Indexed OCR Text
Pages 521-540
٢ - كتاب الطهارة
(١٩) باب
(١٠٨) حديث
وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ.
ورد متصلاً عن عائشة:
أخرجه البخاري في: ٥ - كتاب الغسل، ٢٧ - باب الجنب يتوضأ ثم ينام.
ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٦ - باب نوم الجنب واستحباب الوضوء له
وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع، حديث ٢١ و ٢٢.
٧٨/١٠٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ، كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، أَوْ يَْعَمَ، وَهُوَ جُنُبُ، غَسَلَ وَجْهَهْ
وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ طَعِمَ، أَوْ نَامَ .
وضوءه للصلاة) وفي الصحيحين عنها، واللفظ لمسلم (١): أنه لو كان إذا أراد أن
ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. وفي الحديث تنبيه على أن الوضوء
في الأحاديث ليس بمعنى النظافة والغسل، بل الوضوء المصطلح الشرعي.
٧٨/١٠٨ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان
إذا أراد أن ينام أو يطعم، وهو جنب، غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح
برأسه) ولم يغسل رجليه كما هو الظاهر، وصرح به الطحاوي، ويؤيده ما روي
عن ابن عمر - رضي الله عنه - من قوله أخرجه الطحاوي (ثم طَعِمَ أو نام) قال
الباجي: وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يُسَوِّي بينهما أي النوم والطعام، وبه
قال عطاء، وأما مالك فقال: لا يتوضأ إلا من أراد أن ينام فقط، وأما من أراد
أن يطعم أو يعاود الجماع فلم يؤمر بالوضوء، انتهى.
وقال ابن عبد البر(٢): أَتْبَعَه بفعل ابن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان لا
يغسل رجليه إعلاماً بأن هذا الوضوء ليس بواجب، ولم يعجب مالكاً فعل ابن
عمر، انتهى.
(١) حديث (٦٨٦).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٩٧/٣).
٥٢١
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١٠٩) حديث
(٢٠) باب إعادة الجنب الصلاة
وغسله إذا صلى ولم يذكر، وغسله ثوبه
٧٩/١٠٩ - حدّثني يَحْيَىُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي
حکِیم؛
قلت: الظاهر أن ابن عمر - رضي الله عنه - بعدما أمره النبي {َاليوم
بالوضوء لم يتركه إلا لبيان الجواز، واستدل الطحاوي بفعله هذا على نسخ
الوضوء في الأكل خاصة مع أن الحديث كما يدل على نسخ الوضوء للأكل
يدل على نسخه للنوم أيضاً، بل دلالته في النوم أصرح، لأن ابن عمر - رضي الله
عنه - أمر بالوضوء في النوم خاصة، فالظاهر أن فعل ابن عمر - رضي الله عنه -
هذا ليس إلا لبيان جواز ترك الوضوء الشرعي، وما قيل: من أنه يمكن أن
يكون لعذر كما اختاره الحافظ في ((الفتح)» (١) لاحتمال أن يكون لما قد فُدِعَ في
خيبر في رجليه فلا يجدي نفعاً، كيف وكان عليه إذ ذاك المسح على الجبيرة أو
الرجل، فتأمل.
(٢٠) إعادة الجنب الصلاة
(وغسله) بالرفع (إذا) ظرفية (صلى و) الحال أنه (لم يذكر) أي الجنابة
(وغسله) بالرفع أي بيان غسله (ثوبه) الذي أصابه المني.
٧٩/١٠٩ - (مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم) القرشي مولاهم المدني،
وثقه ابن معين والنسائي، كان عاملاً لعمر بن عبد العزيز، مات سنة ١٣٠هـ(٢)
له مرفوعاً في ((الموطأ)) أربعة أحاديث، أحدها سند متصل يأتي في كتاب الصيد
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٩٢/١).
(٢) وما في الطبع الأول من ١٠٣ هـ غلط من الناسخ، اهـ (ش)).
٥٢٢
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١٠٩) حديث
أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَجَ، كَبَّرَ فِي صَلاَةٍ مِنَ
الصَّلَوَاتِ ،
والثلاثة منقطعة، كذا في ((التدريب)) (أن عطاء بن يسار) مولى ميمونة (أخبره)
مرسلاً وأخرجه(١) الشيخان وأبو داود والنسائي من طريق الزهري عن
أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه، وأخرجه أبو داود من طريق مالك هذا
مرسلاً ومن حديث أبي بكرة موصولاً (أن رسول الله (مَّ# كبر) تكبيرة الإحرام
(في صلاة من الصلوات) روى أبو داود وابن حبان برواية أبي بكرة أنها صلاة
الصبح.
ويعارض الحديث ما في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة: أنه اَلّ خرج
وقد أقيمت الصلاة وعُدِّلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه، وانتظرنا أن
يكبر، فانصرف، وفي رواية لمسلم عن الزهري، ((قبل أن يكبر فانصرف))
ويمكن الجمع بأن يقال: إن معنى قوله: ((كبر)) في حديث الباب مؤوَّلٌ بأن
أراد أن يكبر، ولكن الظاهر أنهما واقعتان، أبداه عياض والقرطبي احتمالا ،
وقال النووي: هو الأظهر، وبه جزم ابن حبان، ويؤيده تغاير سياق
الروايتين .
قال الحافظ في ((الفتح)) (٢) بعد ذكر أحاديث الصحيح: فيه دليل على أنه
انصرف قبل أن يدخل في الصلاة، وهو معارض لرواية أبي داود وغيره،
ويمكن الجمع بحمل قوله: ((كبر)) على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان فإن
ثبت وإلا فما في ((الصحيح)) أصح، انتهى.
(١) أخرجه البخاري ح (٦٣٩ و٦٤٠)، ومسلم ح (١٥٧ و١٥٨)، وأبو داود (٢٣٣)، والنسائي
ح (٧٩١).
(٢) (فتح الباري)) (١٥١/٢).
٥٢٣
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١٠٩) حديث
ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنِ امْكُثُوا. فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُّ
الْمَاءِ.
(ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا) وفي رواية الصحيح عن أبي هريرة فقال
لنا: ((مكانكم))، وفي رواية للبخاري ثم قال: ((على مكانكم))، وفي رواية لأبي
داود ثم قال: ((كما أنتم)) (فذهب ثم رجع) بعد إزالة الحدث (وعلى جلده أثر
الماء) أي ماء الغسل أو الوضوء.
اعلم أن تحت أحاديث هذه القصة جزئيات كثيرةً وسيعةَ الاختلاف
بين الأئمة من أن صلاة الإمام صحيحة أم لا؟ وصلاة المأمومين صَحَّت
أو فسدت؟ وتكبير المأموم قبل الإمام جائز أم لا؟ وهل يتيمَّمُ الجنب
للخروج من المسجد أم لا؟ وغير ذلك، فإن هذه المباحث على أنها لا
يسعها هذا المختصر لا تعلق لها بحديث الباب أيضاً، لأن الحديث عندنا
كما سيجيء من كلام الإمام محمد محمول على سبق الحدث في
الصلاة .
وجملة الكلام أن رواية ((الموطأ)» هذه، ورواية الصحيحين المذكورة
لو حملتا على أنهما واقعة واحدة فلا إشكال أصلاً؛ لأن النبي وَ لّ ما
كَبَّر بعد، ومن قال: دخل في الصلاة وكَبَّرَ، فهو مؤول بالإرادة كما
تقدم، إلا أن الظاهر عندي أنهما واقعتان مختلفتان. ولما كان عند
الإمام مالك حكم الحديث السابق واللاحق واحداً يعني إذا صلى الإمام
ناسياً محدثاً أوجنباً ثم تذكر، وكذلك إذا أحدث في وسط الصلاة، ففي
كلا الحالين تفسد صلاته عند المالكية، ولا يجوز البناء، فلذا ذكر هذا
الحديث في إعادة الصلاة؛ لأن لفظ ((كبر)) لو حمل على ظاهره، فيبطل
الصلاة عند المالكية أيضاً، ويجب الإعادة، فيصح إدخال الحديث في
باب الإعادة.
٥٢٤
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١٠٩) حديث
قال ابن رسلان: قال ابن عبد البر (١): جملة قول مالك وأصحابه في
إمام أحرم بقوم، فذكر أنه جنب أو على غير وضوء أنه يخرج، ويُقَدِّمُ رجلاً،
فإن خرج، ولم يقدم أحداً قدموا لأنفسهم من يُتُّ بهم الصلاة، فإن لم يفعلوا
أو صلوا فرادى أجزأتهم صلاتهم، فإن انتظروه ولم يقدموا أحداً فسدت
صلاتهم، ثم قال: ومن قال: إنهم يمكثون حتى يرجع، فيتم بهم ليس بوجه،
إنما الوجه حتى يرجع فيقتدي بهم، ولا يتم بهم على أصل مالك لأن إحرام
الإمام لا يجزئه بإجماع العلماء، فإنه فعله على غير طهور، اهـ. وقال
القرطبي: لما رأى مالك هذا الحديث مخالفاً لأصل الصلاة قال: إنه خاصٌّ
بالنبي وَ لّر، انتهى.
وأما عندنا الحنفية فحديث الباب عندنا ليس من باب الجنابة، بل من
باب سبق الحدث في الصلاة، ولذا أدخله الإمام محمد في ((موطئه)) في هذا
الباب، وقال فيه: قال محمد: وبهذا نأخذ، من سبقه حدث في صلاة فلا بأس
أن ينصرف، ولا يتكلم، فيتوضأ، ثم يبني على ما صلَّى، وأفضل ذلك أن
يتكلم ويتوضأو يستقبل صلاته، وهو قول أبي حنيفة، انتهى.
وليست هذه قصة الجنابة المذكورة في ((الصحيحين)) وغيرهما، وإيرادات
العلامة عبد الحي في حاشية ((الموطأ)) من المستغربات، فإن حمل الحديث
على معنى يخالف جميع الأمة، ويخالف أصول الصلاة من القبائح كما ترى،
وقد تقدم أن عياضاً والقرطبي والنووي وابن حبان كلهم قالوا: بتعدد القصة،
فلا مانع من أن تحمل رواية ((انتظرنا تكبيره)) على قصة الجنابة، ورواية (كَبَّر))
على الحدث في الصلاة، وما أورد الشيخ عبد الحي في ((التعليق الممجد)) (٢)
على استنباط الإمام محمد فمبني على وحدة القصتين إلا قوله: ولم ينقل أنه
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٠٧/٣) و((التمهيد)) (١٨٥/١).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥٢٣/١).
٥٢٥
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٠) حديث
٨٠/١١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ،
استخلف أحداً، وأنت خبير بأن اتحاد القصتين خلاف ما عليه الجمهور، وعدم
النقل لشيء يغاير نقل العدم، والحجة في الثاني دون الأول.
واستدل ببعض ألفاظ الرواية على جواز تقديم تحريمة المقتدي، وأنت
خبير بأن حديث الباب ساكت عنه، فلذا أعرضنا عنه الكلام، وسيأتي شيء من
اختلاف الأئمة في هذه المسألة في: ((باب ما يفعل من رفع رأسه قبل الإمام))
وحديث الباب في حمله على قصة الجنابة مع شروع الصلاة مشكل على
الجمهور كلهم كما تقدم من أقوال الحنفية والمالكية.
قال ابن رسلان: وقال الشافعي: لو أن إماماً صلى ركعة، ثم ذكر أنه
جنب، فخرج واغتسل وانتظره القوم، وبنى على الركعة الأولى فسدت عليه
وعليهم صلاتهم لأنهم يأتمُّون به عالمين أن صلاته فاسدة، وليس له أن يبني
على ركعة صلاها جنباً، ولو علم بعضهم دون بعض فسدت صلاة من علم، اهـ.
قلت: وكذلك عند الحنابلة، قال في ((الروض المربع)) (١): ولا تصح
الصلاة خلف مُحْدِث ولا متنجّس يعلم ذلك، فإن جهل هو ومأموم حتى
انقضت صحت الصلاة لمأموم وحده، وإن علم هو والمأموم فيها استأنف
الصلاة، انتهى.
فعلم أن حديث الباب في حمل قوله: ((كَبَّرَ)) على معناه الحقيقي لا يوافق
أحداً من الأئمة فإما أن يحمل على المجاز من قوله: ((أراد أن يكبر)) كما قاله
الحافظ، أو يحمل على إبداء الحديث في تعدد القصة كما هو رأي الإمام
محمد .
٨٠/١١٠ - (مالك عن هشام بن عروة) زاد في بعض الهوامش بعد ذلك
نسخة (عن أبيه)) ومتون النسخ كلها خالية عن هذه الزيادة، وكذا الشراح من
(١) (٢٥١/١).
٥٢٦
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٠) حدیث
عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ؛ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى
الْجُرُفِ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدِ احْتَلَمَ،
الزرقاني والسيوطي وغيرهما لم يذكروا هذه الزيادة، والصواب وجودها؛ فإن
أهل الرجال ذكروا تلميذ زييد عروة دون هشام، والأثر أخرجه الطحاوي عن
مالك وغيره كلها بطريق: هشام بن عروة عن أبيه عن زييد، وكذا حكاه الحافظ
عن مالك، فتأمل وتشكر.
(عن زييد) بضم الزاي ومثناتين من تحت كما ضبطه الزرقاني وغيره،
وكذا ذكره الحافظ في ((الإصابة)) وغيره في زي ومن ذكره في زب متوهماً عن
نسخ الكتاب، فتوهم (ابن الصلت) بن معد يكرب الكندي أخو كثير بن
الصلت، وُلد في عهد رسول الله ◌َّ، قال الحافظ: الموصوف بالولادة في
العهد النبوي أخوه كثير بن الصلت، قال ابنُ الحذّاء: هو قاضي المدينة، قال
الحافظ: كذا قال وهو بعيد، وأظن قاضي المدينة ولده الصلت بن زييد، تقدم
روايته في المذي.
(أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (إلى الجرف)
بضم الجيم والراء آخره فاء كذا ضبطه الحافظ والسيوطي، وقيل: بسكون الراء
كما قال به المجد. موضع على ثلاثة أميال من المدينة جهة الشام، وهو في
اللغة: ما جرفته السيول، وأكلته من الأرض، وقيل: جمع جرفة بكسر الجيم
وفتح الراء، وكان فيها أموال أهل المدينة، ويعرف ببئر جشيم وبئر جمل،
بالجيم والميم المفتوحتين كذا في ((الفتح الرحماني))، والظاهر أنه كان فيها
أموال عمر - رضي الله عنه - أيضاً كما سيأتي.
(فنظر) في ثوبه (فإذا هو قد احتلم) يعني رأى على ثوبه من أثر المني ما
دله على الاحتلام، قال العيني: مشتق من الحلم بالضم، وهو ما يراه النائم،
تقول منه: حَلَم بالفتح واحتلم، والحلم بالكسر الأناة. تقول منه: حلم بالضم.
٥٢٧
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٠) حدیث
وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَانِي إِلاَّ قَدْ احْتَلَمْتُ وَمَا
شَعَرْتُ، وَصَلَّيْتُ وَمَا اغْتَسَلْتُ. قَالَ: فَاغْتَسَلَ، وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي
تَوْبِهِ، ونَضَحَ مَا لَمْ يَرَ،
وقال الراغب في ((المفردات))(١): قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ
الْحُلُمُ﴾(٢) أي زمان البلوغ، وسمي الحلم لكون صاحبه جديراً بالحلم، ويقال:
حلم في نومه يحلم حلماً، وتحلّم واحتلم، اهـ. وقال المجد: الحلم بالضم،
وبضمتين الرؤيا جمعه أحلام، حلم في نومه واحتلم وتحلم والاحتلام الجماع
في النوم، اهـ.
وقال ابن العربي(٣): الاحتلام رؤية الحلم في النوم، وهو الماء الذي
يخرج من الرجل، فيدل على كمال حلمه وعقله (وصلى) في تلك الحالة (ولم
يغتسل) لعدم الشعور بالاحتلام (فقال: والله ما أراني إلا قد احتلمت وما
شعرت) بفتحتين أي ما علمت. الظاهر أنه لم يتذكر احتلامه (وصليت) إطلاق
الصلاة عليه مجاز لأنها لم تنعقد لفوت الشرط (وما اغتسلت، قال) زييد
(فاغتسل وغسل ما) موصولة (رأى في ثوبه) من أثر الاحتلام (ونضح) أي رش
(ما لم ير فيه أذى) لأنه شَكّ هل أصابه المني أم لا؟ فرَشَّه أو غسله خفيفاً
احتياطاً، قال الباجي(٤): هذا حكم ما يشك فيه من الثياب أن تنضح في قول
مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تنضح، وهو محمول على الطهارة،
انتھی .
وقال في ((مختصر الخليل)): وإن شك في إصابتها الثوب وجب نضحه،
(١) (مفردات القرآن)) (ص٢٥٣).
(٢) سورة النور الآية: ٥٩.
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (١٧٢/١).
(٤) ((المنتقى)) (١٠١/١).
٥٢٨
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٠) حديث
وإن ترك أعاد الصلاة كالغسل لا إن شك في نجاسة المصيب، اهـ. وقال في
((مختصر الأخضري)) في مذهب المالكية أيضاً: إذا تعينت النجاسة غسل
محلها، فإن التبست غسل الثوب كله، ومن شك في إصابة النجاسة نضح، وإن
أصابه شيء شك في نجاسة لا نضح علیه، انتهى.
قال ابن قدامة في ((المغني))(١): وإذا خفي موضع النجاسة من الثوب
استظهر حتى يتيقن أن الغسل قد أتى على النجاسة، وبهذا قال النخعي
والشافعي ومالك وابن المنذر، وقال عطاء والحكم وحماد: وإذا خفيت
النجاسة نضحه كله، وقال ابن شبرمة: يتحرَّى مكان النجاسة فيغسله، اهـ.
ولا يذهب عليك أن النقل عن مالك لا يصح لما تقدم من خلافه
- رضي الله عنه - في ذلك، وسيأتي من كلام الزرقاني أيضاً ما ينص على
وجوب النضح عندهم. قلت: فيحتمل أن يكون مذهب عمر - رضي الله عنه -
مثل ما قاله مالك - رضي الله عنه -، ويحتمل أنه رشّه دفعاً للوسواس وتطييباً
للقلب، ويحتمل أن يراد بالنضح الغسل الخفيف، كما هو متعارف.
وفي (التنوير)): نضح ما لم ير فيه أثراً مبالغة في التنظيف، وفيه دليل على أن
من انتبه فرأى منياً ولم يذكر احتلاماً فعليه الغسل، وهو إجماع. قال ((المغني)) (٢):
لا نعلم فيه خلافاً، وكذا قال غيره، لكن قال ابن العربي: وذهب جميع العلماء
إلى أن عليه الغسل. وقال الشافعي: متى رأى الماء الدافق ولم يذكر احتلاماً فلا
يجب عليه الغسل، ولكنه يستحب، واختلف أصحابنا في تأويله، فمنهم من قال:
هو ثوب يلبسه هو وغيره، ومنهم من قال مطلقاً، والصحيح وجوب الغسل إذا لم
يلبسه غيره؛ لأنه يقطع على أنه منه، والنسيان ممكن، ولا يرى الشافعي بخروج
المني بدون الشهوة غسلاً، فلذلك أسقطه ههنا، اهـ.
(١) (٤٨٩/٢).
(٢) (٢٦٩/١).
٥٢٩
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٠) حديث
وقال ابن رسلان، لا يجب عليه الغسل عندنا إلا أن يتذكر الاحتلام
أيضاً، انتهى. وأيضاً فيه دليل على نجاسة المني، وهو مختلف عند العلماء إلا
أن الجمهور على نجاسته كما سترى، قال النووي: فذهب مالك وأبو حنيفة
إلى نجاسته إلا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابساً. وقال
مالك: لا بد من غسله رطباً ويابساً، ومذهب الشافعي وأهل الحديث أنه
طاهر، وغلط من أوهم أن الشافعي منفرد فيه، ولنا قول شاذٌ: إن مني المرأة
نجس دون الرجل، وأشدّ منه أن مني الرجل والمرأة نجس، اهـ مختصراً.
وقال ابن قدامة: اختلفت الروايات عن أحمد في المني، فالمشهور أنه
طاهر (١)، وعنه أنه كالدم أي أنه نجس، ويعفى عن يسيره، وعنه أنه لا يعفى عن
يسيره، ويجزىء فرك يابسه على كل، والرواية الأولى هي المشهورة في المذهب.
وقال أصحاب الرأي: هو نجس، ويجزىء فرك يابسه، لما روت عائشة ((أنها
كانت تغسل المني من ثوب رسول الله وَلّر، قالت: ثم أرى فيه بقعة أو بقعاً)) وهو
حديث صحيح. قال صالح: قال أبي: غسل المني من الثوب أحوط، وأثبت في
الرواية، وقد جاء الفرك أيضاً، وعن عائشة (٢) أن النبي ◌َ ◌ّير قال في المني يصيب
الثوب: ((إن كان رطباً فاغسليه وإن كان يابساً فافركيه))، وهذا أمر يقتضي
الوجوب، لأنه خارج معتاد فأشبه البول، اهـ مختصراً .
قلت: وقد استدل الحنفية في ذلك بروايات لا تحصى: منها: حديث
سليمان بن يسار قال: سألت عائشة - رضي الله عنها - عن المني يصيب
الثوب؟ فقالت: كنت أغسله من ثوب رسول الله وَل# الحديث. أخرجه الشيخان
وغيرهما، وفي جوابها في سؤال المني حجة ظاهرة. ومنها: حديث ميمونة في
(١) وفي ((الاستذكار)) (١١٤/٣) والمني عند أبي ثور وأحمد وإسحاق وداود طاهر كقول
الشافعي ويستحبون غسله رطباً وفركه يابساً.
(٢) أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٥).
٥٣٠
٠ -
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٠) حديث
صفة غسله وَ* وفيه: ((ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله
الأرض، فدلكها دلكاً شديداً))، الحديث، أخرجه أيضاً الشيخان وغيرهما.
وأنت خبير بأن غسل اليد على وجه المبالغة هكذا بعد غسل الفرج لا
يدل إلا على إزالة النجاسة.
ومنها: حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أنه تصيبه الجنابة في الليل
فقال وَلّ: ((توضأ واغسل ذكرك، ثم نَمْ))، رواه الشيخان وجماعة وتقدم في
((الموطأ)). ومنها: حديث معاوية أنه سأل أم حبيبة هل كان رسول الله، وعلى
يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أذىًّ. رواه أبو
داود وآخرون، قال النيموي: وإسناده صحيح، قلت: وهذا نص في الباب.
ومنها: ما سيأتي من أثر عمر - رضي الله عنه - برواية ابن حاطب، وفيه
حجة على نجاسته بوجوه كما سيجيء في محله، قال النيموي: وإسناده
صحيح. ومنها: فتوى عائشة أنها قالت في المني إذا أصاب الثوب: إذا رأيته
فاغسله، وإن لم تره فانضحه، رواه الطحاوي، وإسناده صحيح.
ومنها: فتوى أبي هريرة إذ قال: إن رأيته فاغسله وإن لم تره فانضحه، رواه
الطحاوي، وإسناده صحيح. وغير ذلك من الآثار ذكرها الشوق في ((آثار السنن))(١).
وعلم بهذا كله أن نجاسة المني مذهب الجمهور، فإن الحنفية والمالكية
لم يختلفوا في نجاسته، والشافعي وأحمد ذهبا إلى طهارته، لكن إحدى
الروايات من كل منهما بنجاسته، حتى إن أحمد في إحدى رواياته لا يعفى عن
يسيره أيضاً، فمن قال: إن الطهارة قول الجمهور فقد غفل عن مذاهب الأئمة،
وليس للقائلين بالطهارة دليل، قال النووي: دليل القائلين بالنجاسة روايات
الغسل، ودليل القائلين بالطهارة روايات الفرك، اهـ.
وأنت تدري أن الفرك لو دل على الطهارة لزم طهارة دم الحيض، وطهارة
(١) (١/ ٤٠ و٤١).
٥٣١
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١١ - ١١٢) حديث
وَأَذَّنَ أَوْ أَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى مُتَمَكِّناً .
٨١/١١١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي
حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ
بِالْجُرَّفِ، فَوَجَدَ (١) فِي ثَوْبِهِ احْتِلاماً. فَقَالَ: لَقَدِ ابْتُلِيتُ بِالاحْتِلاَمِ
مُنْذُ وُلِّيتُ أَمْرَ النَّاسِ. فَاغْتَسَلَ، وَغَسَلَ مَا رَأَىَ فِي ثَوْبِهِ مِنَّ
الاحْتِلاَم، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
٨٢/١١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
كل النجاسة التي اختلطت بالنعل وغيره ذلك، فإنه وقع الفرك في أمثال هذا
كثير، (ثم أذن وأقام) بالواو في أكثر النسخ، وفي بعضها بالشك. وكذا بالشك
ضبطه الزرقاني، وأخرجه الطحاوي بطريق مالك بلفظ الواو (ثم صلى بعد
ارتفاع الضحى متمكناً) في الارتفاع أو متمكناً في غسله وفعله كله.
٨١/١١١ - (مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم) القرشي (عن سليمان بن
يسار) الهلالي (أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (غدا) أي ذهب أول النهار
(إلى أرضه بالجرف) فيه دليل على أن من ولي شيئاً من أمور المسلمين له أن
يخرج إلى أرضه، ويتعاهد ضيعته وأمور دنياه؛ لئلا يؤدي إلى ضياعه وفساده
(فرأى في ثوبه احتلاماً) أي أثره من المني (فقال: لقد ابتليت) ببناء المجهول
(بالاحتلام منذ وليت أمر الناس) وذلك لأنه - رضي الله عنه - لاشتغاله بأمرهم
ليلاً ونهاراً ما اشتغل بالنساء فكثر الاحتلام، وقيل: إن ابتلائه كان لأمر آخر،
لكن كان وقته ذاك، فعبر به (فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه من) أثر (الاحتلام)
وهو المني (ثم صلى بعد أن طلعت الشمس) وعلت كما مر في الرواية المتقدمة.
١١٢/ ٨٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب)
(١) في نسخة (ش) ((فرأى)).
٥٣٢
----
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٢) حديث
صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ. ثُمَّ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ. فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ
احْتِلاَماً. فَقَال: إِنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لاَنَتِ الْعُرُوقُ. فَاغْتَسَلَ،
وَغَسَلَ الاخْتِلاَمَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَعَادَ لِصَلاَتِهِ .
- رضي الله عنه - (صلى بالناس الصبح) مع الجماعة (ثم غدا إلى أرضه بالجرف
فوجد في ثوبه احتلاماً فقال: إنا لما أصبنا الودك) بفتحتين دسم اللحم والشحم
(لانت) من اللين (العروق) قيل: لما كان يطعمه الوفود ويأكل معهم استئلافاً،
لكن المشهور أنه - رضي الله عنه - لم يتغير من حاله شيء بالولاية. ولم
يصطنع لهم إلا ما كان يأكله بنفسه تعليماً لهم وإنكاراً على السرف، وقيل: قد
كان امتنع من أكل الودك والسمن لما أجدب الناس، وقال: لنصبرن على أكل
الزيت ما دام السمن يباع بالأواقي، وجعل على نفسه أن لا يأكل سمناً حتى
يأكله جميع الناس، ثم لما أخصب فعاد فأكل السمن، قاله الباجي(١) (فاغتسل
وغسل الاحتلام من ثوبه وعاد لصلاته).
واختلف العلماء فيمن صلى خلف جنب أو محدث وهو ناسٍ فلم يعلم
هو ولا المأمومون حتى فرغوا من الصلاة، فقال الأئمة الثلاثة: إن صلاة
الإمام باطلة وصلاتهم صحيحة، وروي عن علي أنه يعيد ويعيدون، وبه قال
ابن سيرين والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه، كذا في ((المغني)).
وقال الزرقاني(٢): لا إعادة على من صلى خلف جنب أو محدث إذا لم
يعلموا وكان الإمام ناسياً، فإن كان عالماً بطلت صلاتهم. وقال الشافعي :
صحيحة في الوجهين إذا لم يعلموا، لأنهم لم يكلفوا علم حال الإمام، ويأثم
هو في العمد دون السهو. وقال أبو حنيفة: باطلة في الوجهين لارتباط صلاة
المأموم بصلاة الإمام، اهـ.
قلت: واستدل بأثر عمر - رضي الله عنه - من قال: لا إعادة على المقتدين
(١) ((المنتقى)) (١٠١/١).
(٢) (١٠١/١) وكذا في ((الاستذكار)) (١١٨/٣).
٥٣٣
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٢) حديث
بأنه - رضي الله عنه - أعادها وحده. قال الباجي وابن عبد البر: ذكر مالك
حديث عمر - رضي الله عنه - بعدة طرق ليس في شيء منها أنه صلى بالناس
إلا في طريق يحيى بن سعيد وهو أحسنها، انتهى.
قلت: ولا دليل فيه أنه ما أمرهم بالإعادة إذا رجع من الجرف، بل في
رواية عبد الرزاق تصريح بالإعادة، فإنه روى بسنده عن القاسم عن أبي أمامة
قال: صلى عمر - رضي الله عنه - بالناس وهو جنب، فأعاد، ولم يعد الناس،
فقال له علي - رضي الله عنه -: قد كان ينبغي لمن صلى معك أن يعيدوا،
قال: فرجعوا إلى قول علي، قال القاسم: وقال ابن مسعود مثل قول علي، اهـ.
كذا في ((الزيلعي)) (١).
ولا يذهب عليك أن في قوله: ((فرجعوا إلى قول علي)) إيماء إلى إجماع
الناس على ذلك.
واستدل الحنفية أيضاً بقوله ◌ٍَّ: ((الإمام ضامن)) أخرجه أبو داود(٢)
والترمذي قيل: في سنديهما اضطراب. لكن رواه أحمد في ((مسنده)) حدثنا قتيبة
ثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة
مرفوعاً، وهذا سند صحيح، قال في ((التنقيح)): روى مسلم في (صحيحه)) بهذا
الإسناد نحواً من أربعة عشر حديثاً، قاله الزيلعي.
قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وسهل بن سعد وعقبة بن عامر. ثم
ذكر الترمذي الاضطراب في الرواية بأنه روي عن أبي صالح عن أبي هريرة،
وعن أبي صالح عن عائشة، ثم قال: قال أبو زرعة: حديث أبي صالح عن
أبي هريرة أصح من حديثه عن عائشة - رضي الله عنها -، وقال البخاري:
حديثه عن عائشة أصح.
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٦٠/٢).
(٢) أخرجه أبو داود، ح (٥١٩).
٥٣٤
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٣)
١١٣/ ٨٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَاطِبٍ؛ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،
قلت: بل كلاهما صحيحان، وصححهما معاً ابن حبان، وقال: سمع أبو
صالح هذين الخبرين من عائشة - رضي الله عنها - وأبي هريرة جميعاً، وقال
اليعمري: والكل صحيح، والحديث متصل، كذا في ((البذل))(١).
وقال العيني في ((شرح البخاري)): رواه الحاكم مصححاً عن سهل بن
سعد، وإذا ثبت ذلك فصلاة الإمام متضمنة لها، فصحتها بصحتها وفسادها
بفسادها، فإذا صلى الإمام جنباً لم تصح صلاته لفوات الشرط، وهي متضمنة
لصلاة المأموم، فتفسد صلاته أيضاً بأثر علي - رضي الله عنه -، ذكره الزيلعي
وابن التركماني بعدة طرق أمر فيه بإعادة القوم، واستدلوا أيضاً بحصر قوله عليه
الصلاة والسلام: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)).
اعلم أن مبنى الخلاف في الحقيقة بيننا وبينهم أن المؤتم عندهم تبع
للإمام في مجرد الموافقة، لا الصحة والفساد، وعندنا تبع له حقيقة الاتباع
حتى في الصحة والفساد، ويتفرع على هذا الخلاف عدةُ مسائل خلافية بيننا
وبينهم، منها: مسألة الباب، ومنها: اقتداء القائم بالمومئ، ومنها: اقتداء
المفترض بالمتنفل، وكذا اقتداء المفترض بمن يصلي فرضاً آخر. ومنها نيابة
الإمام عن قراءة المقتدي، وغير ذلك، فلا تغفل عن هذا الأصل المختلف بيننا
وبينهم، فإنه يُجديك في كثير من المباحث.
٨٣/١١٣ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه)(٢) كذا في جميع النسخ
الموجودة عندنا بإثبات أبيه. وكلام الزرقاني يدل على أنه لا يوجد عند بعض،
قلت: ما سيأتي من مصنف عبد الرازق يؤيد وجوده (عن يحيى بن
عبد الرحمن بن حاطب) بن أبي بلتعة. (أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب) هذا
(١) ((بذل المجهود)) (٧٥/٤).
(٢) كذا رواه الطحاوي في طريقه في ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٧٠).
٥٣٥
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٣) حديث
فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ.
مشكل جداً، لأن يحيى - كما تقدم - ولد في خلافة عثمان - رضي الله عنه -
إلا أن يقال: إن هذا مقولة أبيه، قال الدوري عن ابن معين: بعضهم يقول
عنه: سمعت عمر، وإنما هو عن أبيه أنه سمع عمر - رضي الله عنه - قاله
الحافظ في ((تهذيبه)) (١)، ولا بد من هذا التوجيه لأن أهل الرجال لا يذكرون
في مشايخ يحيى عمر، بل يذكرون فيهم أباه ويذكرون عمر في مشايخ أبيه،
كما لا يخفى على من تفحص كتبهم.
ثم رأيت ابن التركماني (٢) ذكر هذا الأثر عن ((مصنف عبد الرزاق))(٣) بهذا
اللفظ، وسنده عن معمر وابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن
عبد الرحمن بن حاطب: أن أباه أخبره أنه اعتمر مع عمر، وأن عمر - رضي الله
عنه - عَرَّسَ، الحديث، فحمدتُ الله عز وجل، فهو الميسر لكل عسير، وتحقق
من هذا أن ما وقع في نسخ ((الموطأ)) سهو من الكاتب، والصواب عن يحيى بن
عبد الرحمن عن أبيه أنه اعتمر، الحديث. وفي ((الفتح الرحماني)): قال ابن معين
وغيره: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عمر - رضي الله عنه - باطل، اهـ.
قلت: فأبوه هو عبد الرحمن هذا ابن حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن
عمير قيل: له رؤية، وذكره ابن معين في تابعي أهل المدينة، وقال ابن منده
وأبو نعيم: ولد في عهده وَّ، قال في ((التقريب)) (٤): له رؤية، وعداده في كبار
ثقات التابعين (في) أي مع (ركب فيهم عمرو بن العاص) بحذف الياء في أكثر
النسخ، وتقدم الخلاف فيه، وخصه بالذكر لما سيجيء من كلامه مع عمر
- رضي الله عنه -.
(١) ((تهذيب التهذيب)) (١٥٦/٦).
(٢) انظر ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٢٣٣/١).
(٣) (٢٤٤/١) و(٣٧٠/١ - ٣٧١).
(٤) (٣٥٢/٢).
٥٣٦
----
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٣) حديث
وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَرَّسَ بِبَعْض الطّرِيقِ، فَرِيباً مِنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ.
فَاحْتَلَمَ عُمَرُ، وَقَذْ كَادَ أَن يُصْبِحَ، فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكُبِ مَاءً. فَرَكِبَ،
حَتَّى جَاءَ الْمَاءَ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنْ ذلِكَ الاحتِلامِ، حَتَّى
أَسْفَرَ. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَصْبَحْتَ وَمَعَنَا ثِيَابٌ، فَدَعْ ثَوْبَكَ
يُغْسَلُ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاعَجَباً لَكَ يَا عَمْرُو بْنَ الْعَاصِ!
لَئِنْ كُنْتَ
(وأن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (عَرَّسَ) بمهملات مثقلاً أي نزل
آخر الليل (ببعض الطريق قريباً من بعض المياه) ولم يصلوا إلى المياه، كما
سترى لعدم الحاجة إليه ظاهراً، أو كان مائلا عن الطريق، أو لوجه آخر
(فاحتلم عمر) - رضي الله عنه - (وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء)
يغتسل به ويغسل ثوبه (فركب حتى جاء الماء) الذي عرّس بقربه. قال
الباجي(١): وذكر أن الماء الذي جاءه، هو ماء الروحاء (فجعل يغسل) فيه
ترجمة الباب (ما رأى من) أثر (ذلك الاحتلام حتى أسفر) جداً، فيه أيضاً دليل
على نجاسة المني، إذ اهتم له حتى ذهب الوقت الأفضل عنده، قاله الباجي.
قلت: وفي هذا الأثر حُجَّةٌ على نجاسة المني بوجوه؛ منها: غسل عمر
- رضي الله عنه -، وتأخيره للصلاة لأجله، وأمر ابن العاص بالاستبدال، وقول
عمر - رضي الله عنه -: أفكل الناس يجد ثياباً؟ وقول عمر - رضي الله عنه -
أيضاً اغسل ما رأيت، (فقال له عمرو بن العاص: أصبحت) أي أسفرت (ومعنا
ثباب) أخر (فدع ثوبك يغسل) بعد ذلك، وهذا دليل على نجاسة الثوب عند
عبد الله بن عمرو بن العاص أيضاً إذ أمر باستبداله، وكان بمحضر الصحابة،
ولم ينكره أحد.
(فقال عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه -: (واعجباً لك يا ابن العاص) تعجب
عليه إذ لم ير حال جميع الناس فلا يجد أكثرهم إلا ثوباً واحداً (لئن كنت) بتاء
(١) ((المنتقى)) (١٠٢/١).
٥٣٧
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٣) حديث
تَجِدُ ثِيَاباً أَفَكُلُّ النَّاسِ يجِدُ ثِيَاباً؟ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَتْ سُنَّةً. بَلْ
أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ، وَأَنْضِحُ مَا لَمْ أَرَ.
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ أَثَرَ احْتِلامِ، وَلا يَدْرِي
مَتَى كَانَ، وَلا يَذْكُرُ شَيْئاً رَأَى فِي مَنَامِهِ. قَال: لِيَغْتَسِلْ مِنْ أَحْدَثِ
نَوْمِ نَامَهُ. فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى بَعْدَ ذُلِكَ النَّوْمِ، فَلْيُعِدْ مَا
الخطاب (تجد ثياباً) عديدة (أفكل الناس يجد ثياباً؟ والله لو فعلتها) بتاء المتكلم
(لكانت سنة) مُتَّبَعة، وذلك لعلمه بمكانه في قلوب المسلمين، ولاشتهار
قوله وَالر: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين))، فخشي التضييق على من
لیس له إلا ثوب واحد.
(بل أغسل ما رأيتُ وأنضح ما لم أره) قال الزرقاني(١): وهو طهر لما
شك فيه، كأنه دفع للوسوسة، وأباه بعضهم، وقال: لا يزيده النضح إلا
انتشاراً(٢)، قاله ابن عبد البر(٣)، وقال الباجي: مقتضاه وجوب النضح لأنه لا
يشتغل عن الصلاة بالناس مع ضيق الوقت إلا بأمر واجب مانع للصلاة، وقال
أبو حنيفة والشافعي: لا ينضح بالشك وهو على طهارته، اهـ. قلت: وهذا كله
على مذهب المالكية، وتقدم أن الجمهور حملوه على الغسل الخفيف أو غير
ذلك .
(قال يحيى: قال مالك في رجل وجد في ثوبه أثر الاحتلام) يعني المني
(ولا يدري متى كان) الاحتلام (ولا يذكر شيئاً رآه) من الاحتلام وغيره (في
منامه قال) الإمام مالك في هذا الرجل: (ليغتسل من أحدث) أي أقرب وآخر
(نوم نامه، فإن كان قد صلى بعد ذلك النوم) الأخير شيئاً من الصلاة (فليعد ما
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٠٢/١).
(٢) في (الاستذكار)): شراً والظاهر ما في ((الزرقاني)) (١٠٢/١).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (١١٥/٣).
٥٣٨
٢ - كتاب الطهارة
(٢٠) باب
(١١٣) حديث
كَان صَلَّى بَعْدَ ذُلِكَ النَّوْمِ. مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا احْتَلَمَ، وَلا
يَرَى شَيْئاً؛ وَيَرى وَلا يَحْتَلِمُ. فَإِذَا وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَاء، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ.
كان صلى بعد ذلك النوم) لا ما صلى قبله، ثم بَيَّنَ الضابط فيه بطريق العلة
وسبب الحكم المذكور فقال: (من أجل أن الرجل ربما احتلم) أي أنزل في
المنام (ولا يرى شيئاً) في نومه هذا من الجماع وغيره (و)ربما (يرى) في منامه
أنه يجامع (ولا يحتلم) أي لا ينزل فلا غسل عليه.
(فإذا وجد في ثوبه ماء) وإن لم يتذكر الاحتلام (فعليه الغسل) وجوباً،
فالمدار على وجود الماء، وهكذا ورد عند أبي داود وغيره برواية عائشة
- رضي الله عنها - مرفوعاً، قال الشوكاني: أخرجها الخمسة، وذكر في معناها
حديث خولة وغيرها، وقال: والحديث يدل على وجوب الغسل على الرجل
والمرأة إذا وقع الإنزال، وهو إجماع إلا ما يحكى عن النخعي، اهـ.
وفي ((البذل))(١) عن الخطابي قال: ولم يختلفوا في أنه إذا لم ير الماء،
وكان رأى في النوم أنه قد احتلم، فإنه لا يجب عليه الاغتسال، اهـ. وكذا نقل
العيني الإجماع على الثاني، وذكر اختلاف بعضهم في الأول يعني إذا رأى
بللاً، ولم يتذكر احتلاماً.
قال ابن رسلان: ولا يجب الغسل عند الشافعي - رحمه الله - حتى يذكر
بعد التنبه من النوم أنه جامع أحداً في النوم، اهـ.
قال ابن العربي(٢): من رأى في ثوبه بللاً، فلا يخلو أن ينام فيه أو لا
ينام فيه، فإن لم ينم فيه، فلا شيء عليه، وإن نام فيه، فلا يخلو أن يتيقَّنَ أنه
احتلام، أو يَشُكَّ هل هو احتلام أم لا؟ فوجب عليه الغسل أو يستحب على
الاختلاف، وإن تيقَّن أنه احتلام، فلا يخلو أن يذكر أنه احتلم أو لا يذكر،
(١) ((بذل المجهود)) (٢٢١/٢).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ١٧٣).
٥٣٩
٢ - كتاب الطهارة
(٢١) باب
(١١٤) حديث
وذُلِكَ أَنَّ عُمَرَ أَعَادَ مَا كَانَ صَلَّى، لَآَخِرِ نَوْمِ نَامَهُ، وَلَمْ يُعِدْ مَا كَانَ
قَبْلَهُ .
(٢١) باب غسل المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل
١١٤/ ٨٤ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمِ
فإن ذكر فلا خلاف أنه يغتسل، وإن لم يذكر احتلاماً فاختلف فيه العلماء،
فذهب جميع العلماء إلى أنه يجب الغسل، وقال الشافعي - رحمه الله -: لا
يجب بل يستحب اهـ.
قلت: هذا كله في رؤية الاحتلام يعني المني، أما إذا شَكَّ في المني أو
المذي أو الودي فهو مختلف بين الحنفية أيضاً، وذكر لها ابن عابدين أربعة
عشر صورة فارجع إليه (وذلك) أي دليله (أن عمر بن الخطاب) لما رأى في
ثوبه أثر الاحتلام (أعاد) من الصلوات (ما كان صلى لآخر) أي بعد آخر (نوم
نامه ولم يعد ما كان) قد صلى (قبله) وبهذا كله قالت الحنفية أيضاً. قال
الحصكفي: من وجد في ثوبه منياً أو دماً أو بولاً أعاد من آخر احتلام ورعاف
وبول، قال الشامي: وفي بعض النسخ: ((آخر نوم)) وهو المراد بالاحتلام لأن
النوم سببه .
(٢١) غسل المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل
في منامه، يريد الاحتلام، وذكر الرؤية باعتبار الغالب، كما عرفت في ما
تقدم، وإلا فالعبرة لخروج المني رأت أولا .
١١٤/ ٨٤ - (مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن أم سليم) كذا
في النسخ الموجودة عندنا، وكذا في رواية الإمام محمد (١)، قال الزرقاني:
(١) انظر: ((موطأ محمد)) (ص٥١).
٥٤٠