Indexed OCR Text

Pages 621-640

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٥) حديث
أَنْ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ
يسمعه منها، وقال المنذري: لم يسمعه سليمان، وقد رواه موسى بن عقبة عن
سليمان عن مرجانة عنها، اهـ.
قلت: وكذلك أخرجه البيهقي بعد سرد الروايات العديدة بإيهام الرجل
بطريق موسى بن عقبة عن مرجانة إلا أن مرجانة كما في كتب الرجال اسم
امرأة لا رجل، وجمع ابن عبد البر(١) بأنه يحتمل أنه سمع عن رجل عن أم
سلمة، ثم سمعه عن أم سلمة فحدَّث به على الوجهين.
وفي ((الجوهر النقي))(٢): ذكر صاحب (الكمال)): أن سليمان سمع من أم
سلمة فيحتمل أنه سمع هذا الحديث عنها، وعن رجل عنها، وقال ابن
العربي (٣): حديث أم سلمة رواه مالك وتركه مسلم والبخاري لعلة معلومة عندنا
وقد أدخلوا مثلها، اهـ. (أن امرأة) قال الباجي: هي فاطمة بنت أبي حبيش، قد
بَيَّنَ ذلك حماد بن زيد وسفيان بن عيينة في حديثيهما عن أيوب، انتهى.
قلت: وكذا سماها في هذه الرواية وهيب وعبد الوارث كلاهما عن
أيوب، أخرج روايتهما الدارقطني، وبه جزم أبو داود لرواية حماد، ولا يمكن
الإنكار عنه لكثرة الروايات الدالة على ذلك. فتخطئة هؤلاء الثقات مما لا
يسهل على أنه يؤيدهم الروايات الأخر.
منها: ما نقله الزيلعي عن الدارقطني بسنده عن سليمان بن يسار أن
فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل رسول الله وَ له
فقال عليه السلام: ((تدع الصلاة أيام أقرائها))، الحديث، فما تكلم البيهقي
وغيره على التسمية ليس في محله (كانت تهراق) بضم التاء الفوقية وفتح الهاء
(١) انظر: ((التمهيد)) (٥٦/١٦ - ٦٠) و((الاستذكار)) (٢٣٥/٣).
(٢) (٣٣٣/١).
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٢٠١).
٦٢١

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٥) حديث
الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ
رَسُولَ اللَّهِ مَله .
وتسكن أي تصب، قال أبو موسى: هكذا جاء ببناء المفعول، ولم يجىء ببناء
الفاعل .
قال ابن الأثير: جاء الحديث على ما لم يسم فاعله، أصله أراق يريق
ويبدل الهمزة بالهاء فيقال: هراق يهريق بفتح الهاء ثم جمع بينهما فقيل: أهراق
يهريق، والضمير إلى المرأة (الدماء) أتى بالجمع للدلالة على الكثرة، ونصبه
تشبيهاً بالمفعول كحسن الوجه بالنصب، أو على التمييز أي تهراق هي الدماء،
وإن كانت معرفة كقوله تعالى: ﴿سَفِهَ نَفْسٌَ﴾ وهو مطَّرد عند الكوفين شاذٍّ عند
البصريين أو منصوب بنزع الخافض أي تهراق بالدماء، أو على المفعول به،
فتكون أصل تهراق تهريق، أبدلت كسرة الراء فتحة، وانقلبت الياء ألفاً على لغة
من قال في ناصية: ناصاة، وقيل: يجوز الرفع على البدل من ضمير تهراق أو
لام الدماء عوض المضاف إليه أي تهراق دماءها، قال الباجي(١): كأنها من
كثرة الدم بها كأنها كانت تهريقه، ويبعد عندي ما قاله ابن رسلان: إنه مفعولٌ
ثانٍ، والمفعول الأول ناب عن الفاعل صيرت صاحبة دم، اهـ.
(في عهد) أي زمان (رسول الله (مَّة) وكانت معتادة قاله القاري (فاستفتت
لها أم سلمة) رضي الله عنها بأمرها إياها، ففي رواية الدار قطني: إن فاطمة بنت
أبي حبيش استُحيضت فأمرت أم سلمة أن تسأل لها، قاله الزرقاني. وأم سلمة
أم المؤمنين كانت تحِلُّ منه وَلّ محلاً يزيل الخجلَ لأنها زوجته (رسول الله اَية)
وكذا في رواية أبي داود وغيره أن السائلة أم سلمة.
وفي حديث عائشة المتقدم أن فاطمة هي السائلة، وفي أبي داود عن
عروة كذلك عن فاطمة نفسها أنها قالت: سألت رسول الله وَطير، وفي حديث
(١) ((المنتقى)) (١٢٥/١).
٦٢٢
----

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٥) حديث
فَقَالَ: ((لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ
آخر أخرجه أبو داود وغيره أن أسماء بنت عميس سألت لها، والجمع بينهما
أن فاطمة سألت كلاً من أم سلمة وأسماء أن تسألا لها، فسألتا مجتمعَتَيْن أو
سألت كل واحدة منهما منفردة، وصح إطلاق السؤال على فاطمة باعتبار أمرها
بالسؤال، أو أنها حضرت معهما أو كررت السؤال بعد ذلك بنفسها احتياطاً .
وما قيل: إنه يحتمل أن يكون المبهمة غير فاطمة المذكورة قبْلُ فمجرد احتمال
يردُّه التسمية من الرواية العديدة كما تقدم أسماؤهم.
قلت: ومن أنكر كون المبهمة ههنا فاطمة ليس عنده دليل غير أن هذه
معتادة، والأولى كانت مميزة، قال ابن عبد البر: وهذا عندنا حديث آخر،
وكذا جعله ابن حنبل حديثاً غير الأول، فإنه في امرأة عرفت إقبال حيضتها
وإدبارها، وهذا الحديث في امرأة كانت لها أيام معروفة فزاد بالدم فلم
تميزها ، اهـ.
وأنت قد حققت أن الصواب في حالة فاطمة أيضاً أنها كانت معتادة، فلا
معارضة بين الروايتين أصلاً، وليس عند من قال: إن فاطمة كانت مميّزة دليل
ينفق في سوق المناظرة، وبمجرد المخالفة لمصطلحهم لا تترك الروايات
الكثيرة الشهيرة المصرحة باسم فاطمة في هذه القصة كما تقدم بيانها .
(فقال) وَلّ (لتنظر) أي لتفكر، قال ابن رسلان في ((شرح أبي داود)):
مرفوع على أنه خبر أو بكسر اللام الجازمة للأمر كما في رواية ((الموطأ))، وفي
رواية له: ((فلتنظري)) بسكون اللام بعد الفاء وزيادة ياء المخاطبة في آخره
والأكثر باللام، اهـ.
(إلى عدد الليالي والأيام) استنبط منه الرازي الحنفي أن أقل الحيض ثلاثة
وأكثرها عشرة؛ لأن إطلاق الأيام من ثلاثة إلى عشرة، وأما قبله فيقال: يوم
ويومان. وبعدها يقال: أحد عشر يوماً. ومذهب الحنفية في ذلك أن أقل الحيض
ثلاثة أيام ولياليها، وأكثرها عشرة. وقال أحمد والشافعي - رحمهما الله -: إن
٦٢٣

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٥) حديث
الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا،
فَلْتَتْرُكِ الصَّلاَةَ قَدْرَ ذُلِكِ مِنَ الشَّهْرِ.
أقله يوم وليلة، وأكثره قيل: خمسة عشر يوماً ولياليها، وقيل: سبعة عشر،
وعند مالك لا حَدَّ لأقله وأكثره سبعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، كذا في
((المغني)) و((عارضة الأحوذي))(١)، وفي ((مختصر الخليل)): أكثره للمبتدأة نصف
شهر وللمعتادة ثلاثة، استظهاراً على أكثر عادتها. وسيأتي مدة الطهر في كتاب
الصيام.
(التي كانت) صفة لليالي والأيام (تحيضهن) أي تحيض فيهن، من باب
إجراء المفعول فيه مجرى المفعول به (من الشهر) بيان لضميرهن أو للأيام
والليالي. والتعليق بالشهر لما في عادة النساء في الأغلب من أنهن يحضن في
كل شهر (قبل أن يصيبها الذي أصابها) من دم الاستحاضة (فلتترك الصلاة)
والصوم وغيرهما من الممنوعات، واكتفى في الذكر على الصلاة لأنها أهم
العبادات (قدر ذلك) بكسر الكاف أي بقدر تلك الأيام التي كانت تعتادها (من
الشهر) أي من أوله إن كانت تعتادها، أو وسطه، أو آخره كذلك، والظاهر أن
النبي # عرف حالها وكونها معتادة، أو ذكرت أم سلمة، واختصر في
الرواية؛ لأنه لو لم يعلم لا يستقيم الجواب، لاحتمال أنها تكون مبتدأة، أو
متحيرة، أو مميزة عند من قاله.
قال الزرقاني(٢): فيه تصريح بأنها لم تكن مبتدأة بل كانت لها عادة
تعرفها، وليس فيه بيان كونها مميزة أو غيرها، فاحتج به من قال: إن
المستحاضة المعتادة تُردُّ لعادتها ميزت أم لا، وافق تمييزها عادتها أو خالفها،
وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأشهر الروايتين عن أحمد، وقد
تقدم في بيان المذاهب، وهذا هو القسم الثاني من أقسام المستحاضة
(١) (٢٠٩/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٢٣/١).
٦٢٤
--------- -

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٥) حديث
فَإِذَا خَلَّفَتْ ذُلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبِ،
المذكورة، والحديث يخالف المالكية، لأن المعتادة عندهم تستظهر بثلاثة أيام
كما في فروعهم، إلا أن يقال: إن الروايات فيها مختلفة عندهم كما تقدم،
وهذا محمول على إحدى الروايات.
(فإذا خلّفت) بفتح الخاء المعجمة واللام الثقيلة والفاء أي تركت (ذلك)
أي الأيام والليالي، يعني إذا تركت أيام الحيض التي كانت تعهدها وراءها،
وجاوزت من أيام الحيض، ودخلت في أيام الاستحاضة، وأصل التخلف ترك
الشي خلف ظهره (فلتغتسل) أي للطهر من انقطاع الحيض بمجرد الانقطاع عند
الجمهور، وتستظهر عند المالكية بثلاثة أيام على المرجح لهم كما تقدم،
والحديث يؤيد الأولين (ثم لتستثمر) بفتح الفوقية وإسكان السين المهملة وفتح
الفوقية وإسكان المثلثة وكسر الفاء أي تشدّ فرجها (بثوب) أي خرقة عريضة.
قال في ((النهاية)): هو أن تشدّ فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطناً
بأن تشد فرجها ودبرها بثوب مشدود أحد طرفيه من خلف دبرها في وسطها
والآخر من قبلها أيضاً، كذلك توثق طرفي الخرقة في شيء تشدّها على
وسطها، فيمتنع منه سيلان الدم، مأخوذ من ثفر الدابة بفتح الفاء الذي يجعل
تحت ذنبها، وقيل: مأخوذ من الثفر بإسكان الفاء وهو الفرج. وإن كان أصله
للسباع فاستعير لغيرها، وهذا كله على رواية الجمهور عن مالك، وروي عنه
لتستذفر بذال معجمة، قال الزرقاني: أي لتخفف الدم بالخرقة.
قلت: كذا قال، ولم أر في كتب اللغة معنى التخفيف، وفي ((المجمع)):
أذفر طيب الريح، والذفر محركة يقع على الطيب والكريه يتميز بالمضاف إليه
وبالموصوف، ثم قال: ((واستذفري بثوب)) روي بذال معجمة من الذفر بمعنى
ما مرَّ أي تستعمل طيباً يزيل به هذا الشيء عنها، اهـ.
وبسطه في ((عارضة الأحوذي))(١). وقال ابن رسلان: إن صحت الرواية
(١) (٢٠٧/١).
٦٢٥

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٥) حديث
ثُمَّ لِتُصَلِّي)» .
أخرجه أبو داود في: ١ - كتاب الطهارة، ١٠٧ - باب في المرأة تستحاض.
والنسائيّ في: ٣ - كتاب الحيض والاستحاضة، ٣ - باب المرأة يكون لها
أيام معلومة تحيضها كل شهر.
فمحمول على إبدال الثاء ذالاً؛ لأنهما من مخرج واحد، اهـ. (ثم لتصل)
بإسقاط ياء الأمر في أكثر النسخ، وفي بعضها بإثباتها فهي للإشباع دون ياء
الخطاب كما توهم.
٤
ثم في الحديث دليل على أن المستحاضة حكمها حكم الطاهرة في
الصلاة، وكذا في الصيام والقراءة وسائر العبادات إجماعاً، إلا أنهم اختلفوا
في الوطء، فالجمهور على الجواز، قاله الزرقاني، وسيأتي البسط في ذلك،
وفي الحديث أمر الاغتسال فقط، وليس فيه الأمر بغسل الدم ولا الوضوء،
وتقدم في حديث عائشة - رضي الله عنها - الأمر بغسل الدم فقط، وتقدم أن في
كليهما اختصاراً في الروايات، والصحيح غسل الدم والغسل معاً.
واختلفت الروايات في حكم المستحاضة، ولذا اختلفت الأئمة في
حكمها، قال ابن قدامة (١): اختلف أهل العلم في المستحاضة، فقال بعضهم:
يجب عليها الغسل لكل صلاة، رُوِيَ ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وابن
الزبير، وهو أحد قولي الشافعي في المتحيِّرة، لما ورد أنه عليه السلام أمر أم
حبيبة أن تغتسل لكل صلاة.
قلت: وبه قالت الحنفية في بعض المُتحيِّرة.
ثم قال ابن قدامة: وقال بعضهم: تغتسل كل يوم غسلاً روي ذلك عن
عائشة وابن عمر وأنس - رضي الله عنهم - وابن المسيب، فإنهم قالوا: تغتسل
من ظهر إلى ظهر، وقال مالك: إني أحسب حديث ابن المسيب هو من ظُهْرٍ
(١) (٤٤٨/١).
٦٢٦

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٥) حديث
إلى ظُهْرٍ، لكن الوَهْمَ(١) دخل فيه، أبدلت المهملة بالمعجمة.
وقال بعضهم: تجمع بين كل صلاتَي جَمْع بغسل، وتغتسل للصبح غسلاً
على ما في حديث حمنة وسهلة، وبه قال عطاء والنخعي وأكثر أهل العلم على
أن الغسل عند انقضاء الحيض، ثم عليها الوضوء لكل صلاة، ويروى هذا عن
عروة، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وهو مذهب الحنابلة. وقال ربيعة
ومالك: إنما عليها الغسل عند انقضاء حيضها وليس عليها للاستحاضة وضوء؛
لأن ظاهر حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في حديث فاطمة الغسل
فقط ولم يذكر الوضوء.
ولنا أنه ◌َ لّ قال لفاطمة: ((وتوضئي لكل صلاة)) قال، الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح، وهذه زيادة يجب قبولها، وهذا يدل على أن الغسل
المأمور به في سائر الأحاديث مُسْتَحَبُّ غير واجب والغسل لكل صلاة أفضل،
ثم الجمع بين الصلاتين، ثم الغسل كل يوم بعد الغسل عند انقضاء الحيض،
ثم تتوضأ لكل صلاة وهو أقل المأمور ويجزئها إن شاء الله، انتهى مختصراً.
قلت: وسيأتي قريباً أن مذهب الأربعة أنه لا يجب عليها الغسل إلا مرة
واحدة .
قال ابن العربي (٢): هل تتوضأ المستحاضة لكل صلاة؟ عندنا لا تتوضأ
إلا استحباباً، لأن قوله: ((تتوضأ لكل صلاة)) قول عروة لا من قول النبي وَلّ،
ولأن حكم حدث الحيض قد سقط فلا يوجب طهارة، ومتى تغتسل؟ فعندنا إن
كانت مميزة من طهر إلى طهر، وإن لم تكن مميزة فغسلها عند الحكم
بالاستحاضة، وقال أحمد: يستحبُّ لها أن تغتسل لكل صلاة، اهـ.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٣٢/٣) قال أبو عمر: ليس ذلك بوهم لأنه صحيح عن سعيد،
معروف عنه من مذهبه في المستحاضة تغتسل كل يوم مرة من ظهر إلى ظهر، وانظر:
((التعليق الممجد)) (٣٣٤/١) و((عمدة القاري)) (١٢٦/١).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢٠٠/١).
٦٢٧

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٦) حديث
١٠٦/١٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهَا رَأَتْ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، الَّتِي
كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ،
قال الزرقاني(١): وفي الحديث دليل أيضاً على أن العادة في الحيض
تثبت بمرة؛ لأنه عليه السلام ردّها إلى الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة، وهو
الأصح عند المالكية والشافعية، اهـ.
وقال ابن قدامة في ((المغني))(٢): لا يختلف المذهب في أن العادة لا
تثبت بمرة، وهل تثبت بمرتين؟ اختلفت الرواية فيه، فعنه أنها تثبت بمرتين،
وعنه أنها لا تثبت إلا بثلاث، اهـ.
قلت: اختلف فيه أئمتنا الحنفية، قال في (جامع الرموز)): إن المدة تصير
عادةً عند الطرفين بمرتين، لأنها مشتقة من العود، وعنده بمرة. وعليه الفتوى
كما هو المشهور، اهـ ((حاشية شرح الوقاية))، وفي ((حاشية الدرر)): قال في
(الخلاصة)) و((الكافي)): الفتوى على قول أبي يوسف في ثبوت العادة بمرة
واحدة، وعندهما لا بد من الإعادة لثبوت العادة، اهـ. وفي (الدر المختار)):
وهي تثبت وتنتقل بمرة، به يفتى، قال الشامي: وهو قول أبي يوسف خلافاً
لهما .
١٠٦/١٣٦ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب) ربيبة النبي وَل
(بنت أبي سلمة) وأم سلمة (أنها رأت زينب بنت جحش) قال عياض(٣):
اختلف أصحاب ((الموطأ)) فأكثرهم يقولون: زينب، وكثير منهم يقولون: ابنة
جحش، وهو الصواب كما يدل عليه قوله: (التي كانت تحت عبد الرحمن بن
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٢٤/١).
(٢) (٣٩٧/١).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٢٤/١).
٦٢٨

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٦) حديث
عوف) لأن زينب أم المؤمنين لم يتزوجها عبد الرحمن قط، وإنما تزوجها أولاً
زيد بن حارثة، ثم تزوجها النبي ◌ّلة، والتي كانت تحت عبد الرحمن هي أم
حبيبة، انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)): وجزم ابن عبد البر(١) أن رواية ((الموطأ)) هذه
خطأ، لأن التي كانت تحت عبد الرحمن إنما هي أم حبيبة أخت زينب، اهـ.
قلت: ويؤيده أيضاً أن الرواية في خارج ((الموطأ)) عند أبي داود وغيره
بلفظ ((امرأة)) على الإبهام دون التسمية، فالظاهر أن هذه التسمية وهم،
والصواب الإبهام، والمراد بها أم حبيبة. وذكر القاضي يونس في ((شرحه)) على
((الموطأ)) أن بنات جحش زينب، وأم حبيبة، وحمنة، اسم كل واحدة منهن
تسمى زينب، واشتهرن بالألقاب، وردّه صاحب ((المطالع)) وتبعه السيوطي،
وقال: لا يلتفت لقول من قال: إن بنات جحش اسم كل منهن زينب، لأن أهل
المعرفة بالأنساب لا يثبتونه، وإنما حمل عليه من قاله أن لا ينسب الوهم إلى
مالك، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قيل: رواية ((الموطأ)) هذه وهم، وقيل:
صواب، وأن اسمها زينب، وكنيتها أم حبيبة بإثبات الهاء.
وأما أم المؤمنين زينب، فكان اسمها بَرَّة، فغيّرِه النبيِ نَّ بزينب، وكان
التغيير بعد النكاح كما في ((أسباب النزول)) للواحدي. فيحتمل أنه وُّل سمَّاها
باسم اختها لما غلب على اسمها الكنية وأمن اللَّبْس، اهـ. كذا قال، ولم يرد
عليه بشيء، لكن قال أيضاً في موضع آخر من ((الفتح))(٢): وتعسف بعض
المالكية، فزعم أن اسم كل من بنات جحش زينب، فاشتهرت أم المؤمنين
باسمها، وأم حبيبة بكنيتها وحمنة بلقبها، ولم يأت بدليل على دعواه بأن حمنة
(١) ((الاستذكار)) (٢٢٧/٣).
(٢) انظر: (فتح الباري)) (١ /٤٢٧).
٦٢٩

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٦) حديث
--
لقب، انتهى.
وقال في (تلخيص الحبير)) (١): ومن الغرائب ما حكاه السهيلي عن شيخه
أن أم حبيبة كان اسمها زينب، وأن زينب زوجة النبي ◌َّ ا غلب عليها الاسم،
وأن أم حبيبة غلب عليها الكنية، وأراد بذلك تصويب ما وقع في ((الموطأ))،
انتھی .
وقال السيوطي في ((التنوير)) (٢): وبنات جحش الثلاثة قيل: يستحضن
كلهن، وقيل: بل أم حبيبة فقط، وقيل: بل حمنة وأم حبيبة، وهذا أصح، قال
الحافظ: ولم ينفرد بتسمية أم حبيبة زينب، بل وافقه يحيى بن أبي كثير عند
أبي داود الطيالسي، انتهى.
قلت: لكن رواية يحيى بن أبي كثير عند أبي داود بلفظ ((امرأة)) على
الإبهام، فظهر بهذا كله أن التسمية في رواية ((الموطأ)) هذه لو صحت، فالمراد
بها أم حبيبة على الراجح، وأم حبيبة هذه المستحاضة المشهورة استحيضت
سبع سنين كما في ((الصحيحين))، ومشهورة بكنيتها أخت زينب أم المؤمنين،
قال الواقدي والحربي: اسمها حبيبة، وكنيتها أم حبيب، ورجحه الدارقطني،
ولكن الصواب كما في الروايات الصحيحة المشهورة أم حبيبة بإثبات الهاء،
كذا في ((العيني)).
ونقل السيوطي عن الباجي: أن اسمها جهنية، ويحتمل على البعد أن
يكون التسمية في رواية ((الموطأ)) صحيحة، والمراد بها أم المؤمنين زينب،
وبنات جحش الثلاثة كلهن يستحضن كما في الروايات. وما قيل: إنها لم
تستحض إلا أم حبيبة ظاهر البطلان فتكون الصفة - وهي قوله: ((التي كانت
(١) (٢٥٨/١) في كتاب الحيض.
(٢) (تنوير الحوالك)) (ص٨١).
٦٣٠

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٦) حديث
وَكَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي.
تحت عبد الرحمن)) - وهماً، لأنه قد ثبت استحاضة بعض أمهات المؤمنين
بطرق عديدة عند البخاري وغيره.
وما قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي ◌َّ من كانت مستحاضة
غفلة عن الروايات الصريحة في ذلك، صَرح به الحافظان: ابن حجر والعيني
رحمهما الله .
قال الحافظ: يحمل اختلاف الروايات في ذلك على أن زينب استحيضت
وقتاً بخلاف أختها، فإن استحاضتها دامت، فروى الشيخان وغيرهما عن عائشة
- رضي الله عنها - أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين. الحديث، لكن في
((عارضة الأحوذي)) (١): أن حديث ((الموطأ)) هذا وهم من وجهين: الأول: أنها
لم تستحض قط، إنما المستحاضة أختها، الثاني: لم تكن قط تحت عبد
الرحمن، اهـ.
ثم ذكر محمل روايات البخاري أن المراد ببعض أزواجه وَ لجي سودة،
وكذا عدَّها ابن رسلان في المستحاضات في زمن النبي ◌ّ فقال: الخامس
سودة زوجة النبي ◌ّ﴾، وذكر بعضهم أن زينب بنت جحش استحيضت،
والصحيح خلافه إنما المستحاضة أختها. قال أبو عمر: الصحيح عند أهل
الحديث أنهما كانتا مستحاضتين جميعاً، اهـ.
(وكانت تستحاض فكانت تغتسل وتصلي) قال الباجي: يحتمل أن
الاستحاضة كانت تتكرر عليها، فكانت تغتسل متى استحيضت عند خروجها من
الحيض، وتتمادى بعد ذلك على الصلاة، ويحتمل أنها كانت تغتسل متى انقطع
عنها دم الاستحاضة، انتهى.
قلت: وهذان الاحتمالان على كونها زينب أم المؤمنين أوفق، وأما على
(١) (٢٠٠/١).
٦٣١

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٧) حديث
١٠٧/١٣٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي
بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛
تقدير كونها أم حبيبة فلا ينطبقان، لأن المشهور في الروايات فيها أنها تغتسل
لكل صلاة، فيكون المراد في هذا الحديث أيضاً ذلك.
واختلف العلماء في توجيه روايات أم حبيبة من ((الغسل لكل صلاة))
فقيل: منسوخة كما أثبته الطحاوي وغيره. وقيل: محمولة على الاستحباب،
واختاره أحمد كما في ((المغني)) (١) ونقل عن الشافعي كما في ((الزرقاني))(٢)
وغيره. وقيل: محمولة على العلاج كما هو مشهور بين علماء الدرس، وهو
أحد أقوال الطحاوي. وقيل: كانت متحيّرة ويجب عليها الغسل لكل صلاة كما
عندنا الحنفية، والشافعية معنا كما في كتب الفروع سيما في ((الإقناع))، وهو
الأوجه عندي.
وما قيل: إن المتحيرة ليست بشيء؛ جهلٌ من أقوال الأئمة، فأوجب لها
الغسل في كتب الحنفية والشافعية. وقال الحنابلة: حكمها أن تحيض غالب
مدة الحيض ستاً وسبعاً، ثم تغتسل على الوجوب كما في ((المغني)). نعم لم أر
حكمها بعد في كتب المالكية.
ثم اختلف العلماء في أن غسل أم حبيبة لكل صلاة كانت من عند
نفسها، كما هو مصرح في بعض الروايات أو كانت مأمورة من النبي وَّر، كما
نص عليه في عدة من الروايات، فمن قال بالأول طعن في هذه الزيادة التي
فيها: أمر رسول الله وَلّ، وحديث ((الموطأ)) ساكت عن هذا الاختلاف، فنتبعه
روماً للاختصار، ومحمل البحث فيه كتب السنن.
(١) (٤٤٩/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٢٥/١).
(٣) انظر: ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٢٣٨/٤) و((إسعاف المبطأ)) (٢٠١٧).
٦٣٢

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٧) حديث
أَنَّ الْقَعْقَاعَ بْنَ حَكِيم، وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَرْسَلاَّهُ إِلَى سَعِيد بْنِ
الْمُسَيَّب، يَسْأَلُهُ كَيْفَ تَّغْتَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ؟ فَقَالَ: تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرِ
إِلَی ◌ُهْرٍ ،
١٠٧/١٣٧ - (مالك عن سُمَيّ (١)) بضم السين المهملة وفتح الميم وشد
التحتية (مولى أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام، ثقة، روى له
الجميع، مات مقتولاً سنة ١٣٠هـ (أن القعقاع) بقافين مفتوحتين بينهما عين
مهملة ساكنة ثم ألف فعين مهملة (ابن حكيم) مكبراً الكناني المدني تابعي، وثقه
أحمد وغيره، روى له مسلم والأربعة والبخاري في ((الأدب المفرد)) (وزيد بن
أسلم أرسلاه) أي سُمَيّاً (إلى سعيد بن المسيب يسأله كيف تغتسل المستحاضة؟)
قيل: كان غرض السؤال عن وقت الاغتسال دون كيفيته، ولذا أجابه سعيد عن
الوقت. وقيل: السؤال وإن كان عن الكيفية لكنها لما لم تخالف الغسلات
الأخر، فأجابه بذكر ما يخالف فيه غيره (فقال: تغتسل من طهر إلى طهر) هكذا
في جميع النسخ (٢) بالمهملتين، وكذا في رواية ((الموطأ)) لمحمد.
واختلف الرواة في هذا اللفظ، فروي هكذا بالمهملتين كما في نسخ
((الموطأ))، وروي بالمعجمتين كما أخرجه أبو داود (٣) برواية القعنبي عن مالك،
قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)): اختلف في روايته، فمنهم من قال
بالمهملة، ومنهم من قال بالمعجمة، وكلا الروايتين عن مالك، انتهى. قال ابن
عبد البر: قال مالك: ما أرى الذي حدثني به من ظهر إلا قد وهم، وكذا
أخرجه عنه أبو داود فقال: قال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب من ظهر
إلى ظهر - بالمعجمتين - قال فيه، وإنما هو على الحقيقة من طهر إلى طهر -
بالمهملتين - ولكن الوهم دخل فيه، انتهى.
(١) أي المصرية من المتون والشروح وهي التي كانت عندي وقت التسويد في المدينة المنورة،
ثم رأيت النسخ الهندية بعد الرجوع عن البلدة الطاهرة فهي كلها بالمعجمتين فليحرر ((ش)).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٢/ ٣٧٣).
٦٣٣

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٧) حديث
قال الباجي: وقد تابع مالكاً على هذا القول هود بن عبد الملك
وسعيد بن عبد الرحمن فقالا: ((إنما هو من طهر إلى طهر)) قلت: وقال أبو
داود: رواه مسور بن عبد الملك من طهر إلى طهر فقلبها الناس من ظهر إلى
ظهر، قال الخطابي: ما أحسن ما قال مالك، ما أشبهه بما ظن لأنه لا معنى
للاغتسال في وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الغد، ولا أعلمه قولاً لأحد،
وإنما هو من طهر إلى طهر، انتهى.
وَبَوَّبَ أبو داود(١) ((الاغتسال من طهر إلى طهر))، وذكر فيه روايات
توحيد الغسل، ولم يذكر فيه هذه الرواية، ثم ذكر ((باب من قال: تغتسل من
ظهر إلى ظهر))(٢)، وذكر فيه أثر سعيد(٣) هذا، فعلم أن الصواب عند أبي داود
أيضاً في أثر سعيد الإعجام.
وقال البيهقي في ((سننه))(٤): وعن ابن عمر وأنس بن مالك تغتسل من
طهر إلى طهر بالطاء المهملة. هذا ما قيل في الطاء المهملة.
وأما المعجمة، فقال ابن عبد البر(٥): ليس ذلك بوهم؛ لأنه صحيح عن
سعيد معروف من مذهبه، وقد رواه كذلك السفيانان عن سُمَيٍّ بالإعجام، ولم
ينفرد به سميّ ولا القعقاع، فقد رواه وكيع عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن ابن
المسيب بالإعجام، أخرجه ابن أبي شيبة، انتهى.
(١) ((سنن أبي داود)) (١٢٥/١).
(٢) ((سنن أبي داود)) (١/ ١٢٧).
(٣) رقم الحديث (٣٠١).
(٤) ((السنن الكبرى)) (٣٥٦/١).
(٥) انظر: ((الاستذكار)) (٢٣٢/٣).
(٦) (١/ ٢١١).
٦٣٤

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٧) حديث
قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (١): والذي استبعده الخطابي
صحيح؛ لأنه إذا سقط عنهما لأجل المشقة الاغتسال لكل صلاة، فلا أقل من
الاغتسال مرة في كل يوم عند الظهر في فيء النهار، وذلك للتنظيف، انتهى.
قال ابن العراقي: المروي إنما هو بالإعجام فقط، وأما الإهمال فليس
رواية مجزوماً بها، وروى ابن أبي شيبة عن الحسن بلفظ: ((تغتسل من صلاة
إلى مثلها من الغد)). وروى الدارمي قول سعيد بن المسيب هذا بطرق مختلفة
بلفظ: ((من الظهر إلى الظهر))، وبلفظ: ((من الظهر إلى مثلها من الغد لصلاة
الظهر)) وبلفظ: ((تغتسل كل يوم عند الصلاة الأولى))، وقوي قول سعيد هذا
بقول الحسن وابن عمر.
فما يخطر في البال بعد ملاحظة كلام الفريقين أن الصواب في رواية
سعيد الإعجام فقط، لكثرة طرقه، وليس عند من رواه بالمهملة إلا التخمين،
وإنما رواه الإمام في ((الموطأ)» بلفظ المهملة، لأن المعجمة عنده كان وهماً من
أحد الرواة، فرواه عند أبي داود كما روى له يعني بالمعجمتين، وكان مُحَرَّفاً
عنده كما صرح به، فروى في ((الموطأ)) على ما هو الصواب عنده، وهو
بالمهملتين، وكان الأوجه للإمام على أصول المحدثين أن يروي في ((الموطأ))
أيضاً بالمعجمة أولاً، ثم صَحَّحَه بالمهملة، كما أخرجه عنه أبو داود، فمعناه
على المهملتين، أنها تغتسل بعد انقضاء أيام الحيض غسلاً واحداً، ويكفي إلى
الطهر الثاني بعد انقضاء أيام الحيض الثاني، ولا يحتاج بينهما إلى الغسل
الآخر للحيض، وكذلك إذا يجيء الطهر الثاني فتغتسل مرة واحدة، فيكون هذا
الحديث بمعنى أحاديث ((إذا ذهب أيام حيضك فاغتسلي)) وهذا هو المشهور في
معناه، ولذا بوّب أبو داود ((باب الغسل من طهر إلى طهر))، وذكر فيه روايات
توحيد الغسل.
وعندي يحتمل أثر سعيد معنىّ آخر، وهو وجيهٌ عندي، وإن لم يذكره
٦٣٥

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٧) حديث
وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ،
أحد من المشايخ، وهو أن يكون هذا حكم المستحاضة المتحيِّرة التي لم يستمر
بها الدم، بل ينقطع ساعة ويعود بعد ذلك، فحكمها أنها إذا اغتسلت عند
انقطاع الدم، فهذا الغسل يكفي لها إلى مجيء الدم الآخر، فعلى هذا يكون
معنى الطهر انقطاع الدم دون الطهر الاصطلاحي.
ويستأنس هذا المعنى من تقسيم الطحاوي لأنواع المستحاضة، وأما معناه
على المعجمتين، فإنها تغتسل كل يوم مرة وهو وقت الظهر فيكون الغسل من
باب العلاج؛ لأنها وقت شدة الحر وفوران الدم، أو الندب للتنظيف،
فالتخصيص بالظهر اتفاقي، ويكون بمعنى كل يوم مرة أو لظهور الرائحة الكريهة
التي تحتاج إلى إزالتها، كما شرع غسل الجمعة لهذه المصلحة، ويكون عند
الظهر أكثر، فخصص وقت الظهر للغسل.
وأجاد ابن رسلان في توجيه الحديث فقال: ومن عَلِمَتْ أن حيضها كان
ينقطع مع غروب الشمس مثلاً أنه يلزمها الغسل عند غروب الشمس كل يوم،
وكذا من علمت أنه كان ينقطع حيضها وقت صلاة الظهر، فعليها الغسل عند
صلاة الظهر كل يوم، وتتوضأ ما بينها وبين ظهر اليوم الثاني، فقد يحتمل أن
سعيداً إنما سئل عن امرأة هذا حالها، فنقل الراوي الجواب فقط لا السؤال،
انتھی، وهذا توجیه حسن.
وما قال الخطابي لا معنى للاغتسال في هذا الوقت، تعقّبه ابن العربي
بأن له معنى، ثم ذكر الغسل للنظافة، وما قاله الخطابي: لا أعلمه قولاً لأحد
تعقّبه ابن العراقي بأن أبا داود ذكر جماعةً من الصحابة ذهبوا إلى هذا الغسل،
اللَّهم إلا أن يقال: إن مراد الخطابي أن لا معنى له من حيث الإيجاب، وليس
هو قول أحد من الأئمة الذين يُقَلَّدُ بهم، وفيه أيضاً أنه مذهب الشافعية وغيرهم
كما تقدم من كلام ابن رسلان.
(وتتوضأ لكل صلاة) فيه مسألتان خلافيتان: الأولى: حكم الوضوء فهو
٦٣٦

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٧) حديث
واجب عند جمهور الأئمة، مستحب عند الإمام مالك، لقوله عليه السلام: ((دم
عرق)) والعرق لا يتوضأ عنه عندهم، ولكن الذين قالوا: ينقض الوضوء بدم
العرق أيضاً لا يتم التقريب عندهم، بل هذه الأحاديث حجة لهم في إيجاب
الوضوء بدم العرق؛ لأنه عليه السلام عّل الوضوء بكونه دم عرق. واستدل
الجمهور على إيجاب الوضوء على المستحاضة بأوامر الوضوء في الروايات،
وهي أكثر من أن تحصى، وتقدم بعضها قريباً .
والثانية: أن الوضوء يجب لفعل كل صلاة أو لوقت كل صلاة مختلف
عند القائلين بإيجاب الوضوء، فذهبت الشافعية إلى الأول والحنفية والحنابلة
إلى الثاني، وما نقل بعضهم أن الحنابلة مع الشافعية في هذه المسألة فإن لم
يوجّه بأنه يمكن أن يكون رواية عنه فهو وهم من الناقلين؛ لأن كتب مذهبهم
مصرحة بإيجاب الوضوء عند الوقت، ففي ((الروض المربع)) (١): وتتوضأ لدخول
وقت كل صلاة وتصلي ما دام الوقت فروضاً ونوافل، انتهى. وفي ((نيل
المآرب))(٢): وتتوضأ في وقت كل صلاة إن خرج شيء، وكذا كل من حدثهُ
دائم، انتهى مختصراً.
وقال ابن قدامة(٣): ويلزم كل واحد من هؤلاء الوضوء لوقت كل صلاة
إلا أن لا يخرج منه شيء؛ لما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده في
المستحاضة: تتوضأ عند كل صلاةٍ، رواه أبو داود والترمذي، وعن عائشة في
قصة فاطمة: قال ◌َ: ((ثم توضئي لكل صلاة وصلي)). رواه أبو داود
والترمذي وقال: حسن صحيح، وطهارتهم مقيدة بالوقت لقوله: ((يتوضأ عند
(١) (١١٤/١).
(٢) (١٠٦/١).
(٣) (٤٢٢/١).
(٤) (٣٥٦/١).
٦٣٧

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٧) حديث
كل صلاة))، اهـ ملخصاً. وفي ((الشرح الكبير))(١): وعن عائشة في قصة فاطمة
قال ◌َله: (توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)). رواه الإمام أحمد وأبو
داود والترمذي، وقال: حسن صحيح. وهذه زيادة يجب قبولها، انتهى.
قال في ((البرهان)): وعلماؤنا والشافعي أوجبوا الوضوء على مستحاضة.
ومن في معناها، ولم يوجبه مالك، ونراه نحن ومالك لوقت كل صلاة لا لكل
صلاة كما قال الشافعي، لما ذكر سبط ابن الجوزي أن أبا حنيفة روى
المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، وفي ((شرح مختصر الطحاوي)): روى
أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي وَلو قال لفاطمة بنت
أبي حبيش: ((وتوضئي لوقت كل صلاة)) ولا شك أن هذا محكم بالنسبة إلى
كل صلاة؛ لأنه لا يحتمل غيره بخلاف الأول، فإن لفظ الصلاة شاع استعمالها
في لسان الشرع والعرف في وقتها .
فمن الأول قوله وله: ((إن للصلاة أولاً وآخراً)). الحديث، أي لوقتها،
وقوله عليه السلام: ((أيما رجل أدركته الصلاة فليصل)). ومن الثاني آتيك الصلاة
الظهر أي لوقتها. وهو مما لا يحصى كثرة، فوجب حمله على المحكم، وقد
رجح أيضاً بأنه متروك الظاهر بالإجماع للإجماع على أنه لم ترد حقيقة كل
صلاة لجواز النوافل مع الفرض بوضوء واحد، انتهى. وكذا قاله ابن الهمام في
(٢)
((الفتح))(٢).
قلت: وروى أبو عبد الله بن بطة بسنده عن حمنة بنت جحش أن النبي
صَلى الله
أمرها أن تغتسل لوقت كل صلاة، ذكره في ((التعليق الممجد))(٣) عن العيني،
قال بحر العلوم في ((رسائل الأركان)): لا شك أن الروايات التي فيها ذكر
الوقت مفسرة، وحديث الشافعي محتمل. وتقرر في الأصول أن المحتمل
(١) ((فتح القدير)) (١٥٩/١).
(٢) (٣٣٦/١).
٦٣٨

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٨) حديث
فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ .
١٠٨/١٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِلاَّ أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلاً وَاحِداً،
ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذُلِكَ لِكُلِّ صَلاَةٍ.
قَالَ يَحْيَى، قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا، أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا صَلَّتْ،
يحمل على المفسر، اهـ
(فإن غلبها) أي المرأة (الدم استثفرت) هكذا في رواية ((الموطأ)) بالمثلثة بين
الفوقية والفاء، وتقدم معنى الاستثفار مفصلاً أي شدَّت فرجها بثوب، وروي بلفظ :
((استذفرت)) بذال معجمة بدل المثلثة فقيل: إنه مثل الاستثفار قلبت التاء ذالاً، والثفر
والذفر بمعنى، وقيل: هو من الذفر، وهو رائحة ذكية من طيب أو نتن، وتقدم مبسوطاً .
١٠٨/١٣٨ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: ليس على
المستحاضة إلا أن تغتسل) عند انقضاء المدة التي كانت تحيض فيها قبل
الاستحاضة (غسلاً واحداً) كما ورد به الأمر في الروايات الكثيرة، وأما أحاديث
الأمر بالغسل لكل صلاة رُوِيَت من وجوه، كلها ضعيفة، كما قاله ابن عبد البر(١)
والبيهقي وغيرهما، وأثبت الطحاوي نسخها، وأجمعت الأربعة على أن لا غسل
عليها وجوباً إلا واحداً، وتقدم ما قال ابن قدامة: إن أكثر أهل العلم على أن
الغسل عند انقضاء الحيض، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وربيعة ومالك، اهـ.
قلت: إلا في بعض صور المُتَحَيِّرة، فأوجب لها الغسل لكل صلاة
الشافعية والحنفية. قال العيني: ولا يجب عليها الاغتسال لشيء من الصلاة
ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في انقضاء حيضها، وبه قال جمهور
العلماء، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد، اهـ (ثم تتوضأ بعد ذلك) الغسل
(لكل صلاة) استحباباً عند المالكية ووجوباً عند الثلاثة كما تقدم.
(١) انظر: ((التمهيد)) (١٦ /٩٩).
٦٣٩

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٨) حديث
أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا، وَكَذْلِكَ النُّفَسَاءُ، إذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ
النِّسَاءَ الدَّمُ،
(قال يحيى: قال مالك: الأمر عندنا أن المستحاضة إذا صلت) وزال حكم
حيضها (أن) حرف تحقيق في أكثر النسخ وفي بعضها بمد الهمزة على صيغة
ماض بمعنى حان (لزوجها أن يصيبها) ويجامعها، وبه قال الجمهور لقوله عليه
السلام: ((إنما ذلك عرق وليس بالحيضة)).
قال العيني(١): اعلم أن وَظْءَ المستحاضة جائز في حال جريان الدم عند
جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر، وبه قال الأوزاعي والثوري ومالك وإسحاق
وأبو ثور، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، لما في ((أبي داود)) بسند جيد: أن
حمنة كانت مستحاضة وزوجها يأتيها. وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك
بها، وفي رواية لا يجوز إلا أن يخاف زوجها العنت، اهـ.
وفي ((المغني))(٢): اختلفت الروايات عن أحمد، فروي عنه ليس له
وطؤها إلا أن يخاف على نفسه الوقوع في المحظور، وروي عنه إباحة وطئها
مطلقاً من غير شرط، وهو قول أكثر الفقهاء لقصة حمنة، ولأن أم حبيبة كانت
تستحاض ويغشاها زوجها، اهـ.
(وكذلك النفساء) في ((القاموس)): النفاس بالكسر ولادة المرأة فإذا
وضعت فهي نفساء، اهـ. وقد يسمى الدم الخارج أيضاً نفاساً سميت بالمصدر
كذا في ((الكفاية)) (إذا بلغت أقصى ما يمسك) من الإمساك (النساء) بالنصب
على المفعولية (الدم) بالرفع على الفاعلية يعني إذا بلغ الدم أقصى المدة.
وأقصى مدة النفاس عند الجمهور أربعون يوماً، قال الترمذي: أجمع أهل العلم
من أصحاب النبي وَ لّ ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً.
(١) ((عمدة القاري)) (١٣٦/٣).
(٢) (٤٢٠/١).
٦٤٠