرفت به كراهيته.
قال الباجي: وإنما كره وَلّ ذلك لأنه علم أنه أمر لا يستطيع الدوام عليه
وكان يعجبه من العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل.
(ثم قال: إن الله تبارك وتعالى لا يَمَلَّ حتى تملّوا) بفتح الميم فيهما .
فيه عدول عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال، وكان الخطاب للنساء،
لأنه لما طلب تعميم الحكم لجميع الأمة غلب الذكور على الإناث في الذكر،
كذا في ((العيني)).
قال الباجي(١): معناه: لا يملّ من الثواب حتى تملّوا من العمل، ومعنى
الملل من الباري عزَّ شأنه: ترك الإثابة والإعطاء، والملل منا هو السآمة
والعجز عن الفعل إلا أنه لما كان معنى الأمرين الترك وصف تركه بالملل على
معنى المقابلة، وقيل معناه: أنه لا يملّ وأنتم تملّون، انتهى.
قال ابن عبد البر(٢): أي من مَلَّ من عمل، قطع عنه جزاءه، فعبّر عنه
بالملال لأنه بحذائه وجواب له، فهو لفظ خرج على مثال لفظ، والعرب تفعل
ذلك إذا جعلوه جواباً له وجزاء، وإن كان مخالفاً في المعنى كقوله تعالى:
﴿وَجَزَّوُاْ سِئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَاَ﴾(٣) وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي ذكرها الزرقاني،
ومنه قول عمرو بن كلثوم :
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
(١) ((المنتقى)) (٣١٣/١).
(٢) انظر: (الاستذكار)) (٢١٨/٥).
(٣) سورة الشورى: الآية ٤٠.
٥٥٧
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٠) حديث
اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ)).
وصله البخاريّ عن عائشة في: ٢ - كتاب الإيمان، ٣٢ - باب أحبُّ الدين
إلى الله أدومه.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٣٠ - باب فضيلة العمل الدائم من
قيام الليل وغيره، حديث ٢٢٠.
قال الحافظ(١): الملال: استثقال الشيء ونفور الشيء عنه بعد محبته،
وهو محال على الله عز وجل بالاتفاق، قال الإسماعيلي وجماعة من
المحققين: إنما أطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازاً، ويؤيده ما ورد في
بعض طرق حديث عائشة: أن الله لا يملّ من الثواب حتى تملّوا من العمل،
أخرجه ابن جرير.
قال القرطبي: وجهة المجاز أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن قطع العمل
ملالاً عبر عن ذلك بالملال من تسمية الشيء باسم سببه، وقال الهروي: معناه: لا
يقطع عنكم فضله حتى تملّوا سؤاله، وقال غيره: لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة
حتى يتناهى جهدكم، وهذا كله بناء على أن ((حتى)) على بابها في انتهاء الغاية، وجنح
بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه: لا يملّ الله إذا مللتم، وهو مستعمل في كلام
العرب كثيراً. وقال المازري: ((حتى)) بمعنى الواو، فالتقدير: لا يملّ وأنتم تملّون.
(اكلفوا) بسكون الكاف وفتح اللام أي خذوا، وتحملوا (من العمل) أي
من أعمال البر. قال العيني: الأعمال عام في الصلاة وغيرها، وحمله الباجي
وغيره على الصلاة خاصة، لأن الحديث ورد فيها، وحمله على العموم أولى
لأن العبرة بعموم اللفظ، اهـ. قال عياض: يحتمل أنه خاص بصلاة الليل،
ويحتمل أنه عام في الأعمال الشرعية، قال الحافظ ابن حجر: سبب وروده
خاص لكن اللفظ عام وهو المعتبر (ما لكم به) أي بالمداومة عليه (طاقة) وقوة
ومقصود الحديث النهي عن تكلف ما لا يطاق، قلت: وهو الصواب.
(١) (فتح الباري)) (١٠٢/١).
٥٥٨
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٠) حديث
وقال القاضي: يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل النهي
عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما لا نطيق، قال: وهو أنسب
للسياق، اهـ. وأخذ بظاهر الحديث جماعة من الأئمة فقالوا: يكره قيام جميع
الليل، وبه قال مالك مرة، ثم رجع عنه، وقال: لا بأس به ما لم يضر بصلاة
الصبح، فإن كان يأتي وهو ناعس فلا يفعل، وإن كان إنما يدركه كسل وفتور
فلا بأس به، وكذا قال الشافعي: لا أكرههه إلا لمن خشي أن يضر بصلاة
الصبح، قاله الزرقاني(١).
قال ابن عابدين: صرحوا بأنه يكره السهر إذا خاف فوت الصبح، قال
العيني: فيه دليل على أن الصلاة جميع الليل مكروهة وهو مذهب الجمهور،
وروي عن جماعة من السلف أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك إذا لم ينم
عن الصبح، اهـ.
وقال في موضع آخر: قال النووي: وقال القاضي: كرهه مالك، وقال:
لعله يصبح مغلوباً، وفي رسول الله وَ ل﴿ أسوة، ثم قال: لا بأس به ما لم يضر
ذلك بصلاة الصبح، فإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا، وإن كان به فتور
وكسل فلا بأس به، انتهى.
قلت: وما يظهر بملاحظة أقوال المشايخ وأفعالهم هو ذاك التفصيل،
وهو المراد على الظاهر بقول العيني دليل الجمهور، وإلا فالجمهور لا يظهر
منهم المنع مطلقاً، فقد تقدم قول مالك والشافعي، وثبت بأقوال جمع من
المشايخ أن الإمام أبا حنيفة صلّى الصبح بوضوء العشاء أكثر من ثلاثين سنة،
ووردت آثار الصحابة في إحياء الليالي كلها، قالت امرأة سيدنا عثمان حين
أطافوا به، يريدون قتله: إن تقتلوه أو تتركوه، فإنه كان يحيي الليل كله.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٤/١).
٥٥٩
٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٠) حديث
وقال ابن كثير في ((تاريخه)) في ترجمة سيدنا عمر: كان يصلي بالناس
العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلي إلى الفجر، وروي عن ابن عمر: إذا فاتته
العشاء في جماعة أحيى بقية الليل، وكان تميم الداري ربما رَدَّدَ الآية الواحدة
الليل كله حتى الصباح، بسط الكلام على أمثال هذه الآثار في ((إقامة
الحجة))(١) .
وقد ورد في الآثار الكثيرة أنهم يستعجلون بالطعام مخافة السحر، وقد
كانوا يصلون التراويح من أول الليل، والآثار في المرابطين كثيرة، هذا وقد
ورد مرفوعاً إحياء الليل كله، فقد أخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا،
وابن حبان في ((صحيحه))، وابن مردويه، والأصبهاني في كتاب ((الترغيب)) له،
وابن عساكر عن عطاء قال: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت عن
رسول الله وَّ؟ قالت: وأيُّ شأنه لم يكن عجباً! إنه أتاني ليلة، فدخل معي في
لحافي، ثم قال: ((ذريني أتعبَّدُ لربي))، فقام فتوضأ، ثم قام يصلّي فبكى حتى
سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى،
فلم يزل كذلك حتى جاءه بلال يؤذنه بالصلاة))، الحديث.
فدلّ على أن نفي عائشة قيام الليل كله محمول على غالب الأحوال كما
أن خبر عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة محمول على الأغلب، وإلا فقد
ثبت الزيادة على إحدى عشرة ركعة بعدة روايات، كما ذكره النووي، كذا في
((إقامة الحجة))(٢) .
وأخرج محمد بن نصر في ((قيام الليل)) عن أبي ذر قال: صلّى بنا
رسول الله ◌َي* ليلة العشاء، ثم رجع إلى أهله، فلما تكفأت عنه العيون رجع
(١) انظر: (ص ١٢ - ٢١).
(٢) انظر: ((إقامة الحجة)) للإمام اللكنوي (١١٣).
٥٦٠