Indexed OCR Text
Pages 221-240
٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب وكذا نقل عنه النووي فقال: الأول سنة، وكذا في ((حواشي الإقناع)) وغيره (١)، عَدُّوا التشهد الأخير من الأركان، والأول من الأبعاض والسنن التي تجبر بالسجود، وهو قريب مما تقدم من مذهب الحنابلة . وأما الحنفية، فنقل عنهم هؤلاء مثل قول الإمام مالك، إلا أن في كتبنا أن التشهد الثاني واجب، وأما الأول فقيل: واجب وهو ظاهر الرواية، وقيل: سنة، كما في ((البذل))(٢). قال الحافظ: والمعروف عند الحنفية أنه واجب لا فرض بخلاف ما يوجد عنهم في كتب مخالفيهم، اهـ. قال العيني: وفي ((شرح الهداية)): قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبة عند أبي حنيفة، وهو المختار الصحيح، وقيل: سنة، وهو الأقيس، لكنه خلاف ظاهر الرواية، اهـ. والحاصل أن التشهد الأخير آكد عند الجمهور من الأول، قال العيني عن (التوضيح)): أجمع فقهاء الأمصار أبو حنيفة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق والليث على أن التشهد الأول غير واجب، حاشا أحمد فإنه أوجبه، كذا نقله ابن القصار، انتهى. واستدلوا على الوجوب بصيغ الأمر في جلّ الروايات وبآثار الصحابة، منها ما روي عن عمر أنه قال: لا تجزئ صلاة إلا بتشهد، رواه سعيد في ((سننه))، والبخاري في ((تاريخه)). وروي عن ابن مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد، الحديث، رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح. وأخرجه البيهقي وصححه، قاله الشوكاني. وفي ((حاشية الإقناع)) فيه حجة بوجهين: الأول: في قوله: قبل أن يفرض علينا التشهد. والثاني: في الأمر، ولم يبق الاحتياج إلى تفصيل الدلائل بعدما علم أن المسألة كأنها إجماعية، ولم يذكر المصنف الصلاة على النبي ◌َّر هناك، وسيأتي الكلام عليه في بابه. (١) وانظر: ((المجموع)) (٢٥٤/٣). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٨١/٥). ٢٢١ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث ١٩٨/ ٥٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنَ عَبْدِ الْقَارِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ، يَقُولُ: قُولُوا : التَّحِیَّاتُ ٥٣/١٩٨ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد) (١) بالتنوين بلا إضافة (القاري) بالقاف وبتخفيف الراء المهملة وتشديد الياء بغير همز، نسبة إلى قارة بطن من خزيمة، ابن مدركة، اختلف في اسم أبي القبيلة على أقوال، ذكرت في ((الأنساب))، وإنما سموا القارة؛ لأن يعمر بن عوف أراد أن يفرقهم؛ فقال رجل منهم: دعونا قارة لا تنفرونا، فصار مثلاً. أبو محمد المدني، كان عامل عمر على بيت المال. ذكره العجلي في ((ثقات التابعين))، يقال: ولد في عهد النبي ◌َّر، والمشهور أنه تابعي، واختلف قول الواقدي فيه، قال تارة: له صحبة، وتارة: تابعي، مات سنة ٨٨هـ، وله ثمان وسبعون سنة. (أنه سمع) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب وهو) قائم (على المنبر يعلم الناس التشهد) قال في ((الاستذكار))(٢): ما أورده مالك عن عمر وابنه وعائشة حكمه حكم الرفع، لأن من المعلوم أنه لا يقال بالرأي فلم يبق إلا أن يكون توقيفاً، وقد رفعه غير مالك، عن عمر، عن النبي وَّر. قلت: وهو موقوف عند المحدثين، قال العيني: رواه أبو بكر بن مردويه في كتاب التشهد له مرفوعاً، اهـ وسيأتي عن الدارقطني أنه قال: لم يختلفوا في أنه موقوف. (يقول) عمر: (قولوا) في التشهد: (التحيات) كذا في المشهور عن عمر، وسيأتي في شرح الحديث الآتي أنه وقع في بعض الروايات قبله زيادة: (١) انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) (٨٠٣/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٢٣/٦) و((تقريب التهذيب)» (٤٨٩/١). (٢) (٤ / ٢٧٤) . ٢٢٢ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث ◌ِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الْقَظَيَّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ؛ السَّلَامُ (بسم الله)) ولا تصح، ثم ((التحيات)) بفتح التاء وكسر الحاء المهملة جمع تحية، ومعناه: السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك، وقيل: مشترك معنوي بين هذه المعاني كلها، اختاره المحب الطبري، (الله) قال ابن قتيبة: لم يكن يُحَيَّى إلا الملِك خاصة، وكان لكل ملك من ملوك الجاهلية والإسلام والفرس والروم تحية تخصه، ولذا جمعت، والمعنى كل التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة الله تعالى، ونقل عياض عن شيخه: جمعت؛ لأنها تجمع معاني التحية، قاله ابن رسلان. (الزاكيات لله) قال ابن حبيب: هي صالح الأعمال التي يزكو لصاحبها الثواب في الآخرة، وقال في ((القاموس)): الزكاة صفوة الشيء، وقال في ((البحر الرائق)): هي في اللغة بمعنى الطهارة وبمعنى البركة، يقال: زكت البقعة أي بورك فيها، وبمعنى المدح، يقال: زكى نفسه، وبمعنى الثناء الجميل، اهـ. قلت: وهذان الأخيران أوجه عندي في هذا المحل. (الطيبات) أي ما طاب من القول وحسن أن يثنى به على الله تعالى، قيل: الأقوال الصالحة مطلقاً، وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم من القول والفعل . (الصلوات) الخمس أو ما هو أعم من الفرائض والنوافل، أو العبادات كلها، أو الدعوات، أو الرحمة، أو التضرع، مختصة (لله) عز وجل. وقيل: التحيات: العبادات القولية، والطيبات: الصدقات المالية، والصلوات: العبادات الفعلية. (السلام) في جميع النسخ بلام التعريف، قال النووي: يجوز في السلام في الموضعين حذف اللام وإثباتها. قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، واختلف في ذلك حديث ابن عباس؛ قال ٢٢٣ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ الطيبي(١): والتعريف للعهد التقديري، أي: ذاك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك، أو للجنس؛ والمعنى: أن حقيقة السلام وجنسه ثابت لك، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىَّ﴾(٢) . قال التوربشتي(٣): السلام بمعنى السلامة؛ اسم من أسماء الله تعالى؛ وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى: أنه سالم من كل عيب وآفة، ومعنى السلام عليك: دعاء، أي: سلمت من المكاره، وقيل: كأنه يتبرك باسم الله عز وجل، اهـ. قال الباجي(٤): اسم من أسمائه تعالى؛ فالمعنى: الله عليكم أي على حفظكم، وقيل: معناه ذو السلام؛ حذف المضاف وأقيم المضاف إليه محله، وقيل: معناه السلامة؛ وقيل: هو جمع سلامة، اهـ. وقال ابن رسلان: اسم المصدر من التسليم بمعنى التحية، اهـ. (عليك) بصيغة الخطاب (أيها) بحرف النداء (النبي) عبر به مع أن الوصف بالرسالة أشرف؛ لما أن الاتصاف بالرسالة سيجيء في آخر التشهد؛ فالجمع بين الوصفين أولى على ما فيه من الإشارة إلى أن النبوة مقدمة من الرسالة، قال الزرقاني: وهو كذلك وقع في الخارج لنزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ قبل قوله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ ﴿قُرْ فَذِرُ ﴾﴾، وفي تخصيص الوصفين نكات لا يسعها المقام. (١) ((شرح الطيبي)) (١٠٣٥/٣). (٢) سورة النمل: الآية ٥٩. (٣) انظر: ((عمدة القاري)) (١١١/٥). (٤) ((المنتقى)) (١٦٧/١). ٢٢٤ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث ثم لا يخفى عليك أن ألفاظ التشهد هكذا وردت بصيغة الخطاب في أكثر الروايات إلا ما ورد عن بعض الصحابة، كابن مسعود وغيره - رضي الله تعالى عنهم -، كما سيجيء أنهم قالوا بعد وفاته ◌ّله بلفظ الغائب، فقالوا: السلام على النبي، لكن جمهور الصحابة وسائر الفقهاء متضافرون على التشهد بصيغة الخطاب، ولم يفرقوا في حياته ووفاته و # لما أنه ثبت عنه و ◌َل# بهذا اللفظ، وعلَّمهم النبي ◌ّ هكذا بدون التفريق بين الحاضر منهم والغائب، مع أن الصحابة كانوا يغيبون عنه ◌ّ﴾ في السرايا والأسفار، ولا يفرقون بين الحضور والغيبة. ويمكن توجيه صيغة الخطاب الموضوعة للحاضر بتوجيهات: الأولى والثانية: ما في ((البذل))(١) تبعاً للحافظ إذ قال(٢): فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهياً عنه في الصلاة؟ فالجواب: أن ذلك من خصائصه ێ . فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب مع أن لفظ الغيبة هو مقتضى السياق؟ أجاب عنه الطيبي بما محصله: إنا نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه الصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات، أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فَقَرَّتْ أعينهم بالمناجات، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، انتھی . والثالثة: ما يظهر من كتب الفروع أنه حكاية لما جرى بين الطالب (١) (٢٨٢/٥). (٢) (فتح الباري)) (٣٨٢/٢). ٢٢٥ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث والمطلوب في ليلة الوصال، يعني بين العبد والمولى في ليلة المعراج، فأبقي على حاله، قال البجيرمي في ((تحفة الحبيب))(١): وقد ورد أن النبي ◌ّ ليلة الإسراء لما جاوز سدرة المنتهى، غشيته سحابة من نور فيها من الألوان ما شاء الله، فوقف جبرائيل ولم يسر معه، فقال له النبي والر: ((أتتركني أسير منفرداً))؟ فقال جبرائيل: وما منا إلا له مقام معلوم، فقال: ((سر معي ولو خطوة))، فسار معه خطوة فكاد أن يحترق من النور والجلال والهيبة، وصغر وذاب حتى صار قدر العصفور، فأشار على النبي وَّر بأن يسلم على ربه إذا وصل مكان الخطاب. فلما وصل النبي وَل# إليه، قال: ((التحيات المباركات الصلوات الطيبات للَّه، فقال الله تبارك وتعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، فأحب النبي ◌َّر أن يكون لعباد الله الصالحين نصيب من هذا المقام فقال: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))، فقال جميع أهل السموات: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)). وإنما لم يحصل للنبي ◌َ﴾ مثل ما حصل لجبرائيل من المشقة وعدم الطاقة؛ لأن النبي ◌َّل﴿و مراد ومطلوب، فأعطاه الله عز وجل قوة واستعداداً لتحمل هذا المقام بخلاف غيره، ولذلك لما تجلّى الله عزّ وجل للجبل اندًّ وغار في الأرض وخرَّ موسى صعقاً من الجلال، لأن موسى طالب ومريد فقال: ﴿رَبِّ أَرِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾(٢)، ومحمد ◌َّ مطلوب ومراد، - وشتَّان ما بين الطالب والمطلوب، والقاصد والمقصود -، اهـ حفني، كذا في ((حاشية الإقناع)) (٣) مع زيادة، وعلى هذا التوجيه، فالكاف إبقاء للحكاية على أصلها، ولكن ينبغي أن يقصد بكلامه هذا حينئذ الإنشاء لا مجرد الحكاية. (١) ((تحفة الحبيب)) (٤٠/٢). (٢) سورة الأعراف: الآية ١٤٣. (٣) (٤٠/٢). ٢٢٦ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. قال الشامي: ويقصد بألفاظ التشهد معانيها مرادة له على وجه الإنشاء، كأنه يحَيِّي اللهَ تعالى ويسلم على نبيه ◌ََّ وعلى نفسه وأوليائه، ولا يقصد الإخبار والحكاية عما وقع في المعراج عنه بَّر، انتهى. فعلم بهذا أن للمشايخ في توجيه الخطاب ثلاثة أقوال: مجرد الاتباع، وكون الحبيب في حريم الحبيب، وحكاية ما في المعراج على طريق الإنشاء، ولعلك دريت بهذا كله أنه لا يصح الاستدلال بصيغة التشهد على حضوره وَالـ في كل محل، أو على عموم ندائه وّ عن كل موضع، كما توهمه بعض المبتدعة في هذا الزمان، وأجمل الكلام عليه والدي المرحوم - نور الله مرقده - في رسالة وجيزة سماها بـ ((مسألة علم الغيب))، وصرّح به شيخ مشايخنا المحدث الجنجوهي - بَرَّد الله مضجعه - في مؤلفاته، والبسط فيها وفي ((البراهين القاطعة)) والله الهادي إلى الرشاد. (ورحمة الله) أي إحسانه، قال ابن رسلان: أصل الرحمة من المخلوق رقة القلب، ومعناها من الله تعالى العفو والرأفة والإحسان، اهـ. وقال القاري(١): هي لغة عطف وميل نفساني، وغايته التفضل والإحسان والإنعام، أو إرادة ذلك، ولاستحالة ذلك على الله تعالى أريد بها غايته التي هي صفة فعل أو صفة ذات، انتهى. (وبركاته) جمع بركة، وهي النمو والزيادة من الخير، ويقال: البركة جماع كل خير، قاله ابن رسلان. وقال القاري(٢): هو اسم لكل خير فائض منه تبارك وتعالى على الدوام، وقيل: البركة الزيادة في الخير، وإنما جمعت البركة دون الرحمة والسلام لأنهما مصدران، انتهى. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣١/٢). (٢) المصدر السابق (٣٣١/٢). ٢٢٧ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَّهَ إلَّا اللَّهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. (السلام) الذي وجه إلى الأمم السابقة من الصلحاء (علينا) معاشر الحاضرين، يريد به نفسه والحاضرين من الإمام والمقتدين والملائكة، وفيه استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي الترمذي مصححاً من حديث أبي بن كعب: أنه وَلّ كان إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح، والأشهر في تفسيره: أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله تعالى، وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته. قال الفاكهاني: ينبغي للمصلّي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة، والمؤمنين ليطابق لفظه قصده. وقال البيضاوي: علمهم أن يفردوه بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم ثم يخصوا أنفسهم أولاً؛ لأن الاهتمام بهم أهم، ثم ينبغي لهم أن يعموا المسلمين ليشمل الدعاء كلهم، وقال الترمذي الحكيم: من أراد أن يحظى بهذا السلام فليكن عبداً صالحاً وإلا حرم هذا الفضل العظيم. (أشهد أن لا إله إلا الله) زاد في حديث عائشة الآتي: ((وحده لا شريك له)، وكذا في رواية ابن مسعود عند ابن أبي شيبة، إلا أن سنده ضعيف، كما في ((البذل))، وكذا في رواية أبي موسى عند مسلم، وحديث ابن عمر عند الدارقطني، ولكن عند أبي داود عنه أنه قال: زدت فيها ((وحده لا شريك له))، قاله الزرقاني. (وأشهد أن محمداً عبده) بالضمير في النسخ المطبوعة الهندية، وكذا في نسختي الباجي، وفي الزرقاني(١): ((عبد الله))، ولعله وهم من الناسخ. (ورسوله) وروى عبد الرزاق(٢)، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: بينا ----- (١) هكذا في الأصلين، وهو سبق قلم وخطأ، وصوابه وكذا في نسخة الزرقاني، وفي نسخة الباجي ((عبد الله)) وهو وهم. انظر: ((المنتقى)) للباجي (١٦٧/١)، و((شرح الزرقاني)) (١ / ١٨٧). (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (الحديث: ٣٠٧٦). ٢٢٨ ----------- ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث النبي ◌َّله يعلم التشهد إذ قال رجل: وأشهد أن محمداً رسوله وعبده، فقال عليه السلام: ((لقد كنت عبداً قبل أن أكون رسولاً، قل: عبده ورسوله))، رجاله ثقات إلا أنه مرسل. ثم اعلم أن الروايات في ألفاظ التشهد مختلفة جداً، ويُبنى عليها اختلاف الصحابة ومن بعدهم في اختيار بعض دون بعض استحباباً، مع الاتفاق على أنه يجوز الاتيان بكل ما ورد، كما سيجيء في آخر البحث، ويرتقي عدد التشهدات التي توجد في الكتب المشهورة من كتب الحديث إلى عشرة، وقال ابن العربي(١): أصولهم ثلاثة: ابن مسعود، وابن عباس، وعمر، اهـ. قلت: ويرتقي عدد جملة من روى من الصحابة في التشهد إلى أربعة وعشرين، نقتصر منها الكلام على العشرة المذكورة بنوع من التخريج، ونسرد أسماء أربعة عشر الباقية من الصحابة روماً للاختصار. الأول: تشهُّدُ عمر بن الخطاب. والثاني: تشهد ابن عباس. والثالث: تشهد ابن مسعود؛ وهذه الثلاثة أشهر العشرة وهي مختار لأحد من الأئمة، وسيأتي الكلام عليها بنوع من البسط. والرابع: تشهد ابن عمر. أخرجه أبو داود والطحاوي، ورواه الدارقطني وصحَّحَ إسناده، وقال: تابعه على رفعه ابن أبي عدي عن شعبة، وبسط الكلام على رفعه ووقفه الحافظ في ((التلخيص)) (٢)، وسيخرجه المؤلف أيضاً موقوفاً في ((الموطأ)) كما سيأتي. والخامس: تشهد عائشة، ويخرجه أيضاً المؤلف، وسيأتي الكلام عليه. والسادس: تشهد جابر، أخرجه النسائي وابن ماجه والطبراني والحاكم وصححه في ((مستدركه))، وضعفه جماعة من الحفاظ، ورواه الترمذي في (١) ((عارضة الأحوذي)) (٨٣/٢). (٢) (٢٦٥/٢). ٢٢٩ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث ((علله))، وخطأه عن البخاري، وبسط الكلام عليه الحافظ في ((تلخيصه))، وضعفه يعقوب بن شيبة والبيهقي قلت: وهو بلفظ تشهد ابن مسعود بزيادة: ((بسم الله وبالله)) في أوله، ((وأسأل الجنة وأعوذ بالله من النار)) في آخره، وتكلموا على هذه الزيادة. والسابع: تشهد أبي موسى، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والطبراني والطحاوي، ولفظه: ((التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)). والثامن: تشهد سمرة، رواه أبو داود بسند ضعيف؛ ولفظه: ((التحيات لله، الطيبات والصلوات والملك الله، ثم سلموا على النبي وَّ، وسلموا على قارئكم وأنفسكم)) كذا في ((التلخيص)). والتاسع: تشهد علي، أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) مرفوعاً، ولفظه: ((التحيات لله والصلوات والطيبات والغاديات والرائحات والزاكيات والناعمات والسابغات والطاهرات لله)) وسنده ضعيف، وأخرجه ابن مردويه موقوفاً؛ وفيه زيادة: ((ما طاب فهو لله وما خبث فلغيره)). والعاشر: تشهد ابن الزبير، أخرجه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ولفظه: ((يقول إن تشهد النبي ◌ُّ: باسم الله وبالله خير الأسماء التحيات لله، الصلوات الطيبات، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي واهدني)) هذا في الركعتين الأوليين، قال الطبراني: تفرد به ابن لهيعة، قال الحافظ: هو ضعيف لا سيما وقد خالف، اهــ هذا تلخيص الكلام على العشرة. وأما أربعة عشر الباقية من الصحابة، فهم: أبو بكر الصديق، ومعاوية، ٢٣٠ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث وسلمان ، وتشهد هؤلاء مثل تشهد ابن مسعود سواء، ومثله تشهُّد أبي حميد بتغيير يسير، وطلحة، وأنس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، والفضل بن عباس، وأم سلمة، وحذيفة، والمطلب بن ربيعة، وعبد الله بن أبي أوفى، وحسين بن علي - رضي الله عنهم أجمعين -، ذكرهم الحافظ في ((التلخيص)) (١)، وقال في أول كلامه: لم يرد التشهد بحذف التحيات ولا الصلوات ولا الطيبات، بخلاف باقي الألفاظ، انتهى. قلت: وقد علمت أن مختار الأئمة منها ثلاثة. الأول: المذكور في حديث الباب، وهو تشهد عمر بن الخطاب، ورواه الحاكم والبيهقي والدارقطني والشافعي، قال الدارقطني في ((العلل)): لم يختلفوا في أنه موقوف على عمر، قال العيني: وأخرجه الطحاوي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق في ((مصنفيهما)) اهـ، واختاره إمام دار الهجرة الإمام مالك ورجح بأن عمر علّمه على المنبر ولم ينكر عليه أحد ، فصار إجماعاً ، وتعقب بما سيأتي في كلام ((المغني))، وبأنه موقوف، قال الدارقطني: لم يختلفوا في أنه موقوف عليه. وفي ((التعليق الممجد))(٢) عن ((الاستذكار))(٣) لابن عبد البر قال: ليس عند مالك في التشهد شيء مرفوع، وإن كان غيره قد رفع ذلك، ومعلوم أنه لا يقال بالرأي، ولما علم مالك أن التشهد لم يكن إلا توقيفاً اختار تشهد عمر، لأنه كان يعلمه وهو على المنبر من غير نكير، اهـ. والثاني: ما اختاره الإمام الشافعي وبعض أصحاب مالك، وهو: تشهد ابن عباس، أخرجه الجماعة(٤) إلا البخاري، ولفظه: قال: كان رسول الله العَالم ١ (١) (٤٣١/١). (٢) (٤٦٥/١). (٣) (٤/ ٢٧٣). (٤) أخرجه مسلم (الحديث: ٤٠٣/٦٠)، والترمذي (الحديث: ٢٩٠)، وأبو داود (الحديث: ٩٧٤)، والنسائي (الحديث ١١٧٣، ١٢٧٧)، وابن ماجه (الحديث: ٩٠٠). ٢٣١ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث ٠٠. يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، وكان يقول: ((التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)). قال في ((المغني))(١): إلا أن في رواية مسلم: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أخرجه مسلم والشافعي والترمذي والدارقطني وابن ماجه وابن حبان وأبو داود والنسائي والطبراني والبيهقي والطحاوي، إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في تعريف السلام وتنكيره. ورجَّحَه من اختاره بوجوه: منها: أن لفظه أكثر مما ورد في التشهد من المرفوعات الصحيحة، ومنها: أن ابن عباس من أحداث الصحابة، فيكون أضبط لما روى، ذكره النووي في ((شرح المهذَّب))، وردّه الزيلعي في ((شرح الكنز)) بأنه باطل، لم يقل أحد من أهل النقل والفقه بترجح رواية أحداث الصحابة. ومنها: أن سنده حجازي، فهو مقدم على غيره، كذا في ((السعاية)). ومنها: ما في ((الدراية)): أن فيها لفظ المباركات يشبه لفظ القرآن. والثالث: ما اختاره الإمامان أبو حنيفة، وأحمد، وأصحابهما، وأصحاب الحديث، وأكثر العلماء وهو تشهد ابن مسعود، أخرجه الأئمة الستة، وجمهور أهل الحديث والرواية كالطحاوي، والبيهقي، والطبراني، والبزار، وجلّة أصحاب النقل، قال الترمذي(٢): والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌ُ 8* ومن بعدهم من التابعين، وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق، اهـ. قال الحافظ في ((فتح الباري)): وذهب جماعة من محدثي الشافعية كابن (١) (٢٢٠/٢). (٢) انظر: ((جامع الترمذي)) (٨٢/٢). --- ٢٣٢ -، ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث ٠ المنذر إلى اختيار تشهد ابن مسعود، وذهب بعضهم كابن خزيمة إلى عدم الترجيح، اهـ. وعلمه أبو بكر الصديق على المنبر كما يعلم الصبيان في الكتاب، كما في ((مصنَّف ابن أبي شيبة)). ورجَّحه مَن اختاره بوجوهٍ كثيرة؛ الأول: ما في ((نصب الراية)) وغيره: أن الأئمة الستة اتفقوا على تخريج روايته لفظاً ومعنى، وذلك نادر، وأعلى درجات الصحة عند المحدثين ما اتفق عليه الشيخان، فكيف إذا اتفق عليه الستة لفظاً و معنی . والثاني: أنه أجمع العلماء على أن حديثه أصح ما ورد في التشهد، قال الترمذي: هذا أصح حديث في التشهد، وقال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد: هو عندي حديث ابن مسعود روي من نيف وعشرين طريقاً، ثم سرد أكثرها، وقال: لا نعلم روي عن النبي ◌ّ﴾ في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالاً، ولا أشد تضافراً بكثرة الأسانيد والطرق، كذا في ((التلخيص))(١). وفي ((الفتح)): لا خلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم به البغوي في ((شرح السنة))، وقال محمد بن يحيى الذهلي: حديث ابن مسعود أصح ما روي في التشهد، وروى الطبراني بسنده إلى بريدة بن الحصيب قال: ما سمعت أحسن من تشهد ابن مسعود، وقال العيني في ((شرح البخاري)): قال علي بن المديني: لم يصح في التشهد إلا ما نقله أهل الكوفة عن ابن مسعود وأهل البصرة عن أبي موسى. وبنحوه قال ابن طاهر، وقال النووي: أشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود ثم حديث ابن عباس. والثالث: من مرجحاته ما قال الحافظ في ((الفتح)): إن الرواة عنه من (١) (٤٣٢/١)، وانظر ((تنسيق النظام)) (ص٧٦). ٢٣٣ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث الثقات لم يختلفوا في ألفاظه، قال مسلم: إنما اجتمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره اختلف أصحابه. والرابع: ما قاله الحافظ أيضاً: أنه تلقاه تلقياً، فروى الطحاوي عنه قال: أخذت التشهد من في رسول الله وَلله ولقننيه كلمة كلمة(١). والخامس: أن فيه صيغة الأمر، وأقله الاستحباب، وإلا فقد قيل بوجوبه، كما في المطولات، ولا يخفى على من طالع طرقه، فإن في بعضها : ((قل: التحيات))، وفي الآخر: ((فليقل))، وفي الآخر: ((فليقولوا)) وغير ذلك. والسادس: أن أبا بكر - رضي الله عنه - علمه الناس على المنبر، كما ورد في رواية الطحاوي. والسابع: أن جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء أخذوا به، وغيره أخذه واحد أو اثنان. والثامن: من مرجحاته كما في ((الهداية)) و((فتح القدير)): أن فيه تأكيداً لتعليم ما ليس في غيره، ففي (البخاري))(٢) عن ابن مسعود: علّمني رسول الله ،وَل التشهد، وكَفِّي بين كَفَّيه، كما يعلِّمني السورة من القرآن. قال الإتقاني: أراد به قوله: ((يعلمني كما يعلمني سورة القرآن))، وقال الزيلعي: هو مذكور في حديث ابن عباس رضي الله عنه - أيضاً، وردّه ابن الهمام بأنه ليس مراد صاحب ((الهداية)) هو التسوية بين التعليم، بل أراد به التعليم بأخذ اليد، ففي أبي داود(٣) بسنده إلى القاسم قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله وَ لل أخذ بيده، فعلَّمه التشهد، ومثل هذا لا يوجد في غيره، قلت: فهذا الوجه يتضمن الوجهين كما لا يخفى. (١) ((شرح معاني الآثار)) (١٥٥/١)، وانظر ((شرح الزرقاني)) (١ /١٨٧). (٢) أخرجه البخاري (٦٢٦٥/١١)، ومسلم (٥٩/١). (٣) أخرج أبو داود ح (٩٧٠). ٢٣٤ - --- - ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث والتاسع: ما قاله الحافظ في ((الفتح)) رجح أيضاً بثبوت الواو في ((الصلوات والطيبات))، فيكون كل جملة ثناء مستقلاً، بخلاف حذفها، فيكون صفة لما قبلها . والعاشر: ما قاله الزرقاني(١) تبعاً للحافظ ولأحمد عنه: أنه رَّ علَّمه التشهد، وأمره أن يعلّمه الناس، فدلَّ ذلك على مزيته، اهـ. قلت: لأن فيه إشارة إلى أن يقرأ الناس هذا التشهد. والحادي عشر: أنه اتفق عليه جمع من الصحابة، قال في ((المغني)) (٢): ولنا ما روي عن ابن مسعود، وقال الترمذي(٣): حديث ابن مسعود قد روي من غير وجه، وهو أصح حديث روي عن النبي ◌َّ في التشهد، وقد رواه عن النبي ◌َّ معه ابن عمر وجابر وأبو موسى وعائشة، وعليه أكثر أهل العلم، فتعين الأخذ به وتقديمه، وأما حديث عمر فموقوف، وأكثر أهل العلم من الصحابة على خلافه، فكيف يكون إجماعاً، وأما حديث ابن عباس فانفرد به، واختلف عنه في بعض ألفاظه، وحديث ابن مسعود أصح إسناداً وأكثر رواة، وقد اتفق على روايته جماعة من الصحابة فيكون أولى، انتهى. قلت: وتقدم أن مثل تشهد ابن مسعود - رضي الله عنه - رواه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على المنبر، ومعاوية وسلمان وأبو حميد رووه نحوه. قال في ((التنسيق)) (٤): ومن المرجحات أن رفعه صحيح بلا مرية، ووافقه في تشهده جماعة من الصحابة والتابعين، كمعاوية وسلمان، كما عند الطبراني والبزار، وكعائشة كما عند البيهقي، وكأبي حميد وغيرهم، اهـ. (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٨٧/١). (٢) ٢٢١/٢). (٣) انظر: ((جامع الترمذي)) (٨٢/٢). (٤) ((تنسيق النظام)) (ص ٧٧). ٢٣٥ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٨) حديث والثاني عشر: ما في ((المغني)) (١) أيضاً، إذ قال في وجوه ترجيحه بعدما تقدم من كلامه : وقال عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: حدثنا عبد الله بن مسعود: أن النبي ◌َّ علَّمه التشهُّد في الصلاة، قال: وكنا نتحفظه عن عبد الله كما نتحفظ حروف القرآن، الواو والألف، وهذا يدل على ضبطه، فكان أولى، اهـ مختصراً. وفي ((التنسيق)): أشهد عبد الله أصحابه حين عرضه عليهم على كونه بالواو والألف واللام، ليوافق لفظ رسول الله وَالر، وهذا يدل على كمال حفظه ما لا يوجد في غيره. هذه اثنا عشر وجهاً، والزيادة لا تناسب لمثل هذا الوجيز، وبلغها في ((التنسيق))(٢) إلى اثنين وعشرين وجهاً، وما قيل من عدم إنكار الصحابة على عمر - رضي الله عنه - فليس بحجة، كيف وقد أجمعوا على إجزاء أي تشهد كان، وليس الخلاف إلا في الأفضلية على المشهور، فلا وجه لإنكار أحد عليه - رضي الله عنه -، ولو سلم فعدم إنكار الصحابة على الصديق - رضي الله عنه - إجماع من قبل ذلك. قال ابن عبد البر: وتسليم الصحابة لعمر - رضي الله عنه - ذلك مع اختلاف رواياتهم، دليل على الإباحة والتوسعة، قال النووي: واتفق العلماء على جوازها كلها؛ يعني التشهدات الثابتة من وجه صحيح، وكذلك نقل الإجماع القاضي أبو الطيب الطبري. كذا في ((النيل))(٣). وقال ابن قدامة في ((المغني)): وليس الخلاف في الإجزاء، وإنما الخلاف في الأولى والأحسن ، وكذا في ((الشرح الكبير))، وزاد: وأي تشهد قرئ أجزأ، نص عليه أحمد، اهـ. قال الحافظ في ((الفتح)): ونقل جماعة من العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت (٤). (١) (٢٢٢/٢). (٢) (تنسيق النظام)) (ص ٧٧). (٣) (٢٣٥/٢). (٤) انظر: ((فتح الباري)) (٣١٦/٢) و((السعاية)) (٢٢٦/٢). ٢٣٦ ----- ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٩) حديث ٥٤/١٩٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ◌ُمَرَ كَانَ يَتَشَهّدُ فَيَقُولُ: بِسْم اللَّهِ، ٥٤/١٩٩ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يتشهد) وهذا تشهد ابن عمر - رضي الله عنه - اختلف في بعض ألفاظه، ذكره الحافظ في ((التلخيص))، واختلف في رفعه ووقفه، وهو التشهد الرابع من العشرة المذكورة، وأخرج أبو داود(١) حديث ابن عمر - رضي الله عنه - مرفوعاً في التشهد مثل حديث ابن مسعود إلا أنه قال: زدت فيها: ((وحده لا شريك له)). (فيقول) في أوله: (بسم الله) كذا روي عنه - رضي الله عنه -، وورد أيضاً في حديث أبيه عمر - رضي الله عنه - من رواية هشام بن عروة عند سعيد بن منصور وعبد الرزاق وغيرهما، وعورض برواية مالك عن الزهري، وليست فيها هذه الزيادة، قال الحافظ: قلت: وليس في حديث ابن عمر أيضاً من طريق مجاهد كما نقله الحافظ في ((التلخيص)) (٢)، إذ قال: وحديث: ((إن رسول الله وَخيل كان أول ما يتكلم به عند القعدة: التحيات لله))، أبو داود(٣) والدارقطني والطبراني من حديث مجاهد عن ابن عمر - رضي الله عنه -، فهذه الرواية تأبى الزيادة نصاً، لكن ما وجدته بعد في أبي داود بهذا اللفظ، اللَّهم إلا أن يكون في رواية غير اللؤلؤي، قال البيهقي: والرواية الموصولة المشهورة عن الزهري عن عروة عن عبد الرحمن القاري عن عمر - رضي الله عنه - ليس فيها ذكر التسمية، وكذلك الرواية الصحيحة عن عبد الرحمن بن القاسم ويحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة ليس فيها ذكر التسمية، وأما الرواية فيها عن ابن عمر فهي وإن كانت صحيحة فيحتمل أن تكون زيادة من جهة ابن عمر - رضي الله عنه -، فقد روینا عنه عن النبي ◌َّ حديث التشهد ليس فيه ذكر التسمية، والله أعلم، اهـ. (١) انظر: ((سنن أبي داود)) ح (٩٧١). (٢) انظر: ((تلخيص الحبير)) (٢٦٦/٢). (٣) أخرجه أبو داودح (٩٧١)، والدار قطني (٣٥١/١). ٢٣٧ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٩) حديث وورد أيضاً في حديث جابر المرفوع عند النسائي(١) وابن ماجه والترمذي في (العلل)) بلفظ: ((بسم الله وبالله، التحيات)) إلى آخره، وصحَّحَه الحاكم، لكن ضعَّفه الحفاظ البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم، وقالوا: إن راويه أخطأ فيه، قال الحافظ في ((الفتح)): وفي الجملة لم تصح هذه الزيادة، ويدل على عدم اعتبارها: أنه ثبت في حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً بلفظ: ((إذا قعد أحدكم فليكن أول قوله: التحيات الله)) رواه عبد الرزاق وغيره، ونحوه أخرجه مسلم، وقد أنكر ابن مسعود وابن عباس وغيرهما على من زادها، أخرجه البيهقي وغيره. انتهى. وقال ابن قدامة في ((المغني))(٢): وسمع ابن عباس رجلاً يقول: ((بسم الله)) فانتهره، وبه قال مالك وأهل المدينة وابن المنذر والشافعي وهو الصحيح، لأن الصحيح من التشهدات ليس فيه تسمية ولا شيء من هذه الزيادات فيقتصر عليها، ولم تصح التسمية عند أصحاب الحديث ولا غيرها مما وقع فيه الخلاف، وإن فعله جاز لأنه ذكر، اهـ. وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)): زيادة التسمية في التشهد ليس بصحيح(٣)، وقال في ((المدونة)): قال مالك: لا أعرف في التشهد ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ولكن يبدأ بـ((التحيات لله))، اهـ. وقال الباجي(٤): ليس من سنة التشهد عند مالك البسملة في أول التشهد، لأنا قد بينا أن السنة هو تشهد عمر - رضي الله عنه -، وليس فيه كذلك، اهـ. (١) أخرجه النسائي ح (١١٧٥)، وابن ماجه ح (٩٠٢)، والترمذي في ((العلل الكبير)) (١/ ١٥٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٦٦/١، ٢٦٧). (٢) (٢٢٣/٢). (٣) ولكن قال في ((التعليق الممجد)) (٤٦٧/١): إن سند مالك صحيح، وفيه الزيادة موجودة فيحمل على كونها أحياناً ولا ينكر أصل الثبوت. (٤) ((المنتقى)) (١٦٨/١). ٢٣٨ ------- ----- ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٩) حديث التَّبِيَّاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكَانُهُ. السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، (التحيات لله الصلوات الله الزاكيات الله السلام على النبي) كذا وقع بإسقاط لفظ الكاف في نسخ ((الموطأ)) من المتون والشروح، قال الزرقاني(١): كذا وقع بإسقاط الكاف ولفظ: أيها، اهـ. قلت: وفي نسخة ((الموطأ)) لمحمد وقع بلفظ: ((السلام عليك أيها النبي))، وفي ((التعليق الممجد))(٢): كذا رأيته في النسخ، اهـ. قلت: والطرق التي ذكرها الحافظ في ((التلخيص))(٣) كلها بلفظ: ((السلام عليك))، وكذلك سيأتي من رواية البيهقي عن مالك تحت رواية مالك عن عبد الرحمن قريباً، نعم نقل في ((جمع الفوائد)) عن مالك بلفظ: ((السلام على النبي)) وقال الحافظ في ((الفتح)): بعض ألفاظ رواية ابن مسعود - رضي الله عنه - يدل على التفريق بين زمانه 18 فيقال بلفظ الخطاب وبعده فبلفظ الغيبة، وأجاب عنه الشيخ في ((البذل))(٤): لو كان كذلك كان ينبغي أن يقال في حياته وصل عند الغيبة في السفر وغيره، بدون لفظ الخطاب ولم يثبت بعد، بل كانوا يقولون في الحضور والغيبة بلفظ الخطاب، فينبغي أن يقال بعد وفاته وي لهم أيضاً كذلك. قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي))(٥): وما قال ابن مسعود هذا لا يلزم، لأن العبارات إنما تقال بألفاظها غاب الشارع أو حضر، فإن كانت بخطاب الحاضر قلناه كذلك أو أحضرناه بقلوبنا وعلمناه في ضمائرنا، اهـ. (ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) تقدم شرحه (١) (١٨٧/١). (٢) (٤٦٧/١). (٣) (٢٦٦/٢). (٤) (٢٨٣/٥). (٥) ٨٥/٢). ٢٣٩ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٩٩) حديث شَهِدْتُ أَنْ لا إِلَّهَ إلا اللَّهُ، شَهدْتُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. يَقُولُ هُذَا فِي الرَّكْعَنَيْنِ الأَولَيَيْنِ، وَيَدْعُو، إِذَا قَضِى تَشَهُّدَهُ، بِمَا بَدَا لَهُ، (شهدت أن لا إله إلا الله، شهدت أن محمداً رسول الله) بصيغة الماضي فيهما، وكذا في رواية محمد إلا أن فيها بزيادة العطف بين الجملتين، وليس في نسخ ((موطأ يحيى)) حرف العطف، إلا في نسخة الباجي، قال الزرقاني(١): هذا مخالف للمروي في الأحاديث الصحيحة بلفظ: ((أشهد)) في الموضعين وعليه المعول والعمل، اهـ. (يقول) ابن عمر - رضي الله عنه - (هذا) التشهد (في) الجلوس الذي بعد (الركعتين الأوليين ويدعو) أي ابن عمر (إذا قضى) وأتم (تشهده) المذكور (بما بدا له) أي بما شاء. والدعاء في التشهد الأول لا يستحب عند الحنابلة كما في ((المغني))(٢)، إذ قال: ولا يستحب الزيادة على هذا التشهد ولا تطويله، وبهذا قال النخعي والثوري وإسحاق، وعن الشعبي أنه لم ير بأساً أن يصلي على النبي بَّ، وكذلك قال الشافعي، اهـ. وعُدَّ الشعبي في ((البناية)) و(السعاية)) وغيرهما مع الجمهور، وفي ((السعاية))(٣) عن الشعبي: من زاد في الركعتين على التشهد فعليه السهو، اهـ، وهو الصواب. وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن الشعبي: من زاد في الركعتين على التشهد فعليه السجدتان، ومكروه في رواية علي بن زياد وغيره عن الإمام مالك، قال الزرقاني: هو المذهب، وأجازه مالك في رواية ابن نافع، اهـ، واستحب ابن دقيق العيد التعوذ من أربع؛ لعموم حديث: ((إذا تشهد أحدكم فليتعوذ بالله من أربع)) كما في (التعليق الممجد)) (٤)، وذهب ابن حزم إلى (١) (شرح الزرقاني)) (١٨٨/١). (٢) (٢٢٣/٢). (٣) (٢٢٩/١). (٤) (٤٦٨/١). ٢٤٠