Indexed OCR Text

Pages 61-80

٣ - كتاب الصلاة
(٢) باب
(١٥٦) حديث
١٥٦/ ١١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
كَانَ لا يَزِيدُ عَلَى الإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ إِلَّا فِي الصُّبْحِ. فَإِنَّهُ كَانَ يُنَادِي فِيهَا،
وَيُقِيمُ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَذَانُ لِلإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ .
الجامع المشقة بينهما ، والبرد والمطر والريح من الأعذار المبيحة لترك الجماعة
عند الجمهور، وكذلك عندنا الحنفية أيضاً، كما صرح به الشامي، وعَدَّها في ((نور
الإيضاح)) مفصلاً، وبه قال الأئمة الثلاثة، ونقل ابن بطال عليه الإجماع.
لكن المعروف عند المالكية والشافعية أن الريح عذر في الليل فقط، كما
صرح به الزرقاني، وأكثر المشايخ، وكذلك عندنا الحنفية، كما صرح به
الشامي، وذكر في (نور الإيضاح)) فصلاً برأسه للأعذار المسقطة حضور
الجماعة، وعدها ثمانية عشر شيئاً، منها المطر والبرد الشديد وغير ذلك.
١١/١٥٦ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان لا يزيد على
الإقامة في السفر) كما تقدم عن ((الهداية)): أن الأذان لاستحضار الغائبين،
والرفقة حاضرون، والإقامة لإعلام الافتتاح وهم إليه محتاجون، وسيأتي أقوال
الأئمة في ذلك (إلا في الصبح فإنه كان ينادي) أي يؤذن (فيها ويقيم) والظاهر
أنه وقت الإغارة على الكفار، وكان ◌َّ في ذلك الوقت يغير إذا لم يسمع
الأذان ويمسك إذا سمع، فكان - رضي الله عنه - يأمر به في الصبح إظهاراً
لشعار الإسلام، ويحتمل أن يختص الصبح به، لأنه وقت نوم وغفلة فالرفقة
تحتاج إلى الاطلاع بدخول الوقت، وسائر الصلوات لا تخفى عليهم، وهذا في
بعض الأوقات، وفي بعضها يؤذن أيضاً، فلا خلاف بما تقدم أنه كان يؤذن
ويقول: ((ألا صلوا في الرحال)).
قال الزرقاني: ويحتمل أنه كان في السفر الذي قال فيه: ((ألا صلوا في
الرحال)) أميراً، وفي السفر الذي لم يزد فيه على الإقامة غير أمير، اهـ.
(وكان يقول) في وجه اكتفائه على الإقامة (إنما الأذان) مؤكد (للإمام الذي
يجتمع الناس إليه) وأما إذا كان الرفقة قليلة موجودة فلا يؤكد، وإن كان له
فضل في هذا الوقت أيضاً.
٦١

٣ - كتاب الصلاة
(٢) باب
(١٥٧) حديث
١٢/١٥٧ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ؛
أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لَهُ: إِذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَذِّنَ وَتُقِيمَ
فَعَلْتَ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ وَلَا تُؤَذِّنْ.
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: لا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ وَهُوَ
رَاكِبٌ .
١٢/١٥٧ - (مالك عن هشام بن عروة أن أباه) عروة بن الزبير (قال له: إذا
كنت في سفر فإن شئت أن تؤذن وتقيم) لتحصيل السنة (فعلت) وهو الأفضل
(وإن شئت) التخفيف (فأقم ولا تؤذن) لأنه لم يبق تأكده، قال ابن عبد البر(١):
وكان عروة يختار لنفسه أن يؤذن، لفضل الأذان عنده في السفر والحضر، قال
العلامة العيني: وكافة العلماء على استحباب الأذان للمسافر إلا عطاء، فإنه
قال: إذا لم يؤذن ولم يقم أعاد الصلاة، وإلا مجاهداً، فإنه قال: إذا نسي
الإقامة أعاد الصلاة، وأخذا بظاهر أمر ((أذنا وأقيما))، وقيل: الإجماع صارف
عن الوجوب، وفيه نظر. وفي ((المختصر))(٢) عن مالك أنه قال: يعيد إذا تركه.
ومشهور مذهبه الاستحباب. وفي ((المختصر)) عن مالك: ولا أذان على مسافر.
وبوجوبه على المسافر قال داود، اهـ.
قلت: وتقدم عن ((الهداية)): أن المسافر يؤذن ويقيم، ولو تركهما جميعاً
يكره، ولو اكتفى بالإقامة جاز، وقال ابن قدامة: ومن أوجبه من أصحابنا، إنما
أوجبه على أهل مصر، قال القاضي: لا يجب على أهل غير المصر من المسافرين.
(قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: لا بأس أن يؤذن الرجل وهو راكب)،
قال ابن عبد البر(٣): كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يؤذن على البعير، ولا
(١) ((الاستذكار)) (٤/ ٨٧).
(٢) هكذا في الأصل، والصواب ((وحكى عن مالك)) كما في ((عمدة القاري)) (٢٠١/٤).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٨٧/٤، ٨٨).
٦٢

٣ - كتاب الصلاة
(٢) باب
(١٥٨) حديث
١٣/١٥٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّب؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى بِأَرْضِ فَلاةٍ، صَلَّى عَنْ
يَوِرْنِهِ مَلَكْ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ.
أعلم خلافاً في أذان المسافر راكباً، وكرهه عطاء، إلا من علة أو ضرورة، انتهى.
وفي ((المدونة)): قال مالك: يؤذن المؤذن في السفر راكباً، ويقيم وهو
نازل، ولا يقيم وهو راكب. وفي ((المغني)) (١): سئل أحمد عن الرجل يؤذن
وهو يمشي؟ قال: نعم أمر الأذان عندي سهل، وفيه في موضع آخر قال
الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن الأذان على الراحلة فسهل فيه، وقال:
أمر الأذان عندي سهل، وروي عن ابن عمر: أنه كان على الراحلة ثم ينزل
فيقيم، وإذا أبيح النفل على الراحلة، فالأذان أولى، اهـ.
وفي ((البدائع))(٢): وأما المسافر فلا بأس أن يؤذن راكباً، لما روي أن
بلالاً - رضي الله عنه - ربما أذن في السفر راكباً، وأما في الحضر فيكره راكباً
في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه قال: لا بأس به، انتهى مختصراً، وفي
((الدر المختار)): يكره أذان راكب إلا لمسافر، اهـ.
١٣/١٥٨ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن
المسيب، أنه كان يقول:) كذا في ((الموطأ)) موقوفاً، وهو في حكم المرفوع؛
لأن مثله لا يقال بالرأي، وقد ورد موصولاً برواية سلمان الفارسي، عند
النسائي بمعناه، وعند البيهقي وابن أبي شيبة وغيرهما عن سلمان موقوفاً (من
صفى بأرض فلاة) - كحصاة - بقعة لا ماء فيها، - جمعه فلى كحصى، وجمع
الجمع أفلاء على زنة أسباب -.
(صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك) يحتمل أن يكونا الحفظة، فهذا
مكانهما من الرجل في الصلاة وغيرها، ويحتمل أن يكونا غيرهما جاءا للصلاة.
(١) انظر: ((المغني)) (٨٣/٢).
(٢) (٣٧٤/١).
٦٣

٣ - كتاب الصلاة
(٢) باب
(١٥٨) حديث
فَإِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ أَوْ أَقَامَ، صَلَّى وَرَاءَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ
الْجِبَالِ .
فهذا الحكم يختص بالملائكة، وإلا فحكم الآدميين مخالف له، يقومان
خلفه عند الجمهور، لرواية أنس: قمت أنا واليتيم وراءه. وبه قال الأئمة
الأربعة. وقال أبو يوسف تبعاً لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: يقوم
الإمام وسطهما، قلت: وظاهر هذا الأثر يؤيده، لكن الروايات المرفوعة
الكثيرة تؤيد الجمهور.
(فإن أذن وأقام الصلاة) هكذا في جميع النسخ الموجودة، وزاد في شرح
نسخة الباجي، والزرقاني، والسيوطي بعده لفظ: ((أو أقام الصلاة)) (١)، وقالوا:
هكذا رواية يحيى بـ((أو)). ورواية أبي مصعب(٢): ((فإن أذن وأقام))، هذه الرواية
هي الأصل عندي، لكن الأصل الذي على هامش الباجي ليس فيها الشك،
وكذا جميع النسخ الموجودة عندنا من المصرية والهندية خالية عنها، الظاهر أنه
وقع الوهم من الناسخ في أصل الباجي، ونقل عنه السيوطي والزرقاني، فإنهما
أخذا عنه .
(صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال) قال الباجي: ويقتضي هذا أن
للجماعة الكبيرة من الفضيلة ما ليس للجماعة اليسيرة، وإلا فلا فائدة لهذا
المصلي في ذلك، انتهى. وكذا نقله عنه الزرقاني. وكلام الباجي هذا يرد ما
قاله الشعراني: إن عند المالكية ثواب الرجل الواحد والجماعة الكثيرة واحد،
خلافاً للأئمة الثلاثة، اهـ، فتأمل.
وأخرج أبو داود عن أبي بن كعب مرفوعاً: ((صلاة الرجل مع الرجل
أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما
كثر فهو أحب إلى الله عز وجل))، قال الشوكاني: أخرجه النسائي وابن ماجه
(١) في نسخة ((الاستذكار)): ((فإذا أذن وأقام الصلاة أو أقام)) (٨٦/٤).
(٢) ((الموطأ)) برواية أبي مصعب (٧٨/١).
٦٤

٣ - كتاب الصلاة
(٣) باب
(١٥٩) حديث
(٣) باب قدر السحور من النداء
١٤/١٥٩ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ بِلالاً يُنَادِي
وابن حبان وصححه ابن السكن والحاكم والعقيلي، اهـ، وهذا الحديث نص في
الباب .
(٣) قدر السحور من النداء
الظاهر في معناه تقدير انتهاء السحور بسبب النداء، يعني: لو قُدّر وعين
انتهاء السحور بالأذان يجوز، كما أنه عليه السلام أقام له العلامة أذان ابن أم
مكتوم، فحينئذ يكون أذان بلال لصلاة الصبح، وأذان ابن أم مكتوم لبيان انتهاء
السحر، وهذا توجيه الترجمة، وإن خالف الحنفية، لكنه يوافق مذهب المتكلم،
فهو الأولى، وعلى هذا فإدخاله في أبواب الأذان، وإن كان ظاهره يناسب
الصوم باعتبار الأذان الأول، أو يقال: إن معناه حُرِز انتهاء السحور بسبب
النداء، فحينئذ يكون مصداق النداء في الحديث نداء بلال، فإنه يعلم منه قرب
وقت انتهاء السحور؛ لأنه لم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل هذا ويطلع هذا كما
ورد .
ويمكن أن يقال: إن المراد تعيين وقت السحور والتنبيه عليه بالنداء،
ويستنبط من الحديث بأنه ◌َسليم فرَّع الأكل والشرب ((بالفاء)) على نداء بلال،
فيكون المعنى لو عين النداء للتنبيه على وقت السحور بمنزلة المَدَافع في
زماننا، فيجوز، وعلى هذين التوجيهين يكون نداء بلال لمعنى السحور ونداء
الآخر للصبح، كما قالت الحنفية، خلافاً للأئمة.
١٤/١٥٩ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن
رسول الله ◌َّ﴾) قلت: لم يختلف على مالك في هذا الإسناد أنه موصول، كما
سيجيء عن ابن عبد البر في الحديث الآتي (قال: إن بلالاً) ابن رباح المؤذن
٦٥

٣ - كتاب الصلاة
(٣) باب
(١٥٩) حديث
بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أَمِّ مَكْتُومٍ)).
أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ١٧ - باب قول النبيّ وَّةٍ: ((لا
يمنعنكم من سحوركم أذان بلال)».
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصوم، ٨ - باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل
بطلوع الفجر، حديث ٣٦ و ٣٧ و ٣٨.
(ينادي) أي يؤذن (بليل) أي فيه (فكلوا واشربوا)، فيه تنبيه على أن الأذان عرف
بياناً لدخول الوقت، فبين لهم أن أذان بلال ليس كذلك. (حتى ينادي ابن أم
مكتوم) اسمه عمرو على المشهور، وقيل: كان اسمه الحصين فسمَّاه النبي ◌َّ:
عبد الله. ولا يبعد أن يكون له اسمان، قال ابن سعد: أهل المدينة يقولون:
اسمه عبد الله، وأهل العراق يقولون: اسمه عمرو، قاله الزرقاني. قال
الحافظ: عمرو أكثر وأشهر.
قال العيني(١) في ((شرح البخاري)): هو ابن خال خديجة بنت خويلد،
قرشي عامري، أسلم قديماً، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة، واسم أمه
عاتكة بنت عبد الله المخزومية.
قيل: كان ولد أعمى فكُنيتْ أمه به، والمعروف أنه عمي بعد بدر بسنتين،
وهو الأعمى المذكور في سورة عبس، ولذا كان ◌َّ يكرمه كثيراً، ويستخلفه
على المدينة في أسفاره، حتى قيل: استخلفه ثلاث عشرة مرة.
وتُعُقِّب بأن نزول ((عبس)) بمكة، فكيف يمكن أن يقال: إنه عمي بعد بدر
بسنتين؟ فالظاهر أنه عمي بعد البعثة بسنتين، وقد روى ابن سعد والبيهقي عنه:
((أن جبريل أتى عند رسول الله وَ ل وعنده ابن أم مكتوم، فقال: متى ذهب
بصرك؟ قال: وأنا غلام ... )) الحديث.
شهد القادسية في خلافة عمر - رضي الله عنه -، فاستشهد بها، وقيل:
رجع إلى المدينة فتوفي بها .
(١) ((عمدة القاري)) (١٨١/٤)، وانظر ((فتح الباري)) (١٢٤/٢).
٦٦

٣ - كتاب الصلاة
(٣) باب
(١٦٠) حديث
١٦٠/ ١٥ - وحدّثني عَنُ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ قَالَ:
وفي الحديث جواز المؤذنين لمسجد واحد عند الضرورة، فيجوز أذانهما
معاً لو مست إليه الحاجة. ومنعه قوم. والجمهور على الأول، وكذا الزائد
بقدر الضرورة، وتقدم الكلام على تعدد المؤذنين.
وفيه أيضاً جواز أذان الأعمى إذا كان عنده من يخبره بالوقت، كما في
الحديث الآتي، ونقل النووي عن أبي حنيفة وداود: أن أذانه لا يصح، والنقل
عن الحنفية ليس بصحيح، بل صرح الشامي بعدم كراهته أيضاً، قال العيني في
((شرح البخاري)): وهذا النقل غلط لم يقل به أبو حنيفة، وإنما ذكر أصحابنا أنه
يكره، ذكره في ((المحيط)) وفي ((الذخيرة)) و((البدائع)) وغيره أحب، فكان وجه
الكراهة لأجل عدم قدرته على مشاهدة الوقت، فهو في الأصل مبني على
المشاهدة، اهـ.
وفي الحديث أيضاً جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر؛ لأن الأصل
بقاء الليل، خلافاً للمالكية، وغير ذلك من الفوائد.
١٦٠/ ١٥ - ( مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله)
مرسلاً (أن رسول الله ﴿﴿ قال) هذا إسناد آخر للحديث المتقدم، قال ابن
عبد البر: لم يختلف على مالك في الإسناد الأول أنه موصول ، وأما هذا
فرواه يحيى، وأكثر رواة ((الموطأ))(١) مرسلاً، ووصله القعنبي فقال عن أبيه،
ووافقه على وصله جماعة، اهـ.
وقال الدارقطني: لم يذكر غير القعنبي من رواة ((الموطأ)) فيه عن ابن عمر
- رضي الله عنهما -، ووافقه على وصله عن مالك خارج ((الموطأ)) جماعة،
ووصله عن الزهري أيضاً جماعة، اهـ مختصراً.
(١) ((التمهيد)) (٥٥/١٠).
٦٧

٣ - كتاب الصلاة
(٣) باب
(١٦٠) حديث
(إِنّ بِلالاً يُنَادِي بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أَمِّ مَكْتُوم))،
(إن بلالاً ينادي) ويؤذن (بليل) قبل طلوع الفجر (فكلوا واشربوا) يعني
تسحروا (حتى ينادي) عمرو (ابن أم مكتوم) كذا في رواية ابن عمر وعائشة
- رضي الله عنهم - عند الشيخين وغيرهما، وكذا في حديث ابن مسعود عند
ابن خزيمة .
وروى أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، بطرق من حديث أنيسة بلفظ:
((إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال)).
وحكم ابن عبد البر، وابن الجوزي، ومن تبعهما أن حديث أنيسة هذا
مقلوب، قال الحافظ: وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في
((صحيح ابن خزيمة)) بطريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد
وقوع الوهم فيه، وهو قوله: ((إذا أذن عمرو وهو ضرير البصر فلا يَغُرَّنَّكم، وإذا
أذن بلال فلا يطعَمَنَّ أحد)»، وأخرجه أحمد.
بل جاء عن عائشة أيضاً، أنها كانت تنكر حديث ابن عمر، وتقول: إنه
غلط فيه ابن عمر، كما أخرجه البيهقي، وفيه قالت عائشة: وكان بلال يبصر
الفجر. وكانت تقول: غلط ابن عمر - رضي الله عنهما -، اهـ.
إلا أن الظاهر أن رواية البيهقي هذه وهم من بعض رواتها، لأنه روي في
الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها - أيضاً مثل رواية ابن عمر،
فكيف يمكن أن تنسب تلك الرواية إلى الغلط.
قال الحافظ(١): وقد جمع ابن خزيمة، وابن حبان، والضبعي، بين
الروايتين، بأنه كان ذاك بينهما نَوْباً، وتؤيده رواية ابن أبي شيبة بلفظ: كان
رسول الله ◌َو يقول: ((إن ابن أم مكتوم ينادي بليل؛ فكلوا واشربوا حتى ينادي
بلال وإن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم»، اهـ.
وجزم بذلك ابن حبان، ولم يبده احتمالاً. وقيل: لم يكن نوباً، بل كانت لهما
(١) ((فتح الباري)) (١٠٣/٢).
٦٨

(١٦٠) حديث
٣ - كتاب الصلاة
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلاً أَعْمَى،
(٣) باب
حالتان مختلفتان، فإن بلالاً كان في أول ما شرع يؤذن وحده، ولا يؤذن
للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى هذا تحمل رواية امرأة من بني النجار، قالت:
((كان بلال - رضي الله عنه - يجلس على بيتي وهو أعلى بيت في المدينة فإذا
رأى الفجر تمّى ثم أذن))، أخرجه أبو داود(١) وإسناده حسن. وكذا رواياته
الأخر في الأذان عند مبدأ الطلوع، ثم أردف ابن أم مكتوم فكان يؤذن بليل،
واستمر بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها .
ثم لما جاء الضعف في بصر بلال، وكان ربما أخطأ طلوع الفجر، وأنه
أخطأ مرة فأمره وَل# أن يرجع، ويقول: ((ألا إن العبد قد نام)) وسيجيء
الحديث، أخرجه أبو داود وغيره، فاستقر أذانه بليل وأخر أذان ابن أم مكتوم،
ووكل له من يراعي له الفجر، انتهى.
(قال) اختلف في فاعله كما سيجيء (وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى)
ظاهره أن هذه مقولة سالم، ويؤيده رواية البيهقي بلفظ: ((قال سالم))، وجزم
الشيخ موفق الدين في ((المغني)) بأن فاعل ((قال)) هو ابن عمر، ويشهد له رواية
البخاري في الصيام، وصرح الحميدي في ((الجمع)) بأن عبد العزيز رواه عن ابن
شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه قال: وكان ابن أم مكتوم إلخ، ورواه الإسماعيلي
عن أبي خليفة، والطحاوي عن يزيد بن سنان، كلاهما عن القعنبي، فعينا أن
فاعله ابن شهاب، وكذا رواه جماعة عن القعنبي، ذكرهم الزرقاني(٢).
قال الحافظ(٣): لا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه سالم قاله،
وكذا شيخ شيخه ابن عمر - رضي الله عنهما - أيضاً، اهـ. وكذا قال العيني في
((شرح البخاري)). قال الحافظ: ولابن شهاب فيه شيخ آخر، رواه عبد الرزاق
(١) أخرجه أبو داود (الحديث: ٥١٩).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٥٥/١).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٠/٢) ((باب أذان الأعمى)).
٦٩

٣ - كتاب الصلاة
(٣) باب
(١٦٠) حدیث
لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ. أَصْبَحْتَ.
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١١ - باب أذان الأعمى إذا كان له
من يخبره.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصوم، ٨ - باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل
بطلوع الفجر، حديث ٣٦ و ٣٧ و ٣٨.
عن معمر عنه، عن سعيد بن المسيب وفيه الزيادة، قال ابن عبد البر: هو
حديث آخر لابن شهاب، وقد وافق ابن إسحاق معمراً فيه عن الزهري، اهـ.
(لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت) بالتكرار للتأكيد، أي دخلت
في الصباح.
واستشكل عليه بأنه جعل أذانه غاية للأكل، فلو أذن بعد دخول الصباح
لزم جواز الأكل بعد طلوع الفجر، وهو خلاف ما عليه الجمهور، فقيل في
جوابه: إن معناه قاربت الصباح، ويُعَكِّر عليه أن في رواية الربيع عند البيهقي:
((ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذن))،
وأصرح منه رواية البخاري في الصيام: ((حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن
حتى يطلع الفجر))، فإنه من كلام النبي ◌َّ بنفسه، فقيل: لعل أذانه لا يقع إلا
في أول المطلع، فإن مؤذنه والر مؤيد بالملائكة، وغير ذلك.
وأنت خبير بأن أمثال هذه الأجوبة لا تردُّ الروايات الصحيحة، فالظاهر
في الجواب أن حديث الباب مؤيد لمن قال: إن حرمة الأكل بتبين الفجر لا
بالطلوع، وهو أقوى حجة، كما قالوا، ومن لم يقل به أخذ بالاحتياط،
واستدل بحديثي الباب على جواز تقدم أذان الصبح على طلوع الفجر (١)، وتقدم
بيان المذاهب في ذلك.
(١) به قال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد بن حنبل، وإسحاق وداود، والطبري، وهو
قول أبي يوسف. وقال أبو حنيفة، والثوري، وزفر، ومحمد بن الحسن، والحسن بن
حيّ، وجمهور أهل العراق: لا يجوز الأذان لصلاة الفجر حتى يطلع الفجر. انظر:
((الاستذكار)) (٩٣/٤).
٧٠
-----

٣ - كتاب الصلاة
(٣) باب
(١٦٠) حديث
٠
۔
وأنت خبير بأن الحنفية لا يخالفهم هذا الحديث؛ لأنه لم يجئ في طريق
منه ولا بضعيف، أن أذان بلال كان لصلاة الصبح، وهو المختلف فيما بينهم،
لا مجرد الأذان، فكان الثبوت على من ادَّعى، واستدل به على جواز تقديم
الأذان قبل الفجر لصلاة الصبح، ولو سُلِّم لأجاب الحنفية عن ذلك بوجوه :
الأول: ما قاله الإمام محمد: إنه كان في شهر رمضان السحور الناس،
ويؤيده رواية مسلم: ((لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره)).
قال الشوكاني(١): واختلفوا في أن أذان بلال كان في رمضان فقط أم في
جميع الأوقات؟ فادعى ابن القطان الأول، انتهى، فعلى هذا لم يكن هذا
الأذان للصلاة، بل لقدر السحور فقط، فلا يصح به الاستدلال على مدعاهم.
والثاني: ما ورد في رواية مسلم: ((فإنه ينادي ليرجع قائمكم ويوقظ
نائمكم))، وفي رواية للطحاوي: ((ليرجع غائبكم أو لينتبه نائمكم))، ففي هاتين
الروايتين وأمثالهما تصريح بأن أذان بلال لم يكن للصلاة، بل لأمور أخر،
وأنت خبير بأن العلة المنصوصة مقدمة على غيرها .
والثالث: أن بلالاً - رضي الله عنه - أيضاً كان يريد الفجر، لكن قد
يخطئ لضعف في بصره، وابن أم مكتوم لما عين له من يراعي له الفجر ويخبره
فلا يخطئه، ويؤيده رواية أنس: ((لا يَغُرَّنَّكم أذان بلال - رضي الله عنه - فإن في
بصره شيئاً))، ويؤيده أيضاً ما أخرج البخاري في الصيام: ((لم يكن بين أذانيهما
إلا أن يرقى ذا وينزل ذا))، لا يقال: لو كان كذلك ما عينه النبي ◌ّ﴾ مؤذناً؛
لأن نصبه كان مقدماً، وما احتيج إلى عزله بعد ذلك لإصلاحه بوجه آخر،
وأيضاً في إبقائه من المصالح المتقدمة.
والرابع: المعارضة بروايات النهي عن تقديم الأذان، سيما إذا كانت نصاً
(١) ((نيل الأوطار)) (٥١٦/١).
٧١

٣ - كتاب الصلاة
(٣) باب
(١٦٠) حديث
.
في متناولها بخلاف تلك الروايات المحتملة، بل الروايات التي استدلوا بها،
هي بنفسها حجة للحنفية؛ لأنه لو كان أذان بلال كافياً لما احتيج إلى إعادة
أذان ابن أم مكتوم.
واستدل الحنفية على ذلك بروايات كثيرة تنص على الباب، فمنها رواية
شداد عن بلال، أن رسول الله وَلّ قال له: ((لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر
هكذا، ومد يديه عرضاً)) أخرجه أبو داود، ورواية حفصة: ((أنه عليه السلام إذا
أذن المؤذن بالفجر قام فصلى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى المسجد))، أخرجها
الطحاوي والبيهقي، وبرواية ابن عمر: إن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر، فأمره
النبي 8* أن يرجع فينادي: ((ألا إن العبد قد نام))، أخرجها أبو داود
والدارقطني والطحاوي بطريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع، قال الحافظ
في ((الفتح))(١): رجاله ثقات حفاظ، فهذا ابن عمر روى هذا الحال، وقد روى
قبل حديث: ((إن بلالاً ينادي بليل)) الحديث، فلا بد أن يقال: إن ما كان من
ندائه بليل لم يكن للصلاة، قاله العيني.
لا يقال: إن رفعه خطأ انفرد به حماد، كما قاله جماعة من المحدثين،
والصواب وقفه على عمر بن الخطاب وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه؛
لأنه ليس بخطأ أصلاً، ولا دليل عليه، والذين خطأوه اضطروا إليه لما أنه قد
ثبت عندهم تقديم الأذان عن وقته، لكن الذي لم يثبت عنده كيف يمكن له أن
يقبله، سيما إذا كان له متابعة كما سيجيء.
والعجب منهم مع جلالة شأنهم أنهم بأنفسهم يخالفون أصولهم، فإنه لو
تفرد به حماد كما ادعوه يعتبر أيضاً لثقة حماد بن سلمة. وليت شعري أنه إن
وقع مثل هذه القصة لعمر مع مؤذنه، فهو كيف يوجب أن لا يقع مثلها لبلال؟!
(١) ((فتح الباري)) (١٠٣/٢).
٧٢

٣ - كتاب الصلاة
(٣) باب
(١٦٠) حديث
على أن حماداً لم ينفرد به، فإن له متابعة سعيد بن زَربى - بفتح الزاي وسكون
الراء بعدها موحدة - عن أيوب عند البيهقي، ورواه عبد الرزاق عن معمر وعن
أيوب أيضاً، أخرجه الدارقطني، وقال: هذا مرسل. قلت: فهو حجة. ولأيوب
متابعة أيضاً برواية عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافع عن ابن عمر عند
الدارقطني؛ قال النيموي: أخرجه البيهقي، وإسناده حسن.
قال الحافظ في (الفتح)) (١): ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب أيضاً،
لكن أعضله فلم يذكر نافعاً ولا ابن عمر، وله طريق آخر عن نافع عند
الدارقطني وغيره، اختلف في رفعها ووقفها أيضاً، وأخرى مرسلة من طريق
يونس بن عبيد وغيره عن حميد، وأخرى من طريق سعيد عن قتادة مرسلة،
ووصلها يونس عن سعيد بذكر أنس، وهذه طرق يقوّي بعضها بعضاً قوة
ظاهرة، انتهى. فعلم بهذه الطرق العديدة أنه لا يمكن إنكار أن هذه القصة
وقعت لبلال أيضاً كما وقع لمؤذن عمر.
واستدلوا أيضاً بحديث أنس، وهو أيضاً شاهد لحديث ابن عمر
المذكور، أخرجه الدارقطني برواية أبي يوسف القاضي، عن سعيد بن أبي
عروبة، عن قتادة، عن أنس: أن بلالاً أذّن قبل الفجر، فأمره رسول الله وَ ل ◌ّ أن
يصعد فينادي: ((إن العبد قد نام)) الحديث، ثم قال: تفرد به أبو يوسف عن
سعيد، وغيره يرسله، ثم أخرج الطريق المرسل، فقال: والمرسل أصح(٢).
ولا يذهب عليك أن أبا يوسف إذا كان ثقة عندهم - كما أقر به البيهقي
في الحيض - فوصله زيادة ثقة، فيعتبر على أصولهم أيضاً، ولو فرض أن
المرسل أصح، فالمرسل أيضاً حجة عند المحققين، سيما إذا توبع بطريق آخر،
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ١٠٣).
(٢) (سنن الدار قطني)) (٢٤٤/١).
٧٣

٣ - كتاب الصلاة
(٣) باب
(١٦٠) حديث
وله متابعة عند الدارقطني، برواية الحسن عن أنس، قال الدارقطني: محمد بن
القاسم الأسدي ضعيف جداً. قلت: وهو وإن وثقه بعضهم - كابن معين - لكن
الراجح فيه التضعيف، إلا أن المتابعة بالضعيف شائع.
قال النووي في ((التقريب))(١): ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من
لا يحتجُّ به، ولا يصلح لذلك كل ضعيف، وقال السيوطي: ما كان ضعفه
لضعف حفظ راويه الصدوق زال بمجيئه من وجهٍ آخر، وصار حسناً، وكذا إذا
كان ضعفا لإرسال أو تدليس أو جهالة رجال. أما الضعيف لفسق الراوي أو
كذبه، فلا يؤثر فيه موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله، لقوة الضعف. نعم،
يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكراً أو لا أصل له، صرح به شيخ
الإسلام، اهـ.
وأنت تعلم أنهم إذا يورد عليهم إخراج الشيخين لبعض الضعفاء يخلصوا
أنفسهم بقولهم: ذكره متابعة، وقد أقر بذلك النووي في ((مقدمة شرحه))،
واستدلوا أيضاً برواية حميد بن هلال: إنّ بلالاً أذن ليلة بسوادٍ، فأمره
رسول الله وَلّر أن يرجع إلى مقامه، فينادي: ((إن العبد نام)) فرجع. أخرجه
الدارقطني. ذكر في ((الإمام)): هو مرسل جيد، ليس في إسناده مطعون فيه.
واستدلوا أيضاً برواية شيبان، قال: ((تسحرت ثم أتيت المسجد ... ))
الحديث، أخرجه الطبراني، وفيه: ((وكان لا يؤذن حتى يصبح))، قال الحافظ
في ((الدراية)): إسناده صحيح. وبرواية حفصة بنت عمر، أخرجها الطحاوي
والبيهقي، وفيه: وكان لا يؤذن حتى يصبح. وبرواية عائشة، قالت: ما كانوا
يؤذنون حتى ينفجر الفجر. أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ في كتاب
الأذان، وإسناده صحيح.
(١) انظر: ((تدريب الراوي)) (٣٨٣/٢).
٧٤

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
(٤) بابُ افتِتَاحِ الصَّلاة
١٦/١٦١ - حَدَّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴾، كَانَ
إِذَا اَفْتَتَحَ الصَّلاةَ،
واستدلوا أيضاً بحديث مسروح (١) مؤذن عمر - رضي الله عنه -، صححه
جماعة من المحدثين، وتمسكوا بروايات أخر أخرجها الزيلعي(٢) وغيره، لا
يسعها هذا المختصر، وكان هذا معروفاً فيما بينهم.
قال في ((التمهيد))(٣): روى زبيد الإيامي، عن إبراهيم، قال: كانوا إذا
أذن المؤذن بليل، أتوه فقالوا له: اتق الله، وأعد أذانك. فما يثبت بهذه
الروايات كلها أن صلاة الفجر لا يؤذن لها إلا بعد دخول وقتها، وأما أذان
بلال - رضي الله عنه - قبل طلوع الفجر إنما كان في رمضان خاصة لمصالح
ذكرت، لا للصلاة. وأما في غير رمضان، فكان ذلك خطأ منه، لظنه أن الفجر
قد طلع، والله أعلم.
(٤) إفتتاح الصلاة
أي ابتداؤها
١٦/١٦١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن)
أبيه (عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - (أن رسول الله مَلَه، كان
إذا افتتح الصلاة) قال الباجي (٤): افتتاح الصلاة يكون بالنطق، ولا يكون بمجرد
النية لمن يقدر على النطق، اهـ.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٤/٤).
(٢) (نصب الراية)) (٢٨٣/١ - ٢٨٤).
(٣) (٥٩/١٠).
(٤) ((المنتقى)) (١٤٢/١).
٧٥

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
رَفَعَ يَدَيْهِ
ثم تكبيرة الإحرام فرض عند الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة مع
الاختلاف فيما بينهم أنه ركن كما قالوا، أو شرط كما قاله الحنفية، وهو وجه
للشافعية، وعند بعض أصحابنا ركن، وهو ظاهر كلام الطحاوي، قاله الشامي،
وقيل: سنة، قال ابن المنذر: لم يقل به غير ابن شهاب، ونقله ابن عبد البر
عن الأوزاعي وغيره أيضاً، كما قاله الزرقاني (١)، قال الحافظ: وروي عن
مالك، ولم يثبت.
واختلفوا أيضاً في لفظه، قال الشيخ الموفق بن قدامة في ((المغني))(٢):
وجملته أن الصلاة لا تنعقد إلا بقول: الله أكبر عند إمامنا، ومالك، وكذا عند
الشافعي، إلا أنه قال: تنعقد بقوله: الله الأكبر أيضاً، لأن الألف واللام لا
يغيره عن بنيته ومعناه، وإنما أفادت التعريف. وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل اسم
الله تعالى على وجه التعظيم، كقوله: الله أعظم أو كبير أو جليل، اهـ ملخصاً.
واستدل لأبي حنيفة في ((الهداية)): بأن التكبير، هو التعظيم لغةً، وهو
٩،
٣
حاصل، قال ابن الهمام(٣): يعني المذكور في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَتِّرْ
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((وتحريمها التكبير)) ومعناه التعظيم، وهو أعم من
خصوص ((الله أكبر)) وغيره، ولا إجمال فيه، والثابت بالخبر اللفظ المخصوص
فيجب العمل به، حتى يكره لمن يحسنه تركه، اهـ.
(رفع يديه)، وهذا الرفع عند افتتاح الصلاة مجمع على مشروعيته، وفي
((شرح المهذب)) (٤): اجتمعت الأمة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١ / ١٥٧).
(٢) («المغني)) (١٢٦/٢).
(٣) ((فتح القدير)) (٢٤٦/١)، ((البحر الرائق)) (١٢٤/١).
(٤) (٣٠٥/٣).
٧٦

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ،
الإحرام، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع فيه، ثم الجمهور على أنه سنة، وقال
ابن حزم: إنه فرض لا تجوز الصلاة إلا به، وروي ذلك عن الأوزاعي، كذا
في ((البذل))(١)، وقال الزرقاني(٢): روي الوجوب عن الحميدي، وابن خزيمة،
وداود وبعض الشافعية، والمالكية.
قال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الوجوب لا يبطل الصلاة بتركه، إلا
في رواية عن الأوزاعي، والحميدي، وهو شذوذ وخطأ، وقيل: لا يستحب،
حكاه الباجي عن كثير من المالكية، ونقله اللخمي رواية عن مالك، اهـ.
قلت: فالراجح استحبابه لا إنكاره كما قيل، ولا وجوبه، ولذا قال
الشيخ الموفق في ((المغني)): لا نعلم خلافاً في استحباب رفع اليدين عند افتتاح
الصلاة، لكن قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي))(٣): اختلف العلماء في
رفع اليدين في الصلاة على خمسة أقوال: الأول: أنه لا ترفع في شيء من
الصلاة، قاله في ((مختصر ما ليس في المختصر)). الثاني: يرفع في تكبيرة
الإحرام فقط، قاله مالك في مشهور رواية البصريين عنه. الثالث: يرفع في
تكبيرة الإحرام، وإذا ركع، الرابع: يرفع فيهما، وإذا رفع من الركوع.
الخامس: وإذا قام من اثنتين، رواه ابن وهب عن مالك، اهـ. وكذلك نقل غيره
أيضاً الخلاف في رفع الافتتاح، وأما في المواضع الأخر فيأتي بسط الكلام
فيها .
(حذو) بحاء مهملة وذال معجمة ساكنة أي مقابل (منكبيه) تثنية منكب،
وهو مجمع عظم العضد والكتف، قال ابن رسلان: بفتح الميم وكسر الكاف ما
(١) (٤ / ٤٠٠) .
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١/ ١٥٧).
(٣) (٥٨/٢).
٧٧

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
بين الكتف والعنق، انتهى. وبهذا أخذ مالك والشافعي، وذهب الحنفية إلى
حديث مالك بن الحويرث عند مسلم، وفيه حتى يحاذي بهما أذنيه، قاله
الزرقاني، قلت: لكن في ((مختصر عبد الرحمن)) وفضائلها رفع اليدين عند
الإحرام حتى تقابلا الأذنين، اهـ.
وكذا ما سيأتي من كلام الباجي، يدل على أن مالكاً يوافق الحنفية، ثم
ما نقل الخلاف فيه جماعة من المشايخ، الظاهر أن الاختلاف فيه كأنه لفظي
لأن ابن الهمام من الحنفية، قال: لا تعارض بين الروايتين، فإن محاذاة
الشحمتين بالإبهامين تسوغ حكاية محاذاة اليدين بالمنكبين، لأن طرف الكف
مع الرسغ يحاذي المنكب أو يقاربه، فالذي نص على محاذاة الإبهامين
بالشحمتين وفِّق في التحقيق بين الروايتين، فوجب اعتباره، اهـ.
وقال الباجي من المالكية: فإنا نقول: كان يحاذي بكفيه منكبيه وبأطراف
أصابعه أذنيه فيجمع بين الحديثين، ويكون أولى من اطراح أحدهما، انتهى.
ونقل القاري (١)، عن الإمام الشافعي أنه حين دخل مصر، سئل عن كيفية
الرفع؟ فقال: يرفع يديه بحيث يكون كفاه حذاء منكبيه، وإبهاماه حذاء شحمتي
أذنيه وأطراف أصابعه حذاء فروع أذنيه لأنه جاء في رواية: ((يرفع إلى
المنكبين))، وفي رواية: إلى الأذنين، وفي رواية: إلى فروع الأذنين. فعمل
الشافعي بما ذكرنا في رفع اليدين جمعاً بين الروايات الثلاثة، انتهى.
قلت: ويقرب منه ما نقله الحافظ عن الإمام الشافعي ومتأخري المالكية.
وقد علم بهذا كله أن الأئمة ما اختلفوا فيه، إلا أن الحنفية استحبوا شيئاً من
المبالغة في الرفع، حتى قيّدوا مس الإبهامين بشحمتي الأذنين، وغيرهم ما
احتاجوا إليه، كما يظهر من كتب الفروع. وقال ابن قدامة: هو مخيَّر فيهما،
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٤/٢).
٧٨

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
لأن كلا الأمرين مروي عن رسول الله وَل﴾، قيل لأحمد: إلى أين يبلغ بالرفع؟
قال: أما أنا فأذهب إلى منكبين، ومن ذهب إلى أن يرفع حذو أذنيه
فحسن(١)، اهـ.
قلتُ: والأوجه عندي هو الجمع المذكور لتتفق به اختلاف الروايات،
وهو مؤيد برواية أبي داود(٢) عن وائل بن حجر أنه أبصر النبي ◌َّ حين قام
إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه ثم كبر،
فعلى هذا لا يخالف حديث الباب قول الحنفية، ولا رواية تخالف لأحد من
الأئمة، ولو سُلِّم فيحمل حديث الباب على حالة الشتاء وعليهم الأكسية،
والبرانس، كما أخرجه أبو داود(٣) من رواية وائل بن حجر: ((أنه عليه الصلاة
والسلام رفع يديه حيال أذنيه، ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم،
في افتتاح الصلاة، وعليهم برانس والأكسية، وعليه حمله الطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) وهذا كله في رفع الرجل.
وأما رفع المرأة يديها، فيكون حذاء ثدييها عندنا الحنفية، قال ابن
رسلان: التفريق بين الرجل والمرأة لم يقل به إلا الحنفية، هذا تقصير من
المعرفة بمذاهب الأئمة، فإن لأحمد فيه روايتين؛ إحداهما: أنها ترفع قليلاً،
قال أحمد: رفع دون الرفع. وثانيتهما: لا يشرع لها الرفع، قال السيوطي في
(التنوير)): وللطبراني من حديث وائل بن حجر، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا
صليت فاجعل يديك حذو أذنيك والمرأة تجعل يديها حذاء ثدييها))، اهـ. فما
(١) وفي ((شرح مسند الإمام)) لعلي القاري: الأظهر أنه ◌ّ ر كان يرفع يديه من غير تقييد إلى
هيئة خاصة فأحياناً كان يرفع إلى حيال منكبيه، وأحياناً إلى شحمتي أذنيه، انظر ((التعليق
الممجد)» (٣٨٣/١).
(٢) أخرجه أبو داود (الحديث: ٧٢٥).
(٣) أخرجه أبو داود (الحديث: ٧٢٣).
٧٩

٣ - كتاب الصلاة
(١٦١) حديث
وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ،
(٤) باب
قال الشوكاني وغيره: لا دليل للحنفية على الفرق بينهما غلط ناشئ عن قلة نظر
منه .
ثم اختلف الفقهاء في أن الرفع هل يكون مقارناً للتكبير أو قبله، والأصح
عند الشافعية والمالكية المقارنة، كما قاله الزرقاني، والمرجح عند الحنفية
التقديم، كما في ((البذل))، فعلم أن لكل منهم روايتين في ذلك، ونقل الشيخ
الموفق في ((المغني)) في مذهبه - أي الحنابلة - رواية واحدة وهي المقارنة.
واختلفت ألفاظ الروايات في ذلك، وحديث الباب ساكت عنه، لكن الألفاظ
التي نسبها ابن تيمية في ((المنتقى)) إلى الشيخين، وأيضاً ما أخرجه أبو داود
وغيره بلفظ: ((إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كَبَّر))
الحديث، تؤيد الحنفية.
ثم اختلف العلماء في حكمة الرفع، فقيل: إشارة إلى نفي الكبرياء عن
غير الله، واختاره صاحب ((الهداية))، وقال: فيقدم على التكبير، وهو إثبات
الوحدة، وقيل: الحكمة فيه أن يراه الأصمُّ فينبغي اتصاله بالتكبير، وقيل:
إشارة إلى طرح الدنيا والإقبال بكليته إلى الله تعالى، وقيل: إلى الاستسلام،
وقيل: إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إلى رفع الحجاب بين العابد
والمعبود، والساجد والمسجود، والعبد والمولى، وقيل: ليستقبل بجميع بدنه،
وقيل: تعظيم الله تعالى، وقيل: إشارة إلى تمام القيام، قاله الزرقاني(١).
وزاد ابن رسلان: قيل: إن كفار قريش وغيرهم كانوا يصلون مع النبي وَل
وأصنامهم تحت آباطهم، فأمروا بالرفع ليسقطوا، ونقل عن بعض الصوفية:
إشارة إلى طرح الدنيا وراء ظهره، اهـ.
(وإذا رفع رأسه من الركوع) ولم يذكر فيه الانحطاط إلى الركوع كما
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٧/١).
٨٠