Indexed OCR Text
Pages 381-400
٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٢) حديث وَاحِبُّ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) . أخرجه البخاري في: ١٠ - كتاب الأذان، ١٦١ - باب وضوء الصبيان، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور. ومسلم في: ٧ - كتاب الجمعة، ١ - باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال، حديث ٥. مسلم في حديث الباب: ((الغسل يوم الجمعة)) وكذا هو في الباب الذي بعده، وظاهره أن الغسل حيث وجد فيه كفى لكون اليوم جعل ظرفاً، اهـ. (وأجب) يعني مؤكد عند فقهاء الأمصار كما تقدم، قال ابن عبد البر(١): ليس المراد أنه فرض؛ بل هو مؤول أي واجب في السنة أو في المروءة أو في الأخلاق الجميلة، ثم أخرج عن ابن وهب: أن مالكاً سئل عن غسل يوم الجمعة أواجب هو؟ قال: هو سنة ومعروف، قيل: إن في الحديث ((واجب))، قال: ليس كل ما جاء في الحديث يكون كذلك، انتهى. قال الحافظ في ((الفتح))(٢): قال الشافعي في ((رسالته)) بعد أن أورد حديثي ابن عمر وأبي سعيد: احتمل قوله: ((واجب)) معنيين، الظاهر منهما واجب، فلا يجزئ إلا الغسل، واحتمل أنه وجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة، ثم استدل للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر، قال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار، اهـ. (على كل محتلم) أي بالغ، وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب، فتدخل النساء في ذلك، قاله الزرقاني، لأن المحتلم يعم الرجال والنساء، ولذا استدل به البخاري على ترجمته . (١) ((شرح الزرقاني)) (١ / ٢١١). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٦١/٢). ٣٨١ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث ٥/٢٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ)). أخرجه البخاريّ في: ١١ - كتاب الجمعة، ٢ - باب فضل الغسل يوم الجمعة . ومسلم في: ٧ - كتاب الجمعة، حديث ١. وقال الباجي(١): يقتضي تعلق الحكم بالاحتلام دون الإنبات، وهي الخمس عشرة سنة، ويقتضي اختصاصه بالرجال، لأن لفظه لفظ تذكير مع أن الاحتلام معتبر فيهم وعام لهم، وأما الاحتلام في النساء فنادر، اهـ. قلت: وتقدم الكلام على أن غسل الجمعة مختص بمن يحضرها أو عام للكل، وتقدم أيضاً أن الأوجه عندي أن غسل الجمعة يتضمن اغتسالين للجمعة واليوم، الأول مؤكد، والثاني مندوب، وينوب الثاني عن الأول بدون العكس، وسيأتي البسط في ذلك. ٥/٢٢٣ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وعلّل قال: إذا جاء) أي أراد المجيء كما هو ظاهر، وتوهم من حمله على ظاهر اللفظ، قال العيني: ظاهره أن يكون الغسل عقب المجيء، لأن الفاء للتعقيب، ولكن ليس ذلك المراد، وإنما المعنى إذا أراد أحدكم الجمعة فليغتسل، وقد ورد مصرحاً في رواية الليث بلفظ: ((إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل)) (أحدكم) عام للرجال والنساء (الجمعة) بالنصب أي الصلاة أو المكان الذي تقام فيه الجمعة، وقال الطيبي: الظاهر أن الجمعة فاعل، كقوله تعالى: ﴿أَن يَأْنِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ﴾ (فليغتسل) الأمر للتأكيد لا الوجوب كما تقدم. قال العيني(٢): احتجت به الظاهرية على أن الأمر فيه للوجوب، وليس (١) ((المنتقى)) (١٨٦/١). (٢) ((عمدة القاري)) (١٦٥/٦/٣)، الحديث (٩٠٣). ٣٨٢ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث ٠ ٠٠٠٠٠٠ كذلك لأن الأمر بالغسل ورد على سبب، وقد زال السبب، فزال الحكم بزوال علته، لرواية البخاري من حديث عائشة - رضي الله عنها -: ((كان الناس مَهَنَةَ أنفسِهم)) الحديث، انتهى. قلت: واختلف العلماء في أن الغسل لصلاة الجمعة أو ليومها، قال الزرقاني(١): قول جماعة: إن الغسل لليوم لا للجمعة، ومذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم: أنه للجمعة لا لليوم، انتهى. قال: وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة ولا فعل ما أمر به، اهـ. وفي ((السعاية))(٢): اختلفوا في ذلك على قولين: الأول أنه لليوم، وهو قول الحسن بن زياد، وبه قال محمد وداود الظاهري، وهو رواية عن أبي يوسف، والدليل إما عقلاً: فهو أن يوم الجمعة سيد الأيام وأشرفها فيسن فيه الغسل إظهاراً للفضيلة، وإما نقلاً: لحديث غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والثاني وهو الصحيح عند الجمهور وهو قول أبي يوسف كما في ((البداية)) وغيره: أنه للصلاة لا لليوم، ثم قال: وفي ((مختارات النوازل)) و((المحيط)) و((فتاوى قاضي خان)): أنه لو اغتسل بعد الصلاة لا يعتبر بالاتفاق. وفي ((الفتح))(٣) قال ابن دقيق العيد: لقد أبعد الظاهري حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة، حتى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنده تعلقاً بإضافة الغسل إلى اليوم، وادعى ابن حزم أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين، انتهى مختصراً. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٠/١، ٢١٣). (٢) (٣٣٠/١). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٣٥٨/٢). ٣٨٣ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث قلت: والذين قالوا: إنه للصلاة اختلفوا في مسألة أخرى، وهي أنه هل يندب اتصاله بالصلاة أم لا؟ كما سيأتي قريباً، واستدل من قال: بأن الغسل لليوم بحديث الباب، وردّه الجمهور كما تقدمت الإشارة إليه في كلام العيني، وبه قال الزرقاني، إذ قال: الفاء في الحديث للتعقيب فظاهره أن الغسل يعقب المجيء، وليس بمراد، وإنما المراد: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآية، قلت: وأيضاً قوله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية، وقوله عز وجل: ﴿فَإِذَا فَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية. ثم قال الزرقاني: ويقويه حديث أبي هريرة السابق: ((من اغتسل يوم الجمعة ثم راح)) فهو صريح في تأخر الرواح، وبهذا علم فساد قول من حمله على ظاهره وتمسك به، على أن الغسل لليوم لا للصلاة، انتهى. قلت: وما يخطر في البال بملاحظة الروايات وأقوال الأئمة وكلام الفقهاء أن هناك عدة اغتسالات ندب إليها النبي ◌ّ في روايات كثيرة، بعضها آكد من بعض، ويستقل كل واحد منها بسببه، وثبت في ((الأصول)): أن المطلق في الأسباب عندنا الحنفية لا يحمل على المقيد، فالأوجه عندي بعد التفحص الكثير أن كل نوع من هذه الاغتسالات مستقل بسببه، لكن ينوب بعضها عن بعض . فالأول الغسل في كل أسبوع ندب إليه النبي ◌ّ في عدة روايات، منها حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال عليه الصلاة والسلام: (حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام)) أخرجه الشيخان وجماعة، وجلّ طرقه خالية عن تعيين اليوم، وزاد البزار والطحاوي وغيرهما : ((وذلك يوم الجمعة)) (١) وهو تفسير على الظاهر من بعض الرواة، وكذلك حديث (١) أخرجه ابن خزيمة (١٢٤/٣). ٣٨٤ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث جابر مرفوعاً: ((على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، هو يوم الجمعة))، فقوله هو يوم الجمعة أيضاً تفسير لأحد من الرواة على الظاهر، ولو كان مرفوعاً إليه مَ * فلا يضرنا أيضاً كما سترى. فأمثال هذه الروايات عندي من قبيل النظافة المطلقة، لا تختص بيوم دون يوم، نعم، لو اغتسل في يوم الجمعة حصلت له الفضيلتان معاً كما سيجيء، فهذا الغسل عندي يعم كل مسلم من الرجال والنساء، حضر الجمعة أم لا، فيكون هذا من قبيل قوله عليه الصلاة والسلام في سفر: ((إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش)) (١) الحديث، أخرجه أبو داود، مفصلاً، ومن قبيل: ((قذف النبي وَل بردة سوداء لما وجد فيها ريح الصوف)) أخرجه أبو داود، كذا في ((جمع الفوائد))(٢). وأيضاً قال النبي ◌َّله: ((إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة)) الحديث، أخرجه في ((جمع الفوائد))(٣) وإن لم تحمل هذه الروايات على مطلق الغسل، فيبعد أن النبي ◌َّلل ندبهم إلى إزالة الأوساخ الهنية، كالاستحداد، ونتف الإبط، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وأمثال ذلك، ولم يندبهم إلى إزالة وسخ كلّي، وهو الغسل. وأيضاً أمرهم بإكرام الشعور، فكيف يمكن أن يقال: إنهم لم يأمرهم بإكرام البدن، وروي عن عطاء قال: كان النبي 18ّ في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه بيده، كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل (١) أخرجه أبو داود في اللباس ح (٤٠٨٩). (٢) (١٩٧/٣) ح (٥٦٩٧). (٣) ذكره في ((جمع الفوائد)) مرسلاً (٢١٨/٣) ح (٥٨٣٨). ٣٨٥ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث ثم رجع فقال عمر: ((أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان)) أخرجه في ((جمع الفوائد))(١) عن مالك. أمثال هذا كثير، ندب فيها النبي ◌َّيّ إلى أنواع النظافات، فهذا الاغتسال عندي من قبيل تلك الأمور، لا يختص بيوم الجمعة ولا صلاتها، بل يعم كل الناس وهذا الغسل لم يتعرض له الفقهاء أصالة، لكنهم صرحوا في غسل الجمعة أن من اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة يكفي لحصول المقصود فهذا هو ذاك الغسل، والمقصود هو النظافة وإزالة الرائحة الكريهة. ثم رأيت الطحطاوي على ((المراقي)) أنه نقل عن استحسان القهستاني عن الزاهدي: يستحب أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، ويحلق عانته، وينظف بدنه في كل أسبوع مرة، ويوم الجمعة أفضل، ثم في خمسة عشر يوماً، والزائد على الأربعين آثم، اهـ. فهذا عين ما قلته أولاً، فلله الحمد. وفي ((الدر المختار)): ويستحب حلق عانته وتنظيف بدنه بالاغتسال في كل أسبوع مرة، والأفضل يوم الجمعة، اهـ. وكذلك كلام الفقهاء مصرح بأن ندب الاغتسال في الأسبوع مندوب برأسه وكونه جمعة أفضل ليحصل الفضيلتان . والغسل الثاني: هو غسل يوم الجمعة مندوب برأسه، غسل لليوم لا للصلاة، فمن اغتسل بعد الجمعة يحصل له فضل غسل اليوم وإن لم يحصل له فضل غسل الصلاة الآتي، وهو ثابت بالروايات التي ذكر فيها غسل يوم الجمعة، منها حديث أبي قتادة مرفوعاً: ((من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى)) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) وقال: غريب، ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما ورواه ابن حبان بلفظ: ((من اغتسل يوم الجمعة لم يزل طاهراً إلى الجمعة الأخرى)). (١) (٢٢٠/٣) ح (٥٨٥٤). ٣٨٦ ------ ------ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث ٠ وكذا روايات قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا جاء أحدكم الجمعةَ)) على رواية ضم الجمعة، أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) أخرجه مالك والبخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي والطحاوي وغيرهم، وغير ذلك من الروايات الكثيرة الصريحة في الغسل ليوم الجمعة، ذكرها في المطولات كالسعاية، وغيره، ويؤيده ما في ((الدرر والغرر)): أن غسل العيد سنة لليوم، لأنه يوم سرور والسرور فيه عام، فيندب فيه التنظيف لكل قادر عليه صلى أم (١) لا ، انتهى (١) . فهذه العلة تؤيد أن ليوم الجمعة أيضاً غسلاً إذ هو يوم سرور وعيد، يعم من صلى أو لم يصل، ونظيره غسل عرفة، وليلة القدر، وليلة براءة، وعند الوقوف بمزدلفة، وعند دخول منى، ولدخول المدينة ومكة، وغير ذلك؛ فإن هذه الاغتسالات كلها ندبت لشرف الأماكن والأوقات، فيبعد أن لا يندب ليوم الجمعة على ما فيه من الفضائل الكثيرة . والثالث: هو الغسل المعروف عند المشايخ الثابت بالروايات الكثيرة الشهيرة المختلف فيما بين الأئمة بالوجوب والندب، هو الغسل لصلاة الجمعة يختص بمن حضر، ومن لم يحضر فليس عليه هذا الغسل، كما هو مصرح في الروايات. فقد ورد في رواية عثمان بن واقد عن نافع عند أبي عوانة وابن خزيمة وابن حبان في صحاحهم بلفظ: ((من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل ومن لم يأتها فليس عليه غسل)) (٢) رجاله ثقات، لكن قال البزار: أخشى أن يكون عثمان وهم فيه، قاله الحافظ(٣) وتبعه الزرقاني، فعلى هذا لم (١) انظر: ((السعاية)) (٣٢٨/١). (٢) ((أخرجه ابن خزيمة)) (١٢٦/٣ الحديث: ١٧٥٣). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٤٣٦/٢). ٣٨٧ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث يبق بين العلماء اختلاف في المسألة أصلاً، لأن من شرط تقدم الغسل على الصلاة أو اتصاله به أراد غسل الصلاة، ومن اكتفى بمطلق الغسل أراد به غسل اليوم. وكذلك ما قاله الحافظ(١) في شرح حديث: ((إذا جاء أحدكم الجمعة)): استدل بمفهومه على أن الغسل لا يشرع لمن لم يحضر الجمعة، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وبه قال الجمهور خلافاً لأكثر الحنفية، اهـ. فلا يكون قول أكثر الحنفية إلا متعلقاً بالغسل الذي يتعلق باليوم دون الصلاة. وإذا تحققت ذلك كله فلا يذهب عليك أن من اغتسل يوم الجمعة متصلاً للصلاة يحصل له الاغتسالات الثلاثة، ونظيره ما صرح به المشايخ من أهل الفقه أنه يكفي غسل واحد لعيد وجمعة اجتمعا مع جنابة، وتحية مسجد تؤدى بصلاة الفرض، وكذلك ما صرحوا: أن المندوب هو صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويندب كونها الأيام البيض، فعلى هذا من صام ثلاثة أيام من الشهر غير البيض حصل له ثواب مندوب واحد، ومن صام من الشهر أيام البيض حصل له أجر مندوبين ندب الثلاثة من الشهر، وندب الأيام البيض. وله نظائر كثيرة بسطها المشايخ في توضيح قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات)) فإنهم قالوا: إن الداخل في المسجد لو نوى كونه وفد الله وانتظار الصلاة وكَفَّ الأعضاء عن المحارم والاعتكاف، وذكر الله وغير ذلك مما بسطوه يحصل له أجور ذلك، فكذلك عندي المغتسل يوم الجمعة وقت الصلاة يحصل له أجور الاغتسالات الثلاثة. ثم لا يذهب عليك أن هذا كله خاطري أبو عذرة، فإن كان صواباً فمن الله عز وجل، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله الهادي إلى الرشد والصواب. (١) ((فتح الباري)) (٢/ ٤٣٧). ٣٨٨ -- - - ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث قَالَ مَالِكٌّ: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوَّلَ نَهَارِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعُسْلَ لا يَجْزِي عَنْهُ، حَتَّى يَغْتَسِلَ إِذَاجِهِ، .... (قال يحيى: قال مالك: من اغتسل يوم الجمعة أول نهاره وهو) أي المغتسل (يريد بذلك) الغسل أداء سنية (غسل الجمعة فإن ذلك الغسل لا يجزي) قال الزرقاني(١): بفتح أوله أي لا يكفي، قلت: والأوجه الضم، وفي ((القاموس)): وجزى الشيء يجزي: كفى، وعنه: قضى، وأجزى كذا عن كذا: قام مقامه، ولم يكف، وأجزأ عنه أي أغنى عنه، (عنه) أي الرجل أو غسل الجمعة (حتى يغتسل ترواحه). قال الباجي(٢): ذهب مالك إلى أن الغسل للجمعة يكون متصلاً للرواح، وقال ابن وهب في ((العتبية)): يصح أن يغتسل لها بعد طلوع الفجر، قال: وأفضل له أن يتصل غسله برواحه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، انتهى. قلت: وسيأتي في كلام الحافظ أن الأوزاعي والليث وافقا الإمام مالكاً في ذلك، وقال الجمهور: يجزي من بعد الفجر. وقال العيني: قال صاحب ((الهداية)): ثم هذا الغسل، أي غسل يوم الجمعة، للصلاة عند أبي يوسف، يعني لا يحصل له الثواب إلا إذا صلى صلاة الجمعة بهذا الغسل، حتى لو اغتسل بعد الجمعة أو أول اليوم وانتقض، ثم توضأ وصلى لا يكون مدركاً لثواب الغسل، وهو الصحيح، واحترز به عن قول الحسن بن زياد، فإنه قال: لليوم؛ إظهاراً لفضيلته، وبه قال داود، وفي (المبسوط)): هو قول محمد، وفي ((المحيط)): وهو رواية عن أبي يوسف، فعلى هذا عن أبي يوسف فيه روايتان، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٣/١). (٢) ((المنتقى)) (١٨٦/١). ٣٨٩ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَدِّ قَالَ، فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ)). وقال ابن عابدين: وكون الغسل للصلاة هو الصحيح، وهو ظاهر الرواية، وهو قول أبي يوسف، وقال الحسن بن زياد: إنه لليوم، ونسب إلى محمد، والخلاف المذكور جاء في غسل العيد أيضاً، وأثر الخلاف فيمن لا جمعة عليه لو اغتسل، وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء نال الفضل عند الحسن لا عند الثاني، وكذا فيمن اغتسل قبل الفجر، وصلى به ينال عند الثاني لا عند الحسن، لأنه اشترط إيقاعه فيه إظهاراً لشرفه. وذكر عبد الغني النابلسي أنهم صرحوا بأن هذه الاغتسالات للنظافة لا للطهارة، مع أنه لو تخلل الحدث تزداد النظافة بالوضوء ثانياً، فالأولى عندي الإجزاء، وإن تخلل الحدث، لأن مقتضى الأحاديث الواردة في ذلك طلب حصول النظافة فقط، انتهى. ويؤيده طلب التبكير للصلاة وهو في الساعة الأولى أفضل، فربما يعسر بقاء الوضوء إلى وقت الصلاة سيما في أطول الأيام عادة، انتهى مختصراً. (وذلك) يعني دليل اتصال الغسل بالرواح (أن رسول الله وَ ل قال) كما تقدم (في حديث ابن عمر: إذا جاء أحدكم الجمعة) (١) تقدم شرحه (فليغتسل) فعلق الغسل بالمجيء للجمعة، فيفيد أن شرطه اتصاله بالذهاب إليه لأن المعلق على شيء إنما يوجد إذا وجد، وهذا استدلال جلي، قاله الزرقاني (٢). وقال الحافظ في ((الفتح)) (٣): قال ابن دقيق العيد: في الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة، واستدل به لمالك في أنه يعتبر أن (١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٥/٥)، و((التمهيد)) (١٤٤/١٤ - ١٤٧). (٢) (٢١٢/١، ٢١٣). (٣) ((فتح الباري)) (٣٥٨/٢). ٣٩٠ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَمَنِ اعْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مُعَجِّلاً أَوْ مُؤَخِّراً، ... يكون الغسل متصلاً بالذهاب، ووافقه الأوزاعي والليث، والجمهور قالوا: يُجزئ من بعد الفجر، ويشهد لهم حديث ابن عباس الآتي قريباً، وقال الأثرم: سمعت أحمد سئل عمن اغتسل ثم أحدث، هل يكفيه الوضوء؟ فقال: نعم، ولم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى، يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، وله صحبة: أنه كان يغتسل يوم الجمعة ثم يحدث فيتوضأ، ولا يعيد الغسل . ومقتضى النظر أن يقال: إذا عرف أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة والتنظيف رعاية الحاضرين من التأذي بالرائحة الكريهة، فمن خشي أن يصيبه في أثناء النهار ما يزيل تنظيفه استحب له أن يؤخر الغسل لوقت ذهابه، ولعل هذا هو الذي لحظه الإمام مالك فشرط اتصال الذهاب بالغسل ليحصل الأمن مما يغاير التنظيف، والله أعلم، انتهى كلام الحافظ. وما أشار إليه الحافظ من حديث ابن عباس أخرجه البخاري في ((باب الدهن للجمعة)) من حديث طاووس: قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي وَل قال: ((اغتسلوا يوم الجمعة)) الحديث. قلت: واختلفت آثار الصحابة في ذلك كما أخرجها ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وللجمهور ما روي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه: أنه كان يغتسل يوم الجمعة ثم يحدث بعد الغسل ثم لا يعيد غسلاً. وروي عن هشام قال: كان محمد يستحب أن لا يكون بينه وبين الجمعة حدث. وقال الحسن: إذا أحدث توضأ، وروي عن مبارك عن الحسن قال: إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث أجزأه الوضوء. (قال يحيى: قال مالك: ومن اغتسل يوم الجمعة) سواء كان (معجلاً) بكسر الجيم (أو مؤخراً) بكسر الخاء، ويحتمل الفتح فيهما على أنه صفة مصدر أي غسلاً معجلاً، قال الباجي: يريد بالتعجيل أن يعجل غسله ورواحه، والمؤخر أن يؤخر غسله ورواحه، اهـ. ٣٩١ ٥ - كتاب الجمعة (١) باب (٢٢٣) حديث وَهُوَ يَنْوِي بِذْلِكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَأَصَابَهُ مَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْوُضُوءُ، وَغُسْلُهُ ذَلِكَ مُجْزِىءٌ عَنْهُ. قلت: وتقييده بالرواح لما قد تقدم من مذهبهم: أن من اغتسل أول نهاره فلا يجزي عنه حتى يتصل ذهابه بالرواح وإن كان التعجيل الكثير في الرواح أيضاً مكروهاً على مسلكهم، وأنه فسر الزرقاني قوله: معجلاً أي ذاهباً لها قبل الزوال، ولو بكثير مرتكباً للمكروه، أو مؤخراً، أي رائحاً لها في وقتها المطلوب، لأن المدار إنما هو على اتصاله بالرواح، اهـ. (وهو) جملة حالية (ينوي) استنبط منه الباجي اشتراط النية في غسل الجمعة عندهم، قلت: وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أول الجمعة في كلام الحافظ أيضاً تحت حديث الخدري (بذلك) الغسل (غسل الجمعة فأصابه) بعد الغسل (ما ينقض وضوءه) من نواقض الوضوء (فليس عليه إلا الوضوء) أي إعادة الوضوء فقط (وغسله ذلك مجزئ عنه). ولا حاجة إلى إعادة الغسل بخلاف ما تقدم في المسألة الأولى فإنه أمَرَ هناك بإعادة الغسل لفوت شرط الاتصال، وههنا حصل الاتصال ثم طرأ عليه الحدث، وروي ذلك عن عبد الرحمن بن أبزى الصحابي أيضاً، أنه يحدث، فيتوضأ ولا يعيد الغسل، أخرجه ابن أبي شيبة. قلت: والأصل أنه يتفرع على أن الغسل هذا للنظافة أو للتعبد؟ قال الحافظ(١): حكى ابن العربي وغيره أن بعض أصحابهم قالوا: يجزئ عن الاغتسال للجمعة التطيّب، لأن المقصود النظافة، وقال بعضهم: لا يشترط له الماء المطلق، بل يجزئ بماء الورد ونحوه. وعاب ابن العربي ذلك وقال: هؤلاء وقفوا مع المعنى، وأغفلوا المحافظة على التعبد بالمعنى، والجمع بين التعبد والمعنى أولى، وعكس ذلك (١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٦٣/٢). ٣٩٢ -- 1 ١ 1 ---.. . ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢) باب ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب قول بعض الشافعية بالتيمم، فإنه تعبد دون نظر إلى المعنى، وأما الاكتفاء بغير الماء المطلق فمردود، لأنها عبادة لثبوت الترغيب فيها، فيحتاج إلى النية ولو كان لمحض النظافة لم تكن كذلك، اهـ. قلت: وأما عندنا الحنفية فلم أر من تعرض لكفاية التطيب أو الاغتسال بماء الورد ونحوه، ولكن صرح الطحطاوي على ((مراقي الفلاح)) بأنه لا يتيمم للاغتسالات المسنونة والمندوبة . (٢) ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب قال الزرقاني(١): أشار بهذا إلى الرد على من جعل وجوب الإنصات من خروج الإمام، لأن قوله في الحديث: ((والإمام يخطب)) جملة حالية تُخرج ما قبل خطبته من حين خروجه وما بعده إلى أن يشرع في الخطبة. نعم، الأفضل أن ينصت، لما ورد من الترغيب فيه، انتهى. قلت: أخذ الزرقاني هذا الكلام من كلام الحافظ في ((الفتح))(٢)؛ إذ شرح به قول البخاري ((باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب)) وأنت خبير بأن قوله: ((والإمام يخطب)) لا يشمل حكم ما قبل الخطبة لا نفياً ولا إثباتاً، سيما عند من لا يعتبر بالمفهوم المخالف، والمسألة مختلفة عند الأئمة. قال العيني(٣): ثم اختلف العلماء في وقت الإنصات فقال أبو حنيفة: خروج الإمام يقطع الصلاة والكلام جميعاً لقوله وَلاو: ((فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر))، وقالت طائفة: لا يجب إلا عند ابتداء الخطبة، ولا بأس بالكلام قبلها، وهو قول مالك والثوري وأبي يوسف ومحمد والأوزاعي (١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٤/١). (٢) (فتح الباري)) (٤١٤/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (٩٩/٥). ٣٩٣ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب والشافعي. وقال بعضهم: قالت الحنفية: يحرم الكلام من ابتداء خروج الإمام، وورد فيه حديث ضعيف. قلت: حديث الباب هو حجة للحنفية وحجة عليهم، بالتأمل يُدْرى، انتهى كلام العيني. وأراد بحديث الباب قوله: ((فإذا خرج الإمام طووا صحفهم))، الحديث. وأخرج البخاري أيضاً حديث سلمان الفارسي مرفوعاً بلفظ: ((ثم إذا خرج الإمام أَنْصَتَ)) الحديث(١) . وقال العلامة(٢) العيني أيضاً في موضع آخر: وروى ابن أبي شيبة في (المصنف)) والطبراني في ((الكبير)) من رواية الركين بن الربيع عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: ((كفى لغواً إذا صعد الإمام المنبر أن تقول لصاحبك: أنصت))، ورجاله ثقات، فهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي. وقال أيضاً في موضع آخر: وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام، قلت: أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن علي وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام، انتھی . قلت: وروى الطبراني(٣) من حديث ابن عمر رفعه: ((إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام)) وهذا الذي أشار إليه الحافظ في كلامه المذكور سابقاً إذ قال: وورد فيه حديث ضعيف، فقال الحافظ في ((الفتح)): هو ضعيف؛ فيه أيوب بن نهيك، وهو منكر الحديث. قاله أبو زرعة وأبو حاتم، انتهى. (١) أخرجه البخاري ح (٩١٠). (٢) ((عمدة القاري)) (١١٣/٥). (٣) انظر: ((مجمع الزوائد)) ح (٣١٢٠). ٣٩٤ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٤) حديث ٦/٢٢٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قلت: لكن ذكره ابن حبان في ((ثقاته))، وقال: يخطئ، وقال أيضاً: يعتبر بحديثه من غير رواية أبي قتادة الحراني عنه كذا نقله الحافظ بنفسه في ((لسان الميزان)) (١)، ولو سُلِّم فهو مؤيد بالروايات الصحيحة، وآثار الصحابة، وأخرج الطحاوي بسنده إلى أبي هريرة وأبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ: وأنصت إذا خرج الإمام، وفيها غير ذلك من الروايات اكتفينا بالمذكور روماً للاختصار. وقال العيني(٢) أيضاً: وفي (كتاب الأسرار)): لنا ما روى الشعبي عن ابن عمر عن النبي ◌ّلل أنه قال: ((إذا صعد الإمام المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ))، والصحيح من الرواية: ((إذا جاء أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام)). ٦/٢٢٤ - (مالك، عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة)، قال الزرقاني(٣): هكذا رواه يحيى وجماعة من الرواة، ورواه ابن وهب وغيره في ((الموطأ)) عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، والحديث صحيح من الوجهين، انتهى. قلت: ورواية محمد في ((الموطأ)) (٤) مثل الأول. وحاصل كلام الزرقاني بيان الاختلاف على الإمام مالك في هذا الحديث، وهذا غير الاختلاف الذي ذكره الحافظ في ((الفتح)) (٥)، فإن الإمام (١) (٧٥٩/١) رقم الترجمة: (٢٢٥). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٣٢/٦/٣)، و((التعليق الممجد)) (٦٠٤/١). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢١٤/١)، و((التمهيد)) (٢٩/١٩). (٤) رقم الحديث (٢٣٠)، انظر: ((التعليق الممجد)) (٦٠٥/١). (٥) ((فتح الباري)) (٤١٤/٢). ٣٩٥ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٤) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ البخاري أخرج الحديث في ((صحيحه)) من طريق يحيى بن بكير عن الليث عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال الحافظ: هكذا رواه يحيى بن بكير، ورواه شعيب بن الليث عن أبيه عن عقيل عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ عن أبي هريرة، أخرجه مسلم والنسائي، اهـ. قلت: أخرجه النسائي بطريقين معاً، وحاصل هذا الكلام بيان الاختلاف على الزهري وصحح الحافظ الطريقين معاً . (أن رسول الله بَّ قال: إذا قلت) ببناء الخطاب (لصاحبك) الذي تخاطبه إذ ذاك أو جليسك، وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب (أنصت) أي اسكت عن الكلام مطلقاً واستمع الخطبة، وقال ابن خزيمة: المراد السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله، وتُعُقِّبَ بأنه يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة، وهو خلاف الظاهر ويحتاج إلى دليل، انتهى. وقال العيني(١): فيه النهي عن جميع الكلام حال الخطبة لأنه إذا قال: ((أنصت))، وهو في الأصل أمر بالمعروف وسماه لغواً، فغيره أولى، قيل: ذلك لأن الخطبة أقيمت مقام الركعتين، فكما لا يجوز التكلم في المنوب لا يجوز في النائب، اهـ. (والإمام يخطب) جملة حالية. وبه استدل العلامة الزرقاني على أن الإنصات مخصوص بالشروع في الخطبة، لا من خروج الإمام كما يقوله ابن عباس وابن عمر وأبو حنيفة، اهـ. وتقدم الجواب عنه من أنه لا حجة فيه، على أن السكوت قبل الخطبة غير مأمور سيما إذا أمر به النبي ◌َّ بخروج الإمام في غير رواية كما تقدم. (١) ((عمدة القاري)) (٢٤٠/٦/٣). ٣٩٦ -- ۔ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٤) حديث يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدْ لَغَوْتَ)) . أخرجه البخاريّ في: ١١ - كتاب الجمعة، ٣٦ - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب . ومسلم في: ٧ - كتاب الجمعة، ٣ - باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، حديث ١٢. (يوم الجمعة) قال الحافظ: مفهومه أن غير يوم الجمعة بخلاف ذلك وفيه بحث، اهـ. (فقد لغوت) بالواو في جميع النسخ، قال الزرقاني: ولمسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: ((فقد لغيت))، قال أبو الزناد هي لغة أبي هريرة، وإنما هي: ((فقد لغوت)). وقال النووي وغيره: ظاهر القرآن يقتضيها، إذ قال: ﴿وَالْغَوْاْ فِيهِ﴾ وهي من لغى يلغى، ولو كان من يلغو لقال ((الغُوْ)) بالضم، اهـ. وقال المجد في ((القاموس)): اللغة: أصوات يُعَبِّر بها كل قوم عن أغراضهم، ولغا لغواً تكلم وخاب، واللغو واللغى كالفتى السقط وما لا يُعْتَدُّ به من كلام وغيره، اهـ. وقال في ((المجمع)): لغا يلغو ولغى يلغى، إذا تكلم بالمطرح من القول وما لا يعني، وألغى: أسقط، اهـ. وقال العيني(١): لغا في القول يلغو ويلغى لغواً: أخطأ، ولغا يلغو لغواً: تكلم، وفي ((التهذيب)): لغوت اللغو وألغى، ولغى ثلاث لغات، اهـ. قال الباجي(٢): اللغو رديء الكلام وما لا خير فيه. وقال النضر بن شميل: معنى لغوت: خِبت من الأجر، وقال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه، وقال غيره: هو السقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقيل: الإثم كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَرُواْ كِرَامًا﴾(٣) قال (١) ((عمدة القاري)) (١١٢/٥). (٢) ((المنتقى)) (١٨٨/١). (٣) سورة الفرقان: الآية ٧٢. ٣٩٧ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٤) حديث الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام، قال الحافظ: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، قال العيني: وقيل معناه: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهراً، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي، اهـ. قال الباجي: معناه المنع من الكلام إذا خطب الإمام، وأكد ذلك بأن من أمر غيره بالصمت فهو لاغ لأنه قد أتى من الكلام بما ينهى عنه، كما أن من نهى عنه في الصلاة مصلياً فقد أفسد على نفسه الصلاة، انتهى. واستدل بالحديث على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حق من يسمعها، وكذلك في حق من لم يسمع عند الأكثر، ونقل ابن عبد البر الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها إلا من قليل من التابعين، قال في ((المجمع)): مذهب الثلاثة وجوب الإنصات، وإن لم يسمع الإمام، اهـ. قال العيني: وفي (التوضيح)): الصحيح من مذهب الشافعي أنه لا يحرم الكلام ويسنُّ الإنصات، وبه قال الثوري وداود، والقديم أنه يحرم، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد، ونقل عن أكثر العلماء أن الإنصات واجب على من سمعها ومن لم يسمعها، وأنه قول مالك، وقال أحمد: لا بأس أن يذكر الله من لم يسمع الخطبة، وقال ابن عبد البر(١): لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات لها على من سمعها، واختلف فيمن لم يسمعها ، اهـ. قال الحافظ في ((الفتح)) (٢): وأغرب ابن عبد البر في نقل الإجماع، والشافعي في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف (١) ((الاستذكار)) (٤٢/٥). (٢) (فتح الباري)) (٤١٥/٢). ٣٩٨ ---- ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٤) حديث في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟، فعلى الأول يحرم لا على الثاني، وهو الأصح، وعن أحمد أيضاً روايتان، وعنهما أيضاً التفرقة بين من يسمعها، وبين من لا يسمعها، وعن بعض الشافعية: التفرقة بين من تنعقد بهم الجمعة فيجب عليهم الإنصات، دون من زاد، واختلف السلف إذا خطب بما لا ينبغي، وعليه يحمل ما نقل عن السلف من الكلام حال الخطبة، اهـ. وفي ((بداية المجتهد))(١): اختلفوا في الإنصات على ثلاثة أقوال، فمنهم من رأى الإنصات واجباً على كل حال، وأنه حكم لازم من أحكام الخطبة وهم الجمهور: مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجميع فقهاء الأمصار، وهؤلاء انقسموا ثلاثة أقسام، فبعضهم أجاز التشميت وردّ السلام، وبه قال الثوري والأوزاعي، وبعضهم لم يجزهما، وبعضهم فَرَّق، فقال: يرد السلام ولا يشمت، والقول الثاني مقابل القول الأول: إن الكلام في حال الخطبة جائز إلا في حين قراءة القرآن، والثالث: الفرق بين أن يسمع الخطبة أو لا يسمعها، والجمهور على أنه إن تكلم لم تفسد صلاته، وعن ابن وهب أنه قال: من لغا فصلاته ظهرٌ أربع، اهـ. قلت: وسيأتي الكلام على التشميت ورد السلام في محله، وبسطنا الكلام في ذلك لاختلاف نقلة المذاهب فيما بينهم. والمحصل: أن الإنصات واجب مطلقاً عندنا الحنفية والمالكية رواية واحدة، واختلفت الروايات عند الشافعية، واختلفت أصحاب متونهم أيضاً والمرجح عند الحنابلة ما في ((نيل المآرب)) (٢) إذ قال: ويحرم الكلام والإمام يخطب، والمتكلم قريب منه بحيث يسمعه، بخلاف البعيد الذي لا يسمعه، لأن وجوب الإنصات للاستماع، وهذا ليس بمستمع، اهـ. (١) (١/ ١٦١). (٢) (٢٧٥/١). ٣٩٩ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٥) حديث ٢٢٥/ ٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْن أَبِي مَالِكِ الْقُرَضِيَّ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، يُصَلَّونَ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ. فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ، وجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ٧/٢٢٥ - (مالك، عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري (عن ثعلبة بن أبي مالك) عبد الله بن سام (القرظي) بضم القاف وبالظاء المعجمة إمام لبني قريظة ((الفتح الرحماني)) حليف الأنصار، مختلف في صحبته، قال الحافظ(١): قال مصعب الزبيري: سنه سن عطية، و[قصته] قصة عطية، قال البخاري: كان كبيراً أيام بني قريظة على دين اليهودية، فتزوج امرأة من بني قريظة فنسب إليهم وهو من كندة، وكان يوم بني قريظة غلاماً، وقال الزرقاني(٢): قال ابن سعد: قدم أبو مالك من اليمن، وهو من كندة، فتزوج امرأة من قريظة، فَعُرِفَ بهم، اهـ. قلت: جُلُّ أهل الرجال يذكرون قصة التزوج لأبيه، وهو الأوجه، وقال مصعب: كان ثعلبة ممن لم يُنْبِتْ يوم قريظة، فترك كما ترك عطية ونحوه، ذكره ابن حبان والعجلي في ((ثقات التابعين))، وقال أبو حاتم: تابعي وحديثه مرسل، ورده في ((الإصابة)) بأن من يقتل أبوه بقريظة، ويكون هو بصدد القتل لولا عدم الإنبات لا يمتنع أن يصح سماعه من النبي وَل. (أنه) أي ثعلبة (أخبره) أي الزهري (أنهم) أي المسلمين (كانوا في زمن) خلافة (عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه (يصلون) النوافل (يوم الجمعة) قبل الصلاة (حتى يخرج عمر) بن الخطاب، (فإذا خرج عمر وجلس على المنبر) فيه الجلوس للخطبة أول صعوده حتى يؤذن المؤذن. قال النووي: هو مستحب عند الشافعي ومالك والجمهور، وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه: لا يستحب، اهـ. وكذا نقل فيه خلاف الحنفية صاحب ((التوضيح)) وابن بطال وغيرهم، ولا (١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٥/٢)، وله ترجمة في ((أسد الغابة)) (٢٩١/١). (٢) (٢١٥/١). ٤٠٠