Indexed OCR Text
Pages 21-40
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٩) حديث
٤/١٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِهِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا
أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: «إِذا تُوِّبَ بِالصَّلاةِ،
وفي ((التنوير)) عن الشيخ أكمل: ((الحبو))، بالحاء المهملة وسكون
الموحدة، هو المشي على اليدين والركبتين، ولابن أبي شيبة من حديث أبي
الدرداء موقوفاً (١): ((ولو حبواً على المرافق والركب))، يعني يزحفون إليهما إذا
منعهم مانع من المشي كما يزحف الصغير.
٤/١٤٩ - (مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب) الحرقي (عن
أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني (وإسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة أحد
مشايخ الإمام مالك، لكن روى عنه هاهنا بالواسطة، كذا قاله الزرقاني(٢)،
وظاهر ما في ((تهذيب الحافظ)) من ترجمة إسحاق مولى زائدة أن هذا رجل
آخر، لكن ذكره بلفظ إسحاق أبي عبد الله، وهو كذلك في بعض نسخ
((الموطأ)) و((التجريد))، وذكره الطحاوي وأحمد في ((مسنده)) بلفظ إسحاق بن
عبد الله (أنهما) أي عبد الرحمن وإسحاق (أخبراه) أي العلاء (أنهما سمعا أبا
هريرة - رضي الله عنه - (يقول: قال رسول الله الله: إذا ثوب)(٣) بضم الثاء
المثلثة وتشديد الواو المكسورة آخره موحدة، أي أقيم (بالصلاة) وقد وردت
الروايات الكثيرة بلفظ ((أقيم)) فهو يعين المراد، وأصل ثاب: رجع، فكأن
المؤذن رجع إلى ضرب من الأذان؛ لأنه دعاء للصلاة بها ثانياً بعد الدعاء
بالأذان أولاً، ولا تخصيص للإقامة بل المراد مطلق المشي إلى الصلاة، كما
ورد بلفظ: ((إذا أتيتم الصلاة)).
ووجه التقييد بالإقامة في بعض الروايات، كما ها هنا أنها هي الحاملة
(١) أخرجه ((ابن أبي شيبة)) (١/ ٣٦٧) بلفظ: ((ولو حبوًا على مرافقكم وركبكم)).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٠/١).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣٥/٤)، و((التمهيد)) (٢٢٩/٢٠ - ٢٣١).
٢١
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٩) حديث
فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ. وَأَتْوِهَا، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ،
غالباً على الإسراع، فإن المسرع عند الإقامة يترجى إدراك التكبيرة الأولى،
وقيده بعضهم بحالة الإقامة فقال: إن المسرع عند الإقامة يتعب، فيقرأ ويصلي
بتلك الحالة، فلا يحصل له تمام الخشوع، بخلاف من جاء قبل ذلك، فلا تقام
الصلاة حتى يستريح.
لكن عموم قوله: ((إذا أتيتم الصلاة)) يتناول ما قبل الإقامة، قال في
(التنوير))(١) عن النووي: إنما ذكر الإقامة للتنبيه بها على ما سواها؛ لأنه إذا
نهى عن إتيانها سعياً في حال الإقامة مع خوف فوت بعضها فقبل الإقامة أولى،
وأكد ذلك ببيان العلة في قوله: فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى
صلاة، اهـ.
فقد حصل لك مما ذكرنا ثلاثة أقوال للعلماء فيه: أن ذكر الإقامة للعادة،
أو لبيان الأولى، أو للاحتراز. فلا تغفل.
( فلا تأتوها) أي الصلاة (و) الواو حالية (أنتم تسعون) أي تمشون
بالسرعة، والمراد: الإسراع المفضي إلى تشتت البال، فإنه يذهب الخشوع في
الصلاة .
ولا يشكل بقوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢)، لأنه ليس المراد هناك
حقيقة السعي والإسراع المشتت، بل المراد الإمضاء وشدة الاهتمام إليه، وبه
جمع بينهما الإمام مالك بنفسه، كما سيأتي في أبواب الجمعة، في ((باب ما
جاء في السعي يوم الجمعة))، وسيأتي هنالك شيء من البسط فيه.
(وأتوها، وعليكم السكينة) ضبطه القرطبي بالنصب على الإغراء، والنووي
بالرفع على أنها جملة في موضع الحال، قال العراقي: المشهور في الرواية
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص٨٧).
(٢) سورة الجمعة: الآية ٩.
٢٢
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٩) حديث
فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا. وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا .
.....
الرفع، زاد في رواية ((الصحيحين)): والوقار، فقيل: هو بمعنى السكينة تأكيد له،
وقيل: بينهما فرق، فالسكينة التأنِّي في الحركات، واجتناب العبث، والوقار في
الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات، قال ابن العربي(١): هل
الوصية بالسكينة إنما هي لمن غفل عن المشي إلى المسجد حتى سمع الإقامة،
أو لمن كان له شغل، وكلاهما سواء في النهي عن الإسراع، اهـ.
(فما أدركتم) الفاء جواب شرط محذوف أي إذا فعلتم ما أمرتكم به فما
أدركتم (فصلوا) مع الإمام، وكأنه تأكيد لما سبق لئلا يتوهم أحد أن المنع عن
السعي إذا لم يخف فوت جزء من الصلاة، وأما إذا خاف فلا، فصرح بالنهي
وإن فات منه ما فات.
(وما فاتكم) قال ابن العربي: فيه دليل على فساد قول ابن سيرين: لا
تقل: فاتتني الصلاة ولكن قل: لم تدرك، اهـ.
(فأتموا) وفي رواية: ((فاقضوا)) وبكلا اللفظين وردت الروايات الكثيرة(٢)،
ومال أبو داود إلى إثبات ترجيح روايات ((فأتموا)) بكثرة الطرق، وبسط الشيخ
في ((البذل))(٣) نقلاً عن العيني وغيره طرق لفظ: ((فاقضوا)).
ويبنى عليه اختلاف العلماء في المسبوق أي ما أدركه مع الإمام أول
صلاته أو آخر صلاته، واختلفوا فيه على أربعة أقوال:
أحدها: أنه أول صلاته، وإنما يكون بانياً عليه في الأفعال والأقوال وهو
قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي، وهو رواية عن مالك وأحمد عملاً على
روايات «فأتموا)).
(١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١٢٥/٢).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٣٦/٢٠).
(٣) (٤ /١٧١).
٢٣
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٩) حديث
والثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فيبني عليها، وآخرها بالنسبة
إلى الأقوال فيقضيها، وهو قول مالك. قال الزرقاني(١): وأعمل مالك في
المشهور في مذهبه الروايتين، فقال: يقضي القول ويبني الفعل، اهـ.
قلت: وهو مؤدى قول الإمام محمد من الحنفية إذ قال: المسبوق يقضي
أول صلاته في حق قراءة وآخرها في حق تشهّد، وليس بين كلام محمد وكلام
الإمام مالك مزيد اختلاف إلا في بعض الجزئيات كما بسط في ((البدائع)) (٢)،
ولأجل هذا الاختلاف جعل الشيخ في ((البذل)) قول محمد قولاً خامساً من
الأقوال في المسألة، وجمعتها في قول واحد للاختصار وعدم الاختلاف في
معظم المسائل.
ثم قال الشامي: ظاهر كلامهم اعتماد قول محمد، قلت: وهل هو قول
محمد وحده أو قولهما؟ مختلف بين الفقهاء، قال الشامي: هذا قول محمد
كما في ((مبسوط السرخسي)). وفي ((صلاة الجلابي)): أن هذا قولهما، اهـ.
الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورة مع
الإمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها؛ لأنه آخر صلاته وهو قول
المزني وإسحاق وأهل الظاهر.
والرابع: أنه آخر صلاته وأنه يكون قاضياً في الأقوال والأفعال، وهو
قول أبي حنيفة وأحمد في رواية. قال ابن الجوزي: الأشبه بمذهبنا ومذهب
أبي حنيفة أنه آخر صلاته، وهو قول لمالك رواه ابن القاسم، وقول ابن أشهب
وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب، كذا في ((البذل)) عن العيني.
قلت :: واختلفوا في نقل المذاهب، وحكى الموفق المذاهب بخلاف
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤١/١).
(٢) انظر: (بدائع الصنائع)) (٥٦٦/١)، و((التعليق الممجد)) (٣٦٤/١).
٢٤
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٩) حديث
هذا، قال ابن العربي: اختلف فيه قول مالك(١)، فتارة جعلها مالك في القراءة
آخراً وفي الجلوس أولاً، وقد استقصينا ذلك في كتب المسائل، اهـ.
قلت: وتوضيح الاختلاف فيهم على ما في ((حاشية البحر)) و((الشامي))(٢)
وغير ذلك أن من سبق بثلاث ركعات، فإنه إذا سلم الإمام يقوم فيصلي ركعة
بالفاتحة وسورة، ثم يقوم من غير تشهد فيصلّي أخرى بالفاتحة وسورة، ثم
يقعد ويتشهد، ثم يقوم، فيصلي أخرى بالفاتحة لا غير ويتشهد ويسلم، وهذا
عندهما - يعني عند أبي حنيفة وأبي يوسف -، وقال محمد: يقضي ركعة
بالفاتحة وسورة، ويقعد ويتشهد، ثم يقوم، فيصلي ركعتين أولاهما بالفاتحة
وسورة وأخراهما بالفاتحة خاصة.
وتقدم أن مبنى اختلاف الأئمة في ذلك اختلاف الروايات فيها من قوله
عليه السلام: ((أتموا واقضوا))، قال الشيخ في ((البذل)): إن الروايات في هذا
الباب متعارضة، فلم تبق حجة لأحدٍ، وقوله وَلجر: ((واقض ما سبقك))(٣) كما
هو وارد في عدة الروايات، سالمٌ عن المعارضة، فإن لفظ سَبَقَ ظاهر فيما قلنا
بل هو نص ومحكم ليس فيه احتمال فهو سالم عن المعارضة الاستدلال
الحنفية، لكن الراجح عندي القول الثاني من الأقوال الأربعة، فإن فيه جمعاً
بين الروايات، ولا ينكر أحد أن الجمع أولى من الترجيح والطرح لبعض
الروايات .
لا يقال: إن الجمع بين الروايات يمكن بما قال له: إن القضاء هاهنا
بمعنى الإتمام جمعاً بين الروايات؛ لأن للمخالف أن يجعل الإتمام بمعنى أداء
(١) انظر قول مالك في: ((المدونة)) (٩٦/١)، و((الكافي)) (٢١٤/١)، و((الخرشي)) (٤٦/٢).
وانظر قول الشافعي في: ((الأم)) (١٧٨/١)، و((المجموع)) (١٠٥/٤).
(٢) (١/ ٥٩٤).
(٣) صحيح مسلم (١/ ٤٢١).
٢٥
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٩) حديث
فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ، مَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ).
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٢١ - باب لا يسعى إلى الصلاة
وليأت بالسكينة والوقار.
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢٨ - باب استحباب إتيان
الصلاة بوقار وسكينة، حديث ١٥١ - ١٥٥.
ما سبقه جمعاً بين الروايات، فلم يبق وجه لترجيح ما قاله ابن رسلان تأييداً
لمذهبه، وما قلنا من وجه الجمع فيه إبقاء اللفظين على معناهما فهو أولى.
ثم في الحديث مسألة أخرى، وهي ما قال الزرقاني(١) تبعاً للحافظ: إن
الحديث استدل به الجمهور على حصول فضل الجماعة بإدراك أي جزء كان من
الصلاة؛ لعموم قوله وَلجر: ((فما أدركتم فصلُّوا))، ولم يفصل بين قليل وكثير. وقيل:
إنما يدرك فضلهما بركعة، وهو مذهب مالك؛ للحديث السابق: ((من أدرك ركعة
من الصلاة)) وقياساً على الجمعة، اهـ. وقال الحافظ: وقدمنا الجواب عن الحديث
في محله بأنه وارد في الأوقات، وحديث الجمعة خاص بها، اهـ.
قلت: وبهذا العموم الذي استدل به الجمهور واستدل الحنفية على أن مدرك أي
جزء كان من الجمعة مدرك للجمعة فيبني عليه الجمعة دون الظهر كما يأتي في محله.
(فإن أحدكم) وتقدم أن هذا علة لعدم الإسراع (في صلاة، ما كان) أي
مدة كونه (يعمد) بكسر الميم أي يقصد (إلى الصلاة) يعني هو في حكم
المصلي، فينبغي له من الخشوع والوقار الذي ينبغي للمصلي، مع أن في عدم
الإسراع كثرة الخُطَى وهو مقصود لذاته.
وقد استدل بالحديث أيضاً على أن مدرك الركوع لا يعتد بتلك الركعة؛
لعموم الأمر بإتمام ما فاته، وقد فاته القيام والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة
وجماعة، وقوّاه التقي السبكي. وحجة الجمهور حديث أبي بكرة لما ركع دون
الصف، فقال له النبي وَلّر: ((زادك الله حرصاً ولا تعد)).
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤١/١).
٢٦
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٠) حديث
٥/١٥٠ - وحدّثني مَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
نَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْمَازِنِيّ،
عَنْ أبِيهِ؛ ....
قلت: وذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أن مدرك الركوع
مدرك للركعة من غير اشتراط قراءة فاتحة الكتاب. قال ابن عبد البر في
((الاستذكار)): به قال جمهور الفقهاء، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة
وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق، وروي ذلك عن
علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمرو، وقد ذكرنا الأسانيد منهم في
((التمهيد))، اهـ.
وللجمهور دلائل كثيرة، منها حديث أبي بكرة المتقدم، ومنها حديث أبي
هريرة - رضي الله عنه - أخرجه أبو داود (١) بلفظ: ((إذا جئتم إلى الصلاة ونحن
سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة))، ومنها
عدة آثار تقدمت في أول الكتاب، وذكر الطحاوي آثاراً كثيرة في معناه في (باب
من صلى خلف الصف وحده))، وبسط بعضها صاحب ((العون)) في شرحه لأبي
داود فارجع إليه، ولا حاجة إلى مزيد من الدلائل بعدما تقدم عن الزرقاني، أنه
استقر عليه الإجماع، وتقدم عن الباجي أنه لا خلاف في ذلك بين الأمة.
قلت: وخالفهم منكرو التقليد في هذا الزمان، كما بُسط في كتبهم.
٥/١٥٠ - (مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
سَعْصَعة) - بمهملات مفتوحات إلا العين الأولى فساكنة - عمرو بن زيد
(الأنصاري) ومنهم من يخرج عبد الرحمن من نسبه (ثم المازني) بالزاي والنون
من بني مازن بن النجار من الثقات مات في خلافة المنصور (عن أبيه) عبد الله
المذكور المدني من ثقات التابعين، وكان يتيماً في حجر أبي سعيد لمكان أمه
تحته، وأبوه صحابي وأبو صعصعة مات في الجاهلية.
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٨/١).
٢٧
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٠) حديث
أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ
وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ؛ فَأَذْنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ
صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛
(أنه) أي أباه (أخبره) أي عبد الرحمن (أن أبا سعيد الخدري) سعد بن
مالك (قال له) أي لعبد الله (إني أراك تحب الغنم والبادية) يحتمل أنه كان يحب
الغنم أصالة؛ لأنه داخل في جملة الأنواع التي زُيِّن للناس حبُّها، قال تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِسَاءِ وَاَلْبَنِينَ﴾ الآية(١)، والغنم داخل في
الأنواع، فحب البادية لأجل الغنم، لأن محبها يحتاج إلى صلاحها بالمرعى،
وهو في الغالب يكون في البادية، وهي الصحراء التي لا بنيان فيها .
ويحتمل أنه يحبها، واختارها عملاً على قوله مَّلة: ((إنها ستكون فتن))
الحديث، وفيه: ((ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه))
رواه مسلم، وقال عليه السلام: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم، يتبع بها
شعف الجبال))، الحديث رواه البخاري، فيكون حب البادية والغنم فراراً عن الفتن .
(فإذا كنت في غنمك أو باديتك) شك من الراوي، أو تنويع، سيما على
الوجه الثاني (فأذنت بالصلاة) أي أعلمت بوقتها، وفي رواية: ((للصلاة)) أي أذنت
لأجلها، قاله الحافظ، (فارفع صوتك بالنداء) أي الأذان.
وفيه إشعار بأن أذان مريد الصلاة كان مقرراً عندهم؛ لاقتصاره على الأمر بالرفع
دون أصل التأذين، وفيه استحباب أذان المنفرد، وهو الراجح عند الشافعية والمالكية،
صرَّح به الحافظ والزرقاني. وبه قال الحنفية والحنابلة. واستدل عليه صاحب ((المغني))
من الحنابلة وابن الهمام من الحنفية بقوله وقالير: ((يعجب ربك من راعي غنم في رأس
الشظية يؤذن))، الحديث(٢)، وقيل: لا يستحب؛ بناء على أنه لاستدعاء الجماعة.
(١) سورة آل عمران: الآية ١٤.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٧/١)، والنسائي ح (٦٦٥).
(قوله: ((الشظية))) هي قطعة مرتفعة في رأس الجبل، جمعه الشظايا، ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٢٢/٣).
٢٨
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٠) حديث
فَإِنَّهُ: «لَا يَسْمَعُ مَذَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنَّ وَلا إِنْسُ، وَلَا شَيْءٌ، ....
قال الباجي(١): وذهب مالك إلى أن النداء إنما يلزم في مساجد الجماعات،
وأما الرجل في خاصة نفسه فإن أذَّن فحسنٌ وإن ترك فلا بأس، فَوَجْهُ الحديث إذاً:
أن من كان معتزلاً عن الحواضر التي يقام فيها الأذان، يحتاج إلى شعار
المسلمين، وهو الأذان ليتحرم بشعار الإسلام، وتجتنبه سرايا المسلمين
وجيوشهم، وقد روي: ((أنه عليه السلام، إذا سمع أذاناً أمسك وإلا أغار))، اهـ
مختصراً. وقيل: يفصل بين من يرجو حضور جماعة فيستحب ومن لا فلا .
(فإنه لا يسمع) تعليل لرفع الصوت (مدى) بفتح الميم والقصر أي غاية
(صوت المؤذن). وفيه: أنه إذا شهد له من بعُد عنه، ووصل إليه منتهى الصوت
وغايته، فلأن يشهد له من دنا منه وسمع تمام صوته أولى بالشهادة (جن) قيل:
يشبه أن يريد مؤمني الجن، وأما غيرهم فلا يشهدون بل يفرون وينفرون من
الأذان. قال القاري(٢): الأظهر أن المراد بالجن ما يشتمل بالملائكة وقدَّم
لكثرتهم أو لفضيلة أكثرهم على أكثر الإنس.
(ولا إنس) قيل: خاص بالمؤمنين فأما الكافر فلا شهادة له، قال عياض:
وهذا لا يسلّمُ لقائله لما جاء في الآثار من خلافه، قال القاري: تنكيرهما في
سياق النفي لتعميم الأحياء والأموات.
(ولا شيء) تعميم بعد تخصيص يشمل كل ما بلغه صوت المؤذن، ويشهد
له رواية: ((كل رطب ولا يابس))، ورواية: ((شجر ولا مدر ولا حجر))، فهو من
قبيل قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحَدِهِ﴾(٣).
قال القاري (٤): الصحيح أن للجمادات والنباتات إدراكاً وعلماً كما في
(١) ((المنتقى)) (١٣٣/١).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٠/٢).
(٣) سورة الإسراء: الآية ٤٤.
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٠/٢).
٢٩
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٠) حديث
!mann
إِلَّا شَهِدَ لَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
٠
أخرجه البخاري في: ١٠ - كتاب الأذان، ٥ - باب رفع الصوت بالنداء.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾(١)، وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ
إِلَّا يُسَبِّحُ بِحْدِهِ﴾. وقال ◌َّه: ((يقول الجبل للجبل: هل مر بك أحد ذكر الله،
فإذا قال: نعم استبشر)).
قال البغوي: وهذا مذهب أهل السنة، ويدل عليه كلام الذئب والبقر
وغيرهما من الأحاديث والآثار، ويشهد له مكاشفة أهل المشاهدة والأسرار فلا
يحتاج إلى ما قاله ابن حجر بأن يخلق تعالى فيهما فهماً وسمعاً حتى تسمع
أذانه وتعقل، اهـ.
(إلا شهد له يوم القيامة) قال ابن حجر: بلسان الحال، قال القاري:
والمعتمد بلسان المقال، قيل: السر في هذه الشهادة مع أنه يعرض عند عالم
الغيب والشهادة أن أحكام الآخرة جرت على نعت الأحكام الدنيا من الدعاوي
والإثبات، وقيل: المراد بالشهادة إشهاد المشهود له يوم القيامة بالفضل.
(قال أبو سعيد) الخدري: (سمعته من رسول الله علية) أي هذا الكلام
الأخير، وأنه لا يسمع ... إلخ، فقد روى ابن خزيمة بلفظ: إذا كنت بالبوادي
فارفع صوتك بالنداء، فإني سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((لا يسمع .. ))
الحدیث .
وكذا يؤيده رواية القطان عن مالك، فالظاهر أن ذكر الغنم والبادية
موقوف على أبي سعيد، خلافاً لما أورده الرافعي بلفظ: أن النبي وَّ قال لأبي
سعيد: ((إنك تحب الغنم والبادية ... )) الحديث، وسبقه به الغزالي وإمام
الحرمين وغيرهم، وتعقبهم النووي، ولعلهم فهموا أن ضمير ((سمعته)) راجع إلى
كل ما ذكر.
(١) سورة البقرة: الآية ٧٤.
٣٠
---
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥١) حديث
٦/١٥١ - وحدثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن
الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِمِ ﴾ قَالَ: ((إِذَا نُودِيَ
الصَّلاةِ أَكْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطْ، ...
قلت: وأخرج البخاري عن أبي سعيد مرفوعاً: ((لا يسمع مدى صوت
المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة)). قال القاري: وأخرجه النسائي
وابن ماجه وأحمد.
وفي الحديث أن حب الغنم والبادية سيما عند الفتن من أعمال السلف
الصالح، وجواز التبدي بشرط الأمن عن غلبة الجفاء وغيره (١).
٦/١٥١ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الله
ابن هرمز كذا في ((الزرقاني))، وتبعتُه أولاً، لكن الصواب عبد الرحمن بن
هرمز (٢) (عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله {قل* قال: إذا نودي) أي
أذن الفصلاة) أي لأجلها (أدبر الشيطان) عن موضع الأذان، والمراد إبليس على
الظاهر، وعليه أكثر الشراح، ويحتمل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل متمرد
من الجن والإنس، لكن المراد شيطان الجن خاصة.
(له ضراط) جملة اسمية وقعت حالاً بدون واو لحصول الارتباط بالضمير،
وفي بعض الروايات: ((وله ضراط)) بالواو، وهو بضم الضاد المعجمة كغُراب آخره
طاء مهملة، ريح يخرج من دبر الإنسان وغيره، ثم قيل: هذا محمول على
الحقيقة؛ لأنهم أجسام يأكلون ويشربون، فيصح منهم خروجه، فقيل: يخرج من
شدة الخوف والثقل عليه، كما للحمار من ثقل الحمل، أو يكون الفرار من غيظه
عن إعلان الإسلام وإظهار شعاره، والضراط لازم لشدة الجري.
وقيل: يتعمّد إخراجه، إما لأن يشتغل بسماع الصوت عن سماع الأذان،
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٤٦/٤)، و((فتح الباري)) (٨٨/٢).
(٢) ((تقريب التهذيب)) (٥٠١/١).
٣١
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥١) حديث
حَتَّى لا يَسْمَعَ النِّدَاءَ. فَإِذا قُضِيَ النِّدَاءُ، أَقْبَلَ. حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ
بِالصَّلَاةِ، أَدْبَرَ. حَتَّى إِذا قُضِيَ التَّغْوِيبُ، أَقْبَلَ. حَتَّى يَخْطِرَ
أو استخفافاً للأذان كما يفعله السفهاء، أو لئلا يضطر إلى الشهادة في القيامة
إذا سمعه، أو ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث.
وقيل: محمول على التشبيه؛ شبّه اشتغال الشيطان بنفسه وغفلته عن السماع
بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن الاستماع، ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له، وقيل:
المراد مجرد استخفاف اللعين بذكر الله، من قولهم: ضرط به فلان، إذا استخفّه.
(حتى لا يسمع النداء) أي التأذين، تعليل لإدباره (فإذا قُضِي) ببناء المجهول
أو ببناء الفاعل روايتان (النداء) بالرفع على الأول والنصب على الثاني، والفاعل
إذاً المنادي، (أقبل) الشيطان فوسوس، كما في رواية لمسلم(١).
(حتى إذا ثُوَّب) بضم الثاء وكسر الواو المشددة أي أقيم (بالصلاة)
والتثويب هو الإعلام مرة بعد أخرى، أعم من أن يكون الإقامة أو إعلام
المؤذن بين الأذان والإقامة فإنه أيضاً تثويب، لكن المراد هناك ليس إلا الإقامة
وهو نص رواية مسلم بلفظ: ((إذا أقيمت))، ومن نقل عن الحنفية أنهم قالوا:
المراد منه قول المؤذن بين الصلاة والإقامة ((حي على الصلاة)) فليس في محله،
لأنهم ما قالوه في هذا الحديث ولا تعلُّقَ لقولهم المذكور بهذا الحديث،
وسيأتي الكلام مفصلاً في التثويب الذي قال به الحنفية في محله.
(أدبر) أي تولى (حتى إذا قضي التثويب) بالرفع، أو النصب على
الاحتمالين المذكورين (أقبل) الشيطان (حتى يخطر) بفتح التحتانية وكسر الطاء
المهملة على ما ضبطه المحققون القاري وغيره، واختاره القاضي، وقال: إنه
الوجه، ومعناه: يوسوس، وأصله من: خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به
فخذيه، وقيل: يخطر بضم الطاء بمعنى المرور أي فيمر بين المصلي وقلبه،
فهذا وإن فسر به بعض شراح ((الموطأ)) لكنه ليس بوجيه، وقيل: بالضم بمعنى
(١) انظر ((صحيح مسلم)) (٢٩١/١ ح٣٨٩).
٣٢
---
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥١) حديث
بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ. يَقُولُ: أَذْكُرْ كَذَا (١)، أَذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ
يَذْكُرُ. حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ
الدنوّ. قال ابن رسلان: قال عياض: بالضم سمعناه من أكثر الرواة، وضبطناه
عن المتقنين بالكسر.
(بين المرء ونفسه) أي قلبه يعني يحول بين المرء وبين ما يريده من
الإقبال على الصلاة ويحجز بينهما بالوسوسة وحديث النفس.
وهذا لا ينافي إسناد الحيلولة إليه سبحانه وتعالى في قوله عز وجل:
﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾(٢) لأن إسناده إليه تعالى حقيقي، وهذا
باعتبار أن الله عز وجل مكّنه منها، حتى يتم الابتلاء، وقيل غير ذلك.
(يقول) بالرفع استئناف مبين، وقيل: بالنصب على أنه بدل من يخطر،
وعلى كل حال بيان لوسوسته له أي للمصلي (اذكر كذا، اذكر كذا) كناية عن
أشياء لم تتعلق بالصلاة (لما لم يكن يذكر) أي لأشياء لم يذكرها المصلي قبل
الشروع في الصلاة، وفي رواية: ذكّره من حاجاته ما لم يكن يذكره.
ومن ثم استنبط أبو حنيفة للذي شكا إليه أنه دفن مالاً، ثم لم يهتد
لمكانه: أن يصلي، ويحرص على أن لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا،
ففعل، فذكر مكان المال في الحال، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ.
وقال أيضاً: وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا أو أمور الدين
كالعلم، حتى يشمل التفكر في معاني الآيات لأن غرضه نقض خشوعه بأي
وجه كان (حتى يظل الرجل) بالظاء المعجمة المفتوحة في رواية الجمهور أي
يصير، وفي رواية بكسر الضاد المعجمة أي ينسى، كما في قوله تعالى: ﴿أَن
(١) قال الزرقاني: (١٤٤/١): وفي رواية للبخاري ومسلم بواو العطف: ((واذكر كذا))،
وللبخاري أيضاً في صلاة السهو: ((اذكر كذا وكذا))، وفي نسخة ((الأوجز)): ((اذكر كذا
واذكر كذا)).
(٢) سورة الأنفال: الآية ٢٤.
٣٣
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥١) حدیث
إِنْ يَدْرِي كُمْ صَلَّى)».
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٤ - باب فضل التأذين.
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٨ - باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند
سماعه، حديث ١٩.
تَضِلَّ إِحْدَهُمَا﴾(١)، وقيل: يخطئ كما في قوله تعالى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا
يَنْسَى﴾(٢)، وقيل: بفتحها من الضلال بمعنى التحير، والمشهور الأول.
(إن يدري) بكسر الهمزة بمعنى لا النافية، وفي رواية المتفق عليه: ((لا
يدري))، وروي بفتح الهمزة، ونسبها ابن عبد البر لأكثر رواة ((الموطأ))، وقال
العلماء: لا يصح رواية الفتح إلا مع الضاد، وأما على الظاء فلا يصح إلا
الكسر، وفي النسخ الصحيحة لأبي داود: حتى يظل الرجل أن لا يدري بزيادة
لا، فيصح النصب أيضاً مع الظاء (كم صلّى)، وفي رواية للبخاري: ((حتى لا
يدري أثلاثاً صلّى أم أربعاً)).
بسط المشايخ الكلام في وجوهٍ أن الشيطان يفرُّ من الأذان هكذا دون
الصلاة وغيرها، ذكر أكثرها الزرقاني.
والأوجه عندي فيه أن الله عزّ وجل مسبب الأسباب يؤثر في أي شيء ما
شاء، فيجوز أنه تعالى أجرى العادة بتأذِّيه بالأذان حين سماعه، وقد جربت هذا
التأذي، فإذا أذن بمواضع قرب الهنود وعبدة الأوثان فأنعامهم ودوابهم يشردون
وينفرون فضلاً عن رجالهم، كأنهم سقط عليهم الجبل، فلو سلم عداوة الإسلام
في الرجال، فالأنعام ليس فيهم إلا أنهم يرون الشياطين شوارد بخلاف الأنعام
التي عند المسلمين، فإنهم يكونون مستأنسين لذلك.
قال ابن بطال: يشبه أن يكون الزجر عن الخروج من المسجد بعد الأذان
لهذا المعنى، لئلا يتشبّه بالشيطان الذي يفرّ عند سماع الأذان.
(١) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.
(٢) سورة طه: الآية ٥٢.
٣٤
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥١) حديث
واستنبط بالحديث بعض السلف الأذان في غير وقت الصلاة لدفع أثرات
الشياطين والجن.
وفي مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح، قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة
ومعي غلام لنا أو صاحب لنا، فناداه منادٍ من حائط باسمه فأشرف الذي معي على
الحائط، فلم ير شيئاً، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم
أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتاً فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدِّث عن
رسول الله وَلّ أنه قال: ((إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولّى وله حُصاص(١))).
قال ابن عبد البر (٢): قال مالك - رحمه الله -: استعمل زيد بن أسلم
على معدن بني سليم لا يزال يصاب فيه الناس من الجن فلما وليهم شكوا ذلك
إليه فأمرهم بالأذان، وأن يرفعوا أصواتهم به، ففعلوا فارتفع ذلك عنهم، فهم
عليه حتى اليوم، قال مالك: أعجبني ذلك من زيد، وذكرت الغيلان عند
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: إن شيئاً من الخلق لا يستطيع أن
يتحول في غير خلقه، ولكن للجن سحرة كما للإنس سحرة، فإذا خشيتم شيئاً
من ذلك فأذنوا بالصلاة.
وفي ((السعاية)) (٣): إن الأذان شرع في الأصل للصلاة كما يعلم من
أحاديث بدئه، ثم تجاوزت مشروعيته إلى مواضع شتى لمناسبات. فمنها: عند
ولادة المولود، فإنهم صرَّحوا بسنِّية الأذان في أذن الولد اليمنى والإقامة في
اليسرى، ومنها: عند تغول الغيلان في الصحراء، ومنها: إذا استصعبت دابة أو
ساء خلق رجل، يحسن الأذان في أذنه. وذكر الروايات الواردة في ذلك، وذكر
الأذان في أذن المهموم والمصروع والغضبان وعند مزدحم الجيش وعند الحريق
(١) كغُراب: الضراط.
(٢) ((الاستذكار)) (٥١/٤).
(٣) (٤٤/٢).
٣٥
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
٧/١٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِم بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَاعَتَانِ يُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ
السَّمَاءِ، وَقَلَّ دَاعِ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ :
ولمن ضل الطريق في أرض قفر وغير ذلك، وذكر ابن عابدين عشرة مواضع.
٧/١٥٢ - (مالك عن أبي حازم) بحاء مهملة وبعد الألف زاي، سلمة (بن
دينار) الأعرج التمار المدني العابد الثقة، من رواة الجميع، أحد الثقات
الأثبات، كثير الحديث مات سنة ١٤٠ هـ، وقيل غير ذلك. وهذا غير أبي حازم
الآتي في جهر القراءة، وإن اشتركا في الكنية والتلقب بالتمار، (عن سهل)
بسكون الهاء (ابن سعد) بسكون العين ابن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي
(الساعدي) أبو العباس الصحابي ابن الصحابي، توفي وّ وهو ابن خمس
عشرة سنة، فمولده قبل الهجرة بخمس سنين، مات سنة ٨٨هـ، وقيل: بعد
ذلك، قيل: قد جاوز المائة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة.
(أنه قال: ساعتان) قال ابن عبد البر (١): هذا الحديث موقوف عند جماعةٍ
رواة ((الموطأ))، ومثله لا يقال بالرأي، وقد رواه جماعة عن مالك مرفوعاً، وقد
روي بطرق عن أبي حازم عن سهل قال: قال رسول الله وَالر: ((ساعتان ... ))
الحديث، أخرجه أبو داود والدارمي. قال الزرقاني: وروى الطبراني والحاكم
والديلمي الحديث عن سهل مرفوعاً، (يفتح لهما) أي فيهما، فاللام بمعنى
((في)) أو يفتح الأبواب (لأجل)) فضيلتهما (أبواب السماء) التي يصعد منها
الدعاء .
(وقلّ) فعل ماض من القلة بمعنى النفي كما سيأتي، وهي من الأفعال
التي منعت التصرف (داع ترد) ببناء المجهول (عليه دعوته) يعني أن الإجابة في
هذين الوقتين أكثر وردُّ الدعاء نادر كأنه لم يقع، فيحتمل أنها قد تُرَدُّ لفوات
(١) (شرح الزرقاني)) (١٤٦/١)، و((التمهيد)) (١٣٨/٢١).
٣٦
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حدیث
◌َضْرَةُ النّدَاءِ لِلصَّلَاةِ، وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌّ عَنِ النِّدَاءِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، هَلْ يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ
الْوَقْتُ؟ فقَالَ: لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ.
شرط من شروطه، وقال السيوطي: إنّ ((قَلَّ)) هاهنا للنفي المحض، كما هو
أحد استعمالاتها، صرح به ابن مالك في ((التسهيل)) وغيره (حضرة النداء) أي
وقت الأذان (للصلاة و) وقت (الصف في سبيل الله) أي قتال الكفار لإعلاء
كلمة الله .
ولفظ ((المشكاة)) عن أبي داود عن سهل مرفوعاً: ((ثنتان لا تردان أو قلما
تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس)). وفي بعض الروايات: ((عند المطر))
بدل: ((الصف)) و(البأس))، وفي رواية عائشة المرفوعة عند الديلمي جمع الثلاثة
بلفظ: ((ثلاث ساعات)) الحديث، وزاد فيه: ((ما لم يسأل قطيعة رحم أو
مأثماً)).
قال يحيى: (وسئل) ببناء المجهول (مالك عن النداء) أي الأذان (يوم
الجمعة هل) يجوز أن (يكون قبل أن يحل) أي يجيء (الوقت) المعهود وهو
زوال الشمس؟ (فقال: لا يكون) جائزاً (إلا بعد أن تزول الشمس) لأن وقت
الجمعة عند الجمهور بعد الزوال فلا يصح الأذان أيضاً قبله، خلافاً للإمام
أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه كما تقدم في المواقيت.
قال ابن قدامة(١): الأذان قبل الوقت في غير الفجر لا يجزئ وهذا لا
نعلم فيه خلافاً، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن السنة أن يؤذن
للصلوات بعد دخول وقتها، ولأن الأذان شرع للإعلام في الوقت، فلا يشرع
قبل الوقت، لئلا يذهب المقصود، اهـ. وسيأتي الكلام على أذان الفجر قبل
الوقت قريباً، فانتظر.
(١) ((المغني)) (٦٢/٢).
٣٧
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌّ عَنْ تَثْنِبَةِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَتَى يَجِبُ الْقِيَامُ عَلَى
النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلاةُ؟ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِي النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ إِلَّ
مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَيْهِ.
قال يحيى: (وسئل مالك عن تثنية) ألفاظ (النداء) أي الأذان (والإقامة)
الغرض أن ألفاظ الأذان والإقامة مثنى مثنى أو مرة مرة؟ (و)سئل أيضاً (متى
يجب القيام على الناس) إلى الصلاة، (حين تقام الصلاة) يعني يشرع المؤذن
الإقامة؟ (فقال) الإمام مالك: (لم يبلغني في النداء والإقامة إلا ما أدركت الناس
عليه) في المدينة المنورة. ولم يبين الإمام تفصيل ما أدركه عليه في مسألة
الأذان، نعم سيصرح ما أدرك عليه في الإقامة، لكن الظاهر أن المراد منه هو
الذي اختاره الإمام مالك مذهباً، وعليه المالكية، وهو أن يؤذن بسبع عشرة
كلمة بتثنية التكبير وترجيع الشهادتين .
قال الشيخ ابن القيم: إن الإمام مالكاً أخذ بما رأى عليه عمل أهل
المدينة من الاقتصار على التكبير في الأذان مرتين، وعلى كلمة الإقامة مرة
واحدة، وهذا هو الصحيح في مذهب مالك كما في فروعه كالدسوقي وغيره.
وما يظهر من كلام ابن رسلان أن الإمام مالكاً - رحمه الله - لم يقل
بتربيع التكبير ولا الترجيع فلعله وهم من الناقل.
وتوضيحه، أنهم اختلفوا في ألفاظ الأذان على الأشهر في موضعين:
الأول في التكبير. فقال إمام دار الهجرة: يقال: الله أكبر في بداية الأذان
مرتين، وقال الأئمة الثلاثة بتربيعها. والثاني في الترجيع، وذهب إلى سنيته
مالك والشافعي(١). وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد إلى أنه لا ترجيع فيه.
قال النووي: وذهب جماعة من المحدثين وغيرهم إلى التخيير بين
(١) قال ابن عبد البر: لا خلاف بين مالك والشافعي في الأذان إلّا في التكبير في أوّله، فإن مالكاً
يقوله مرتين: ((الله أكبر الله أكبر))، والشافعي يقوله أربع مرات. (الاستذكار)) (١٣/٤).
٣٨
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
الترجيع وتركه، قال في ((المغني))(١): وجملة ذلك أن اختيار أحمد من الأذان
أذان بلال وعبد الله بن زيد، وهو خمسة عشر كلمة لا ترجيع فيه، وبهذا قال
الثوري وإسحاق، والأخذ به أولى؛ لأن بلالاً كان يؤذن به مع رسول الله وَل
دائماً سفراً وحضراً، وأقرَّه النبي وَّر بعد أذان أبي محذورة، اهـ مختصراً.
فالأذان عندنا الحنفية وأحمد خمس عشرة كلمة، وعند مالك سبع عشرة
كلمة، وعند الشافعي تسع عشرة كلمة، وهذا كله في غير أذان الفجر، وسيأتي
الكلام على أذان الفجر قريباً، وذكر صاحب ((البدائع)) ههنا اختلافاً ثالثاً،
فقال: قال مالك: يختم الأذان بقوله: ((الله أكبر)) اعتباراً للانتهاء بالابتداء، ولنا
حديث عبد الله بن زيد، وفيه الختم بلا إله إلا الله، اهـ.
ولكن ما وجدته في كتب المذاهب، ولا في كتب المالكية، وصرح في
((المدونة)) وغيره بالختم على لا إله إلا الله.
ثم اعلم أنه يوجد في بعض الكتب كالباجي و((المغني)) و((النيل))
و((الميزان)) وغيرها من كتب المذاهب ههنا اختلاف آخر، وهو في قوله:
((الصلاة خير من النوم)) في أذان الصبح، قال ابن قدامة(٢): هو مسنون، وبه
قال مالك والثوري. وقال أبو حنيفة: التثويب بين الأذان والإقامة في الفجر أن
يقول: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) مرتين، اهـ.
فيظهر منها أن قول الحنفية بعدم سنيته، وبه قال الشافعي في الجديد،
وفي قوله القديم، وبه قال مالك وأحمد باستحبابها مرتين، وقال ابن وهب:
مرة واحدة، قال ابن رسلان في شرح أبي داود: وفي الحديث دليل على أن
((الصلاة خير من النوم)) سنة في الأذان، قال السبكي: وفيه قولان: أحدهما
هذا، وهو القديم المفتى به، والثاني وهو الجديد، أنه لا يسن، اهـ.
(١) ((المغني)) (٥٦/٢).
(٢) انظر: ((المغني)) (٦١/٢).
۔
٣٩
٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
قال الطحاوي (١): كره قوم أن يقال في أذان الصبح: ((الصلاة خير من
النوم))، وخالفهم في ذلك آخرون، فاستحبوا أن يقال ذلك في التأذين للصبح
بعد الفلاح، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم - اهـ.
فعلم بهذا أن المسألة مختلفة بين العلماء، لكن النقل عن الحنفية ليس
بصحيح، وما وجدته في كتبنا، بل المذكور فيها خلافه، قال القاري(٢)، تحت
حديث أبي محذورة: وأما قول ابن حجر: وفي هذا تصريح بندب ما ذكر في
الصبح، وهو مذهبنا كأكثر العلماء خلافاً لأبي حنيفة، فغير صحيح، نشأ عن
قلة اطلاع على مذهبه، اهـ. وكذا رد على هذا القول غيره، وجلّ كتب مذهبنا
مصرحة باستحبابها .
قال في ((الهداية))(٣): ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: ((الصلاة خير من
النوم)) مرتين؛ لأن بلالاً - رضي الله عنه - قال: ((الصلاة خير من النوم)) مرتين،
حين وجد النبي و ﴿ راقداً، فقال عليه السلام: ((ما أحسن هذا يا بلال، اجعله
في أذانك))(٤)، وخص الفجر به؛ لأنه وقت نوم وغفلة، اهـ.
واستدل عليه ابن الهمام في ((شرحه)) برواية ابن المسيب عن بلال عند
ابن ماجه، وبحديث أبي محذورة عند أبي داود والنسائي، وبحديث أنس عند
الدارقطني، وبرواية حفص بن عمر عن بلال عند الطبراني، وكذا صرح
باستحبابه الطحاوي، عن أئمتنا الثلاثة كما تقدم، وصرح باستحبابه بعد الفلاح
صاحب ((البحر)) وشارح ((الوقاية)) وجمهور الحنفية، والظاهر أن من نقل
(١) (شرح معاني الآثار)) (٨١/١).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٣/٢).
(٣) ((الهداية)) (١/ ٢٧٤).
(٤) انظر: ((نصب الراية)) (٢٦٤/١).
٤٠
-- -