Indexed OCR Text

Pages 461-480

٢ - كتاب الطهارة
(١١) باب
(٨٠) حدیث
٥٠/٨٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ؛
أَنَّهُ رَأَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ الدَّمُ، حَتَّى تَخْتَضِبَ
أَصَابِعُهُ، ثُمَّ يَفْتِلُهُ، ثُمَّ يُصَلِي وَلاَ يَتَوَضَّأُ .
وقال أيضاً: قوله: ((يصلي ولا يتوضأ)) يحتمل معنيين: يحتمل؛ أنه يقصد أن
مثل هذا القدر من الدم لا يوجب الوضوء؛ فهو مذهب من يقول: إن خروج الدم
ينقض الطهارة. والوجه الثاني: أنه يريد به أنه لا يغسل الدم الخارج من أنفه،
انتهى. وسيجىء من كلام الإمام محمد، وهو الأوجه لئلا يخالف ما تقدم عنه من
الوضوء، وإِن لم يجمع بهذا، فالرواية المتقدمة أرجح؛ لأن يزيد بن عبد الله أوثق
من عبد الرحمن بن حرملة، كما لا يخفى على من له ممارسة بالرجال.
٥٠/٨٠ - (مالك عن عبد الرحمن بن المجبر) بضم الميم وفتح الجيم
والموحدة (أنه رأى سالم بن عبد الله) بن عمر - رضي الله عنه - (يخرج من أنفه
الدم حتى تختضب أصابعه ثم يفتله) بكسر التاء أي يُحَرِّكهُ، ولفظ رواية محمد
أنه رأى سالم بن عبد الله يُدْخل أصبعه في أنفه أو أصبعيه، ثم يخرجها وفيها
شيءٌ من دم فيفتِلُهُ (ثم يصلي ولا يتوضأ) قال الباجي: هذا في اليسير على ما
تقدم، انتهى، فلا يغسله وكذا عند الحنفية لم يتوضأ لقِلَّته.
قال الإمام محمد بعد سرد هذه الروايات كلها: وبهذا كله نأخذ، أما
الرعاف فإن مالك بن أنس كان لا يأخذ بذلك، ويرى إذا رعف الرجل في
صلاته أن يغسل الدم ويستقبل الصلاة، فأما أبو حنيفة فإنه يقول بما روى مالك
عن ابن عمر وعن سعيد بن المسيب: إنه ينصرف، فيتوضأ، ثم يبني على ما
صلى إن لم يتكلم؛ وهو قولنا .
وأما إذا أدخل الرجل أصبعه في أنفه فأخرج عليها شيئاً من الدم فهذا لا
وضوء فيه؛ لأنه غير سائل ولا قاطر، وإنما الوضوء في الدم مما سال أو قطر،
وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - انتهى. فعُلِمَ بهذا أن روايتي الباب
محمولتان على القليل بالاتفاق بين الحنفية والمالكية، فلا وضوء إذاً عند
الحنفية، ولا غسل الدم عند المالكية.
٤٦١

٢ - كتاب الطهارة
(١١) باب
(٨٠) حديث
ثم ظاهر كلام الإمام محمد أن الإمام مالكاً لا يُجَوِّز البناء مطلقاً، قال
الشيخ عبد الحي في هامشه(١): وليس كذلك، كما يظهر من كلام ابن
عبد البر(٢) حيث قال: أما بناء الراعف على ما قد صلى ما لم يتكلم فروي عن
عمر وعلي وابن عمر، وروي عن أبي بكر أيضاً، ولا يخالف لهم من الصحابة
إِلا المِسْوَرُ، وروي البناء للراعف عن التابعين بالحجاز والعراق والشام، ولا
أعلم منهم خلافاً إلا الحسن البصري، فإنه ذهب في ذلك إلى مذهب المسور:
أنه لا يبني من استدبر القبلة في الرعاف ولا في غيره، وأحد قوليَ الشافعي.
وقال مالك: من رعف في صلاته قبل أن يصلي ركعة فينصرف ويغسل الدم،
ويرجع فيبتدىء الإقامة والتكبير، ومن أصابه في وسط صلاته أو بعد أن يركع
ركعة بسجدتيها، ينصرف ويغسل الدم ويبني على ما صلى حيث شاء إلا الجمعة
فإنه لا يصليها إلا في الجامع.
قال مالك: ولولا خلاف من مضى لكان أحب إليّ للراعف أن يتكلم
ويبتدىء صلاته من أولها. قال مالك: ولا يبني أحد في القيء ولا في شيء
من الأحداث، ولا يبني إلا الراعف وحده، وعلى ذلك جمهور أصحابه، وعن
الشافعي في الراعف روايتان؛ إِحداهما: يبني، والأخرى: لا يبني، انتهى.
قال في ((الهداية))(٣): ومن سبقه الحدث في الصلاة انصرف، وتوضأ
وبنى، والقياس أن يستقبل، وهو قول الشافعي، ثم ذكر دلائلهم. وقال في
حاشيته عن ((النهاية)): كان مالك يقول في الابتداء: يبني، ثم رجع، وقال: لا
یبني .
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٤٨/١).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٢/٢) و((التمهيد)) (١٨٨/١ - ١٨٩).
(٣) ((الهداية مع فتح القدير)) (٣٤/١ - ٤٢).
٤٦٢

٢ - كتاب الطهارة
(١٢) باب
(١٢) باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف
وقال الشوكاني بعد ذكر حديث عائشة مرفوعاً: ((من أصابه قيء أو
رعاف)) الحديث: وفيه دلالة على أن الصلاة لا تفسد على المصلي إذا سبقه
الحدث، وذهب إلى ذلك أبو حنيفة وصاحباه، ومالك، وهو قديم قولي
الشافعي، والخلاف في ذلك للهادي والشافعي في أحد قوليه، فإن تعمد
خروجه فإجماع على أنه ناقض، انتهى.
قال الشعراني: ومن ذلك قول مالك والشافعي - في الجديد - وأحمد:
إن من سبقه الحدث بطلت صلاته، مع قول أبي حنيفة والشافعي - في القديم -:
إنه يبني عليها بعد الطهارة. ومع قول الثوري: إن كان رعافاً أو قيئاً بنى، وإن
كان ريحاً أو ضحكاً أعاد، قال ابن رسلان: والجديد من قولي الشافعي - وبه
قال مالك - أنه يبطل صلاته. وفي القديم - وبه قال الحنفية - أنه يتوضأ ويبني
على صلاته. وصرح مالك بالبناء في الرعاف في ((المدونة).
قال ابن قدامة في ((المغني))(١): فأما الذي سبقه الحدث فتبطل صلاته
ويلزمه استئنافها، وعن أحمد أنه يتوضأ ويبني، وعنه رواية ثالثة: إن كان
الحدث من السبيلين ابتدأ، وإن كان من غيرهما بنى، فعلم بهذا كله أن لغير
الحنفية من الأئمة الثلاثة في مسألة الباب أكثر من رواية واحدة، والواحدة منها
توافق الحنفية .
(١٢) العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف
بالغين المعجمة والباء الموحدة في المشهور من النسخ، وفي بعضها
(بعلى)) الجار الداخل على الضمير.
اعلم أن الدم السائل نجس عند المالكية أيضاً، كما هو عند الحنفية،
(١) (٥٠٨/٢).
٤٦٣

٢ - كتاب الطهارة
(١٢) باب
(٨١) حديث
٥١/٨١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَة، أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي طُعِنَ فِيهَا
والمعفو عندهم أيضاً مقدار الدرهم، كما في ((مختصر الخليل)) (١). والفرق بين
الحنفية والمالكية في نقض الوضوء فقط. والشافعية مع المالكية، والحنابلة مع
الحنفية، كما تقدم. ومقصود الإمام بالترجمة أنه صار معذوراً فلا يفسد صلاته
به، ويُغْتفر في الثياب أيضاً، وبه قالت الحنفية، وقالوا أيضاً: لا ينقضُ وُضُوؤُه
بهذا الدم.
٥١/٨١ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (أن المسور)
بكسر الميم وإسكان السين المهملة وفتح الواو وآخرها راء مهملة (ابن مخرمة)
بفتح الميم وإِسكان الخاء المعجمة، ابن نوفل أبو عبد الرحمن، له ولأبيه
صحبة، مات سنة ٦٤ هـ (أخبره) أي أخبر المسور عروة (أنه دخل) وظاهره أن
الداخل المسور، وفي نسخة ((دخل رجل)) وظاهره أنه غيره، ويحتمل أنه عَبَّرَ
نفسه بالغائب (على) أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين (عمر بن الخطاب)
- رضي الله عنه - (من الليلة التي طعن) ببناء المجهول (فيها) من أبي لؤلؤة
فيروز النصراني، وقيل: اليهودي، عَبْدٌ لمغيرة بن شعبة.
قال الباجي(٢): قوله: إنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي
طُعِنَ فيها، ظاهره أن وقت صلاة الصبح من الليل، لأن الذي صحَّ عن عمر
- رضي الله عنه - أنه طعن في صلاة الصبح من أول ركعة، ولعل هذا مخالف
لتلك الرواية، ويحتمل أنه أراد بذلك من الوقت المتصل بتلك الليلة. وعند
مالك أن النهار من طلوع الفجر. وقد روى عيسى عن ابن القاسم: أن عمر -
رضي الله عنه - مات من يومه الذي طعن فيه، انتهى.
(١) انظر: ((مختصر الخليل مع الخرشي)) (١٠٧/١).
(٢) ((المنتقى)) (٨٦/١).
٤٦٤
------

٢ - كتاب الطهارة
(١٢) باب
(٨١) حديث
قلت: ليت شعري ما أشكل على الباجي في توضيح الرواية تعيين الليلة،
فإطلاق الليلة على صلاة الصبح - تجوزاً - ليس بمستبعد، بل قال صاحب
((القاموس)): الليل من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر أو الشمس. وحمله على
الليلة الآتية كما يظهر من كلامه ليس بوجيهٍ، فإن أهل التاريخ اتفقوا على أنه -
رضي الله عنه - توفي من يومه ذلك، فهذه الصلاة التي أيقظ لها المسور كانت
تلك الصلاة التي طُعِن فيها، ومعنى الإيقاظ التنبيه من الغشيان.
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): فصلى عبد الرحمن صلاة خفيفة بأقصر
سورتين: الكوثر، وإِذا جاء نصر الله والفتح. وفي رواية: ثم غلب على عمر
النزف حتى غُشِي عليه، فاحتملته في رهط حتى أدخلته بيته، فلم يزل في غشيته
حتى أسفر، فنظر في وجوهنا فقال: أصلى الناس؟ فقلت: نعم، قال: لا
إسلام لمن ترك الصلاة ثم توضأ وصلى. وفي رواية: فتوضأ وصلى وجرحه
يثعب دماً، وإِني لأضع أصبعي الوسطى فما تسد الفتق، انتهى مختصراً.
فَعُلِمَ منه أن القصة لتلك الصلاة لا غير. ووقع التخليط لابن قتيبة في
كتابه ((الإمامة والسياسة)) في تقدم بعض القصص على بعض حتى أوهم كلامه
أن القصة لم تكن لصلاة الصبح، وصريح رواية ((الموطأ)) هذه ترد عليه.
ويستدل بأثر عمر - رضي الله عنه - على جواز الاستخلاف إذ استخلف عبد
الرحمن بن عوف، وعليه الجمهور.
قال الشعراني في ((ميزانه)): ومن ذلك قول الأئمة الثلاثة: إن الإمام إذا
أحدث في صلاته جاز له الاستخلاف، وهو الجديد الراجح من مذهب
الشافعي - رحمه الله - مع قوله في القديم بعدم الجواز.
واستدل ابن قدامة في ((المغني)) بهذا الأثر على جواز الاستخلاف،
(١) ((فتح الباري)) (٧/ ٨٠).
٤٦٥

٢ - كتاب الطهارة
(١٢) باب
(٨١) حديث
فَأَيْقَظَ عُمَرَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ. وَلا حَظّ فِي الإِسْلاَم
لِمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ.
وقال: هو مذهب الحسن والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب
الرأي، انتهى. (فأيقظ عمر لصلاة الصبح) يقتضي أن ذلك يجب عليه، والصلاة
لا تسقط بجرح ولا شدةٍ مع بقاء العقل، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه -:
ولا حظ في الإسلام، إلخ.
قال أبو عمر (١): قال ابن عباس - رضي الله عنه -: لما طعن عمر
- رضي الله عنه - احتملته أنا ونفر من الأنصار حتى أدخلناه منزله، فلم يزل في
غشية واحدة حتى أسفر، فقال رجل: إنكم لن تفزعوه بشيء إلا بالصلاة، قال:
فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين (فقال عمر: نعم) بفتحتين أي استيقظ، أو بكسر
فسكون أي نِعْمَ ما أيقظتني إليه (ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة).
اختلف العلماء في تارك الصلاة عمداً تكاسلاً بعد الاتفاق على أن تاركه
منكراً كافر، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين بحيث
يبلغه وجوب الصلاة، فقال مالك والشافعي: إنه لا يُكَفَّرُ بل يُفَسَّقُ، فإن تاب
وإلا فقتلناه حدّاً كالزاني المحصن إلا أنه يقتل بالسيف.
وذهب جماعة إلى أنه يُكَفَّرُ، وهو مروي عن علي - رضي الله عنه -
وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال ابن المبارك وإسحاق بن
راهويه، وهو وجهٌ لبعض الشافعية. وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة
والمزني من الشافعية إلى أنه لا يُكَفَّرُ، ولا يُقْتَل، بل يُحْبَسُ حتى يتوب. كذا
في ((النيل))(٢).
وبعد هذا، فاختلف العلماء في معنى قول عمر - رضي الله عنه - على
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨٠/٢).
(٢) (١/١ - ٣٣١).
٤٦٦

٢ - كتاب الطهارة
(١٢) باب
(٨١) حديث
فَصَلَّى عُمَرُ، وَجُرْحُهُ يَتْعَبُ دَماً .
اختلافهم في حكمه، فقيل: لا حظّ له في الإسلام، أي يُكَفَّرُ. قال السيوطي:
أخذ بظاهره من كَفَّرَ بترك الصلاة تكاسلاً، ولكن الجمهور لما لم يقولوا بكفره
- كما تقدم مع الاختلاف بينهم في قتله - فقالوا: معناه: أي تركها مُكَذِّباً لها .
وقيل: لا تقبل سائر أعماله، ولا يُنْتفع بها، لأن الصلاة أولها عرضاً وقبولاً،
وأرفعها شأناً، فمن تركها بطل نصيبه من سائر الأعمال. وقيل: معناه: ليس له
في الإسلام حظّ يُحْقَنُ به دمه، قاله الباجي.
قلت: وهذا الأخير يقوله من قال: بقتله حداً. وقال ابن عبد البر(١):
يعني لا كبيرَ حظ له في الإسلام، فهو كخبر ((لا صلاة لجار المسجد إلا في
المسجد))، ((ولا إيمان لمن لا أمانة له)) وهو كلام خرج على ترك عمل الصلاة
لا على جحودها، انتهى. قلت: وهو ظاهر السياق.
(فصلى عمر) - رضي الله عنه - صلاة الصبح (وجرحه يثعب) بمثلثة فعين
مفتوحة؛ أي يجري ويتفجر (دماً). ولما كان عمر - رضي الله عنه - دخل في
حكم المعذور عند الحنفية والمالكية معاً، فما بطلت صلاته بخروج الدم،
وأغْتُفر في ثيابه أيضاً، ولذا لا يصح الاستدلال به على الحنفية في عدم
انتقاض الوضوء من خروج الدم، ولذا قيد ترجمة الباب بغلبة الدم.
وبوّب عليه الشيخ الدهلوي في ((المصفَّى)) ((باب من به جرحٌ سائلٌ يُغْتفر
له ما يتعلق بجسده وثوبه من ذلك الجرح)، وذكر في ((المسوَّى))(٢) في آخر
الحديث، قلت: وعليه أهل العلم. وثعب: أي سال، والمشهور من مذهب
الشافعي أن الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة، إِن كان دمها يدوم
سيلانه غالباً، كالمستحاضة يجب غسله لكل فريضة، وصحّح النووي العفو عن
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨١/٢).
(٢) (١٣٧/١).
٤٦٧

٢ - كتاب الطهارة
(١٢) باب
(٨٢) حديث
٥٢/٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِيمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ رُعَافٍ فَلَمْ
يَنْقَطِعْ عَنْهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: قال يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: ثُمَّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ
المُسَيَّبِ: أَرَى أَنْ يُومِى بِرَأْسِهِ إِيمَاءً.
قليله وكثيره لعموم البلوى، وفي ((العالمكيرية)) (١) إن كان بحال يتنجَّس الثوب
ثانياً قبل الصلاة جاز أن لا يغسل وإلا فلا، انتهى بلفظه.
٥٢/٨٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن سعيد بن المسيب
قال: ما ترون فيمن غلبه الدم من رعاف) أي يكثر سيلانه (فلم ينقطع عنه)،
وسؤال سعيد لأصحابه على سبيل الاستخبار بالمسائل والتدريب بالفهم،
ويحتمل أن يكون تنبيهاً لهم، قاله الباجي(٢)، (قال يحيى بن سعيد) المذكور،
ولعل التلاميذ سكتوا أدباً فأجاب سعيد بن المسيب بنفسه، ويحتمل أنهم أيضاً
أجابوا المسألة على وفق اجتهادهم، وحذفه الراوي، ورواية محمد في
((موطئه)) (٣) بغير هذا السياق، ولفظه: أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن
المسيب أنه سئل عن الذي يرعف فيكثر عليه كيف يصلي؟ قال: يومئ إيماء
برأسه في الصلاة، اهـ.
(ثم قال سعيد بن المسيب) في جواب ما سألهم (أرى أن يُومىء برأسه
إيماء) قال الباجي: واختلف أصحابنا في توجيه ذلك، فقال ابن حبيب: إنما
ذلك ليدرأ عن ثوبه الفساد بالإيماء له؛ لأنه لو ركع وسجد لأفسد ثوبه، وقال
محمد بن مسلمة: إنما ذلك إذا كان الرعاف يَضُرُّ به في ركوعه كالرمد ومن لا
يقدر على السجود، انتهى مختصراً.
قلت: والتوجيه الأول يختص بالمالكية؛ لأن عندنا الحنفية لا ينقض
(١) ((الفتاوى الهندية)).
(٢) ((المنتقى)) (١/ ٨٧).
(٣) (ص٤٠).
٤٦٨

٢ - كتاب الطهارة
(١٣) باب
(٨٣) حديث
قَالَ يَحْبَىَ: قَالَ مَالِكٌ: وَذلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذُلِكَ.
(١٣) باب الوضوء من المذي
٥٣/٨٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى
عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ،
وضوؤه بذلك العذر، ويُغتفر في ثوبه أيضاً بل ارتفع نجاسته في حقه للعذر،
وعُفي عنه. وأما التوجيه الثاني فيتمشى على قواعدنا أيضاً، وهو الأوجه؛ لأنه
منقول عن تلميذ صاحب الكتاب والراوي عنه، فقال الإمام محمد في موطئه :
وأما إذا كثُر الرعافُ على الرجل، فكان إن أَوماً برأسه إيماء لم يرغُف، وإن
سجد رعف أومأ برأسه إيماءً، وأجزأه، وإن كان يرعف كل حالٍ سجد،
انتھی .
(قال مالك: وذلك أحبُّ ما سمعتُ إليَّ في ذلك) وتقدم معناه.
(١٣) الوضوء من المذي
بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء على الأفصح، وكغني :
ماءٌ أبيضُ رقيقٌ لَزِجٌ يخرج عند الملاعبة أو النظر أو تذكر الجماع؛ وقيل:
يخرج عند الشهوة الضعيفة، وقد لا يُحسّ بخروجه، وفي حكمه الودي -
بالمهملة - عندنا الحنفية، وسيجيء في الباب الآتي.
٥٣/٨٣ - (مالك عن أبي النضر) بالنون المفتوحة فضاد معجمة ساكنة
آخره راء مهملة، سالم بن أمية القرشي مولاهم المدني ثقة ثبت، وكان يرسل،
مات سنة ١١٩ هـ (مولى عمر) بضم العين (ابن عبيد الله) بالتصغير، والإضافة،
وفي (موطأ محمد)) (١) بدون الإضافة، ولعله وهم من الناسخ، وفي ((التهذيب))
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٦٠/١).
٤٦٩

٢ - كتاب الطهارة
(٨٣) حديث
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ؛
(١٣) باب
للحافظ: ابن عبد الله بدون التصغير، وهو أيضاً غلط الكاتب، ابن معمر بن
عثمان القرشي، أحد وجوه قريش جواد شجاع، وجده معمر صحابي ابن عم
والد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، قاله الزرقاني.
(عن سليمان بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة،
ثقة فاضل كثير الحديث، قال مالك: كان سليمان من علماء الناس بعد ابن
المسيب، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المنورة. ولد سنة ٣٤هـ، واختلف في
موته من سنة ٩٤ إلى سنة ١٠٧هـ.
(عن المقداد بن الأسود) وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني، بفتح
الموحدة والراء بينهما هاء ساكنة - قبيلة من خزاعة منسوب إلى بهر بن عمرو بن
الحاف - بزيادة النون كما في رجال ((جامع الأصول)) ثم الكندي لما حالف
أبوه بني كندة.
وكان الأسود بن عبد يغوث الزهري تبنّاه وهو صغير فنسب إليه، وقال
ابن عبد البر(١): الصحيح أنه نسب إليه؛ لأنه كان حليفه، صحابي مشهور من
السابقين شهد المشاهد كلها، كان فارساً يوم بدر ولم يثبت أنه شهدها فارس
غيره، مات سنة ٣٣هـ اتفاقاً، وهو ابن سبعين سنة.
قال الزرقاني: في السند انقطاع لأن سليمان ولد بعد موته بسنة، وقد
أخرج مسلم والنسائي من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن
سليمان بن يسار عن ابن عباس قال: قال علي: أرسلت المقداد، الحديث،
فلعل بينهما ابن عباس، انتهى.
قلت: أخذ الزرقاني هذا القول من ابن عبد البر وتبعه السيوطي، وهو
مبني على تحقيق ولادته، وهو مختلف بين أهل الرجال، أخرج ابن حبان
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢٠٢/٢١).
٤٧٠
- --

٢ - كتاب الطهارة
(١٣) باب
(٨٣) حديث
أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب أَمَرَهُ أَنْ يَسَأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ لَّه عَنِ الرَّجُلِ،
إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ، مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ عَلِيٍّ: فَإِنَّ
عِنْدِي ابْنَةَ رَسُول اللَّهِ وَله، وأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ. قَالَ الْمِقْدَادُ:
فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ مِثْهِ، عَنْ ذُلِكَ،
حديثه عن المقداد في ((صحيحه)) وقال: قد سمع سليمان من المقداد وهو ابن
عشر سنين، وجزم البيهقي تبعاً للإمام الشافعي - رضي الله عنه - أن حديثه
مرسل(١)، كما ذكره الحافظ في ((تهذيبه)).
(أن) أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه (أمره) أي المقداد
(أن يسأل له) أي لعلي (رسول الله وَّيل عن الرجل إذا دنا) أي قرب (من أهله)
أي حليلته (فخرج منه المذي) للملاعبة (ماذا) يجب (عليه) من الوضوء أو
الغسل. وذكر أبو داود والنسائي وغيرهما سبب السؤال عن علي - رضي الله
عنه - قال: كنت رجلا مذّاء فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقّق ظهري،
الحديث (قال علي) وهذا اعتذار منه - رضي الله عنه - من أنه لا يسأله بنفسه
(فإن عندي) وتحتي (ابنة رسول الله ◌َي﴾ وأنا) لأجلها (أستحي).
ذكر اليافعي في ((الإرشاد)) أن الحياء على أقسام. ونقله في ((التعليق
الممجد))(٢) لو شئت التفصيل فارجع إليه (أن أسأله) أي رسول الله وَ ل عن
ذلك؛ لما أن المذي يخرج من الملاعبة، وفي السؤال عن كثرته تعريض بحال
ابنته، ومثل ذلك لا يكاد يفصح بحضرة الأكابر.
(قال المقداد: فسألت رسول الله وَالل عن) حكم (ذلك) وظاهره أن متولي
(١) قال ابن عبد البر: والحديث ثابت عند أهل العلم صحيح، له طرق شتى. ((الاستذكار))
(١١/٣).
والحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم ح (١٣٢) وفي كتاب الغسل ح (٢٦٩) وأخرجه
النسائي في الطهارة (٩٦/١).
(٢) (٢٦٢/١).
٤٧١

٢ - كتاب الطهارة
(١٣) باب
(٨٣) حدیث
السؤال المقداد، واختلفت الروايات فيه كثيراً، بسطها العيني (١) أحسن بسط،
وللنسائي وغيره: أن علياً - رضي الله عنه - أمر عماراً أن يسأل. وفي الترمذي
وابن ماجه وغيرهما عن علي قال: سألت النبي ◌َّ عن المذي، فقال: من
المذي الوضوء، ومن المني الغسل.
واختلف العلماء في الجمع بينها بأقوال؛ ١ - فجمع ابن حبان بأن علياً -
رضي الله عنه - أمر عماراً أن يسأل ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه.
قال الحافظ(٢): وهو جمع جيد إلا آخره، فيخالفه قوله: ((وأنا أستحي))،
اهـ. قلت: ويمكن أن يجاب عنه بأن الاستحياء كان مانعاً في الابتداء لكنهما
لما أبطآً في السؤال سأل بنفسه لشدة احتياجه إليه، ٢ - وقال الحافظ: فتعين
حمله على المجاز، بأن بعض الرواة أطلق أنه سأله لكونه الآمر بذلك، وبه
جزم الإسماعيلي والنووي، ٣ - وجمع بعضهم بأن السؤال بالواسطة كان
الخصوص نفسه، والحياء منه واضح، وباشر نفسه عن مطلق حكم المذي، وهو
محتمل وإن لم يرتضه القاري، ٤ - وجمع العلامة العيني، بأنه - رضي الله عنه -
أمر عماراً، ثم أمر المقداد أن يسأله، فسأله أحدهما أو كلاهما، ثم سأل هو
بنفسه لمزيد الاحتياج أو الاحتياط، وأيده باختلاف الجواب في الروايات.
وجمع شيخي ووالدي(٣) - نوّر الله مرقده - عند قراءتنا عليه بجمعين: ٥ -
أحدهما: أنه - رضي الله عنه - أمر أحدهما أولاً ثم الآخر منهما، ولما أبطأ
في السؤال سأل - رضي الله عنه - بنفسه لشدة احتياجه إليه، وسألا أيضاً في
الأوقات المختلفة وأخبراه به، ولذا اختلفت الأجوبة، ويصح إذن نسبة السؤال
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٠٥/٢).
(٢) (٣٨٠/١).
(٣) ((الكوكب الدري على جامع الترمذي)) (١٤٦/١).
٤٧٢

٢ - كتاب الطهارة
(١٣) باب
(٨٣) حديث
فَقَالَ: ((إِذَا وَجَدَ ذُلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ،
إلى كل منهم على الحقيقة. ٦ - والثاني: أنه - رضي الله عنه - سألهما معاً أن
يسألاه ◌َّ، كما ورد عند عبد الرزاق عن عابس قال: تذاكر علي والمقداد
وعمار المذي، فقال علي: إنني رجل مذّاء، فاسألا عن ذلك النبي وَلّ، فسأله
أحد الرجلين - الحديث. فتولى السؤال أحدهما وهو المقداد مثلا بمحضر
عمار وعلي - رضي الله عنهما -، قال الحافظ(١): الظاهر أن علياً كان حاضر
السُؤال، ثم أيده بوجهين، وفي هذين الاحتمالين يبدو الجموع الكثيرة، ٧ -
بأنه - رضي الله عنه - أمرهما منفرداً فسألاه مجتمعاً، ٨ - وكذا العكس،
وغيره، ذلك مما لا يخفى على المتأمل.
(فقال) النبي ◌ّ (إذا وجد ذلك) أي خروج المذي (أحدكم) بالرفع
(فلينضح) ضبطه النووي بكسر الضاد، وقيل: الأفصح الفتح، بسطه السيوطي،
واختلف في ضبطه شراح البخاري، ونقل صاحب ((الفتح الرحماني)) تغليط
الكسر عن العيني. والنضح لغة: الرش والغسل، ويراد به الغسل الخفيف،
ويوضحه رواية القعنبي وابن بكير وغيرهما بلفظ فليغسل (فرجه بالماء).
اعلم أن العلماء بعدما أجمعوا على أن في المذي الوضوء دون الغسل،
وعلى أن المذي نجس ولا خلاف فيهما لمن يعتّد به، خالفوا هناك في ثلاثة
مسائل: إحداها؛ الاكتفاء على الحجر، فلا يجوز عند بعض المحدثين، إذ
قالوا: يتعين الماء لغسله، كما يظهر من ((النيل)) و ((المغني)) وغيرهما، قال
الطيبي: لا يجوز الاقتصار على الحجر لندرته. قال الشوكاني: ويستدل به على
أنه يتعين الماء في تطهيره.
قال العيني: قال عياض: اختلف أصحابنا في المذي هل يجزىء منه
الاستجمار كالبول أو لا بدَّ من الماء، اهـ. ويجوز عند الحنفية الاكتفاء على
(١) (فتح الباري)) (١/ ٣٧٩).
٤٧٣

٢ - كتاب الطهارة
(١٣) باب
(٨٣) حديث
الحجر، كما صرح به في ((البدائع)) وغيره، وصححه النووي من الشافعية في
مؤلفاته غير ((شرحه على مسلم))، وقال الحافظ: وهو المعروف في المذهب.
قال ابن رسلان: وصحح النووي في غير ((شرح مسلم)) جواز الاقتصار على
الأحجار إلحاقاً للمذي بالبول، وحملاً للأمر به على الاستحباب أو على أنه
خرج مخرج الغالب، وهو المعروف في مذهب الشافعي. وقال العيني: وقال
ابن دقيق العيد: استدل بالحديث المذكور على تعين الماء فيه دون الأحجار
أخذاً بالظاهر، ووافقه النووي على ذلك في ((شرح مسلم)) وخالفه في باقي
كتبه، وحمل الأمر بالغسل على الاستحباب، انتهى.
قلت: وكذلك الاكتفاء على الحجر، وهو رواية عن الإمام أحمد كما
يظهر من كلام ((المغني)) (١) و((الشرح الكبير))، إذ قالا: والرواية الثانية لا يجب
أكثر من الاستنجاء والوضوء، روي ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنه - وهو
قول أكثر أهل العلم.
فظاهر كلام الخرقي كما في حديث سهل بن حنيف إذ قال له ◌َاليه: ((إنما
يجزئك من ذلك الوضوء)»، أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح،
ولأنه خارج لا يوجب الاغتسال أشبه الودي، والأمر بالنضح وغسل الذكر
والأنثيين محمول على الاستحباب؛ لأنه يحتمله، وقوله: ((يجزئك من ذلك
الوضوء)) صريح في حصول الإجزاء به، فيجب تقديمه، انتهى مختصراً.
والاختلاف الثاني: هل يغسل موضع النجاسة فقط أو الذكر بتمامه فقط -
وهو رواية عن المالكية(٢)، كما في الباجي - أو مع الأنثيين أيضاً، وهو رواية
عن الحنابلة كما في ((المغني)) والأول قول الجمهور كما قاله الحافظ، وهو
(١) (٢٣٣/١).
(٢) قال ابن عبد البر: قد جعل مالك المذي أشد من البول، وقال: لأن الفرج يغسل منه
((الاستذكار)) (١٩/٣).
٤٧٤

٢ - كتاب الطهارة
(١٣) باب
(٨٣) حديث
وَلْيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ)).
أخرجه مسلم عن ابن عباس في: ٣ - كتاب الحيض، ٤ - باب المذي،
حديث ١٩.
رواية عن المالكية، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، كما في ((الباجي)). وبه قال
ابن حزم الظاهري مع ظاهريته، وقال: إيجاب غسل كله شرع لا دليل عليه،
كما في ((النيل))، وحملوا روايات الغسل على الاستحباب، كما تقدم عن
((المغني))(١) وغيره، أو على العلاج، كما قال الطحاوي من أن الأمر به
ليتقلص الذكر، فلا يخرج منه المذي.
وقيل: إنهم كانوا لا يتنزَّهون عن المذي تنزههم عن البول ظناً منهم أنه
أخف - كما نقله القاري - فشدّد النبي ◌ّليل في ذلك، كما في مسألة الكلاب.
قال ابن رسلان: الجمهور نظروا إلى المعنى، فإن الموجب لغسله إنما هو
خروج الخارج فلا يجب المجاوزة إلى غير محله، ويؤيده ما رواه الإسماعيلي
في روايته بلفظ ((توضأ واغسله)) أي المذي، اهـ.
والثالث: حكى الطحاوي عن قوم أنهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد
خروجه، ثم رد عليهم بحديث علي - رضي الله عنه - مرفوعاً بلفظ ((فيه الوضوء
وفي المني الغسل))، فعرف بهذا أن حكم المذي(٢) حكم البول وغيره من
نواقض الوضوء.
(وليتوضأ وضوءه للصلاة) يعني كما يتوضأ للصلاة، وفيه قطع احتمال
حمل التوضي على غسله، وتقدم الإجماع على أنه من نواقض الوضوء، وما
(١) (٢١١/١).
(٢) قال مالك: المذيُ عندنا أشدُّ من الودي، لأنَّ الفَرْجَ يُغْسَلُ عندنا من المذي، والوديُ
عندنا بمنزلة البول ((الاستذكار)) (١٨/٢).
٤٧٥

٢ - كتاب الطهارة
(١٣) باب
(٨٤) حديث
٥٤/٨٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ؛
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّي لأَجِدُهُ يَنْحَدِرُ مِنِّي مِثْلَ الْخُرَيْزَةِ. فَإِذَا
وَجَدَ ذُلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ، وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، يَعْنِي
الْمَذْيَ.
نقل في بعض حواشي ((الهداية)) روايته للإمام أحمد في وجوب الغسل لم أرها
في كتبهم، بل في ((المغني)) من كتب الحنابلة، وكذا في غيره ذكروا الإجماع
على وجوب الوضوء فقط .
٥٤/٨٤ _ (مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم(١) العدوي مولى عمر،
ثقة مخضرم، وقيل: صحابي، وفي ((الإصابة)): المعروف أن عمر - رضي الله
عنه - اشتراه بعد وفاته وَ له، يقال: كان حبشياً بحاوياً من بحاوة، وقيل: كان
من سبي اليمن، ابتاعه عمر - رضي الله عنه - بمكة سنة إحدى عشرة لما بعثه
أبو بكر - رضي الله عنه - ليقيم الحج للناس، مات سنة ٨٠هـ أو غيرها، مات
في ولاية مروان، أو عبد الملك، وهو ابن ١١٤ سنة.
(أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (قال: إِني لأجده) أي المذي
(يتحدَّر) وفي نسخة من الانحدار أي ينزل. والحدور ضد الصعود (مني مثل
الخُريزة) بخاء معجمة فراء مهملة فتحتية فزاي معجمة؛ تصغير خرزة - بفتحتين -
وهي الجوهرة، وفي رواية عنه (مثل الجمانة))، وهي اللؤلؤ.
(فإذا وجد ذلك أحدكم فليغسل ذكره) تمامه أو موضع المذي كما تقدم
(وليتوضأ وضوءه للصلاة) من غير فرق (يعني المذي) بيان للضمير في قوله: إني
لأجده، ويحتمل أن يكون تفسيراً لقوله: ((ذكره)) بأن المراد من غسله غسل
المذي لا غسل تمامه، كما يشير إليه كلام الإمام محمد(٢) إذ قال بعد ذكر
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٦/١) و ((سير أعلام النبلاء)) (٩٨/٤).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٦٣/١).
٤٧٦
---- --

٢ - كتاب الطهارة
(١٤) باب
(٨٥) حديث
٥٥/٨٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
جُنْدُبِ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
عَنِ الْمَذْي، فَقَالَ: إِذَا وَجَدْتَهُ، فَاغْسِلْ فَرْجَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ
لِلصَّلاَةِ.
(١٤) باب الرخصة في ترك الوضوء من المذي
الحديث: وبهذا نأخذ، يغسل موضع المذي ويتوضأ وضوءه للصلاة، وهو قول
أبي حنيفة رضي الله عنه.
٥٥/٨٥ - (مالك عن زيد بن أسلم عن جندب) بضم الجيم وسكون النون
وفتح الدال المهملة وتضم (مولى عبد الله بن عياش) بتحتية ومعجمة، قاله
الزرقاني، وفي رجال ((جامع الأصول)): بتشديد الياء تحتها نقطتان وبالشين
المعجمة، ابن أبي ربيعة المخزومي، مختص برواة ((الموطأ))، (أنه قال: سألت
عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (عن) حكم (المذي فقال: إذا وجدته) قد برز من
مخرجه (فاغسل فرجك) كله أو موضع المذي (وتوضأ وضوءك للصلاة).
(١٤) الرخصة في ترك الوضوء من المذي
كذا في النسخة المصرية، وكذا في نسخة الباجي والزرقاني، وأما في
النسخ الهندية فبدل المذي ((الودي)) ولفظ ((الرخصة)) يؤيد الأول، لأن في
الترجمة السابقة الوضوء من المذي فيناسبه الرخصة فيه، وأيضاً الودي - على
ما عليه جميع أهل اللغة وأهل الفقه من المذاهب - ما يتعقب البول، فحكمه
حكم البول عند الكل، فذكره بدون البول ليس بوجيه، وأياً ما كان فالترجمة
مؤولة، لأن المذي والودي من نواقض الوضوء عند الجميع، وذكر الإجماع فيه
في ((المغني)) وغيره، وكذا عدهما من النواقض في متون الحنفية والمالكية.
فالمراد في الترجمة من المذي سلس المذي، كما صرح به المالكية أيضاً .
فحاصل الترجمة أن المذي إذا صار يتسلسل فرخص في ترك الوضوء منه، لأنه
٤٧٧

--
٢ - كتاب الطهارة
(١٤) باب
(٨٦) حديث
٥٦/٨٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّب، أَنَّهُ سَمِعَهُ، وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: إِنِّي لأَجِدُ الْبَلَلَ
وَأَنَا أُصَلِّي، أَفَأَنْصَرِفُ؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: لَوْ سَالَ عَلَى فَخِذِي مَا
انْصَرَفْتُ حَتَّى أَقْضِيَ صَلاَّتِي .
صار في حكم المعذور، قال الزرقاني (١): أي الخارج من فسادٍ وعلةٍ.
٥٦/٨٦ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب
أنه) أي يحيى (سمعه) أي سعيداً يقول (ورجل) حال (يسأله) أي سعيداً (فقال)
السائل (إني لأجد البلل وأنا أصلي) يعني أجد في صلاتي بللاً يخرج من ذكري
(أفأنصرف) أي أقطع الصلاة (فقال له سعيد) في جوابه: (لو سال على فخدي
ما انصرفت) عن الصلاة (حتى أقضي) أي أتم (صلاتي) لأن مذهب سعيد أن
ذلك مما لا ينقض الطهارة وإن قطر وسال، ولا يمنع صحة الصلاة.
وقال البغوي: يشبه أن يكون معنى الأثر المبالغة في وقع الشك عن
القلب، وكذا في بعض الحواشي عن ((المحلى)). فحمله مالك - رضي الله عنه -
على سلس المذي، كما قاله الزرقاني عن الباجي: ومذهب مالك - رضي الله
عنه - أن ما يخرج من مذي أو مني أو بول على وجه السلس لا ينقض الطهارة
خلافاً للأئمة الثلاثة، إذ قالوا: بنقض الوضوء إلا أن الشافعي - رضي الله عنه -
يقول: يتوضأ لكل صلاة، وقالت الحنفية: يتوضأ لوقت كل صلاة، انتهى، وبه
قال الحنابلة، كما بسطه صاحب ((المغني) و ((الشرح الكبير))، إذ رجحا بالدلائل
أنها تتوضأ لوقت كل صلاة.
ولا يلتفت إلى ما نقله الشوكاني من موافقة الإمام أحمد بالإمام الشافعي
- رضي الله عنه -، واستدل الجمهور على نقض الوضوء بروايات المستحاضة
إذا أمرها النبي ◌َّل بالوضوء عند كل صلاة.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٨٦/١).
٤٧٨

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
٥٧/٨٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ زُيَيْدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ عَنِ الْبَلَلِ أَجِدُهُ، فَقَالَ: انْضِحْ مَا
تَحْتَ نَوْبِكَ بِالْمَاءِ، وَالْهُ عَنْهُ.
(١٥) باب الوضوء من مس الفرج
٥٧/٨٧ - (مالك عن الصلت) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام فمثناة
فوق (ابن زُييد) بضم الزاي ومثناتين من تحت مصغر زيد أو زياد، ابن الصلت
الكندي، ولي قضاء المدنية، وثقه العجلي وغيره، ونسب إلى الإرجاء (أنه
قال: سألت سليمان بن يسار) الهلالي المدني أحد الفقهاء (عن البلل أجده
فقال: انضح) أي اغسل (ما تحت ثوبك) إي إزارك أو سراويلك بالماء (واله)
أمر من لهي يلهى كرضي يرضى أي اشتغل (عنه) بغيره دفعاً للوسواس. قال في
((البدائع)): لأنه من باب الوسوسة فيجب قطعها .
أدخله الإمام في هذا الباب وكذا الإمام محمد في ((موطئه))(١)، وليس في
اللفظ ما يقتضي كونه مذياً. فإما أن يقال: إنه قد تحقق عند الإمام كون السؤال
عن المذي، أو يقال: إنه استوى عنده بلل المذي وبلل البول الخارجين على
وجه السلس. فلذا أدخله في بابه. ويمكن أن يُوَجَّه أن وسوسة البلل أعم من
أن يكون مذياً أو بولاً، لما كان في عدم نقض الوضوء كالمذي عنده أدخله في
بابه، قال الإمام محمد (٢) بعد تخريج الحديث: وبهذا نأخذ إذا كثر ذلك من
الإنسان وأدخل عليه الشيطان فيه الشك، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه.
(١٥) الوضوء من مس الفرج
مأخوذ من الانفراج قال صاحب «المغني))(٣): اسم لمَخرَج الحَدَث،
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٦٤/١).
(٢) ((موطأ محمد)) (ص٤٢).
(٣) (٢٤٠/١).
٤٧٩

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
يتناول الذكر وقُبُل المرأة والدبر، اهـ، قلت: والظاهر أن مراد المصنف هو
الذكر فقط، لأن القُبُل والدبر - مع ما فيهما من كثرة الاختلاف بين الأئمة،
حتى لا ينقض الوضوء بمَسِّ الدبر عند المالكية - لا يتعلق بهما أحد من
الأحاديث كما ترى.
والوضوء من مس الذكر اختلف فيه أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم، ونقدم - على اختلاف الأئمة في ذلك - مناظرة جرت بين أئمة
الحديث. قال ابن العربي (١) بسنده إلى رجاء بن المرجى، قال: اجتمعنا في
مسجد الخيف، أنا، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين،
فتناظرنا في مَسِّ الذكر، فقال: [ساقط في الأصل والظاهر يحيى] يتوضأ، وقال
علي بن المديني: بقول الكوفيين نقول، ونقلد قولهم، واحتجّ يحيى بحديث
بسرة، واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، وقال ليحيى: كيف تتقلد
إسناد بسرة، ومروان أرسل شرطياً حتى رَدّ جوابها إِليه، فقال: وقد أكثر الناس
في قيس بن طلق، ولا يحتجّ بحديثه. فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على
ما قلتما، فقال يحيى: عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أنه توضأ من مَسِّ
الذكر. فقال علي: وكان ابن مسعود يقول: لا يتوضأ منه، قال يحيى بن
معين: من قال؟ قال سفيان عن أبي قيس عن هزيل عن عبد الله، وإذا اجتمع
ابن مسعود وابن عمر، واختلفا، فابن مسعود أولى أن يُتَّبَع. فقال له أحمد:
نعم، ولكن أبو قيس لا يحتجّ بحديثه. فقال: حدثني أبو نعيم ثنا مسعر عن
عمير بن سعد عن عمار بن ياسر قال: ما أبالي مسسته أو أنفي، قال أحمد:
عمار وابن عمر استويا، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بهذا. قال ابن
العربي: هذا منتهى الكلام، انتهى.
قلت: وما قيل: أبو قيس لا يحتجّ به، فمشكلٌ، لأنه رقم عليه الحافظ
(١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١١٦/١).
٤٨٠