Indexed OCR Text

Pages 241-260

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حدیث
وجوبه، كما قاله الحافظ في ((الفتح))، وتقدم عن ((المغني)) عن الإمام الشافعي
أنه لا بأس بالصلاة، وعُدَّ في حواشي الإقناع وغيره الصلاةُ على النبي
وَسـ
بدون الآل من السنن.
والزيادة على التشهد في القعود الأول مطلقاً مكروه عندنا الحنفية، صرح
به الشامي إذ قال: ولا يزيد في الفرض - وما ألحق به كالوتر - على التشهد في
القعدة الأولى إجماعاً، وهو قول أصحابنا ومالك وأحمد، وعند الشافعي على
الصحيح أنها مستحبة فيها. للجمهور ما رواه أحمد وابن خزيمة من حديث ابن
مسعود بلفظ: (ثم إن كان النبي ◌ّ في وسط الصلاة نهض حين فرغ من
تشهده)). قال الطحاوي: من زاد على هذا فقد خالف الإجماع، اهـ، فإن زاد
عامداً كره، أو ساهياً وجب عليه سجود السهو، انتهى كلام الشامي مختصراً.
قال القاري: هذا محمول عندنا على السنن والنوافل.
وفي الحاشية عن ((المحلى)): حمله الحنفية على التطوع، قلت: لا حاجة
إلى الجواب بعدما تحقق أن ابن عمر زاد في التشهد ما زاده باجتهاده، وهذا
يحمل أيضاً على اجتهاده مع المرجح في التشهد روايات ابن مسعود، وأيضاً
مخالف لمذهب مالك الراوي لها، والراوي إذا خالف مرويه يسقط الاحتجاج
عنها أو عنه، كما بسط في الأصول.
قال ابن القيم في ((الهدي)): ولم يثبت أنه يَّ صلَّى عليه وعلى آله في
هذا التشهد، ولا كان أيضاً يستعيذ فيه، ومن استحب ذلك إنما فهمه من
عمومات وإطلاقات قد صح تبيين موضعها وتقييدها بالتشهد الأخير، اهـ.
وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(١) عن ابن عمر قال: ما جعلت الراحة في
الركعتين إلا للتشهد، وأخرج عن الحسن أنه كان يقول: لا يزيد في الركعتين
على التشهد.
(١) (٣٣٠/١).
٢٤١

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حدیث
فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِر صَلاتِهِ، تَشَهَّدَ كَذْلِكَ أَيْضاً، إِلَّا أَنَّهُ يُقَدِّمُ
التَّشَهُّدَ، ثُمَّ يَدْعُوا بِمَا بَدَا لَهُ،
(فإذا جلس) ابن عمر - رضي الله عنه - (في آخر صلاته) أي في القعدة
الثانية (تشهد كذلك أيضاً) أي كما تقدم في الجلوس الأول (إلا أنه يقدم
التشهد) على الدعاء في كلا الموضعين (ثم يدعو) بعد التشهد (بما بدا له) ظاهر
الحديث أن المصلي يدعو بما شاء، قال الزرقاني(١): أي من أمر الدنيا
والآخرة؛ لعموم قوله عليه السلام: ((ثم يتخيَّر من الدعاء أعجبه إليه))، وخالف
في ذلك طاووس والنخعي وأبو حنيفة إلا بما في القرآن، كذا أطلق ابن بطال
وجماعة، اهـ.
قال في ((الهداية)): ودعا بما يشبه ألفاظ القرآن، والأدعية المأثورة، ولا
يدعو بما يشبه كلام الناس؛ تحرزاً عن الفساد، ولهذا يأتي بالمأثور المحفوظ،
وما لا يستحيل سؤاله من العباد كقوله: اللهم زوجني فلانة، يشبه كلام الناس،
وما يستحيل كقوله: اللهم اغفر لي، ليس من كلامهم، اهـ.
قلت: وهذا مذهب الحنفية، وما نقلوا عنهم - أنهم قالوا لا يدعوا إلا
بما في القرآن - جهل بمذهبنا، قال الحافظ: كذا أطلق ابن بطال وجماعة عن
أبي حنيفة، والموجود في كتب الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما في
القرآن، أو ثبت في الحديث أو كان مأثوراً، إلى آخره.
قلت: وبه قالت الحنابلة، قال في ((المغني))(٢): وإن دعا في تشهده بما
في الأخبار، فلا بأس به، والجملة: أن الدعاء في الصلاة بما وردت جائز،
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: هؤلاء يقولون: لا تدعوا في المكتوبة إلا بما
في القرآن. فنفض يده كالمغضب وقال: من يقف على هذا !! وقد تواترت
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٨/١).
(٢) انظر: ((المغني)) (٢٣٤/٢، ٢٣٦).
٢٤٢
---

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
الأحاديث عن رسول الله به لول بخلاف ما قالوا. قلت: إذا جلس في الرابعة
يدعو بما شاء؟ قال: بما شاء لا أدري، ولكن يدعو بما جاء وما يعرف.
ثم قال ابن قدامة أيضاً: ولا يجوز أن يدعو في صلاته بما يقصد به ملاذ
الدنيا وشهواتها مما يشبه كلام الآدميين وأمانيهم؛ مثل: اللهم ارزقني جارية
حسناء وداراً قوراء، وطعاماً طيباً وبستاناً أنيقاً، وقال الشافعي: يدعو بما أحب
لعموم قوله: ثم ليتخير من الدعاء أعجبه.
ولنا قوله ◌َله: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين
إنما هي التسبيح والتكسِ)) الحديث، أخرجه مسلم. والخبر محمول على أنه
يتخير من الدعاء المأثور وما أشبهه، وحكى عنه ابن المنذر يدعو بما شاء،
وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، اهـ.
قال الحافظ: واستثنى بعض الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا، فإن أراد
الفاحش من اللفظ فمحتمل، وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقاً لا
يجوز، اهـ.
قال العيني(١): ثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيما يدعو به الإنسان في
صلاته، فعند أبي حنيفة وأحمد: لا يجوز الدعاء إلا بالأدعية المأثورة أو
الموافقة للقرآن العظيم، لقوله ويهلج: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من
كلام الناس)) الحديث، رواه مسلم وذكره ابن أبي شيبة عن أبي هريرة وطاووس
ومحمد بن سيرين، وقال الشافعي ومالك: يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوز
أن يدعو به خارج الصلاة من أمور الدنيا والدين، وقال ابن حزم: بفرضية
التعوذ بما في حديث عائشة عند مسلم، اهـ.
قلت: وسيأتي الكلام على التعوذ في أبواب الدعاء، وذكر صاحب
(١) ((عمدة القاري)) (١١٨/٦).
٢٤٣

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
فَإِذَا قَضى تَشَهُّدَه، وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ، قَالَ: السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
السَّلامُ عَلَيْكُمْ، عَنْ يَمِينِهِ،
((البرهان)) للإمام مالك روايتين: إحداهما مع أبي حنيفة، والثانية مع الشافعي
في عموم اختيار الدعاء، وبوّب ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ((باب من استحب أن
يدعو بما في القرآن)) وذكر فيه عدة آثار تؤيد من اختاره، نعرض عن إيرادها
روماً للاختصار.
(فإذا قضى) ابن عمر (تشهده) وأتم دعاءه أيضاً، (وأراد أن يُسَلِّمَ)
للانصراف عن الصلاة أعاد من التشهد ما هو جنس السلام و(قال: السلام على
النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين). قال
الزرقاني(١): وكان يكرره لما أنه كان يحب أن يختم الصلاة بالسلام على
النبي ◌َّل، وروي عن الإمام مالك استحبابه، لكن قال الباجي: إنه لا يثبت.
(السلام عليكم) تسليمة تحليل يخاطب من (عن يمينه).
قال في ((المغني))(٢): والتسليم واجب ولا يقوم غيره مقامه. وبهذا قال
مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يتعين السلام للخروج من الصلاة، بل إذا
خرج بما ينافي الصلاة من عمل أو حدث أو غير ذلك جاز، لأن النبي ◌َّ لم
يعلمه المسيء في صلاته، ولو وجب لأمره به؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن
وقت الحاجة، ولنا قوله وَلة: ((وتحليلها التسليم))، انتهى.
وقال الباجي(٣): وقد روي عن ابن القاسم أنه إذا أحدث في التشهد في
آخر صلاته أن صلاته قد صحت وكملت، وهو يقرب من قول أبي حنيفة، اهـ.
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)).
(٢) (٢٤٠/٢ - ٢٤١).
(٣) ((المنتقى)) (١٦٩/١).
٢٤٤

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
4 9 4 %
وقال العيني: اختلف العلماء في هذا، فقال مالك والشافعي وأحمد
وأصحابهم: إذا انصرف المصلي بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة، حتى قال
النووي: لو اختلَّ بحرف من حروف ((السلام عليكم)) لم تصح صلاته. وذهب
عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، وقتادة، وأبو حنيفة، وأبو
يوسف، ومحمد، وابن جرير الطبري إلى أن التسليم ليس بفرض، حتى لو تركه
لم تبطل صلاته، انتهى.
وفي ((السعاية)): هو قول علي وابن مسعود والنخعي والثوري والأوزاعي،
قلت: السلام عند الحنفية واجب يجب إعادة الصلاة بتركه، وهذا أيضاً من
المسائل المبنية على أصولهم من التفريق بين الواجب والفرض، وتقدم شيء من
الكلام عليه في بعض نظائره، ولا يمكن لأحد الإنكار عن مرتبة الواجب، وهو
شائع عند الأئمة الأربعة إلا أن التلقيب باسم الواجب يختص بالحنفية.
وفي ((العرف الشذي)): قال ابن تيمية في ((منهاج السنة)): إن الصلاة
تتركب من الفرائض والواجبات والسنن، عند الثلاثة، وعند الشافعي من
الفرائض والسنن، اهـ.
قلت: لا خلاف فيه للشوافع أيضاً كما سترى، ولم أظفر بعد التفحص
الكثير إلى الآن ممن يعتد بقوله لا من الأئمة المتبوعين، ولا من غيرهم من
ينكر الواجب إلا الاسم فقط، دون المسمى.
وأنت خبير بأن الأسماء لا تكون مقاصد، بل تكون للتعريف والتفهيم،
فمن نقم على الحنفية بأن واجب الشيء عندهم إحداث أصل، ليس في الشرع
جهلٌ بمذاهب الأئمة، وقلّة فهم من مسائل الشرع.
فإن أقدم الأئمة إمام دار الهجرة جعل الصلاة مركباً من الفرائض
والواجب والسنن كما تقدم، وأهل متون مذهبه جعلوها مركباً من الفرائض
والسنن، لكن جعلوا السنن قسمين، في بعضها يوجبون السجدة إذا ترك سهواً،
وفي بعضها لا، وهل هذا إلا هو الواجب الذي قال به الحنفية.
٢٤٥

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
وكذلك الإمام الشافعي، متون مسلكه كلها مصرحة بأن السنن عندهم
نوعان؛ يسمى بعضها بالأبعاض وبعضها بالهيئات، ويوجبون سجود السهو في
الأبعاض دون الهيئات، أفليست التي تسميها الشافعية أبعاضاً هي التي تسميها
الحنفية واجباً، فهل يمكن لأحد أن ينكر الوجوب عن الشافعية.
وكذلك الإمام أحمد بن حنبل جعل الصلاة مركباً من الأركان والواجبات
والسنن، كما تقدم من ((منهاج السنة))، ويشهد له سائر متون مسلكه، قال في
(الروض المربع)) (١): وأركان الصلاة أربعة عشر، جمع ركن، وهو جانب
الشيء الأقوى، وهو ما كان فيها، ولا يسقط عمداً ولا سهواً، وسماها بعضهم
فروضاً، والخلاف لفظي، ثم قال: وواجباتها ثمانية، ثم عَدَّها، وقال في
آخره: وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورات في صفة الصلاة
سنة؛ فمن ترك شرطاً لغير عذر بطلت صلاته، أو تعمد ترك ركن أو واجب
بطلت، وإن ترك الركن سهواً، فيأتي به، وإن ترك الواجب سهواً يسجد له
وجوباً، انتهى مختصراً.
فهل ترى هل هو بعينه مذهب الحنفية أو يخالفهم؟! فمن قال اختراع
الواجب من غرائب الحنفية، أو مثل ذلك فهو جاهل بمذاهب الأئمة، أو خادع
للأمة، وسيأتي البسط في ذلك في أبواب الوتر، نعم الأئمة الأربعة - شكر الله
سعيهم - كما هم مختلفون في فروع المسائل اختلفوا في فروع هذا النوع أيضاً،
من أن بعض الجزئيات أدخلها بعضهم في الأركان، وبعضهم في الواجبات،
وكذلك البعض الآخر أدخله بعضهم في الواجبات وبعضهم في السنن، على ما
أدى إليه اجتهادهم - رضي الله عنهم وأرضاهم - ولا ضير في ذلك كما لا
يخفى على البصير.
(١) انظر: ((الروض المربع)) (١٩٤/١، ١٩٩).
٢٤٦
- -.
------
--------
۔

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
٠ ٠ ٠
ففي مسألة الباب قوله ◌َّية (تحليلها التسليم))، حجة للحنفية؛ لأن أكثر ما
يمكن الإثبات منه هو الفرضية، ولما كان الخبر قاصراً عن درجة التواتر يقتصر
ما ثبت منه على درجة الوجوب، وحديث الأعرابي حجة للحنفية خاصة، ورد
على من لم يقل بقولهم، وكذلك الأحاديث والآثار الأخر، فإن التي احتج بها
الجمهور فهي حجة للحنفية؛ لكونها أخبار آحاد، والتي احتج بها الحنفية
خاصة سالمة لاحتجاجهم بها، وحجة على من خالفهم في المسألة.
قال في ((البدائع))(١): وأما الخروج عن الصلاة بلفظ السلام، فواجب
عندنا على ما هو القاعدة عند الحنفية أن خبر الواحد يفيد الوجوب، وعند
مالك والشافعي فرض لقوله عليه السلام: ((وتحليلها التسليم))، فدل على أن
التحليل يتعين بالتسليم فلا يتحلل بدونه. ولنا ما روي عن النبي وَ ليل أنه قال
لابن مسعود - رضي الله عنه - حين علّمه التشهد: ((إذا قلت هذا أو فعلت فقد
قضيت ما عليك إن شئت أن تقوم فقم)) الحديث.
والاستدلال به من وجهين: الأول: جعله قاضياً ما عليه و((ما)) للعموم
فيعم الجميع، فلو كان التسليم فرضاً لم يكن قاضياً جميع ما عليه بدونه إذ
التسليم يبقى عليه؛ والثاني: أنه خَيَّره بين القيام والقعود من غير شرط لفظ
التسليم، ولو كان فرضاً ما خيَّره، وأما الحديث فليس فيه نفي التحليل، إلا أنه
خص التسليم لكونه واجباً، اهـ.
قال الشيخ في ((البذل))(٢): ويؤيده حديث رفاعة عند الترمذي وغيره في
قصَّة المسيء، وفي آخره: ((ثم اجلس فاطمئن جالساً، ثم قم فإذا فعلت ذلك
فقد تمت صلاتك)) الحديث. وقال في موضع آخر: والحديث اختلفوا في
(١) (٤٥٤/١ - ٤٥٥).
(٢) (٢٩٠/٥).
٢٤٧

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
صحته بسبب ابن عقيل، فقال محمد بن سعد: كان منكر الحديث لا يحتجون
بحديثه، وقال ابن المديني: كان مالك لا يروي عنه، وكان يحيى بن سعيد لا
يروي عنه، وعن يحيى بن معين ليس حديثه بحجة، وعنه ضعيف الحديث،
وعنه ليس بذاك، وقال النسائي: ضعيف، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلّم
بعض أهل العلم من قبل حفظه.
وعلى تقدير صحته أجاب عنه الطحاوي بما محصله، أن علياً - رضي الله
عنه - راوي الحديث روي عنه من فتواه: أن المصلي إذا رفع رأسه من آخر
سجدة فقد تمت صلاته، اهـ.
وقد تلونا عليك أن عمل الراوي بخلاف مرويه يسقط الاحتجاج، وقال
في ((البرهان شرح مواهب الرحمن)): ولنا قوله وَلّر: ((إذا قضى الإمام الصلاة
وقعد، فأحدث قبل أن يتكلم فقد تمَّت صلاته)) الحديث، رواه أبو داود
والترمذي وقال: هذا حديث إسناده ليس بالقوي واضطربوا فيه، ورواه
الطحاوي عن ابن عمر مرفوعاً بألفاظ مختلفة، ونحوه عن علي والحسن وابن
المسيب وعطاء وإبراهيم النخعي، اهـ.
قلت: والحديث أخرج طرقه الزيلعي في ((باب الحدث في الصلاة)) وقال
أيضاً: وما يدل لمذهبنا من أن التسليم غير فرض حديث أبي سعيد الخدري
مرفوعاً: ((إذا صلّى أحدكم فلم يدر ثلاثاً صلّى أم أربعاً، فليبن على اليقين
ويدع الشك، فإن كانت صلاته نقصت فقد أتمها، وإن كانت تامةً كان ما زاد
والسجدتان له نافلة))، فقد جعل الركعة الزائدة مع سجدتي السهو تطوعاً،
وحديث ابن بحينة في سجود السهو بلفظ: ((فلما أتمَّ الصلاة، وانتظرنا تسليمه
كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس)) الحديث.
وقال ابن رشد في ((بداية المجتهد)) (١): وأما أبو حنيفة فذهب إلى ما رواه
(١) (١٣١/١).
٢٤٨
٠ ٠
----

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
أُمَّ يَرُدُّ عَلَى الإِمَامِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مَنْ يَسَارِهِ، رَدَّ عَلَيْهِ.
عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((إذا جلس الرجل في آخر صلاته
فأحدث)) الحديث. وقال ابن عبد البر: وحديث علي المتقدم أثبت عند أهل
النقل، لأن حديث عبد الله بن عمرو انفرد به الإفريقي، وهو ضعيف. وقال
القاضي: إن كان أثبت من طريق النقل، فإنه محتمل من طريق اللفظ، وذلك
أنه لا يدل على أن الخروج من الصلاة لا يكون بغير التسليم، اهـ.
(ثم يرةُ على الإمام) أي يسلم مرة ثانية ينوي به الرد على الإمام (فإن سلم
عليه أحد عن يساره أيضاً بأن يصلي خلف الإمام، ويكون على يساره أيضاً أحد
( ٤ عليه) أيضاً، وهذا سلام ثالث. قال الزرقاني(١): ولعل مالكاً ذكر حديث ابن
عمر هذا الموقوف عليه؛ لما فيه أن المأموم يسلّم ثلاثاً إن كان على يساره أحد،
لأنه المشهور من قول مالك. وقال الأئمة الثلاثة وغيرهم: على كل مصلٍّ
تسليمتان عن يمينه وشماله، ولو مأموماً، وإلا فمالك لا يقول بما في خبر ابن
عمر - رضي الله عنه - هذا: من البسملة في أوله، وإبداله لفظ أَشْهَدُ بشَهِدْتُ،
والدعاء في التشهد الأول، وإعادة السلام على النبي والصالحين بعد الدعاء قبل
السلام، وإبدال ((عليك أيها النبي)) بـ(السلام على النبي))، انتهى.
وقال الباجي(٢): الفرض من السلام واحد، به قال أبو حنيفة والشافعي،
وقال أحمد بن حنبل: الفرض اثنتان، وإذا ثبت ذلك فأحوال المصلين على
ضربين: مأموم وغير مأموم. أما غير المأموم وهو الإمام والفذّ، فإنه يسلم
تسليمة واحدة يخرج بها عن صلاته، وروى مطرف عن مالك في ((الواضحة)):
يسلم الفذ تسليمة عن يساره، وبهذا كان يأخذ مالك في خاصة نفسه، انتهى.
ثم ذكر الاختلاف في المأموم هل يسلم تسليمتين أو ثلاثاً، لكن تقدم عن
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٨/١).
(٢) ((المنتقى)) (١٦٩/١).
٢٤٩

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
الزرقاني ما هو مشهور، فعلم مما تقدم أن التسليمتين اختلف الأئمة في
حكمهما عدداً .
ولما كان أقوال ناقلي المذاهب اختلطت في بيان المذاهب اعتمدت على
متون المذاهب:
فالتسليمتان معاً فرض في المشهور عن الإمام أحمد، وعَدَّهما في ((نيل
المآرب)) من الأركان، لكن صحَّحَ صاحب ((المغني))، وكذا في ((الشرح الكبير))
إيجاب الأول فقط، قال ابن قدامة في ((المغني)): والواجب تسليمة واحدة
والثانية سنة. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن صلاة
من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة، وقال القاضي في رواية أخرى: إن الثانية
واجبة، قال: وهي أصح، وليس نص أحمد بصريح وجوب التسليمتين، اهـ.
وهما واجبان عندنا - الحنفية - على ما صرَّح به الشامي، ويدل عليه كلام
((البدائع))، وبه صرَّح صاحب ((البرهان)) و((الكبيرى))، لكنهم قالوا: لو نسي
الثانية يأتي بها ما لم يستدبر القبلة دون بعد ذلك. وأنت خبير بأن هذا ليس من
شأن الواجب، فالراجح عندي رواية السنية وإن نقلها أصحاب الرواية بلفظ
قيل. وأما عند الشافعي فالواحد فرض والثانية مستحب، صرح به جماعة من
الشافعية، وسائر متونه متضافرة عليه. وما نقل ابن المنذر والنووي - إجماع
العلماء على ذلك، ونقل عنهما في ((البذل)) - فمشكل؛ لما تقدم من خلاف
المشهور عن أحمد والحنفية.
وأما عند مالك فغير المأموم يسلم واحداً تلقاء وجهه، والمأموم ثلاثاً
على المشهور، ولذا أورد الإمام أثر ابن عمر - رضي الله عنه - مع كونه مخالفاً
لمسلكه في عدة مسائل كما عدَّها الزرقاني، وعدّ في ((مختصر الخليل))
و(مختصر عبد الرحمن)) التسليم في الفرائض وتثليثه للمؤتم في السنن، وقال
في ((المدونة)): قلت لابن القاسم: أرأيت الإمام كيف يُسَلِّم؟ قال: واحدة قبالة
وجهه ويتيامن قليلاً. فقلت له: فالرجل في خاصة نفسه، قال: واحدة ويتيامن
٢٥٠
.---. - --
--..

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
قليلاً. ومن كان خلف الإمام فليسلم عن يمينه ثم يرد على الإمام، وإن كان
على يساره أحد يرد عليه، اهـ.
فلعلك قد دريت أن المسألة اخْتُلِفَ فيها بوجهين؛ الأول: في عدد
الوجوب، فعند الجمهور الواجب واحد، والثاني سنة خلافاً لأحمد والحنفية
في قول، والثاني: في عدد السنة، فعند الجمهور تسليمتان لكل مصلٍّ، سواء
كان إماماً أو مأموماً، وعند الإمام مالك يسلم الإمام والمنفرد سلاماً واحداً
تلقاء وجهه، والمأموم ثلاثاً إن كان على يساره أحد.
واحتج الجمهور لقولهم في المسألتين برواياتٍ وآثار كثيرة نُعرض عن
إيرادها خوفاً للإطناب، على أنه لم يبق الاحتياج إلى البسط لاتفاق الجمهور، بل
نقتصر على تلخيص كلام ((المغني)) (١) في هذه المسألة روماً للاختصار، فقال:
ويشرع أن يسلم تسليمتين عن يمينه ويساره، روي ذلك عن أبي بكر الصديق
وعلي وعمار وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وبه قال نافع بن عبد الحارث
وعلقمة وأبو عبد الرحمن السلمي وعطاء والشعبي والثوري والشافعي وابن
المنذر وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة
والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي: يسلم تسليمة
واحدة. وقال عمار بن أبي عمار: كان مسجد الأنصار يسلمون فيه تسليمتين،
وكان مسجد المهاجرين يسلمون فيه تسليمة واحدة؛ لما روت عائشة(٢) - رضي الله
عنها -: كان ◌َّ﴾ يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وعن سلمة بن الأكوع قال:
رأيته ◌َُّ صلّى فسلَّم تسليمةً واحدةً، رواهما ابن ماجه(٣).
(١) انظر: ((المغني)) (٢٤١/٢).
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٧٩/١)، و((الترمذي)) مع ((عارضة الأحوذي)) (٢/
٨٩) .
(٣) (٢٩٧/١).
٢٥١

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(١٩٩) حديث
ولنا ما روى ابن مسعود قال: رأيته ◌َ ل حتى يرى بياض خده عن يمينه
وعن يساره، وعن جابر بن سمرة: أنه وَ﴾ قال: ((إنما يكفي أحدكم أن يضع
يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله)) رواهما مسلم، وفي
حديث ابن مسعود: كان ◌َ* يسلّم على يمينه وعلى يساره. قال الترمذي:
حسن صحيح، وحديث عائشة يرويه زهير بن محمد، قال البخاري: يروي
المناكير، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، وسأل الأثرم أحمد عن
هذا الحديث فقال: كان هشام يقول: يسلم تسليمة يُسمعنا، فبيّن أحمد أن
معناه يرجع إلى أنه يسمعهم التسليمة الواحدة، ومن روى تسليماً فلا حجة لهم
فيه، فإنه يقع على الواحد والثنتين، على أن أحاديثنا تتضمن زيادة على
أحاديثهم، والزيادة من الثقة مقبولة، ويجوز أنه مَّل # فعل الأمرين ليبين الجائز
والمسنون .
ففيه جمع بين الأخبار وأقوال الصحابة في أن يكون المشروع والمسنون
تسليمتين، والواجب تسليمة، وقد دل على صحته الإجماع الذي ذكره ابن
المنذر، فلا معدل عنه، وهذا الخلاف الذي ذكرناه في الصلاة المفروضة. أما
صلاة الجنازة والنافلة وسجود التلاوة، فلا خلاف في أنه يخرج منها بتسليمة،
انتهى مختصراً.
وقال ابن العربي المالكي في ((عارضة الأحوذي))(١): والتسليمة الواحدة،
وإن كان حديثها عن عائشة - رضي الله عنها - معلولة لكن نقلها بصفة الصلاة
في مسجد رسول الله وَّ متواتر (٢)، فهي مقدمة على رواية الآحاد، فسلموا
(١) (٨٩/٢).
(٢) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٢٩٦/٤): والعمل المشهور بالمدينة التسليمة
الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابراً عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج
بالعمل في كل بلد، لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مراراً.
--- . .
٢٥٢
-
---
۔

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(٢٠٠) حديث
٢٠٠/ ٥٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْفَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ،
واحدة للتحلل من الصلاة كما أحرمتم بتكبيرة واحدة، وسلموا أخرى تردون بها
على الإمام والذي على يساركم، واحذروا عن تسليمة ثالثة فإنها بدعة، اهـ.
ويشكل على أثر الباب أنه مخالف لما اشتهر من مذهب ابن عمر
- رضي الله عنه - أنه كان يقول بوحدة السلام، كما نقل عنه صاحب ((المغني))
والشوكاني وغيرهما. اللهم إلا أن يقال: إنه - رضي الله عنه - أيضاً كان يُفرِّق
بين المأموم وغيره كما فرق بينهما الإمام مالك، ويؤيده ما في ((المدونة)) (١):
مالك عن نافع: أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان يسلم عن يمينه ثم يرد على
الإمام، وبه يأخذ مالك اليوم، اهـ.
والحديث أخرجه البيهقي في (سنته)) ولفظه: مالك عن نافع: أن عبد الله بن
عمر كان يتشهد فيقول: ((بسم الله، التحيات الله، والصلوات والزاكيات لله،
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، شهدت أن لا إله إلا الله، وشهدت أن محمداً رسول الله))، يقول
هذا في الركعتين الأوليين، ويدعو إذا قضى تشهده ما بدا له، فإذا قضى تشهده
وأراد أن يسلم، قال: ((السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم)) على يمينه، ثم يرد على الإمام، فإن
سلم عليه أحد على يساره رد عليه، اهـ.
وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٢) عن نافع عن ابن عمر: أنه كان لا
يقول في الركعتين: ((السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين))، اهـ. فلو صح فيحمل على اختلاف الأوقات.
٢٠٠/ ٥٥ - (مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن
(١) (١٣٥/١).
(٢) (٣٢٧/١).
٢٥٣

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(٢٠٠) حديث
وَّ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ، إِذَا تَشَهَّدَتْ: التَّحِيَّاتُ
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ
الَّيِّبَاتُ الصَّلَواتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ
لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ،
محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (عن عائشة) عمته - رضي الله عنها -
(زوج النبي ◌ّلة) أنها كانت تقول إذا تشهَّدت .. الحديث، هذا هو الخامس من
التشهدات العشرة المذكورة في أول الباب، رواه البيهقي والدارقطني والحسن بن
سفيان في ((مسنده)) مرفوعاً، ووقفه، ورجحه الدارقطني في ((علله)).
(أنها كانت تقول إذا تشهدت) بصيغة المؤنث للغائب، ولفظ محمد: ((أنها
كانت تتشهد فتقول)): (التحيات الطيبات) وعند البيهقي زيادة التسمية في أولها
كما سيجيء، لكنها ليست من طريق مالك، بل من رواية ابن إسحاق عن
عبد الرحمن، (الصلوات الزاكيات لله) قال الزرقاني(١): فتسقط لفظة (الله)) عقب
قولها: التحيات، بخلاف ما في أحاديث عمر وابن مسعود وابن عباس، وهي
مرفوعة، فتتقدم على الموقوف، قلت: لكنها موجودة في بعض طرق البيهقي.
(أشهد أن لا إله إلا الله) جُلُّ روايات عائشة في تقديم الشهادة على
السلام، وبوّب عليها البيهقي، ((باب من قدم كلمتي الشهادة على كلمتي
التسليم))، وتقدم الكلام على زيادة (وحده لا شريك له) تحت حديث عمر (وأن
محمداً) كذا في النسخ بدون لفظ: ((أشهد))، ولفظ رواية محمد: ((وأشهد أن
محمداً))، وهكذا في رواية البيهقي بطريق مالك بلفظ: ((أشهد أن محمداً))
(عبد الله) كذا في أكثر النسخ، وفي هامش الباجي: عبده، بالضمير بدل اسم
الجلالة، وكذا في نسخة محمد رحمه الله، وكذا في رواية البيهقي بطريق مالك
بالضمير. (ورسوله) لم تختلف الطرق عنها ولا عن غيرها في تقديم عبده على
رسوله.
وتقدم برواية عبد الرزاق مرسلاً إنكاره وَّ ل على من قال: ((رسوله وعبده))
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٩/١).
٢٥٤
---
--------
-------

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(٢٠٠) حدیث
السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكَاتُّهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلى
عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ.
إلا أن في روايتها تقديم الشهادة على السلام بخلاف الروايات الأخر. (السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وتقدم
شرح هذا الكلام، وفي رواية البيهقي زيادة بعد ذلك كما سيجيء مفصلاً.
وكانت تقول للخروج من الصلاة (السلام عليكم) ونقل صاحب ((المغني)) وغيره
مذهبها توحيد السلام كمذهب ابن عمر وغيره.
وأخرج البيهقي في ((سننه)) حديث عائشة بسنده من طريق ابن إسحاق
بلفظ قالت: كان يقول في التشهد، في الصلاة في وسطها وفي آخرها قولاً
واحداً: ((بسم الله التحيات لله الصلوات الله الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))، ويَعُدُّ لنا بيده عدد العرب، قال
البيهقي (١): والرواية الصحيحة عن عبد الرحمن بن القاسم ويحيى بن سعيد عن
القاسم عن عائشة ليس فيها ذكر التسمية إلا ما تفرد بها محمد بن إسحاق بن
يسار، اهـ.
وأخرج البيهقي أيضاً بسند آخر من طريق مالك عن عائشة أنها كانت
تقول إذا تشهدت: ((التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله، أشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا
إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))، ثم يدعو الإنسان لنفسه بعد،
انتھی .
قال الباجي(٢): فإن قال قائل: أثبتُّم أن تشهد عمر هو الصواب المأمور
(١) ((السنن الكبرى)) (١٧٩/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٧٠/١).
٢٥٥

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(٢٠١) حدیث
٥٦/٢٠١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
الأَنْصَارِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ
النَّبِيِّ وَ جَ، كَانَتْ تَقُولُ: إِذَا تَشَهَّدَتْ: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ
الزَّاكِيَاتُ للَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَّهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ
به، ورددتم حديث ابن مسعود وابن عباس، وهما مسندان، فلِمَ أدخل الإمام
مالك حديث عائشة وابن عمر، وهما أشد خلافاً لحديث عمر؟! فالجواب: أنه
اختار تشهد عمر - رضي الله عنه - لما ذكرنا، إلا أنه مع ذلك يقول: من أخذ
بغيره لا يأثم، ولا يكون تاركاً للتشهد في الصلاة، وإنما ذلك بمنزلة مَن غَيَّرَ
شيئاً من الأدعية التي علّمها رسول الله وَّة، فإنه يقال: قد تركت الأفضل، ولا
يقال له: إنك قد تركت الدعاء، انتهى مختصراً.
قلت: ما ذكره الباجي محتمل، لكن الأوجه عندي أن غرض الإمام بذكر
روايتها إثبات وحدة السلام، كما أن المقصود بذكر رواية ابن عمر تثليث
السلام للمقتدي، فإن الراجح المشهور عند الإمام مالك توحيد السلام للإمام
والمنفرد وتثليثه للمؤتم كما تقدم، فذكر هذه الروايات تأييداً لما اختاره في باب
السلام.
٥٦/٢٠١ - (مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد)
ابن أبي بكر الصديق (أنه) أي القاسم (أخبره) أي يحيى (أن عائشة) عمته (زوج
النبي 8َ* كانت تقول) في الصلاة (إذا تشهدت) بصيغة الغائب (التحيات الطيبات
الصلوات الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)، قال
الزرقاني(١): تزيد بزيادة ((وحده لا شريك له))، قلت: لكن أكثر النسخ الهندية
خالية عنها (وأشهد أن) بزيادة لفظ: ((أشهد)) في جميع النسخ بخلاف ما تقدم
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٩/١).
٢٥٦
----

٣ - كتاب الصلاة
(١٣) باب
(٢٠١) حديث
مُسَعَّداً عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
وَيَرَكَانُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ.
وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ، وَنَافِعاً، مَوْلَى ابْنِ
عُمَرَ؛ عَنْ رَجُلِ دَخَلَ مَعَ الإِمَامِ فِي الصَّلاةِ، وَقَدْ سَبَقَهُ الإِمَامُ
بِرَْعَةٍ، أَيَتَشَهَّدُ مَعَهُ فِي الْرَّكْعَتَيْنِ وَالْأَرْبَعِ، وَإِنْ كَانَ
من طريق عبد الرحمن عند ((الموطأ))، ولم يخرج الإمام محمد هذا الطريق في
((موطئه))، (محمداً عبد الله) بذكر اسم الجلالة في جميع النسخ إلا في هامش
بعض النسخ بطريق النسخة فبالضمير، (ورسوله، السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وكانت تقول (السلام
عليكم) عند الخروج من الصلاة مرة كما تقدم من مذهبها .
قال ابن عبد البر(١): روي عن النبي ◌َّ ر أنه كان يسلم تسليمة واحدة
من طرق معلولة لا تصح، لكن روي عن الخلفاء الأربعة وابن عمر وأنس
وابن أبي أوفى وجمع من التابعين، أنهم كانوا يسلمون واحدة، واختلف
عن أكثرهم فروي عنهم تسليمتان كما رويت الواحدة، اهـ. وتقدم عن
((المغني)): أن مذهب ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة والحسن
وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي أن يسلم تسليمة
واحدة، انتهى.
(مالك أنه سأل ابن شهاب) الزهري (ونافعاً مولى ابن عمر عن) حال
(رجل) أنه (دخل مع الإمام في الصلاة و) الحال أنه (قد سبقه الإمام بركعة)
فاقتدى به في الركعة الثانية ففي هذه الصورة (أيتشهد) ذاك المسبوق (معه) أي
الإمام (في) الجلوس بعد (الركعتين و) أيضاً في الجلوس بعد (الأربع، وإن كان
ذلك له) أي للمسبوق المقتدي (وترا) لأنه صارت له في الجلوس الأول ركعة
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩١/٤، ٢٩٦).
٢٥٧

٣ - كتاب الصلاة
(١٤) باب
(٢٠٢) حديث
ذلِكَ لَهُ وِتْراً؟ فَقَالا: لِيَتَشَهَّدْ مَعَهُ.
قَالَ يَحْيَىَ: قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا.
(١٤) باب ما يفعل من رفع رأسه قبل الإمام
٢٠٢/ ٥٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
عَلْقَمَةَ ،
واحدة، وفي الجلسة الثانية ثلاث ركعات (فقالا) أي الزهري ونافع: نعم (ليتشهد
معه) أي الإمام؛ للحديث المشهور ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))، الحديث.
(قال يحيى: قال مالك: وهو الأمر) المعمول به (عندنا).
قلت: وبه قال الأئمة الثلاثة والجمهور. وفي الحاشية عن ((المحلّى)):
وبه قال أبو حنيفة والجمهور، وقال الزرقاني(١): وهذا مما لا نزاع فيه؛
الحديث: ((إنما جعل الإمام ليُؤْتَمَّ به))، اهـ. وأخرج محمد في ((موطئه))(٢) عن
مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا وجد الإمام قد صلّى بعض الصلاة
صلّى معه ما أدرك من صلاته، إن كان قائماً قام ، وإن كان قاعداً قعد ، حتى
يقضي الإمام صلاته لا يخالف في شيء من الصلاة، قال محمد: وبهذا نأخذ
وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، اهـ.
(١٤) ما يفعل من رفع رأسه قبل الإمام
عن الركوع أو السجود
٥٧/٢٠٢ - (مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة) بن وقاص الليثي
المدني، وثَّقَه النسائي وغيره، روى له الأئمة الستة، مات سنة ١٤٥ هـ، وقيل:
قبلها. قال ابن عبد البر: لم يخرج عنه مالك في ((الموطأ)) حكماً، واستغنى
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٩٠/١).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤٣٤/١).
٢٥٨
--
. ---------

٣ - كتاب الصلاة
(١٤) باب
(٢٠٢) حديث
◌َنْ مَلِيحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي
بَرْفَعْ رَأْسَهُ وَ بَخْفِضُهُ قَبْلَ الإِمَامِ، فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ.
عنه في الأحكام بالزهري ومثله، وإنما ذكر عنه في ((الموطأ)) حديثاً واحداً من
المسند في ((باب الجامع))، وهذا الحديث أورده مالك عنه ههنا موقوفاً، اهـ.
كذا فى ((التنوير)).
قلت: والحديث المرفوع الذي أشار إليه ابن عبد البر يأتي في ((باب ما
يؤمر من التحفظ في الكلام)).
(عن مليح بن عبد الله السعدي) لم أجد ترجمته فيما عندي من كتب
الرجال، ولم يذكره السمعاني في ((الأنساب)) إلا أن ابن سعد ذكره في الطبقة
الثانية من تابعي أهل المدينة، فقال: مليح بن عبد الله السعدي، روى عن أبي
هريرة، وروى عنه محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، انتهى.
(عن أبي هريرة أنه قال:) موقوف، وقد روي مرفوعاً كما سيجيء في آخر
الحديث، ورجح الحافظ (١) وقفه كما سيأتي، (الذي يرفع رأسه) من الركوع أو
السجود (ويخفضه) فيهما (قبل الإمام فإنما ناصيته) قال في ((المجمع)): هي
الشعر المسترسل في مقدم الرأس، وقد يكنى به عن جميع الذات، اهـ. وقال
في ((القاموس)): الناصية والناصاة قُصاص الشعر، (بيد شيطان) فَيَجُرُّه حيث
يشاء حتى يوقعه في حرمة التقدم. قال الباجي: معناه الوعيد لمن فعل ذلك،
وإخبار أن ذلك من فعل الشيطان، وأن فعله هذا انقياد من كانت ناصيته بيده.
وقال في ((القبس))(٢): ليس للتقدم قبل الإمام سبب إلا طلب الاستعجال،
ودواؤه أنه يستحضر أنه لا يسلم قبل الإمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال،
قلت: والاستعجال أيضاً من أفعال الشيطان، فكأنه إشارة إلى معنى الحديث
بأن تعجيله هذا من أفعال الشيطان.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٩١/١).
(٢) (٢٤٣/١).
٢٥٩

٣ - كتاب الصلاة
(١٤) باب
1
(٢٠٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِيمَنْ سَهَا فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ فِي رُكُوعٍ أَوْ
سُجُودٍ: إِنَّ السُّنَّةَ فِي ذُلِكَ، أَنْ يَرْجِعَ رَاكِعاً أَوْ سَاجِدَاً؛ وَلا يَنْتَظِرُ
الإِمَامَ، وذُلِكَ خَطَأْ مِمَّنْ فَعَلَهُ،
ثم قال ابن عبد البر(١): هذا الحديث رواه مالك موقوفاً، ورواه
الدراوردي عن محمد بن عمرو عن مليح عن أبي هريرة عن النبي وَلّ، قال
الحافظ: وأخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة،
وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفاً، وهو المحفوظ، انتهى.
والحديث أخرجه البخاري(٢) عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((أما يخشى
أحدكم، أو: ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه
رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار)). قال العيني: أخرجه الأئمة
الستة(٣)، وبمعناه ذكره عن الطبراني في ((معجمه الكبير)) من حديث موسى بن
عبد الله بن يزيد عن أبيه، ومن حديث ابن مسعود وغيره.
(قال يحيى: وقال) الإمام (مالك فيمن سها) وكذلك حكم العمد، إلا أنه
ذكر السهو لكونه واقعة حال، أو لأن مثل هذا الفعل في الصلاة عمداً بعيدٌ عن
المسلم لما فيه من قلة المبالاة بالصلاة، (فرفع رأسه قبل الإمام) عن ركوع أو
سجود والإمام بعد (في ركوع أو سجود) فقال الإمام: (إن السنة في ذلك أن
يرجع) المأموم (راكعاً أو ساجداً ولا ينتظر) أن يرفع (الإمام) رأسه من الركوع أو
السجود، (وذلك) الفعل (خطأ ممن فعله) إن فعله ذلك عمداً.
قال ابن عبد البر: هذا يقتضي أنه فعله عامداً؛ لأن الساهي لا يقال فيه:
إنه خطأ، اهـ.
(١) انظر: ((تجريد التمهيد)) (ص ١٦٠).
(٢) أخرجه البخاري في ((باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام)) (١ /١٧٧).
(٣) أخرجه مسلم (٣٢٠/١)، وأبو داود (٤١٣/١)، والترمذي (٤٧٥/٢)، والنسائي (١/
١٣٢)، وابن ماجه (٣٠٨/١)، كلهم من رواية أبي هريرة.
٢٦٠