Indexed OCR Text
Pages 501-520
٢ - كتاب الطهارة (١٧) باب (٩٨) حدیث مِنَ الْجَنَابَةِ. أخرجه البخاريّ في: ٥ - كتاب الغسل، ٢ - باب غسل الرجل مع امرأته. ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ١٠ - باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، حديث ٤١. واختلف في مقداره فقيل: ثلاثة آصع(١)، ونقل أبو عبيد الاتفاق عليه، والظاهر اتفاق اللغويين، وقيل: صاعان، وقيل: ثمانية أرطال، وحكى ابن الأثير؛ أنه بالفتح ستة عشر، وبالإسكان مائة وعشرون رطلاً . قال في ((المجمع)): هو بالحركة يسع ستة عشر رطلاً، وبالسكون مائة وعشرون رطلاً، وهذا لا ينافي اغتساله من الصاع لاختلاف الأحوال مع أنه لا يريد أنه يغتسل من ملئه، بل يريد أنه إِناء يغتسل منه، انتهى. قلت: وفي ((الكفاية على الهداية)) أقوال أخر في مقداره لو شئت التفصيل فارجع إليه، واكتف منا بالإشارة. (من الجنابة) أي بسبب الجنابة، قال القاري: ثم الإجماع على أنه لا يشترط قدر معين في ماء الوضوء والغسل، ولكن يُسَنُّ أن لا ينقص ماء الوضوء عن مُدٍّ، وماء الغسل عن صاعٍ تقريباً، انتهى. وفي ((شرح المغني))(٢): ويتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، فإن أسبغ بدونهما أجزأه، وبه قال الشافعي - رضي الله عنه - وأكثر أهل العلم، وقيل: لا يجزىء دون الصاع في الغسل والمد في الوضوء، وحكي ذلك عن أبي حنيفة، انتهى مختصراً. قلت: ونقل الباجي الخلاف فيه عن الشيخ أبي إسحاق دون أبي حنيفة، وهو الأوجه، فإن مقدار الماء عند الحنفية عَدَّه صاحب ((الدر المختار)) من سنن الغسل، نقل الشامي عن ((الحلية))؛ نقل غيرُ واحد إجماعَ المسلمين على أن ما (١) به قال أحمد بن حنبل ((الاستذكار)) (٧٥/٣). (٢) (٢٠١/١). ٥٠١ ٢ - كتاب الطهارة (١٧) باب (٩٨) حدیث يجزىء في الوضوء والغسل غير مقدَّر بمقدار، وما في ((ظاهر الرواية)) من أن أدنى ما يكفي في الغسل صاع، وفي الوضوء مُدٌّ للحديث المتفق عليه، ليس بلازم بل هو بيان أدنى القدر المسنون. قال في ((البحر)): حتى من أسبغ بدون ذلك أجزأه، انتهى. قلت: وكذلك في غيرها من كتب الفقه، فنسبة الخلاف فيه إلى الحنفية لا يصح. قال ابن العربي في ((شرح الترمذي))(١): روي عن النبي ◌ّ في قدر الماء الذي يتطهّر به آثارٌ، منها: من طريق عائشة الأول أنه عليه الصلاة والسلام كان يغتسل من إناءٍ، وهو الفرق، الثاني: أنها دعت بإناء قدر الصاع فاغتسلت، الحديث، الثالث: أنها كانت تغتسل والنبي ◌ُّ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك، الرابع: معناه أنه عليه السلام كان يغتسل بثمانية أرطال، وروي من طريق أنس بوجهين: الأول: أنه عليه السلام كان يغتسل بخمسة مكاكيك ويتوضأ بمكوك، والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ومن طريق أم عمارة أنه عليه الصلاة والسلام يتوضأ بثلثي المد. وأحكامه في ثلاث مسائل: الأولى: أنه لا حد لما يكفي في الطهارة وإنما هو على قدر الحاجة، والإسراف مكروه والناس متفاوتون، والمقصود الإسباغ، الثانية: أن لا يتوضأ بأقل من المد، وقال أبو إسحاق: لا تحديد فيه، والثالثة: إذا قلنا: إنه يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، فمعناه بالصاع كيلاً لا وزناً؛ لأن كيل المد والصاع بالماء أضعافه بالوزن، فتفطّنْ لهذه الدقيقة، اهـ. قلت: ثم اختلف الأئمة في مقدار الصاع والمد، فقال الإمام أبو حنيفة: الصاع أربعة أمداد، وكل مد رطلان، ويسمى صاعاً عراقياً. وقال صاحباه: الصاع خمسة أرطال وثلث، فالمد حينئذٍ رطل وثلث، وبه قال الأئمة الثلاثة، كما في ((الشامي))، وما حكى الشامي من خلاف الصاحبين للإمام أبي حنيفة (١) ((عارضة الأحوذي)) (٧٥/١). ٥٠٢ ٢ - كتاب الطهارة (١٧) باب (٩٩) حدیث ٦٩/٩٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَا فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَهَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ. ليس بصحيح بل الخلاف فيه - لو صحَّ - للإمام أبي يوسف فقط، وسيجيء البحث فيه في زكاة الفطر. ٦٩/٩٩ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (كان إذا اغتسل من الجنابة) أي لسببها (بدأ) بالوضوء (فأفرغ) أي صب الماء (على يده اليمنى) بيده اليسرى (فغسلها) واكتفى بغسل اليمنى ليمكن غرف الماء به، ولا معنى لغسل اليسرى لما سيباشر بها في غسل الفرج (ثم غسل فرجه) بشماله، بدأ به قبل الوضوء لما فيه من إزالة النجاسة الظاهرية الحقيقية. قال ابن العربي(١): فيه دليل على جواز ذكر الفرج عند دعاء الحاجة كما يجوز النظر إليه عند الحاجة، ولا يدخل هذا في الرفث، وفيه بيان أن تطهير البدن من النجاسة يتقدم ليرد الغسل على محل طاهر، وفيه ردٌّ على الشافعي في طهارة المني أو رطوبة الفرج؛ لأنهما لو كانا طاهرين لما بدأ بهما ولأدخلهما في جملة تطهير البدن (ثم مضمض) بيمينه (واستنثر) بشماله بعد ما استنشق بيمينه، وتقدم معنى الاستنثار وأخويه في الوضوء. واختلف العلماء في المضمضة والاستنشاق في الغسل، فقال أبو حنيفة وصاحباه وأحمد: بوجوبهما، وقال مالك والشافعي: بسنتيهما، واستدل الأولون بما روى الدارقطني والبيهقي من حديث بركة بن محمد الحلبي عن يوسف بن أسباط عن سفيان عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثاً فريضة))، قال القدوري في ((تجريده)): قولهم: بركة الحلبي ضعيف، ليس بصحيح، لأن (١) ((عارضة الأحوذي)) (١٥٥/١). ٥٠٣ ٢ - كتاب الطهارة (١٧) باب (٩٩) حديث ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ. وَنَضَحَ فِي عَيْنَيْهِ. ابن معين أثنى عليه في كتبه الأخيرة، وقد رُوي الخبر من غير طريق مرسلاً . كذا في ((الفتح الرحماني)) عن ((نهاية النهاية)). قال الزيلعي(١): قال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): وقد روي هذا الحديث موصولاً من غير حديث بركة، ثم أخرجه بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً: ((المضمضة والاستنشاق ثلاثاً للجنب فريضة)) قال الدار قطني: غريب تفرد به سليمان عن همام، ثم ذكر الكلام على ضعفه، وأخرج البيهقي بسنده عن ابن عباس أنه سئل عمن نسي المضمضة والاستنشاق؟ قال: لا يعيد إلا أن یکون جنبا . قال صاحب ((السعاية على شرح الوقاية))(٢): فهذه الروايات كلها شاهدة على فرضيتها، وضعف بعضها يرتفع بضم الآخر، وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعاً(٣): ((إن تحت كل شعر جنابة فاغسلوا الشعر)) الحديث، وفي الأنف أيضاً شعر، وأخرج أبو داود بمعناه عن علي مرفوعاً وسكت عليه، وأيضاً استدل عليه بمواظبته وَ ي عليهما في الغسل، هذا، وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾(٤) من أقوى الأدلة في الباب، أمر تعالى باظهار، وهو تطهير جميع البدن إلا أن ما تعذر إيصال الماء إليه خارج، كذا في ((الهداية)) (ثم غسل وجهه ونضح) أي رش الماء (في عينيه). قال ابن عبد البر(٥): لم يتابع ابن عمر - رضي الله عنه - على النضح في (١) ((نصب الراية)) (٧٨/١). (٢) (٢٧٦/١). (٣) أخرجه أبو داود، ح (٢٤٨)، والترمذي في أبواب الطهارة (الحديث: ١٠٧)، وابن ماجه (٥٩٧) . (٤) سورة المائدة: الآية ٦. (٥) انظر: ((الاستذكار)) (٧٦/٣). ٥٠٤ ٢ - كتاب الطهارة (١٧) باب (٩٩) حديث ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْبُمْنَى، ثُمَّ الْيُسْرَى. ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ. العينين أحد، قال: وله شدائد شَذّ فيها حمله عليها الورع، روي عن الإمام مالك ليس العمل على حديث ابن عمر في نضح العينين، قال الإمام محمد - رضي الله عنه - بعد تخريج هذا الحديث في ((موطئه)): وبهذا كله نأخذ إلا النضح في العينين، فإن ذلك ليس بواجب على الناس في الجنابة، وهو قول أبي حنيفة ومالك بن أنس والعامة، انتهى. قال الطحطاوي على ((المراقي)): ولا يجب إيصال الماء باطن العينين ولو في الغسل للضرر، هذه العلة تنتج الحرمة، وبه صرح بعضهم، وقالوا: لا يجب غسلها من كحل نجس ولو أعمى؛ لأنه مضر مطلقاً، وفي ((ابن أمير الحاج)): يجب إيصال الماء إلى أهداب العينين ومؤقيهما . قلت: وما يخطر في البال - والله أعلم - أن ابن عمر - رضي الله عنه - استنبطه من قوله ﴾: ((أشربوا الماء أعينكم))، أخرجه الدارقطني بسند ضعيف كما ذكره ابن رسلان، وكأن معنى قوله ◌َّل عند العامة هو تعاهد الماقين، لكن ابن عمر - رضي الله عنه - حمله على ظاهره، فكان ينضح في عينيه، فتأمل وتشکر . (ثم غسل يده اليمنى ثم غسل يده اليسرى) مع المرفقين، قال الباجي: إخبار عن استعمال التيمن في غسله والترتيب، ولا خلاف أن هذا الترتيب مستحب وليس بمستحق، انتهى. (ثم غسل رأسه) ولم يذكر في الحديث المسح، والصحيح استحبابه نص عليه في ((المبسوط))؛ لأنه أتم للغسل، كذا في ((الفتح الرحماني)) عن العيني. قال الشامي: هو الصحيح، وفي ((البدائع))، أنه ظاهر الرواية، قلت: عموم الحديث المتقدم يتناوله إلا أن الرواة لصفة غسله 18 جماعة، منهم عائشة - رضي الله عنها - فذكرت بلفظ ((يتوضأ كما يتوضأ للصلاة))، وميمونة، وذكرت الوضوء مفصلة، ولم تذكر المسح بل ذكرت بدله غسل الرأس، وصرف ابن ٥٠٥ ٢ - كتاب الطهارة (١٧) باب (١٠٠) حديث ثُمَّ اغْتَسَلَ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ. ٧٠/١٠٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ سُئِلَتْ عَنْ غُسْلِ الْمَرْأَةِ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَتْ: لِتَحْفِنْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلاَثَ حَفَنَاتٍ مِنَ الْمَاءِ، وَلْتَضْغَثْ رَأْسَهَا بِيَدَيْهَا . العربي في ((شرح الترمذي)) حديث عائشة إِلى حديث ميمونة، والأوجه عندي التوسع . (ثم اغتسل وأفاض) تفسير لاغتسل (عليه) أي على بدنه (الماء) على اليمين أولاً ثم على اليسار. ٧٠/١٠٠ - (مالك أنه بلغه) وتقدم الكلام على بلاغاته (أن عائشة أم المؤمنين) زوج النبي ◌ّ (سئلت) ببناء المجهول (عن غسل المرأة من الجنابة فقالت: لتحفن) بكسر اللام وفتح التاء وسكون الحاء وكسر الفاء، قال الزرقاني: من ((ضرب))، قال في ((المجمع)): الحفن أخذ الشيء براحة الكف وضم الأصابع، قال في ((القاموس)): الحفن أخذك الشيء براحتك والأصابع مضمومة (على رأسها ثلاث حفنات من الماء)، بفتح الفاء جمع حفنة كسجدة وسجدات، وهي ملء اليدين من الماء، كذا في ((الزرقاني))(١)، وفي ((القاموس)): الحفنة ملء الكف. والمرأة تصب ثلاثاً، وربما تصب أكثر، قالت عائشة - رضي الله عنها -: كان رسول الله وَلّ يُفيض على رأسه ثلاثاً ونحن نُفيض على رأسنا خمساً من أجل الضفر. وهذا يختلف باختلاف أحوال الرجال والنساء من شعر كثير وقليل ومضفور وغيره، كذا في ((العارضة))(٢) بتغير. (ولتضغث) بإسكان الضاد وفتح الغين المعجمتين من باب فتح، والضغث معالجة شعر الرأس باليد عند الغسل، كأنها تخلط بعضه ببعض ليدخل فيه الغسول والماء (رأسها بيديها) ليدخل فيه (١) ((شرح الزرقاني)) (٩٣/١). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٥٨/١). ٥٠٦ ٢ - كتاب الطهارة (١٧) باب (١٠٠) حدیث الماء، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - عند الترمذي مرفوعاً: ((ثم يشرب شعره الماء)»، الحديث. ثم الأئمة الأربعة متفقة على أن المرأة لا تنقض شعرها عند الغسل من الجنابة؛ ويكفيها الحثيات إذا بُلَّتْ أصولُ شعرها، وكذلك عند الغسل من الحيض، وبه قال الإمام مالك، كما نقله الزرقاني(١) والباجي(٢) وهو المشهور من روايتي الإمام أحمد كما في ((المغني))، حيث قال: لا يختلف المذهب في أنه لا يجب نقضه من الجنابة، ولا أعلم فيه خلافاً بين العلماء إلا ما روي عن عبد الله بن عمرو، واتفق الأئمة الأربعة على أن نقضه غير واجب (للجنابة) إلا أن يكون في رأسها حشوٌ أو سِدْرٌ يمنع وصول الماء إلى ما تحته فيجب إزالته، وإن كان خفيفاً لا يمنع لا يجب. والرجل والمرأة في ذلك سواء، وإنما خصت المرأة بالذكر؛ لأن العادة اختصاصها بكثرة الشعر وتطويله وتوفيره. وأما نقضه للغسل من الحيض فاختلف أصحابنا في وجوبه، فمنهم من أوجبه، وقال بعض أصحابنا: هذا مستحب غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت للنبي وَّ: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: لا ... الحديث، رواه مسلم، وهذه زيادة يجب قبولها، وهذا صريح في نفي الوجوب، انتهى مختصراً . قال ابن رسلان: والمرأة والرجل في هذا سواء وإنماخصت المرأة بالذكر لأن الغالب اختصاصها بكثرة الشعر، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٩٣/١). (٢) لا يخفى أنه وقع الغلط في الطبع الأول إذ ذكر فيه خلافاً لما في الباجي اه ز. ٥٠٧ ٢ - كتاب الطهارة (١٨) باب (١٠٠) حدیث (١٨) باب واجب الغسل إذا التقى الختانان قلت: وتقدم من كلام ((المغني)) ما يوافقه لكن الروايات عندنا الحنفية في ذلك مختلفة، كما في هوامش ((الهداية)) و((الشامي)). وفي ((الدر المختار)): لا يكفي بَلُّ ضفيرته فينقضها وجوباً ولو علوياً أو تركياً لإمكان حلقه، قال الشامي: هو الصحيح، قلت: رواية ثوبان عند أبي داود مرفوعاً نص في التفريق بين الرجل والمرأة، وهو دليل الحنفية. ثم قال في ((المغني)): وفي غسل المسترسل روايتان لأحمد(١)، أحدهما: يجب غسله، وبه قال الشافعي - رضي الله عنه -، والثاني: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، اهـ. قلت: والمرجح عندنا الحنفية - كما في ((الشامي)) - يجب غسل المنقوض لا المضفور، وعدّ في ((مختصر الخليل)) من المالكية في الواجبات ضغتُ مضفورٍ، لا نقضه. (١٨) واجب الغسل إذا التقى الختانان الظاهر أن الواجب بمعنى المصدر، وإذا ظرفية، أي وجوب الغسل عند التقاء الختانين، ويحتمل أن يكون من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي بيان الغسل الواجب عند التقائهما، ويحتمل غيرهما من التوجيهات، والختانان تثنية ختان؛ وهو موضع القطع من الذكر، وفرج الجارية، والختن بسكون التاء القطع، يقطع من الرجل ما يغطي الحشفة ومن المرأة جليدة في أعلى فرجها تُشْبه عُرْف الديك، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، كذا في ((الزرقاني)) و((المجمع))، ويقال لختان المرأة: الخفاض، وثنيا ههنا بلفظ الختان تغليباً. قال ابن العربي(٢): يقال: ختن الغلام ختناً إذا قطعت جلدة كَمَرَتِه(٣)، (١) وفي ((المغني)) (٣٠١/١) ((وجهان لأحمد)). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٦٧/١). (٣) وفي ((القاموس)): الكَمَرَة مُحَرّكةً: رأس الذكر، (انظر مادة ك م ر). ٥٠٨ ٢ - كتاب الطهارة (١٨) باب (١٠١) حديث ٧١/١٠١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ وَلَهَ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا مَسَّ الْخَتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. والختان(١) موضع الختن، وهو من المرأة الخفاض، فالخفاض للمرأة كالختان للرجل فكان نظام الكلام أن يقول: التقاء الختان الخفاض لكن ثناهما رد أحدهما إلى الأخرى، كما يقال: العُمْرَان، وذلك كثير، وقد يرد الثقيل إلى الخفيف كالقمرين، وقد يرد الأدنى إلى الأعلى كالختانين. ٧١/١٠١ - (مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن) ثاني الخلفاء (عمر بن الخطاب و) ثالثهم (عثمان بن عفانَ و) أم المؤمنين، (عائشة زوج النبي (18) كلهم (كانوا يقولون: إذا مس) أي جاوز كما في رواية الترمذي، وسيأتي في ((الموطأ)) (الختان) من الرجل (الختان) من المرأة، وهو مشاكلة؛ لأنه من المرأة يسمى خفاضاً في اللغة كما تقدم (فقد وجب الغسل) وإن لم ينزل، والمراد بالمس المجاوزة والتغيب، لا حقيقة المس سواء كان مختَنيْن أو لا، فلو وقع المس بلا إيلاج لم يجب الغسل بالإجماع، وقيل: المراد به الحقيقة بأن المس العادي لازم للدخول، فإن ختان المرأة فوق محل البول، وهو فوق الفرج الذي هو محل الولد، فلا يكون محاذاة الختانين والتقاؤهما إلا بعد الغيبوبة . قال في ((الفتح الرحماني)) عن ((نهاية النهاية)»: إن ختان المرأة موضع قطع جلدة منها كعرف الديك فوق الفرج، وذلك؛ لأن مدخل الذكر هو مخرج الولد والمني والحيض. وفوقه مخرج البول كإحليل الرجل، وبينهما جلدة رقيقة وفوق (١) الختان سنة عند أبي حنيفة ومالك، واجب عند الشافعي وسحنون، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه سنة في حق النساء، واجب في حق الرجال، وراجع للتفصيل ((كتاب ما ثبت بالسنة)) (ص ٧٣) للشيخ عبد الحق الدهلوي. ٥٠٩ ٢ - كتاب الطهارة (١٨) باب (١٠١) حديث مخرج البول جلدة رقيقة يقطع منها في الختان، فإذا غابت الحشفة فقد حاذى الختان الختان، انتهى مختصراً. ثم لا يذهب عليك أن ذكر سعيد بن المسيب الغسل بهذا التأكيد الذي يظهر مع ذكر الثلاثة من الأكابر، وبداية الإمام مالك به الباب لمكان اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في هذه المسألة كما سيجيء في حديث أبي موسى، ثم أثر الباب يخالف ما روي في حديث زيد عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله وَ﴾، قال زيد: فسألت علياً والزبير وطلحة وأبي بن كعب فأمروه بذلك. رواه الشيخان (١)، لكن قال الإمام أحمد: حديث معلول، لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الإفتاء بخلافه، وقال علي بن المديني: شاذٌ(٢) . وقال الحافظ(٣) وغيره: إن الحديث ثابت من جهة اتصال سنده وحفظ رواته وليس هو فرداً، ولا يقدح فيه إفتاؤهم بخلافه؛ لأنه ثبت عندهم ناسخه فذهبوا إليه، فكم من حديث منسوخ، وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية، وقد ذهب الجمهور إلى نسخه بحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا جلس بين شعبها الأربعة)) الحديث، وبحديث عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً نحوه، وبما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهم، عن أبي بن كعب أن (١) أخرجه البخاري في الطهارة، ح (١٧٩) باب ((من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر)). ((فتح الباري)) (٢٨٣/١) وفي الغسل، ح (٢٩٢) باب ((غسل ما يصيب من فرج المرأة))، ((فتح الباري)) (٣٩٦/١). وأخرجه مسلم في الطهارة، ح (٣٤٣) باب إنما الماء بالماء. (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٨٣/٣)، و((عمدة القاري)) (٩١/٣). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٣٩٦/١). ٥١٠ ٢ - كتاب الطهارة (١٨) باب (١٠١) حديث الفتيا التي كانوا يقولون: ((الماء من الماء)) رخصة كان رسول الله مثل رخص بها في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد. صححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما . وقال الإمام الشافعي: كلام العرب يقتضي أن الجنابة يطلق حقيقة على الجماع وإن لم ينزل، ولا خلاف أن الزنا الذي يجب له الحد هو الجماع وإن لم ينزل . وقال الطحاوي: أجمع المهاجرون والخلفاء الأربعة على أن ما أوجب الجلد والرجم أوجب الغسل، وعليه عامة الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء الأمصار. وقال ابن العربي: إيجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم إلا داود ولا عبرة بخلافه، وتُعُقِّب بخلاف بعض الصحابة وبعض التابعين، وفي ((المغني)): اتفق الفقهاء على وجوب الغسل فيه إلا ما حكي عن داود، انتهى. قلت: وتحتم ذلك في زمن عمر - رضي الله تعالى عنه - كما سيجيء بعد ثلاث روايات. قال ابن العربي(١): هذه المسألة عظيمة الموقع في الدين مهمة، وقد روي عن جماعة من الصحابة ومن الأنصار أنهم لم يروا غسلاً إلا من إنزال الماء، ثم روي أنهم رجعوا عن ذلك، وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: من خالف ذلك جعلته نكالاً، وانعقد الإجماع(٢) على وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وما خالف ذلك إلا داود ولا يُعْبَأ به، وإنما الصعب خلاف البخاري وحكمه أن الغسل مستحب، وهو أجل علماء المسلمين وما بهذه المسألة خفاء، فإن الصحابة اختلفوا فيها ثم رجعوا عنها، واتفقوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم يكن (١) ((عارضة الأحوذي)) (١٦٩/١). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٩٣/٣). ٥١١ ٢ - كتاب الطهارة (١٨) باب (١٠٢) حديث ١٠٢/ ٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْن عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْثُ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ وَهَ، مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ فَقَالَتْ: هَلْ تَدْرِي مَا مَثَلُكَ يَا أَبَا سَلَمَةَ؟ مَثَلُ الْفَرُّوجِ، يَسْمعُ الدِّيكَةَ تَصْرُخُ، فَيَصْرُخُ مَعَهَا . إنزال، وقد ثبت أنه وسلم سئل عن ذلك فأحال على فعله مع عائشة. والعجب من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في إيجاب الغسل وحديث عثمان وأبي. وحديث عثمان ضعيف له ثلاث علل، كم من حديث ترك البخاري إدخاله بواحدة منها من هذه العلل الثلاثة، فكيف بحديث اجتمعت فيه ثلاث؛ وحديث أبي يضعف التعلق به؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى، ويحتمل قول البخاري: الغسل أحوط، يعني في الدين فلا إشكال إذاً، انتهى مختصراً. ثم ذكر ابن العربي(١) خمسة عشر فرعاً في الباب فارجع إليه. ١٠٢/ ٧٢ - (مالك عن أبي النضر) بالنون والضاد المعجمة، سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت) أم المؤمنين (عائشة زوج النبي م # ما يوجب الغسل فقالت) تلاطفه بذلك الكلام أو تعاقبه به (هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟) فقال: لا أو لم تحتج إلى الجواب، فقالت: مثلك (مثل الفروج) بشدة الراء المهملة آخره جيم كَتْنُور، ويضم كسُبُّوح: فرخ الدجاج كذا في ((القاموس)) في باب الجيم (يسمع الديكة) بزنة عنبة جمع ديك ذكر الدجاج (تصرخ) بضم الراء أي تصيح وتصوت (فيصرخ معها). قيل: غرضها بهذا الكلام المعاتبة عليه(٢)، لأنه كان لا يغتسل من التقاء (١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١٧٠/١). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٩٠/٣). (٣) كذا في الأصل، والظاهر أبي سعيد كما في ((سنن أبي داود)) (٥٦/١). ٥١٢ ٢ - كتاب الطهارة (١٨) باب (١٠٣) حديث إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ. ورد متصلاً عن عائشة أخرجه الترمذيّ في: ١ - كتاب الطهارة، ٨٠ - باب ما جاء إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. ٧٣/١٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ أَتِى عَائِشَةَ، زَوْجَ شهر الله. وسام النَّبِّ ◌َهِ، فَقَالَ لَهَا: لَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ اخْتِلاَفُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الختانين لروايته عن سعيد(١) حديث ((الماء بالماء)) كما هو مخرج في أبي داود وغيره، وفي آخر الحديث: وكان أبو سلمة يفعل ذلك يعني لا يغتسل إلا من الإنزال، فعاتبته على تقليده؛ لأنها - رضي الله عنها - كانت أعلم بمثل هذه المسائل. وقيل: يحتمل أنه كان في زمن الصبا قبل البلوغ، فرآهم يسألون مسائل الجماع، فسأل عنها كالفروج يسمع صياح الديكة فيصيح معها، وإن لم يبلغ مبلغ الصراخ. وقيل: يحتمل أنه كان يتكلم في المسائل كلام المشايخ وبحثهم ولم يبلغ مبلغهم، وحينئذ لا يختص بهذا السؤال خاصة. ثم أجابت سؤاله فقالت: (إذا جاوز) أي غاب (الخنان) مرفوعاً (الختان) منصوباً (فقد وجب الغسل) لعلها - رضي الله عنها - فهمت عن مقتضى المحل، والكلام أنه لا يسأل عن جميع ما يوجب الغسل وإن كان اللفظ عاماً، بل السؤال خاص بما أجابت عنه، ويحتمل الاختصار في الرواية . ٧٣/١٠٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب أن) عبد الله بن قيس (أبا موسى الأشعري) الصحابي - رضي الله عنه - (أتى) أم المؤمنين (عائشة زوج النبي ◌ّ فقال لها: لقد شق) أي صعب (عليَّ) بالياء المشددة (اختلاف أصحاب رسول الله (وَليلة) لعله شقَّ عليه لقوة ما معهم من الدلائل والأخبار الصحاح التي يتعلق بها الفريقان، فيشق عليه ترك بعضها والأخذ بالبعض. وفي رواية مسلم عن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهطٌ من ٥١٣ ٢ - كتاب الطهارة (١٨) باب (١٠٣) حديث فِي أَمْرٍ، إِنِّي لأَعْظِمُ أَنْ أَسْتَقْبِلَكِ بِهِ. فَقَالَتْ: مَا هُوَ؟ مَا كُنْتَ سَائِلاً عَنْهُ أُمَّكَ، فَسَلْنِي عَنْهُ. فَقَالَ: الرَّجُلُ يُصِيبُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ وَلا يُنْزِلُ؟ فَقَالَتْ: إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. المهاجرين والأنصار، فقال الأنصار: لا يجب الغسل إلا من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم في ذلك، فقمت واستأذنت على عائشة .. الحديث. (في أمر إني لأعظم) وأكبر (أن أستقبلك) وأواجهك (به) أي بذلك الأمر لكونه مما يستحيى ذكره بمحضر النساء سيما عند الأم فضلاً عن أم المؤمنين (فقالت: ما) استفهامية (هو) فإنه لا حياء في الدين (ما) موصولة (كنت سائلاً عنه أمك فسلني عنه) فإني أنا أيضاً أمك، زاده في مسلم. وفيه تنبيه على أن حرمتها مؤبدة، وأنها في ذلك بمنزلة الأم، وأن ما يجوز للرجل أن يستقبل به أمه فلا عليه أن يستقبل به أم المؤمنين (فقال) أبو موسى: (الرجل يصيب أهله) أي يجامع حليلته (ثم يكسل) بضم الياء وكسر السين، وقيل: بفتح الياء والسين من كسل من باب فرح، يقال: أكسل الرجل إذا جامع، ثم أدركه فتور فلم ينزل، أو معناه صار ذا كسل، ويقال: كسل الفحل إذا فتر عن الضراب، وفي ((العارضة))(١): يقال: أكسل الرجل، ويجوز كسل، وفي ((القاموس)): أكسل في الجماع خالطها ولم ينزل. ثم فسره بقوله: (ولا ينزل) ليحصل المقصود بأبلغ التصريح. (فقالت) عائشة - رضي الله عنها -: ((على الخبير سقطت))، كما في رواية مسلم. وهذا مثل يذكر في وجود المتعطش المشتاق إلى سماع الخبر لمن يكمله على حقيقته، قال أبو عبيد: يقال: إن الْمَثَلَ لملك بن جبير العامري، وكان من حكماء العرب. وبه تَمثَّلَ الفرزدق للحسين بن علي - رضي الله عنه - لما قاله: ما وراءك؟ قال: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك وسيوفهم (١) ((عارضة الأحوذي)) (١٦٩/١). ٥١٤ ٢ - كتاب الطهارة (١٨) باب (١٠٤) حديث فَقَالَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ: لا أَسْأَلُ عَنْ هُذَا أَحَداً، بَعْدَكِ أَبَداً . قال ابن عبد البر في كتابه (التقصي): هذا الحديث موقوف. وقد ورد متصلاً. أخرجه مسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٢٢ - باب نسخ (الماء من الماء) ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، حديث ٨٨. ١٠٤/ ٧٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ الأَنْصَارِيّ، مع بنى أمية، كذا في ((العارضة)) (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل). قال ابن عبد البر(١): وهذا وإن لم ترفعه ظاهراً لكن يدخل في المرفوع معنى؛ لأنه محال أن ترى رأيها حجة على الصحابة المختلفين، ومحال أيضاً تسليم أبي موسى رأيها مجرداً مع اختلاف الصحابة فيه، فلم يبق إلا أن أبا موسى علم أنها سمعت، انتهى مختصراً. قلت: رواية مسلم عن أبي موسى عن عائشة نص في الرفع، قالت: قال رسول الله ◌َّ: ((إذا جلس بين شعبها الأربع ومَسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسلُ)) (فقال أبو موسى الأشعري: لا أسأل عن هذا) الأمر (أحداً بعدك أبداً) يريد أنه قد أخذ بقولها في ذلك، ووثق بعلمها . ٧٤/١٠٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عبد الله بن كعب) الحميري بالكسر والسكون نسبة إلى حمير، المدني (مولى عثمان بن عفان) ذكره ابن حبان في ((الثقات))، روى له مسلم حديثاً في قبلة الصائم، والنسائي حديثاً في الصائم يصبح جنباً، قال في ((التقريب)): صدوق (أن محمود بن لبيد) بفتح اللام وكسر الموحدة ابن عقبة بن رافع (الأنصاري) الدوسي أبو نعيم المدني، صحابي صغير، جُلُّ روايته عن الصحابة، مختلف في صحبته، ذكره مسلم في التابعين، (١) انظر: ((الاستذكار)) (٩١/٣). ٥١٥ ٢ - كتاب الطهارة (١٨) باب (١٠٤) حديث سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، عَنِ الرَّجْلِ يُصِيبُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ وَلا يُنْزِلُ؟ فَقَالَ زَيْدٌ: يَغْتَسِلُ. فَقَالَ لَهُ مَحْمُودٌ: إِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، كَانَ لا يَرَى الْغُسْلَ. فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنْ أَبَيَّ بْنَ كَعْبٍ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ. والبخاري في الصحابة - رضي الله عنهم -، وقال أبو حاتم: لا تعرف له صحبة، كذا في ((الفتح الرحماني))، مات سنة ٩٦هـ، وقيل: بعدها، وله ٩٩ سنة. (سأل زيد بن ثابت الأنصاري عن الرجل يصيب) أي يجامع (أهله ثم يكسل) أي يدركه فتور كما تقدم (ولا ينزل) ما حكمه؟ (فقال زيد: يغتسل) يُشكل عليه ما روي عن زيد: أنه كان يقول: لا غسل عليه، والظاهر أن رواية الباب بعد رجوعه عنه، كما سيأتي مفصلاً (فقال له) أي لزيد (محمود: إن أبي بن كعب كان لا يرى الغسل) في الإكسال (فقال له زيد: إن أبي بن كعب نزع) بنون وزاي أي كف ورجع (عن ذلك) القول (قبل أن يموت). وأخرج ابن أبي شبيبة(١) والطبراني عن رفاعة بن رافع قال: كنت عند ابن عمر (٢) فقيل له: إن زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد بأنه لا غسل على من يجامع ولم ينزل، فقال عمر - رضي الله عنه -: عليَّ به، فأتي به فقال: يا عدو نفسه أو بلغ من أمرك أن تفتي برأيك؟ قال: ما فعلت يا أمير المؤمنين وإنما حدثني عمومتي عن رسول الله وَليفي، قال: أي عمومتك؟ قال: أبي بن كعب وأبو أيوب ورفاعة، فالتفت عمر إليّ، وقال: ما تقول؟ قلت: كنا نفعله على عهد رسول الله ◌َّلة، فجمع عمر الناس فاتفقوا على أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا عليّ ومعاذ - رضي الله عنهما -، فقالا: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر: لقد اختلفتم وأنتم أهل بدر! فقال علي (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١/ ١١١). (٢) والصواب على الظاهر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكذا هو في ((شرح معاني الآثار)) ((ش)). قلت: كذا هو في ((عمدة القاري)) (٩٣/٣). ٥١٦ -------- --- ------- ٢ - كتاب الطهارة (١٩) باب (١٠٥) حدیث ٧٥/١٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا جَاوَزَ الْخَِانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَّبَ الْغُسْلُ. (١٩) باب وضوء الجنب إذا أراد أن ينام أو يطعم قبل أن يغتسل لعمر: سل أزواج النبي ◌َّ﴾، فأرسل إلى حفصة فقالت: لا أعلم، فأرسل إلى عائشة، فقالت: ((إذا جاوز الختان الختان)) فقد وجب الغسل، فتحتم عمر - رضي الله عنه -، وقال: لا أوتى بأحد فعله، ولم يغتسل إلا أنهكته عقوبة، انتهى. فحديث الباب إفتاء منه بعد تلك القصة، وعلى هذا فلا يشكل أيضاً ما روى أبو داود والترمذي وجماعة عن أبي بن كعب: أن الماء من الماء كان رخصة أرخصها رسول الله # في أول الإسلام؛ لأن هذه الرواية تحمل على ما بعد الرجوع. ١٠٥/ ٧٥ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (كان يطول) ويفتي أنه (إذا جاوز الختان) بالرفع (الختان) بالنصب (فقد وجب الغسل) قال علماؤنا: إن القيد بالتقاء الختانين في الروايات خرج مخرج الغالب والعادة، وإلا فلو توارت الحشفة أو قدرها من مقطوع الذكر في القبل أو الدبر من آدمي حي وجب الغسل. (١٩) وضوء الجنب لفظ إسلامي يطلق عليه لبعده عن الصلاة والمساجد، يستوي فيه الذكر والأنثى والجمع والمفرد (إذا أراد أن ينام أو يطعم) بفتح أوله والعين من باب فرح: أي يأكل الطعام، وفي حكمه الشراب (قبل أن يغتسل) يعني الجنب إذا أراد أن يأكل شيئاً قبل الغسل أو ينام قبله فهل يتوضأ وما حكم الوضوء؟ أما الوضوء لمن أراد النوم، فقال الظاهرية وابن حبيب من المالكية: بوجوبه، والجمهور والأئمة الأربعة: باستحبابه، وما نقل ابن العربي(١) عن مالك (١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١٨٢/١). ٥١٧ ٢ - كتاب الطهارة (١٩) باب (١٠٦) حديث ٧٦/١٠٦ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، لِرَسُولِ اللَّهِ ێ﴾، والشافعي أنه لا يجوز له أن ينام قبل أن يتوضأ أُنْكِرَ عليه. قال ابن عبد البر(١): لا أعلم أحداً أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر، وسائر الفقهاء لا يوجبونه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحق ... ، اهـ. قال العيني (٢): وذهب طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه، وغسل ذكره ويديه وهو التنظيف، وذلك يسمى عند العرب وضوءاً، قالوا: وابن عمر - رضي الله عنه - لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل - كما سيأتي في آخر الباب - وهو روى الحديث وعلم مخرجه .. ، اهـ. وأما الوضوء لمن أراد أن يأكل أو يشرب فقد اتفق الكل على استحبابه، قاله الشوكاني. قلت: لكن مقتضى عباراتهم أن الوضوء للنائم آكد من الوضوء للآكل، بل كلام بعضهم كالباجي والطحاوي وغيرهم يشير إلى عدم الاستحباب في الأكل، فالظاهر أن تأكده في النوم أشد منه في الأكل، وبوب الشيخ ابن تيمية في ((منتقى الأخبار)) استحباب الوضوء لمن أراد النوم، ثم ذكر بعده: ((باب تأكيد ذلك للجنب واستحباب الوضوء له لأجل الأكل والشرب والمعاودة))، وهذا نص في أن الوضوء للنوم آكد منه لهؤلاء الثلاثة. ٧٦/١٠٦ - (مالك عن عبد الله بن دينار) هكذا لجميع رواة ((الموطأ))، وروى الإمام مالك خارج ((الموطأ)) عن نافع بدل ابن دينار، وعدَّه الدارقطني في ((غرائب مالك))، لكن الصواب أن الرواية عنهما معاً كما أثبته الحافظ وغيره وإن كانت رواية ابن دينار أشهر (عن عبد الله بن عمر) (١) ((الاستذكار)) (٣/ ٩٧). (٢) ((عمدة القاري)) (٧٨/٣). ٥١٨ ٢ - كتاب الطهارة (١٩) باب (١٠٦) حديث أَنَّهُ يُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنَ اللَّيْلِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «تَوَضَّأُ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ)) . أخرجه البخاريّ في: ٥ - كتاب الغسل، ٣٧ - باب الجنب يتوضأ ثم ينام. ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٦ - باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، حديث ٢٥. - رضي الله عنه - (أنه قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله مخلية) ومقتضى الحديث أنه من مسانيد ابن عمر - رضي الله عنه -، ورواه أبو نوح عن مالك فزاد فيه ((عن عمر))، وكذا روى أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر، أخرجه النسائي، قال الحافظ (١): ليس في هذا الاختلاف ما يقدح في صحة الحديث، فالظاهر أن ابن عمر - رضي الله عنه - حضر هذا السؤال (أنه تصيبه) ضمير المفعول لابن عمر كما هو مصرح في رواية النسائي(٢) بطريق نافع (الجنابة من الليل) أي في الليل، وتمام سؤاله - رضي الله عنه - محذوف كما يدل عليه الجواب، أو اكتفى في السؤال على هذا القدر، وفهم النبي ◌ّ غرض السؤال أنه النوم قبل الغسل. (فقال له رسول الله قال: توضّأ) يمكن أن يكون ابن عمر - رضي الله عنه - حاضراً إذ ذاك فخاطبه بذلك، ويمكن أن يكون الخطاب لعمر - رضي الله عنه -؛ لأنه كان سائلاً، وفي رواية أبي نوح فقال: ((ليتوضأ ويرقد))، والمراد بالوضوء على الظاهر وضوء الصلاة كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - الآتي، وكما هو مصرح في رواية غيرها، ويحتمل الوضوء اللغوي بمعنى غسل الذكر والأيدي وغير ذلك كما سيأتي في آخر الباب (واغسل ذكرك) أي قبل الوضوء كما في رواية أبي نوح بلفظ ((اغسل ذكرك ثم توضأ)) فالواو في حديث الباب لمجرد الجمع (ثم نم). (١) ((فتح الباري)) (٣٩٣/١). (٢) (سنن النسائي)) (١٤٠/١). ٥١٩ ٢ - كتاب الطهارة (١٩) باب (١٠٧) حدیث ٧٧/١٠٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ بَ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: إِذَا أَصَابَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ، فَلا يَنَمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ والحديث قد استدل به من قال بوجوب الوضوء، وحمله الجمهور على الاستحباب لرواية عائشة - رضي الله عنها - ((كان عليه السلام ينام جنباً ولم يمسَّ ماء)) أخرجه أبو داود(١) والترمذي، واستدل ابن خزيمة وأبو عوانة عليه بقوله : ((إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة))، وبأثر ابن عمر - رضي الله عنه - الآتي. واختلفوا في حكمة هذا الوضوء، فقيل: يخفف الحدث لا سيما على قول من جوّز تفريق الغسل، وقيل: يُنَشِّطُ إلى العود أو إلى الغسل، وقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت كما روي في حديث ميمونة بنت سعد عند الطبراني وفيه: ((فأخشى أن يتوفى ولا يحضره جبرئيل)) وقيل: إن الملائكة تبعد عن الوسخ والرائحة الكريهة والشياطين تقرب من ذلك. ونقل الباجي عن الإمام مالك: لا يبطل هذا الوضوء ببول ولا غائط ولا بشيء إلا بمعاودة الجماع، فإن جامع بعده أعاده، واستنبط منه السيوطي لغزاً لطيفاً، وهو: أيُّ وضوءٍ لا يبطله الحدث، ويبطله الجماع(٢). ٧٧/١٠٧ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير - رضي الله عنه - (عن عائشة زوج النبي ﴿ 284 أنها كانت تقول: إذا أصاب أحدكم) أي جامع (المرأة ثم أراد أن ينام قبل أن يغتسل فلا ينم) بصيغة النهي (حتى يتوضأ (١) أخرجه أبو داود في أبواب الطهارة (٢٢٨)، والترمذي (٨٧)، وابن ماجه (٥٨١ - ٥٨٢). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٩٠/١). ٥٢٠