Indexed OCR Text

Pages 601-620

٢ - كتاب الطهارة
(٢٨) باب
(١٣٣) حديث
وقال في ((مختصر الخليل)): وعفي دون درهم من دم مطلقاً، اهـ. وقال
في ((الروض المربع)) (١) - من فقه الحنابلة -: ويعفى عن يسير دم نجس ولو
حيضاً أو نفاساً أو استحاضة، وعن يسير قيح وصديد، واليسير ما لا يفحش
في نفس كل أحد بحسبه، اهـ مختصراً.
فعلم بهذا أن الأئمة الأربعة كلهم إلا الشافعي في قوله الجديد، متفقون
على العفو من اليسير، وإن اختلفوا في تحديده، وليس بمزيد اختلاف، فإن
مؤدى الكل قريب، وعلم منها أيضاً أن حديث أسماء عند الجمهور محمول
على المقدار الذي لم يُعْفَ.
وأما المسألة الثانية: فهو ما قال الخطابي: إن فيه دليلاً على تعيين الماء
لإزالة النجاسة، وكذا استدل به البيهقي في ((سننه))، وهو مذهب مالك
والشافعي وأحمد ومحمد وزفر - رحمهم الله -، إذ قالوا: إن الطهارة من
النجاسة لا تحصل إلا بما يحصل به طهارة الحدث. وقال الإمام الأعظم
أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز التطهير بكل مائع طاهر. قال ابن العربي: وقال
قوم ينتمون إلى الظاهر: يجوز إزالة النجاسة بالتراب لحديث النعل، وهو في
النعل خاصة. وأنت خبير بأنه لا حجة لهم على الحنفية في الحديث المذكور،
لأن مؤداه طهارة الثوب بالماء ولا ينكره أحد، والخلاف في الطهارة بغير
الماء، والحديث لا يتناوله نفياً ولا إثباتاً، بل ساكت عنه، فليت شعري كيف
استدل به الخطابي والبيهقي!
قال الشعراني في ((ميزانه)): ومنها: قول الأئمة الثلاثة لا تُزال النجاسة
إِلا بالماء مع قول الإمام أبي حنيفة: إن النجاسة تُزال بكل مائع غير الأدهان.
ووجه الأول أن الطهارة شُرِعت لإحياء البدن أو الثوب، فالبدن أصل، والثوب
(١) (١٠١/١).
٦٠١

٢ - كتاب الطهارة
(٢٨) باب
(١٣٣) حديث
تبع، ومعلوم أن المائع ضعيف الروحانية، لا يكاد يحيي البدن، ولا يُزَكِّي
الثوب، ووجه الثاني كون المائع فيه روحانية مَّا على كل حال.
وأيضاً فحكم النجاسة أخفُّ من الحدث بدليل ما ورد عن عائشة أنها
كانت إذا أصاب ثوبها دم حيض بصقت عليه ثم فركته بعود حتى تزول عنه،
وبدليل صحة صلاة المجمّر بالحجر، ولو بقي هناك أثر النجاسة، بخلاف
الطهارة عن الحدث، لو بقي على البدن لمعة كالذَّرَّةِ لم يصبها الماء لم تصح
طهارته إلا بغسلها فافهم، انتهى.
قلت: واستدل الحنفية أيضاً بعموم الغسل في الروايات، فإن الغسل
بعمومه يتناول لكل ما يغسله به، وقد أخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن
سعيد بن جبير قال: إِن كان بعض أمهات المؤمنين لتقرص الدم عن ثوبها
بريقها، وعن الحسن بن علي: أنه رأى في قميصه دماً فبزق فيه ثم دلكه. وكذا
أخرجه عن عمر - رضي الله عنه - وميمون بن مهران.
وقال الشوكاني في ((النيل)): وعن أبي حنيفة وأبي يوسف يجوز تطهير
النجاسة بكل مائع طاهر، وهو مذهب الداعي من أهل البيت. واحتجوا بقول
عائشة - رضي الله عنها - ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا
أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها، إلى آخره.
والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتاباً وسنة، لكن القول
بتعيينه وعدم إجزاء غيره يَرُدُّه حديث مسح النعل وفرك المني وحتّه وإماطته
بإذخر، وأمثال ذلك كثيرة، ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير في الماء،
ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الحصر به مطلقاً، وغايته تعيينه
في ذلك المنصوص بخصوصه إن سُلِّم، انتهى.
ولا يذهب عليك أن الحنفية لم تحتج فيه إلى دليل، فإنهم لم يقولوا
بكون غير الماء مطهراً، بل قالوا: خروج النجاسة من الثوب والمحل يطهره،
٦٠٢
----
-٠

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(٢٩) باب المستحاضة
ولا ينكر أحد أن من قطع المحل النجس مثلاً من الثوب فالباقي طاهر
إجماعاً، فهل يمكن أن يقال: إن المقراض مطهِّر أو قطع الثوب من
المطهرات؟ لا وكلاً، بل خروج النجس مؤثر في طهارة الأحداث، فتأمل(١)
وتشكر، والله ملهم الرشد والصواب.
(٢٩) ما جاء في المستحاضة
أصلها من الحيض، لحق الزوائد للمبالغة - كما يقال: قَرَّ في المكان
واستقرَّ، وأعشب، ثم يزاد للمبالغة فيقال: اعشوشب ـ وهي التي لا يرقأ دم
حيضتها. وقيل: هي التي استمر بها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة. وقيل:
الحيض جريان دم المرأة في أوقات معلومة، يرخيه قعر رحمها بعد بلوغها،
والاستحاضة: جريانه في غير أوانه، يسيل من عرق في أدنى الرحم دون قعره
يسمى ذلك العرق: العاذل بالعين المهملة والذال المعجمة.
قال ابن العربي: فإذا سال في غير أوقات معلومة ومن غير عرق الحيض
قيل: استحيضت، فتحقيقه أنه فعل بها الحيض، اهـ. يقال: استحيضت المرأة
بالبناء للمفعول فهي مستحاضة.
قال العيني (٢): فإن قلتَ: ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض
وللمفعول في الاستحاضة؟ قلتُ: لما كان الأول معروفاً معتاداً نسب إليها،
والثاني لما كان نادراً غير معروف الوقت وكان منسوباً إلى الشيطان كما ورد:
((أنها ركضة منه)؛ بني لما لم يسم فاعله، فإن قلت: ما هذا السين؟ قلتُ:
يجوز أن تكون للتحول كما في استحجر الطين، وههنا تحول دم الحيض إلى
غيره وهو دم الاستحاضة، اهـ.
(١) هذا ما سنح لي، وليراجع كتب الفقه، ((ش)).
(٢) ((عمدة القاري)) (٦٣٢/٢).
٦٠٣

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
وحكمها حكم الطاهرة في العبادات إجماعاً، وكذا في الوطء عند
الجمهور، كما سيجيء في الحديث الثاني.
ثم اعلم أن الروايات في المستحاضة مختلفة جداً يشكل الجمع بينها،
كما لا يخفى على من له أدنى نظر على الروايات، وهذا الباب من غوامض
الأبواب، ولذا اعتنى به المحققون، وأفرده العلماء بتصانيف مستقلة، وعلى
كثرة التصانيف في ذلك لم تنحل معضلات مسائله ومشكلات محامله؛ وذلك
لكثرة الاختلاف في الروايات الواردة في الباب، فاختار بعضهم طريق الترجيح
بأنهم رجحوا روايات توحيد الغسل والوضوء لكل صلاة، وتركوا الروايات
الباقية أو النسخ قائلاً بتوحيد الغسل والوضوء لكل صلاة ونسخ ما سوى ذلك،
والمآل واحد، وهو أحد قولي الطحاوي من الحنفية، واختاره الشوكاني في
((النيل)).
وأنت خبير بأنه مشكل؛ لأن ترك الروايات الكثيرة المختلفة بأسرها ليس
بيسير لكنه الأوفق بالقواعد، فحملوا روايات تعدد الغسل على أنها منسوخة أو
كانت للعلاج أو للاستحباب، وهذه ثلاث توجيهات للروايات المختلفة في
ذلك الباب.
وبعضهم حاولوا الجمع بين الروايات بأن حملوا كل نوع من الأحاديث
على نوع من أنواع المستحاضة، مثلاً حملوا روايات الغسل لكل صلاة على
المستحاضة المتحيّرة، وروايات الأقراء على المعتادة، وروايات الإقبال
والإدبار على المميزة، ولا يخلو أيضاً عن إِشكال، لأن الروايات الواردة في
قصة المرأة الواحدة أيضاً تروي مختلفة الأحكام والألفاظ، فإن فاطمة مثلاً
فبعض الروايات تدل على أنها رُدَّتْ إلى العادة، وفي بعضها أنها رُدَّتْ إلى
التمييز، إلا أن هذا الطريق أسهل من الطريق الأول، وما أشكل فيه أيضاً
وجهوا لدفعه مثل الفريق الأول بتوجيهات إلا أنها في هذا الطريق أقل من
الطريق الأول.
٦٠٤

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
قال في ((المغني))(١): قال الإمام أحمد - رحمه الله -: الحيض يدور على
ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة - رضي الله عنهن -، وفي
رواية حديث أم سلمة - رضي الله عنها - مكان أم حبيبة، اهـ. فعلم أن سائر
الروايات في الاستحاضة عندهم تؤول إلى هذه الثلاثة.
ثم اعلم أن المستحاضة عند الأئمة الأربعة لا تخلو من أربعة أحوال: ١
- إما مميزة لا عادة لها، ٢ - أو معتادة لا تمييز لها بالدماء، ٣ - ومن لها عادة
وتمييز، ٤ - ومن لا عادة لها ولا تمييز، كذا في ((المغني)) (٢).
أما الأولى: فهي التي تميز دم حيضها عن دم الاستحاضة مع الاختلاف
فيما بينهم في ألوان الحيض، ويعبرها المحدثون بالإقبال والإدبار، وحكمها
أنها إذا أقبلت حيضتها بأن يخرج الدم الأسود مثلاً تترك الصلاة، وإذا أدبر
بمثل خروج الدم الأصفر ونحوه تغتسل للحيض وتتوضأ لكل صلاة، وبهذا قال
الأئمة الثلاثة، ومن قال بالتمييز قيده بثلاثة شرائط ذكرها العيني.
وقالت الحنفية: لا اعتبار باللون أصلاً كما سيجيء البحث فيه بعد ذكر
الأنواع، وهذا النوع عندهم داخل في الضرب الثاني من النوع الرابع.
قال ابن قدامة: أما المميزة وهي التي لدمها إقبالٌ وإدبار، بعضه أسود
ثخين مُنْتِنٌ، وبعضه أحمر أو أصفر ولا رائحة له، ويكون الدم الأسود والثخين
لا يزيد على أكثر الحيض ولا ينقص عن أقله، فحكمها أن حيضها زمان الدم
الأسود أو الثخين أو المنتن، تغتسل للحيض وتتوضأ بعد ذلك لكل صلاة،
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بالتمييز، إنما الاعتبار بالعادة خاصة؛ لرواية
(١) (٣٨٨/١).
(٢) (٣٩٢/١).
٦٠٥

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
أم سلمة - رضي الله عنها - في امرأة كانت تهراق الدم، فقال وَّة: (لِتَنْظُرْ عِدَّةَ
الأيام)). الحديث، أخرجه أبو داود(١) والنسائي وابن ماجه، وهو أحد
الأحاديث الثلاثة التي قال الإمام أحمد: يدور الحيض عليها. ولنا رواية عائشة
- رضي الله عنها - في قصة فاطمة بنت أبي حبيش إلى آخر ما قاله.
ويدخل في هذا النوع المميزة المبتدأة أيضاً إلا أنا أفردنا ذكر المبتدأة
بأنواعها في الضرب الأول من النوع الرابع، فذكرنا هذا النوع أيضاً هناك روماً
للتسهيل .
وأما الثانية: فهي التي لها عادة معلومة ولا تمييز لها بدماء، فتترك الصلاة
أيام عادتها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، به قال الأئمة الثلاثة، ونقل عن
الإمام مالك أنه قال: لا اعتبار بالعادة إِنما الاعتبار بالتمييز.
قال ابن قدامة(٢): والقسم الثاني من لها عادة ولا تمييز لها لكون دمها
لا يتميز بعضها عن بعض، فإذا كانت لها عادة قبل أن تستحاض، جلست أيام
عادتها واغتسلت عند انقضائها؛ ثم تتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي، وبهذا قال
أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: لا اعتبار بالعادة، إنما الاعتبار بالتمييز، فإن
لم تتميز استظهرت بعد عادتها بثلاثة أيام، إن لم تجاوز خمسة عشر يوماً،
وهي بعد ذلك مستحاضة، اهـ.
وقال الزرقاني(٣): وأصح قولي الشافعي - رحمه الله -، وهو مذهب
مالك أنها إنما تُرَدُّ لعادتها إِذا لم تكن مميزة وإلا ردت إلى التمييز، اهـ.
(١) أخرجه أبو داود (٦٢/١) والنسائي (٩٩/١ - ١٤٩).
(٢) ((المغني)) (٣٩٦/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٢٣/١).
٦٠٦

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
وقال الباجي(١): أما المعتادة فإن تمادى بها الدم أكثر من أيام عادتها
فعن مالك فيه روايتان، إحداهما: أنها تقيم أيام عادتها ثم تستظهر بثلاثة أيام.
والرواية الثانية: تقيم أكثر مدة الحيض، وذلك خمسة عشر يوماً ثم تصير
مستحاضة، انتهى.
وفي ((عارضة الأحوذي)) (٢): المعتادة فيها خمسة أقوال: الثالث منها
تستظهر ثلاثة أيام وعليه ثبت مالك، اهـ. وكذا ذكر في ((مقدمات ابن رشد))
خمسة أقوال للإمام مالك، ومنها مثل الجمهور أيضاً قول واحد.
وما يظهر من كتب الفروع للمالكية أنهم اختاروا الاستظهار، كما في
(المختصرات))، و((مقدمات ابن رشد))، وغيرها، فَعُلِم أن في هذا النوع من
المستحاضة كُلَّا من الأئمة الأربعة قالوا باعتبار العادة إلا أن المرجح عند
المالكية أنهم زادوا عليها بثلاثة أيام للاستظهار بشرط أن لا يبلغ أكثر من خمسة
عشر يوماً، فإذا بلغ إليها ينقص من أيام الاستظهار حتى إن من كانت عادتها
خمسة عشر يوماً لا استظهار عليها أصلاً، كما صرح به في ((المدونة))(٣).
ثم اعلم أنهم اختلفوا ههنا في مسألة أخرى، وهي أن العادة هل تثبت
بمرة واحدة أو بأزيد منها؟ وسيجيء البحث فيه في الحديث الثاني فانتظر.
والنوع الثالث: من لها عادة معلومة وتمييز أيضاً، فإن اتفقا فلا إشكال،
وإن اختلفا فالعبرة للعادة عند الحنفية وهو أصح قولي أحمد.
قال ابن قدامة(٤): والقسم الثالث: من لها عادة وتمييز، فإن كان الأسود
(١) ((المنتقى)) (١٢٤/١).
(٢) (٢٠٩/١).
(٣) (٥٥/١).
(٤) ((المغني)) (٤٠٠/١).
٦٠٧

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
في زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز، فيعمل بهما، وإلا ففيه روايتان:
إحداهما؛ يقدم التمييز، وتدع العادة، وهو ظاهر كلام الخرقي، وهو ظاهر
مذهب الشافعي - رحمه الله - وظاهر كلام الإمام أحمد اعتبار العادة، وهو قول
أكثر الأصحاب، اهـ.
وفي ((الروض المربع))(١) - في فقه الحنابلة -: والمستحاضة المعتادة لو
كانت مميزة تجلس عادتها، ثم تغتسل وتصلي، اهـ. وفي ((الشرح الكبير)): وإن
استحيضت المعتادة رجعت إلى عادتها، وإن كانت مميزة، وعنه يقدم التمييز،
وهو اختيار الخرقي.
قال الزرقاني (٢): المستحاضة المعتادة ترد لعادتها ميزت أم لا وافق تمييزها
عادتها أو خالف، وهو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - وأحد قولي الشافعي -
رحمه الله - وأشهر الروايتين عن أحمد، وأما أصح قولي الشافعي وهو مذهب
مالك أنها إنما ترد لعادتها إذا لم تكن مميزة، وإلا ردت إلى التمييز، اهـ.
قلت: لكن في ((مختصر عبد الرحمن)) لم يذكر المميزة بل قال: النساء
مبتدأة ومعتادة وحامل، اهـ.
والرابع: من لا عادة لها ولا تمييز، وهي نوعان: مبتدأة، وهي التي بدأ
بها الحيض، ولم تكن حاضت قبله واستمر بها الدم، والثاني: متحيِّرة، وهي
التي كانت معتادة لكن نسيت أيامها. أما الأولى، يعني المبتدأة إن كانت مميزة
عملت بالتميز عند من قال به، وهم الأئمة الثلاثة كما تقدم خلافاً للحنفية
- رضي الله عنهم -، فعندهم تستحيض أكثر مدة الحيض.
قال في ((الشرح الكبير)): المبتدأة إذا جاوز دمها أكثر الحيض لم تَخْلُ من
حالين: إما أن تكون مميزة، فحكمها أن حيضها زمن الدم الأسود، وبهذا قال
(١) (١١١/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٢٣/١).
٦٠٨

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
مالك والشافعي. والحال الثاني: أن لا يكون دمها متميزاً، ففيها أربع
روايات: إحداها: أنها تجلس غالب الحيض من كل شهر، وذلك ستة أيام أو
سبعة أيام، والثانية: أنها تجلس أقل الحيض لأنه المتيقن، وللشافعي قولان
كهاتين، والثالثة: تجلس أكثر الحيض وهو قول أبي حنيفة، والرابعة: تجلس
عادة نسائها كأختها وأمها، وهو قول عطاء والثوري والأوزاعي، انتهى
ملخصاً .
قلت: مذهب الحنفية كما في الفروع والمالكية كما في ((مختصر
عبد الرحمن)) أنها تجلس أكثر مدة الحيض، فتأمل.
وأما النوع الثاني فالبحث فيه طويل لا يسعها هذا المختصر، ومذهب
الحنفية في ذلك أنها تتحرى، ومتى ترددت بين حيض وطهر ودخول في
الحيض تتوضأ لكل صلاة، ومتى ترددت بين الحيض والطهر والدخول في
الطهر تغتسل لكل صلاة، كذا في ((الدر المختار))، وهذا إجمال أنواعها التي
بسطها الفقهاء، وتحت كل نوع أنواع محلها كتب الفروع، ولا تجد هذا
التوضيح والتفصيل للمذاهب في غير هذا المختصر إن شاء الله، فاغتنم
وتشكر .
فالحاصل أن المستحاضة عندنا الحنفية ثلاثة أنواع مبتدأة ومتحيِّرة
ومعتادة، ولم يعتبروا التمييز باللون أصلاً لوجوهٍ. منها: أنه لم يثبت نصاً في
حديث صحيح، وأحاديث الإقبال والإدبار كما أنها تُحْمَل على التمييز يمكن
حملها على إقباله باعتبار العادة بل هو المتعين لرواية البخاري(١) بلفظ: ((فإذا
أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي))، الحديث، قال ابن
تيمية: رواه البخاري والنسائي وأبو داود، اهـ.
(١) أخرجه البخاري في باب ((عرق الاستحاضة)) و((فتح الباري)) (٤٣٦/١).
٦٠٩

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
فلفظ: ((إذا ذهب قدرها)) صريح في العادة، وقد أتْبَعَ بلفظ الإقبال، فعلم
أن المراد بالإقبال أيضاً إتيان العادة، فليس المراد بأقبلت وأدبرت إلا إقبال
أيام الحيض وإدبارها جمعاً بين الروايات، وإلا فتضطرب الروايات وتناقض
بعضها بعضاً، وحديث عائشة - رضي الله عنها - فإنه دم أسود يُعْرَفُ ليس بثابت
كما أقرَّ به الباجي . .
وفي ((النقاية)): أنه موقوف عليها، وقال الشوكاني في ((النيل)): وقد
استنكر هذا الحديث أبو حاتم، وفي ((الجوهر النقي)) (١) وفي ((العلل)) لابن أبي
حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: منكر، وقال ابن القطان: في رأيي منقطع، اهـ.
قال الشوكاني: وقد ضَعَّفَ الحديث أبو داود، انتهى.
قلت: وضعفه أيضاً الطحاوي في ((مشكل الآثار(٢))، ومنها: أن العادة
أقوى لكونها لا تبطل دلالتها، واللون إِذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالتها،
فما لا تبطل دلالته أولى، وهذا مما لا ينكر.
٦
ومنها: أن النبي و ﴿ رَدَّ أم حبيبة والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى
العادة، ولم يُفَرِّقْ ولم يستفصِلْ بين كونها مميزة وغيرها، وحديث فاطمة
- رضي الله عنها - قد رُوي رَدُّها إلى العادة وردُّها إلى التمييز، فتعارضت
روايتاها، وبقيت الأحاديث الباقية خالية عن معارض، فيجب العمل بها، على
أن حديث فاطمة - رضي الله عنها - قضيةُ عين وحكايةُ حالٍ يحتمل أنها أخبرته
أنها لا عادة لها، أو علم ذلك من غيرها أو من قرينة حالها، وحديث عدي بن
ثابت عامٌّ في كل مستحاضة، كذا في ((المغني))(٣).
(١) انظر: ((الجوهر النقي)) على هامش ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٣٢٦/١).
(٢) (١٥٥/٧).
(٣) ((المغني)) (٤٠١/١).
٦١٠
---.

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٤) حديث
١٣٤/ ١٠٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّمَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتَْ فَاطِمَةُ بِنْتُ
أَبِي حُبَيْشٍ :
ومنها: أن اعتبار العادة في بعض الصور إجماعي بخلاف التمييز، قال
ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): وقد اتفق الجميع على أن من لها أيام
معروفة اعتبر أيامها لا لون الدم، اهـ.
ومنها: أن النفاس لا يعتبر فيه اللون كما في ((الجوهر النقي)) مع أنه
كالحيض في الأحكام.
ومنها: أنه يخالف الروايات الكثيرة كحديث عائشة - رضي الله عنها - لا
تعجلن حتى ترين القَصَّةَ البيضاء، وكحديث عمرة قالت: لا؛ حتى ترى البياض
خالصاً. أخرجه البيهقي. وغير ذلك من الروايات الكثيرة. والصواب الذي لا
معدل عنه أن العبرة باللون لا تثبت ولا في حديث واحد حق الإثبات.
١٠٤/١٣٤ - (مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) - رضي الله
عنها - (زوج النبي ◌َّل) أنها قالت: قالت فاطمة(١) بنت أبي حبيش) بضم الحاء
المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية آخرها شين معجمة، اسمه قيس بن
المطلب، القرشية الأسدية، قال العيني: ووقع في بعض نسخ مسلم:
عبد المطلب وهو غلط، وهي غير فاطمة بنت قيس القرشية الفهرية التي طلقت
ثلاثاً خلافاً لمن توهم أنها هي. والصواب أنها غيرها كما نبه عليه الحافظ في
(٢)
((الفتح))(٢).
واختلف العلماء في أنها كانت معتادة أو مميزة، ومال البيهقي في ((سننه
(١) انظر: ترجمتها في: ((تهذيب التهذيب)) (٤٤٢/١٢) و((تجريد أسماء الصحابة)) (٢٩٤/٢)
و(«أسد الغاية)) (٢١٨/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٣٢/١).
٦١١

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٤) حديث
الكبرى)) إلى أنها كانت مميزة، ولذا بوّب على رواياتها ((باب المستحاضة إذا
كانت مميزة)) ثم لم يكتف على ذلك، بل رجح الروايات الواردة في قصتها
بلفظ الإقبال والإدبار.
وأنت خبير بأنه لو ثبت لفظ الإقبال والإدبار في قصتها لا يجديهم
نفعاً؛ لأن المراد منه أيضاً إقبال الأيام وإدبارها، كما تقدم منا قريباً، وإلى
كونها مميزة مال الترمذي، إذ نقل عن أحمد وإسحق أن المستحاضة إذا
كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره، وإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن
يتغير إلى الصفرة، فالحكم فيها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش - رضي الله
عنها -. اهـ.
ولا يذهب عليك أن ما نقل عن أحمد الأصح في مذهبه خلافه كما تقدم
في بيان المذاهب، وأيّاً ما كان، فهذه المستحاضة مميزة عند المحدثين،
وعليها مدار من اعتبر التمييز، ولم يتحقق عندي، بل ولا يثبت دليل على كونها
مميزة، وعندي دلائل كثيرة صريحة في أنها كانت معتادة.
ومنها: حديث الباب فإن لفظ ((فإذا ذهب قدرها)) صريحة في كونها
معتادة، وهكذا رواه عمرو، وسعيد، والليث، وحماد بن سلمة عن هشام.
ومنها حديث فاطمة - رضي الله عنها - بنفسها. أخرجه أبو داود والنسائي
وغيرهما برواية المنذر عن عروة عن فاطمة - رضي الله عنها - ولفظه: ((فانظري
إذا أتاكٍ قرؤك فلا تصلي، وإذا مرَّ قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى
القرء)»، ومنها: حديث ابن أبي مليكة عند الحاكم ولفظه: ((قولي لها: فلتدع
في كل شهر أيام قرئها))، الحديث. وقال: صحيح على شرط مسلم،
ومنها: ما نقله الزيلعي (١) عن الدارقطني بسنده عن سليمان بن يسار أن
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٢٠٢/١).
٦١٢

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٤) حديث
فاطمة بنت أبي حبيش أمرت أم سلمة - رضي الله عنها - أن تسأل رسول الله وعلاجه
فقال: ((تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل))، الحديث. قال الدارقطني: ورواته
كلهم ثقات .
ومنها: ما نقله الزيلعي أيضاً عن ((مصنف ابن أبي شيبة)) بسنده عن
سليمان بن يسار أن امرأة أتت أم سلمة. الحديث، وفيه: ((تدع الصلاة أيام
أقرائها))، قال: وهذه المرأة هي فاطمة بنت أبي حبيش، اهـ.
ومنها: حديث أسماء عند أبي داود وغيره ولفظه: ((فأمرها أن تقعد الأيام
التي كانت تقعد ثم تغتسل)).
ومنها: أحاديث أم سلمة بجميع طرقها، فإنها ليس فيها إلا الرد إلى
العادة، قال ابن قدامة: وحديث أم سلمة - رضي الله عنها - إنما يدل على
العادة ولا نزاع فيه، اهـ. وسيأتي أن المراد في حديثها هي فاطمة - رضي الله
عنها - لا غير، ولذا اضطر البيهقي إلى أن قال: ويحتمل إن كانت تسميتها
صحيحة في حديث أم سلمة أن كانت لها حالان في مدة استحاضتها: حالة
تُمَيِّزُ فيها بين الدمين، فأفتاها بترك الصلاة عند إقبال الحيض، وحالة لا تُمَيِّزُ
فيها بين الدمين فأمرها بالرجوع إلى العادة.
وقال ابن قدامة(١): روي ردُّها إلى العادة، وردها إلى التمييز، فتعارضت
روايتاها، اهـ. وأنت تدري أن التعارض لم يجىء إلا من الذين حملوا لفظ
الإقبال على التمييز بدون دليل ولا قرينة، ولو حملوها على الأيام كما حملته
الحنفية ما اضطروا إلى تضعيف الروايات الكثيرة ولا طرح الأحاديث
الصحيحة. والله ملهم الرشد والصواب، وسيأتي بعض الروايات الأخر في
ذلك قريباً .
(١) ((المغني)) (١ /٤٠١).
٦١٣

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٤) حديث
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لا أَظْهُرُ، أَفَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَ
((إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ،
صَلى الله.
ـبسي
(يا رسول الله إني لا أطهر) أي لا ينقطع الدم عني، والظاهر أنها تفهم أن
الحائض لا تطهر إلا بانقطاع الدم، فكَنَتْ بعدم الطهر عن إرسال الدم
وجريانه. وفي رواية: ((إني أستحاض فلا أطهر))، فقولها: ((إني أستحاض))
بمنزلة العلة لقولها: ((فلا أطهر))، وهذا على زعمها، ويحتمل الطهارة اللغوي
أي عن القذر والدم.
(أفأدع الصلاة؟) بهمزة الاستفهام. قال الكرماني: إن قلتَ: الهمزة
تقتضي صدر الكلام، والفاء تقتضي المسبوقية، فكيف يجتمعان؟ قلت: عطف
على مقدر أي أيكون في حكم الحيض، فأترك الصلاة إلى انقطاع الدم؟ أو
الهمزة مقحمة أو توسطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على
الجملة، أو الهمزة باقية على صرافة الاستفهامية، لأنها للتقرير فلا تقتضي
(١)
الصدارة، قاله العيني
قال الزرقاني(٢): لكن ينافي هذا أن التقريري حمل المخاطب على
الاعتراف بأمر استقر عنده، فيؤكده ويقتضي أن يكون عالماً، وهي ههنا ليست
كذلك، قال العيني: سؤال عن استمرار حكم الحائض وفي حالة دوام الدم
وإزالته، وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة عن الصلاة، اهـ. (فقال
لها رسول الله ◌َ﴾) زاد في رواية أبي معاوية لا أي لا تتركي الصلاة (إنما ذلك)
بكسر الكاف (عرق) بكسر العين يسمى بالعاذل، ولا ينافيه ما سيأتي في كتاب
الحج في باب جامع الطواف؛ إِنما هو ركضة من الشيطان، وسيأتي الجمع
بينهما هناك.
واستدل بحديث الباب على أن المستحاضة لا يجب عليها الغسل لكل
(١) ((عمدة القاري)) (٢/ ٦٣٣).
(٢) (١٢٢/١).
٦١٤

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٤) حدیث
وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ؛ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ.
صلاة؛ لأن دم العرق لا يوجب غسلاً، قاله الزرقاني، وقال أيضاً: وما يقع في
كتب الفقه إنما ذلك عرق انقطع أو انفجر، فهي زيادة لا تعرف في الحديث.
قلت: أخرجه الدارقطني والبيهقي والحاكم بهذه الزيادة، قاله الشوكاني.
قال العيني: واستدل به بعض أصحابنا على نقض الوضوء بخروج الدم
من غير السبيلين؛ لأنه عليه السلام عَلَّلَ نقض الوضوء بخروج الدم من العرق،
وكل دم يبرز من البدن إنما يبرز من العرق؛ لأن العروق هي مجاري الدم من
الجسد، وما أورد عليه الخطابي رَدَّه العيني.
قلت: وفيه دليل على جواز الصلاة مع الجرح السائل، قال ابن رسلان:
وبه يقول الشافعي والمالكية وغيرهم، انتهى.
(وليست بالحيضة) بالفتح بمعنى الحيض على ما عليه أكثر المحدثين أو
كلهم، قال النووي: وهو متعين أو قريب من المتعين، وقال ابن رسلان عن
ابن حجر هو الرواية، اهـ. واختار الخطابي الكسر على إرادة الحالة، وقال:
المحدثون يقولون: بالفتح، وهو خطأ، والصواب الكسر، ورَدَّه القاضي وغيره
وقالوا: الأظهر الفتح؛ لأن المراد إذا أقبل الحيض.
(فإذا أقبلت الحيضة) قال النووي: يجوز ههنا الفتح والكسر معاً، وقال
الحافظ: وروايتنا الفتح في كلا الموضعين، ويعرف الإقبال عندنا الحنفية
بالعادة. ويعرف بلون الدم عند من قال بالتمييز، وتقدم مفصلاً (فاتركي الصلاة)
نهي لها عن الصلاة وهو للتحريم، ويقتضي فساد الصلاة وهو إجماع، قاله
الزرقاني، قال: وبعض السلف(١) يرون أن تتوضأ وقت الصلاة وتذكر الله
عز وجل، قال العيني: وتفسد الصلاة ههنا بإجماع المسلمين، ويستوي فيها
(١) كذا في ((الاستذكار)) (٢١٨/٣) قال ابن عبد البر: هو أمر متروك عند جماعة من الفقهاء
بل یکرهونه .
٦١٥

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٤) حديث
فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّي)).
أخرجه البخاري في: ٦ - كتاب الحيض، ٨ - باب الاستحاضة.
ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ١٤ - باب المستحاضة وغسلها وصلاتها،
حديث ٦٢.
الفرض والنفل، لظاهر الحديث. ويتبعها الطواف وصلاة الجنازة وسجدة الشكر
والتلاوة .
(فإذا ذهب قدرها) أي قدر أيام الحيضة، وهذا اللفظ أوفق بمن قال:
المراد به العادة، وأوّله من قال: بالتمييز بتوجيه، قال الزرقاني: أي ذهب قدر
الحيضة على ما قَدَّره الشارع، أو على ما تراه المرأة باجتهادها، أو على ما
تقدم من عادتها، احتمالات للباجي(١).
(فاغسلي عنك الدم) على الوجوب إن كان مقدار الدم مما لا يعفى،
وعلى الاستحباب إن كان مما يعفى، وقد تقدم الكلام على المعفو من الدم
والمذاهب فيه فلا تغفل (وصلي) أي بعد الاغتسال.
قال العيني: ظاهره مشكل لأنه لم يذكر فيه الغسل، ولا بد بعد انقضاء
الحيض من الغسل، وأجيب بأنه وإن لم يذكر في هذه الرواية فقد ذكر في رواية
أخری، اهـ.
قال ابن رسلان: حمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل المراد انقضاء
أيام الحيض مع الاغتسال، وجعل قوله: ((اغسلي عنك الدم)) على الدم الذي
يأتي بعد الغسل، قال ابن دقيق العيد: والجواب الصحيح أنها وإن لم يذكر فيه
الاغتسال لكنه المراد، اهـ.
قلت: قد وقع في رواية أبي أسامة عن هشام عند البخاري بلفظ ((ثم
(١) ((المنتقى)) (١٢٢/١) و((شرح الزرقاني)) (١٢٣/١).
٦١٦

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٤) حديث
٠٠٠
اغتسلي وصلي)) لكنه لم يذكر فيه غسل الدم، والحقيقة أن هذا اختلاف بين
تلامذة هشام، فبعضهم ذكروا غسل الدم فقط، وبعضهم الاغتسال فقط، وكلهم
ثقات، فيحمل على زيادة الثقة بأن كلهم اختصروا الروايات، وتركوا أحد
الأمرين لوضوحه عنده.
قال ابن رسلان: وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض
وإن كان الدم جارياً مجمع عليه، انتهى.
ثم ههنا اختلاف آخر في رواية الباب، وهو أنه زيد في بعض الروايات
بعده لفظ ((ثم توضئي لكل صلاة)) وهو أيضاً زيادة ثقة، وردّه النسائي، وقال:
تفرد به حماد بن زيد، قال مسلم في آخر الحديث لفظ ((تركناه))، قال البيهقي:
هو لفظ ((توضئي)) لأنها زيادة غير محفوظة، اهـ.
قلت: يأباه متابعة أبي معاوية عند البخاري، وأيضاً رواه الدارمي من
طريق حماد بن سلمة، والسراج من طريق يحيى بن سليم كلاهما عن هشام.
قال الحافظ في ((التلخيص))(١): رواه أبو داود وابن ماجه من حديث
وكيع، وفيه ((توضئي))(٢) ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣) وأبو داود والنسائي
من رواية محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة وفيه ((توضئي))، ومن طريق أبي
حمزة السكري عن هشام بن عروة بلفظ ((فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة))، وكذا
رواه الدارمي من حديث مراد بن سلمة، والطحاوي وابن حبان من حديث أبي
عوانة، وابن حبان من حديث أبي حمزة السكري.
(١) (٢٦٧/١).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة. رقم الحديث (٣٠٤) وابن ماجه رقم الحديث
(٦٢٠).
(٣) رقم الحديث (١٣٤٥) (٣١٨/٢).
٦١٧

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٤) حديث
ورواه أيضاً أبو داود وابن ماجه من طريق الأعمش عن حبيب عن عروة
عن عائشة وفيه ((الوضوء لكل صلاة)). وروى الحاكم من حديث ابن أبي ملكية
عن عائشة في قصة فاطمة «ثم لتغتسل في كل يوم غسلاً ثم الطهور عند كل
صلاة)) ولأصحاب السنن سوى النسائي من طريق عدي بن ثابت عن أبيه عن
جده مرفوعاً: ((أنه أمر المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل والوضوء
عند كل صلاة))، وإِسناده ضعيف. وعن جابر ((أن النبي ◌َّ أمر المستحاضة
بالوضوء لكل صلاة)) رواه أبو يعلى(١) بإسناد ضعيف، ومن طريقه البيهقي(٢)،
وعن سودة بنت زمعة نحوه رواه الطبراني، انتهى.
فهذه المتابعات كلها ترد تفرد حماد بن زيد، وتأبى ضعف زيادة لفظ
((فتوضئي)) فالأمر بالوضوء لكل صلاة أيضاً زيادةٌ من الثقات في هذا الحديث،
إلا أنهم اختلفوا في أن المراد به الوضوء عند أداء صلاة أو وقت صلاة،
وسيأتي الكلام علیه.
قال الزرقاني(٣): إن في الحديث دلالة على أن المرأة إذا ميزت دم
الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا
انقضى قدره اغتسلت، انتهى.
وأنت خبير بأن هذا توجيه لتأييد مذهبه لأنه لو سُلِّم دلالة لفظ الإقبال
على التمييز على اصطلاحهم لا يمكن حمل قوله ويلقى: ((إِذا ذهب قدرها)) على
الإدبار، بل هو بمنزلة النص في مقدار الأيام، وقد تقدم أن فاطمة كانت
معتادة، كما يدل عليه ملاحظة الروايات بأسرها، وأصرح ما فيها روايتها
(١) أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٨٠/١).
(٢) رواه البيهقي: (٣٤٧/١، ٣٤٨).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٠٢٢/١).
٦١٨

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٤) حديث
بنفسها عند أبي داود وغيره إذ قال لها النبي ◌َّلة: ((إذا أتى قرؤك فلا تصلي فإذا
مر قرؤك فتطهري))، وفي الأخرى: ((فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم
تغتسل)) ولذا قال الطحاوي: لأن فاطمة كانت أيامها معروفة.
ونقل الزيلعي عن ابن حبان بسنده إلى عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش
أتت النبي ◌َّل) فقالت: ((يا رسول الله إني أستحاض الشهر والشهرين، فقال:
ليس ذاك بحيض، ولكنه عرق، فإذا أقبل حيضك فدعي الصلاة عدد أيامك
التي كنت تحيضين، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة)). فهذا نص في
أن المراد بالإقبال إقبال الأيام فلا بد أن ترجع روايات الإقبال والإدبار كلها
إلى الأيام لئلا تتضاد الروايات.
وأنت تعرف أن إرجاع روايات الإقبال والإدبار إلى قدر الأيام أهون
أيضاً من إرجاع روايات القدر إلى التمييز؛ لأن روايات القدر والأيام نص في
مؤداها بخلاف الإقبال والإدبار، فهو مجرد اصطلاحهم، ولذا ترى المحدثين -
سامحهم الله عز وجل - حاولوا طرح الأحاديث الدالة على الأيام ظناً منهم أنها
تخالف روايات الإقبال والإدبار الدالة على التمييز فتأمل.
والمحدثون - رحمهم الله - ما طرحوا الروايات الواردة في قصة فاطمة
فقط، بل اضطروا لاصطلاحهم هذا إلى طرح الروايات الواردة في النساء
الأخر، فإن أم حبيبة عندهم معتادة، فلما ورد في بعض طرق حديثها ذكر
الإقبال والإدبار ضعفوها، قال البيهقي بعد ذكر حديث الأوزاعي بسنده في قصة
أم حبيبة: وقوله: ((إذا أقبلت وأدبرت))، تفرد به الأوزاعي من بين ثقات
أصحاب الزهري، والصحيح أن أم حبيبة كانت معتادة، اهـ. فأثبت الغرابة في
حديث الأوزاعي لكونه مخالفاً لمصطلحهم وإلا فلا مخالفة كما حققنا لك.
والعجب من العلامة الزرقاني، أنه ذكر أصلاً تحت الحديث الآتي، وهو
أن الجمع بين الدليلين ولو من وجهٍ أولى من طرح أحدها، ولم يلتفت إلى ذاك
الأصل ههنا، وراعاه الحنفية إذ جمعوا بين الروايات.
٦١٩

٢ - كتاب الطهارة
(٢٩) باب
(١٣٥) حديث
١٠٥/١٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عن نَافِع، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
يَسَارِ، عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ
وفي ((المنتقى))(١): قال القاضي أبو الوليد: الحديث عندي يحتمل
وجهين: أحدهما؛ أن تكون من أهل التمييز، والثاني؛ من غير أهل التمييز،
فإذا رأت الدم تركت الصلاة قدر أمد أكثر الحيض، فإذا انقضى اغتسلت
وصلَّتْ وكانت مستحاضة، فيكون إقبال الحيضة أول ما ترى الدم، وإدبارها
عند التقدير لها، انتهى بقدر الحاجة.
فعلم منه أن حديث الباب عند المالكية أيضاً ليس بنص في المميزة، بل
يحتمل الوجهين، وتقدم من كلام ابن قدامة من الحنابلة، ومن كلام البيهقي من
الشافعية أن أحاديث فاطمة تحتمل العادة والتمييز معاً، فالحمل على المعتادة
أولى لتتفق الروايات، ولذا حملها الطحاوي على المعتادة، ومما يؤيدها الرواية
الآتية أيضاً فإنها لا تحتمل غير الاعتياد، قال ابن قدامة في ((المغني)): وحديث
أم سلمة إنما يدل على العادة ولا نزاع فيه، اهـ. وقد صرح جمع من الفحول
أن المراد بالمبهمة فيها المسؤولة عنها، هي فاطمة، فكونها معتادة مما لا
يمكن الإنكار عنه.
١٠٥/١٣٥ - (مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة زوج
النبي ◌َّ-18) كذا رواه مالك وأيوب، ورواه صخر بن جويرية والليث وعبيد الله بن
عمر عن نافع عن سليمان عن رجل عن أم سلمة - رضي الله عنها - أخرج
روايتهم أبو داود فزادوا فيه رجلاً، قال النووي في ((الخلاصة)): حديث
صحيح، ولم يعرج إلى دعوى الانقطاع، قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢): قال
النووي: على شرطهما، وقال البيهقي: هو حديث مشهور إلا أن سليمان لم
(١) ((المنتقى)) (١٢٢/١).
(٢) (٢٧١/١).
٦٢٠