Indexed OCR Text

Pages 441-460

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧١) حديث
فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ. ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ
جُبَِّهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّ الْجُبَّةِ.
(فسكبت) أي صببت (عليه) أي على يديه (الماء) فغسل يديه، كما في
رواية مسلم، يعني كفيه، كما في رواية أبي داود، فغسلهما فأحسن غسلهما،
كما في رواية أحمد، ثم تمضمض واستنشق، كما في جهاد البخاري، وفي
الحديث جواز الاستعانة في الوضوء. وقال الشامي بعد ما بسط الكلام: إن
الاستعانة إن كانت بصبِّ الماء أواستقائه أوإحضاره فلا كراهة فيه أصلاً، ولو
بطلبه، وإن كانت بالغسل أو بالمسح فتكره بلا عذر، اهـ.
قلت: وعلى هذا، فلا يحتاج إلى ما أجابه صاحب (الدر المختار)) إذ
قال: وأما استعانته عليه السلام بالمغيرة، فلتعليم الجواز، قلت: وقد ورد
الاستعانة بصب الماء في عدة روايات، منها: في دفع أسامة من عرفة في حجة
الوداع، عند مسلم بلفظ ((فصببت عليه الماء))، وعند ابن ماجه والبخاري في
(الكبير)) عن صفوان بن عسال ((صببت على رسول الله وّل في الحضر والسفر
في الوضوء» قاله ابن رسلان.
ثم صببت الماء (فغسل وجهه) ثلاثاً، كما في رواية أحمد، فعلم أن في
الرواية اختصاراً أخبره في هذه الرواية عن المفروض فقط (ثم ذهب) أي شرع
(يخرج يديه من كمي) تثنية كُمِّ بضم الكاف وتشديد الميم مضاف إلى (جبَّته)
وهي ما قطع من الثياب مشمراً، قاله السيوطي والزرقاني، وزاد في رواية
لمسلم ((وعليه جبة من صوف)) زاد في رواية أبي داود(١) ((من جباب الروم)).
(فلم يستطع من أجلية (ضيق كُمَّي الحبة) إخراج اليدين إلى المرفقين،
فيه لبس الثياب الضيقة في السفر، لأنه أعون عليه. قال ابن عبد البر: بل هو
مستحب في الغزو. قال ابن رسلان: فيه فضيلة لبس الضيق من الثياب
والأكمام.
(١) ((سنن أبي داود)) (٦٨/١) رقم الحديث (١٥١).
٤٤١

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧١) حديث
فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ. فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى
...
الْخُفَّيْنِ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ، وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ يَؤْمُّهُمْ،
وقال ابن عبد البر: ينبغي أن يكون ذلك في الغزو مستحباً، لما في ذلك
من التأهب، وليس به بأس عندي في الحضر، لأنه لم يوقف على أن ذلك لا
يكون إلا في السفر. وذكر ابن وهب: أن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -
رأى بعض الوافدين عليه طويل الكم، فأمر أن يقطع منه ما جاوز أطراف
الأصابع. قال ابن عطية: وكان من بغي قارون أنه زاد في ثيابه شبراً على ثياب
الناس، انتهى.
(فأخرجهما) أي اليدين (من تحت الجبة) زاد مسلم ((وألقى الجبة على
منكبيه)) (فغسل يديه) اليمنى ثلاثاً واليسرى ثلاثاً، كما في رواية أحمد ((فغسلهما
إلى المرفق))، كما في رواية أبي داود، ولفظ مسلم: ((وغسل ذراعيه)) (ومسح
برأسه) ولفظ مسلم ((ومسح بناصيته وعلى العمامة)) وفيه مسح الرأس،
واستحباب التكميل على العمامة (ومسح على الخفين) هو المقصود بذكر
الحديث، وفيه ردٌّ على من رأى نسخ المسح بآية المائدة، لأنها نزلت في غزوة
المريسيع، والقصة في غزوة تبوك، وهي بعدها باتفاق.
(فجاء رسول الله وَّه) إلى القوم وموضع الصلاة، ولفظ مسلم: ((ثم ركب
وركبت فانتهينا إلى القوم وقد قاموا إلى الصلاة)) (وعبد الرحمن بن عوف) بن
عبد عوف الزهري أحد العشرة المبشرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم
قديماً، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها. كان اسمه عبد الكعبة أو عبد
عمرو فغيره النبي بَّر، مناقبه كثيرة، مات سنة ٣٢هـ، ومن مناقبه أن الصحابة
قدموه لصلاتهم بدلاً من نبيهم، وأن النبي ێ اقتدى به.
(يؤمهم) أي المسلمين، ولابن سعد ((فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا
الشمس، فقدموا عبد الرحمن)) وهذا يرد ما قاله ابن رسلان، من أن الحديث
يحتج به على أن أول وقت الصلاة أفضل لأنها لو أخرت بشيء من الأشياء عن
٤٤٢

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧١) حديث
وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ
عَلَيْهِمْ، فَفَزِعَ النَّاسُ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ فَهِ صَلاَتَهُ، قَالَ:
((أحْسَنْتُمْ)).
أخرجه البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٨١ - باب حدثنا يحيى بن بكير.
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٢٢ - باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا
تأخر الإمام، حديث ١٠٥.
أول وقتها لأخرت لإمامة رسول الله وَ لر، اهـ (وقد) الواو حالية (صلى) عبد
الرحمن (لهم ركعة) من الفجر كما في مسلم وغيره، زاد أحمد: قال المغيرة:
فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال ◌َّ ر: دعه. وعند ابن سعد ((فسبح الناس له
حين رأوا رسول الله وَ ل# حتى كادوا يفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن
ينكص، فأشار إليه ◌َّر أن اثبت)) ولفظ مسلم ((فلما أحسّ بالنبي ◌ّ ذهب
يتأخر فأومأ إليه)).
(فصلى رسول الله ◌َي) مع القوم (الركعة التي بقيت عليهم) يعني الركعة
التي أدركها معهم، ولفظ مسلم وأبي داود ((فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف
الركعة الثانية ثم سلم عبد الرحمن، فقام 18َّ في صلاته)) الحديث. وفيه قيام
المسبوق إلى أداء ما فات بعد تسليم الإمام، وهل يقوم بعد تسليمة واحدة أو
التسليمتين؟ مختلف عند الأئمة كما في ابن رسلان.
(ففزع الناس) لسبقهم رسول الله و 8* بالصلاة (فلما قضى) أي أتم
(رسول الله وَل﴾ صلاته) وفرغ من أداء الركعة التي سبق بها، وفي رواية لأبي
داود ((ولم يزد عليها شيئاً)) والخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون؛ من أدرك
الفرد من الصلاة فعليه سجدتا السهو. لأنه جلس مع الإمام في غير موضع
الجلوس، فتأمل.
(قال) لهم تسكيناً لما بهم من الفزع أو تأنيساً لهم وإمضاء لفعلهم
(أحسنتم) إذا أديتم الصلاة في وقتها .
٤٤٣

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٢) حدیث
٤٢/٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْن
دِينَارٍ؛ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدِمَ الْكُوفَةَ عَلَى سَعْدِ بْنِ
أَبِي وَقَّاصٍ،
قال النووي: في الحديث فوائد، منها: اقتداء الأفضل بالمفضول،
واقتداء النبي خلف بعض أمته، وأن الإمام إذا تأخر يستحب للجماعة أن
يقدموا أحداً، انتهى. وما قيل: إن فيه أفضلية الصلاة أول الوقت يرد عليه ما
تقدم من لفظ ((حتى خافوا الشمس)).
ثم قد يشكل بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر الصديق - رضي الله
عنه - في قصة إمامته في مرض النبي ◌َّ، فقيل فيه: إن هناك قد ركع ركعة بخلاف
قصة صلاة أبي بكر - رضي الله عنه -، وضعفه الشيخ في ((البذل))(١).
وقال عن القاري (٢): فالأحسن أن يقال: إن أبا بكر - رضي الله عنه -
فهم أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر الذي ليس للوجوب، بخلاف عبد
الرحمن فإنه فهم أن امتثال الأمر أولى، أو يقال: إن أبا بكر - رضي الله عنه -
بلغ من الفرح مبلغاً لم يملك نفسه عن التأخر لما كان هذا المجيء دليلاً على
صحته وَّ، ويشكل عليه أنه لو صح هذا التوجيه في مرضه وّ﴾ لا يصح في
قصة مغيبه ◌ّ ليصلح في بني عمرو بن عوف، قيل: إن أبا بكر - رضي الله
عنه - فهم أن لا ضرر في التأخر فتأخر، وعبد الرحمن فهم الضرر فيه فلم
يتأخر. وسيأتي في ((باب الالتفات والتصفيق في الصلاة)) في حديث إمامة
أبي بكر - رضي الله عنه - أزيد من ذلك.
٤٢/٧٢ - (مالك عن نافع وعبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني،
ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٢٧ هـ (أنهما أخبراه) أي مالكاً (أن عبد الله بن
عمر) رضي الله عنه (قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص) الزهري، ولفظ
(١) ((بذل المجهود)) (٨/٢ -٩).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٨١/٢).
٤٤٤

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٢) حديث
وَهُوَ أَمِرُهَا، فَرَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُقَّيْنِ. فَأَنْكَرَ ذُلِكَ
عَلَيْهِ .
محمد في كتابه ((الآثار)): عن ابن عمر قال: قدمت العراق لغزوة جلولاء،
فرأيت سعداً يمسح على الخفين، الحديث.
(وهو) أي سعد (أميرها) من جانب عمر - رضي الله عنه - (فرآه عبد الله بن
عمر يمسح على الخفين فأنكر) ابن عمر (ذلك) المسح (عليه) أي على سعد،
لأنه لم يبلغه المسح مع قدم صحبته وكثرة روايته، ولم ير أباه ولا أحداً من
الصحابة يمسحون، إذ قد يخفى على قديم الصحبة من الأمور الجلية في الشرع
ما يطلع عليه غيره، قاله الزرقاني نقلاً عن الحافظ. والحديث أخرجه البخاري
في ((الصحيح)) بمعناه.
قلت: ويشكل عليه ما رواه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه الكبير)) وابن
أبي شيبة في ((مصنفه)) من رواية عاصم عن سالم عنه قال: رأيته ◌َل يمسح
على الخفين بالماء في السفر. ويمكن الجواب عنه: بأن رواية الصحيح،
أولى، ولو سُلِّمَ فيوجَّهُ إنكار ابن عمر - رضي الله عنه - المسح في الحضر،
كما يفهم من كلام العيني والقسطلاني وغيرهما من شُرَّاح البخاري، إذ قالوا:
إنما أنكر على سعد مسحه في الحضر، كما هو مبين في بعض الروايات، وأما
السفر فكان ابن عمر - رضي الله عنه - يعلمه، ورواه عن النبي وَّل، اهـ.
فإن قلت: نقل الزيلعي(١) وصاحب ((السعاية))(٢) عن الطبراني أن ابن عمر
- رضي الله عنه - كان يمسح على الخفين، ويقول: أمر رسول الله وَل* بذلك،
ويُقَوِّي الإشكال ما نقله الزيلعي أيضاً عن الطبراني برواية العصاب عن نافع عن
ابن عمر قال: قال رسول الله 18َّ في المسح على الخفين: ((للمقيم يوم وليلة
(١) في ((نصب الراية)) (١/ ١٧٣).
(٢) (٥٦٠/١).
٤٤٥

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٢) حديث
فَقَالَ لَهُ سَعْدُ: سَلْ أَبَاكَ إِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِ، فَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ، فَنَسِيَ أَنْ
يَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ ذُلِكَ،
وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن))، فيمكن الجواب عنه أيضاً بأن رواية ((الصحيح))
أولى، ويؤيده ما ذكره العلامة العيني (١): قال الترمذي: سألت البخاري عن
حديث أبي سلمة عن ابن عمر في المسح؟ فقال: صحيح، قال: وسألته عن
حديث ابن عمر في المسح مرفوعاً؟ فلم يعرفه. وقال الميموني: سألت أحمد
عنه فقال: ليس بصحيح؛ ابن عمر ينكر على سعد المسح، اهـ.
قلت: ويمكن أيضاً أن يجاب عنه على صحته: أن روايات ابن عمر
- رضي الله عنه - هذه مراسيل، فإنه كان لا يعلمه أولاً لرواية الصحيح، ثم لما
علم وتحقق من سعد وعمر وغيرهما المسح رواه مرسلاً، ويؤيده ما رواه
الدارقطني (٢) برواية سالم عن أبيه قال: سأل سعدٌ عمر - رضي الله عنه - عن
المسح على الخفين. فقال عمر - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله وَ ل يأمر
بالمسح على ظهر الخف ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومٌ وليلة.
وما رواه البيهقي(٣) بسنده عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص
عن رسول الله ◌َّم أنه مسح على الخفين، ثم إنكار ابن عمر - رضي الله عنه -
على سعد - وهو الأمير - على ما علم من حال الصحابة في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ولا يهابون في ذلك أميراً ولا غيره.
(فقال له) أي لابن عمر - رضي الله عنه - (سعد) بن أبي وقاص (سل
أباك) عمر - رضي الله عنه - (إذا قدمت عليه) المدينة، ولعله علم من عمر
- رضي الله عنه - الموافقة في ذلك لعلمه منه أو لمفاوضة المسألة (فقدم عبد الله)
ابن عمر المدينة (فنسي أن يسأل عمر) - رضي الله عنه - (عن ذلك) أي المسح
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٦٩/٢).
(٢) (١٩٥/١).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٢٦٦/١).
٤٤٦

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٢) حديث
حَتَّى قَدِمَ سَعْدٌ. فَقَالَ: أَسَأَلْتَ أَبَاكَ؟ فَقَالَ: لا. فَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ.
فَقَالَ عُمَرُ: إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ، وَهُمَا طَاهِرَتَانِ، فَامْسَحْ
عَلَيْهِمَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَإِنْ جَاءَ أَحَدُنَا مِنَ الْغَائِطِ؟ فَقَالَ عُمَرُ:
نَعَمْ. وَإِنْ جَاءَ أَحَذُكُمْ مِنَ الْغَائِطِ.
(حتى قدم سعد) المدينة (فقال) لابن عمر إزالةً لإنكاره (أسألتَ أباك) عن
المسح؟ (فقال: لا، فسأله عبد الله فقال عمر) - رضي الله عنه - (إذا أدخلت
رجليك في الخفين وهما) أي الرجلان (طاهرتان) من الحدث والخبث (فامسح
عليهما، قال عبد الله) متعجباً أو دفعاً لاحتمال أن يكون هذا في الوضوء على
الوضوء دون الوضوء عن الحدث.
(وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال عمر) - رضي الله عنه - (نعم، وإن
جاء أحدكم من الغائط)(١) وفي البخاري (٢) عن أبي سلمة عن ابن عمر عن
سعد عن النبي ◌َّ أنه مسح على الخفين، وأن ابن عمر - رضي الله عنهما -
سأل أباه عن ذلك، فقال: نعم، إذا حدّثك شيئاً سعد عن النبي وَّ، فلا
تسأل غيره. وللإسماعيلي: إذا حَدَّتَك سعدٌ عن النبيِ وَّ فلا تبغ وراء حديثه
شيئاً، وفي رواية لمحمد في كتابه ((الآثار)): فقال عمر - رضي الله عنه -:
عمك أفقه منك.
ثم ظاهر الحديث أن الرجل إذا لبس الخفين على وضوء كامل يجوز له
المسح عليهما، وهذا إجماع(٣)، وهو مدلول الحديث.
وهناك صورة جزئية وقع الاختلاف فيها عند الأئمة، وهي أن الرجل مثلاً
عكس الترتيب، فغسل رجليه أولاً ولبسهما، ثم أتم الوضوء، فقال الإمام مالك
(١) وأخرجه ابن ماجه (١/ ٨١).
(٢) (صحيح البخاري)) (٦٢/١) في كتاب الوضوء، باب المسح على الخُفين.
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥٦/١).
٤٤٧

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٣) حديث
٤٣/٧٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ بَالَ فِي السُّوقِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَّدَيْهِ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ.
ثُمَّ دُعِيَ لِجَنَازَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ؛ فَمَسَحَ عَلَى
خُفَيْهِ،
والشافعي وأحمد وإسحق: إنه لا يجوز له المسح إذاً لمفهوم الشرط في هذا
الحديث، والحنفية لم يقولوا بمفهوم الشرط فأباحوا له المسح، وبه قال سفيان
الثوري ويحيى بن آدم والمزني وأبو ثور وداود، ولا يخالفهم حديث الباب؛
لأنه لا يدل عليه إلا بمفهوم الشرط. وبسط الإمام محمد في كتابه ((الحجج))
الكلام على هذه الصورة الجزئية، فارجع إليه، ثم الجمهور حملوا الطهارة على
الشرعية، وخالفهم داود فقال: المراد إذا لم يكن على رجليه نجاسة، قاله
الشوكاني.
٤٣/٧٣ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (بال في
السوق) وفي نسخة ((بالسوق)) - بالضم ــ سمي به لأن الناس يساقون إليه،
وقيل: بالفتح اسم موضع. والظاهر أن بوله - رضي الله عنه - كان في موضع
أُعِدَّ لذلك.
(ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه) وفي رواية محمد عنه ((ومسح
برأسه)) لعل في الحديث اختصاراً، واكتفى ابن عمر - رضي الله عنه - على
المفروض فقط لضرورة، وأخر المسح على الخفين (ثم دعي) ببناء المجهول
(لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد) النبوي (فمسح على خفيه) داخل المسجد
أو خارجه، أما الثاني فلا إشكال، وأما الأول فقد استجاز لعدم الماء الذي يقطر
منه. والوضوء في المسجد مختلف عند المالكية، قاله الباجي(١) باسطاً.
قلت: أما الوضوء في المسجد فعدّه أيضاً صاحب ((الدر المختار)) من
(١). ((المنتقى)) (٧٩/١).
٤٤٨

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
الشاهد
(٧٣) حديث
ثُمَّ صَلى عَلَيْهَا .
الحنفية في منهيات الوضوء، فقال: ومنها: التوضؤ في المسجد إلا في إناء أو
موضع أُعِدَّ لذلك. لكن علم منه أن مجرد المسح على الخفين لا يدخل في
الكراهة.
(ثم صلى عليها) أي على الجنازة داخل المسجد أو خارجه، مختلف عند
العلماء كما يجيء في الجنائز. ثم ظاهر الحديث تفريق الوضوء، وهو يخالف
المالكية والحنابلة، إذ قالوا: بفرضية الموالاة، ويوافق الحنفية إذ لم يقولوا
بها، وهما قولان للشافعي، وفي ((المغني)) (١): ولم يذكر الخرقي الموالاة،
وهي واجبة عند أحمد ونص عليها في مواضع، وهذا قول الأوزاعي وأحد
قولي الشافعي.
قال القاضي: ونقل حنبل عن أحمد أنها غير واجبة، وهذا قول أبي حنيفة
لظاهر الآية، ولأن المأمور به غسل الأعضاء، فكيفما غسل جاز، ولأنهما
إحدى الطهارتين فلم تجب الموالاة فيها كالغسل. وقال مالك: إن تعمد
التفريق بطل وإلا فلا، انتهى.
قال ابن القاسم في ((المجموعة)): لم يأخذ مالك بفعل ابن عمر - رضي الله
عنه - في تأخير المسح، وأوّلوا - المالكية - هذا الحديث بوجوهٍ، منها: أنه
لعله نسي المسح، أو يكون هذا مذهبه، أو يكون برجليه علة لم يمكن الجلوس
في السوق، أو عجز الماء عن الكفاية، وأنت خبير بما في هذه التوجيهات.
والأوجه من هذه كلها ما أجاب به الباجي، فقال: روى علي بن زياد عن
مالك: أن من أَخَّر مسح خفيه في الوضوء، وحضرت الصلاة فليمسحهما
ويصلي ولا يخلع، وهذا يحتمل تجويز التفريق في الطهارة أجمع، ويحتمل أن
يكون لتجويزها في المسح خاصة، وقد فسر ذلك محمد بن مسلمة في
((المبسوط))، وقال: إن ذلك إذا صار إلى المسح فهو خفيف، انتهى.
(١) (١٩١/١ - ١٩٢).
٤٤٩

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٤) حديث
٤٤/٧٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
رُقَيْش؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ أَتْى قُبَاء فَبَالَ. ثُمَّ أُتِيَ
بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ. فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ.
وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. ثُمَّ جَاءَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى.
٤٤/٧٤ - (مالك عن سعيد (١) بن عبد الرحمن بن رقيش) براء مهملة
وقاف آخره شين معجمة مصغراً، وفي ((الفتح الرحماني)) عن الذهبي: سعيد بن
أقيش بن ثابت، وقيل: سعيد بن وقيش (الأشعري) الأسدي ثقة، من صغار
التابعين، (أنه قال: رأيت أنس بن مالك أتى قباء) بضم القاف تقدم ضبطه في
المواقيت (فبال) المقصود منه بيان تقدم الحدث على الوضوء، والتنبيه على أن
المسح لم يكن في تجديد الوضوء بل في وضوء الحدث (ثم أتي) ببناء
المجهول (بوضوء) بالفتح ما يتوضأ به (فتوضأ) ثم فسره بقوله (فغسل وجهه
ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ومسح على الخفين) اكتفى على المفروض بياناً
للجواز وهو اختصار من الراوي.
(ثم جاء المسجد فصلى) الغرض منه ومن الذي قبله أن المسح معمول
عند الصحابة بعده ول، فلو كان منسوخاً - كما زعمه الخوارج - ما مسحوا،
وأيضاً قد ورد في مسلم وغيره برواية جرير أنه قال: رأيته و 18 يمسح، وقد
أسلم جرير بعد نزول آية الوضوء بزمان، ولذا قال إبراهيم النخعي: فكان
يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. قلت: وأصرح
منه ما ذكره صاحب (السعاية))(٢) عن الطبراني بلفظ ((أنه كان معه ومثله في حجة
الوداع، فذهب للتبرز، فرجع فتوضأ، ومسح على خفيه)).
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٥٨/٤)، و((تعجيل المنفعة)) (٣٧٥)، و((الكاشف))
(٣٦٦/١).
(٢) (٥٥٨/١).
٤٥٠

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٤) حديث
قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ
لَبِسَ خُفَّيْهِ، ثمَّ بَالَ، ثُمَّ نَزَعَهُمَا، ثُمَّ رَدَّهُمَا فِي رِجْلَيْهِ. أَيَسْتَأْنِفُ
الْوُضُوءَ؟ فَقَالَ: لِيَنْزِعْ خُفَّيْهِ، وَلْيَغْسِلْ رِجْلَيْهِ. وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى
الْخُفَّيْنِ، مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ.
وَأَمَّا مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَيْنِ وَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ،
فَلاَ يَمْسَحْ عَلَى الْخُفَيْنِ .
(قال يحيى: وسئل مالك) - رضي الله عنه - (عن رجل توضأ وضوء
الصلاة) وغسل رجليه (ثم لبس خفيه ثم بال) أو أحدث بشيء آخر (ثم
نزعهما) أي الخفين (ثم ردهما) أي لبس الخفين (في رجليه) ثم توضأ ومسح
عليهما (أيستأنف الوضوء؟ فقال) الإمام: (لينزع خفيه ثم ليتوضأ) أي يستأنف
الوضوء، وزيادة ((وليتوضأ)) توجد في النسخ الهندية، دون المصرية.
(وليغسل رجليه) لأن المسح على الخفين قد بطل بنزعهما، فلا يجوز
مسحهما. وبه قالت الحنفية إلا أنه يكفي عندهم غسل الرجلين، ولا يحتاج
إلى استئناف الوضوء، ولعل الأمر بالاستئناف في كلام الإمام مالك محمول
على بقاء الموالاة.
(وإنما يمسح على خفيه) وفي نسخة ((على الخفين)) (من أدخل رجليه
في الخفين وهما) أي الرجلان (طاهرتان بطهر الوضوء) وفي نسخة ((تطهر
الوضوء)) (فأما من أدخل رجليه في الخفين وهما غير طاهرتين بطهر) وفي
نسخة ((تطهر)) (الوضوء فلا يمسح على الخفين).
قلت: ولم يقل به الحنفية كما تقدم. قال ابن قدامة في
((المغني))(١): أما إن غسل إحدى رجليه فأدخلها الخف، ثم غسل
الأخرى وأدخلها الخف، لم يجز المسح أيضاً، وهو قول الشافعي
(١) (٣٦١/١).
٤٥١

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٤) حديث
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ خُفَّاهُ، فَسَهَا عَن
الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، حَتَّى جَفَّ وَضُوءُهُ وَصَلَّى. قَال: لِيَمْسَحْ عَلَى
خُفَّيْهِ، وَلْيُعِدِ الصَّلاَةَ، وَلاَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ.
وَسُئِلَ مَالِكٌّ عَنْ رَجُلِ غَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ
اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ. فَقَالَ لِيَنْزِعْ خُفَّيْهِ، ثُمَّ لْيَتَوضَّأُ، وَلْيَغْسِلْ رِجْلَيْهِ.
وإسحق، ونحوه عن مالك، وحكى بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد أنه
يجوز، وهو قول يحيى بن آدم، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، لأنه أحدث بعد
كمال الطهارة. وقيل أيضاً فيمن غسل رجليه ولبس خفيه ثم غسل بقية أعضائه:
يجوز له المسح. وهذا مبنيٌّ على أن الترتيب غير واجب في الوضوء، وقد
سبق، اهـ. قلت: وقد تقدم الكلام على الترتيب في محله.
(قال يحيى: وسئل مالك عن رجل توضأ وعليه خفاه فسها) في وضوئه
(عن المسح على الخفين) وما تذكر (حتى جف وضوءه وصلى) بذلك الوضوء
الناقص (قال: يمسح على خفيه) إذا تذكر (وليعد الصلاة) لأنه صلى بناقص
الوضوء. قلت: وكذلك عندنا الحنفية في الفرائض، أما النوافل فلا إعادة فيه
عندنا، لأنه ما صح الشروع فيه. صرح به في كتب الفروع (ولا يعيد الوضوء)
لأن الموالاة والفور وإن كان واجباً عند المالكية لكنه سقط بالنسيان، وأما
عندنا الحنفية فلا إشكال فيه، لأن الموالاة ليست بواجبة عندنا فلا يحتاج إلى
إعادة الوضوء.
(قال يحيى: وسئل مالك عن رجل غسل قدميه) أي رجليه (ثم لبس
خفيه، ثم استأنف الوضوء؟ فقال: لينزع خفيه، ثم ليتوضأ) لأن الوضوء الأول
لم يصح عند المالكية لعدم الترتيب (وليغسل رجليه) ثم يلبس الخفين، لأنه لم
يلبس الخفين أولاً على طهارة كاملة، وهذا هو المشهور عند المالكية، ولم
يقل به الحنفية، كما تقدم بل يمسح عندهم، وهو رواية ابن القاسم عن الإمام
مالك في ((العتبية)).
٤٥٢

٢ - كتاب الطهارة
(٩) باب
(٧٥) حديث
(٩) باب العمل في المسح على الخفين
٧٥/ ٤٥ - حدّثني يَحْيَىُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّهُ
رَأَى أَبَاهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. قَالَ: وَكَانَ لا يَزِيدُ إِذَا مَسَحَ عَلَى
الْحُفَّيْنِ، عَلَى أَنْ يَمْسَحَ ظُهُورَهُمَا. وَلا يَمْسَحُ بُطُونَهُمَا .
ومما يجب أن يحفظ أن المسح لا يرفع الحدث عند الجمهور، وقال
داود: يرفع الحدث الأصغر، فمن خلع الخفين بعد المسح لا يبطل المسح
عنده، ويبطل عند الجمهور، قاله الباجي(١). وأيضاً المسح لا تعلق له بالحدث
الأكبر، فيجب النزع له. قال في ((المغني))(٢): فإن جواز المسح مختص
بالحدث الأصغر، ولا يجزىء المسح في جنابة ولا غسل واجب ولا مستحب،
لا نعلم في هذا خلافاً، انتهى.
(٩) العمل في المسح على الخفين
يعني بيان كيفية المسح وصفته
٤٥/٧٥ - (مالك عن هشام بن عروة أنه) أي هشام (رأى أباه) أي عروة بن
الزبير. هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا من رواية يحيى بن يحيى، وأما
في رواية محمد(٣) بن الحسن، فعن هشام بن عروة عن أبيه أنه رأى أباه،
فحينئذٍ يكون القصة للزبير بن العوام والد عروة، وعليه مشى القاري في ((شرح
الموطأ)) فقال: إنه رآه أي الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرة، انتهى.
(يمسح على الخفين) قال هشام (وكان) عروة (لا يزيد إذا مسح على
الخفين على أن يمسح ظهورهما) جمع ظهر والمراد الجانب الفوقاني (ولا
يمسح بطونهما) جمع بطن والمراد التحتاني.
(١) ((المنتقى)) (٨٠/١).
(٢) (٣٦٢/١).
(٣) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٨٢/١).
٤٥٣

٢ - كتاب الطهارة
(٩) باب
(٧٥) حديث
واختلف العلماء في محل المسح، فقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: إن
محله ظاهر الخفين، وقال مالك والشافعي: يمسح ظاهرهما وباطنهما، إلا أنه
لو اكتفى على الباطن فقط لا يؤدي على المشهور عنهما، وقال الزهري - وهو
قول للشافعي -: إن من مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما أجزأه، قاله
الشوكاني، قلت: وهو رواية عن المالكية كما في الباجي. وفي هامش
(المشكاة)): قال الشافعي: مسح أعلاه واجب وأسفله سنة. وذكر في ((اختلاف
الأئمة)) السنة أن المسح أعلى الخف وأسفله عند الثلاثة، وقال أحمد، السنة
أن يمسح أعلاه فقط، اهـ.
قلت: استحباب الباطن قول للحنفية، ورجح ابن عابدين عدم استحبابه.
قال ابن قدامة في ((المغني)): وإن مسح أسفله دون أعلاه لم يجزئه، ولا نعلم
أحداً قال: يجزئه مسح أسفل الخف إلا أشهب من أصحاب مالك، وبعض
أصحاب الشافعي، والمنصوص عن الشافعي، أنه لا يجزئه، اهـ. والأثر حجة
للحنفية والجمهور كما ترى، وروي عن علي - رضي الله عنه -: ((لو كان الدين
بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيته وَّر يمسح على
ظاهر خفيه)). وروي عنه أيضاً: ((ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل،
حتى رأيت رسول الله وَل﴿ يمسح على ظهر خفه)). أخرجهما أبو داود وغيره.
ونقل الزيلعي عن الدارقطني عن عمر - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله وَله
يأمر بالمسح على ظهر الخف ثلاثة أيام. الحديث. وفي الباب روايات أخر
بسطها أهل التطويل، واختصرها ابن قدامة في ((المغني))(١).
واختلف العلماء في قدر الإجزاء، فقال أبو حنيفة: يجزئه قدر ثلاثة
أصابع، وقال مالك: بالاستيعاب، وقال الشافعي: ما يقع عليه اسم المسح،
(١) (٣٦٥/١).
٤٥٤

٢ - كتاب الطهارة
(٩) باب
(٧٥) حدیث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابِ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى
الْخُفَّيْنِ كَيْفَ هُوَ؟ فَأَدْخَلَ ابْنُ شِهَابِ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ الْخُفِّ،
وَالأُخْرَى فَوْقَهُ، ثُمَّ أَمَرَّهُمَا .
وقال أحمد: مسح الأكثر قاله القاري والشعراني. قال ابن قدامة(١):
والمجزىء في المسح أن يمسح أكثر مقدم ظاهره خططاً بالأصابع. قال
الشافعي: يُجزئه أقل ما يقع عليه اسم المسح، لأنه أطلق لفظ المسح ولم ينقل
فيه تقدير، فوجب الرجوع إلى ما يتناوله الاسم. وقال أبو حنيفة: يجزئه قدر
ثلاث أصابع؛ لقول الحسن: سُنَّةُ المسح خطط بالأصابع، فينصرف إلى سنة
النبي ◌َّ﴾، وأقل لفظ الجمع ثلاث، انتهى.
(مالك أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن المسح على الخفين كيف هو؟)
أي كيف صفته المستحبة (فأدخل ابن شهاب إحدى يديه) أي اليسرى (تحت
الخف) للرجل اليمنى (والأخرى) أي اليد اليمنى (فوقه) من الخف، قال
الدردير: ندب وضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظهر قدمه اليمنى،
ووضع يسراه تحت أصابعه، ويمرهما لكعبيه، ويعطف اليسرى على العقب
حتى يجاوز الكعب، وهو منتهى حد الوضوء. وهل الرجل اليسرى كذلك، أو
اليسرى فوقها واليمنى تحتها - عكس الرجل اليمنى - لأنه أمكن تأويلان، اهـ.
قلت: ورجح الدسوقي الثاني، ثم قال الدردير(٢): ندب مسح أعلاه
وأسفله، أي الجمع بينهما، وإلا فمسح الأعلى واجب، يدل عليه قوله - أي
الخليل -: وبطلت الصلاة إن ترك أعلاه واقتصر على الأسفل، لا إن ترك
أسفله، ففي الوقت المختار يعيدها، اهـ مختصراً.
(ثم أمرهما) في نسخة أَمَرَّها من الإمرار أي أمدهما حتى استوعب المسح
(١) (٣٧٧/١).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٤٦/١).
٤٥٥

٢ - كتاب الطهارة
(١٠) باب
(٧٥) حدیث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابِ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ
فِي ذُلِكَ.
(١٠) باب ما جاء في الرعاف
جميع الخف، كما هو المرجح عند المالكية لقولهم بالاستيعاب ولذا (قال
يحيى: قال) الإمام (مالك: وقول) أي فعل (ابن شهاب) المذكور (أحب ما
سمعت إليَّ) متعلق بأحب (في ذلك) متعلق بسمعت أي في كيفية المسح.
قلت: وهذا يؤيد القول المشهور لهم كما تقدم، ولم يقل به الحنفية لما
روي عن علي - رضي الله عنه - «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى
بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله وَل﴿ يمسح على ظاهر خفيه)) أخرجه
أبو داود(١) والدارمي معناه، ولغير ذلك من الآثار كما تقدم.
(١٠) ما جاء في الرعاف
كغُراب مصدر رعف، قال المجد: كنصر ومنع وكرم وعني وسمع، خرج
من أنفه الدم، رعفاً ورعافاً كغراب، انتهى. ويقال: رعف وأرعف، قال
الأزهري: ولم يعرف رُعِفَ في فعل الرعاف يعني مبنياً لما لم يسمَّ فاعله، كذا
في ((الفتح الرحماني)). والرعاف أيضاً الدم بعينه، وتقدم اختلاف العلماء فيه
قبيل الطهور للوضوء.
ويوجد في النسخ الهندية بعده (والقيء) قال الزرقاني: ويقع في نسخ
سقيمة ((والقيء)) ولا وجود لها في النسخ العتيقة المقروءة، ويلزم عليها أنه
ترجم بشيء ولم يذكره، وكان أصلها هامشاً فأدخله الناسخ جهلاً، قلت: ولا
يوجد في نسخة الزرقاني ولا نسخة الباجي، ولكن لما وجد في أكثر النسخ
فيمكن أن يُوَجَّه أن حكمهما لما كان عند الإمام واحداً ذكرهما، وأثبت الأولى
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٤٢/٢).
٤٥٦

٢ - كتاب الطهارة
(١٠) باب
(٧٦) حديث
٧٦/ ٤٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ إِذَا رَعَفَ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى وَلَمْ يَتَكَلّمْ.
آثاراً والثانية اجتهاداً، لأنه لما تحقق عنده بالآثار أن الوضوء لا يكون من غير
السبيلين ثبت حكم القيء أيضاً لكونه من غير السبيلين، أو يقال: إنه لما تقدم
بعض الآثار الواردة في القيء أشار المصنف بالترجمة إلى التنبيه على ما تقدم،
ولم يذكر ههنا تشحيذاً للأذهان إن سلم من تصرف النُّسَّاخِ. والاختلاف في
القيء كالخلاف في الدم، كما تقدم من ابن قدامة في ((المغني))(١).
وحاصله: أن القيء الفاحش والدم الفاحش ينقضان الوضوء عند الإمام
أحمد رواية واحدة، يعني لا خلاف فيه عندهم وكذلك عند الحنفية، وروي عن
قتادة والثوري وإسحاق مثله، وكان مالك والشافعي وغيرهما لا يوجبون منهما
وضوءاً. واستدل الحنفية والحنابلة بروايات، منها رواية أبي الدرداء ((أنه قاء
فتوضأ)) قال ثوبان: صدق، أنا صببت له وضوءاً. رواه الأثرم والترمذي، وقال:
هذا أصح شيء في هذا الباب، قيل لأحمد: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: نعم،
وتقدم شيء من الكلام عليه والأدلة للحنفية في ((ما لا يجب منه الوضوء)).
٤٦/٧٦ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (كان إذا
رعف) في صلواته (انصرف) منها (فتوضأ) وضوءه للصلاة (ثم رجع) إلى مصلاه
(فبنى) على صلاته (ولم يتكلم) إذ لو تكلم في الصلاة بطلت، وسيأتي الكلام
على البناء في آخر الباب الآتي. وفي الأثر حجة للحنفية في أن الرعاف ناقض
للوضوء، ولما كان هذا الأثر مخالفاً للمالكية أَوَّله الزرقاني وغيره بغسل
الدم(٢)، وهذا التأويل رواه البيهقي عن الشافعي أيضاً، لكنه مع أنه خلاف
الظاهر يأباه مذهب ابن عمر - رضي الله عنه - أيضاً، فإن مذهبه كما في
(١) (١/ ٢٤٧) .
(٢) قالوا (المالكية): وغسل الدم يُسمَّى وضوءا، لأنه مشتق من الوضاءة، وهي النظافة
((الاستذكار)) (٢٦٦/٢).
٤٥٧

٢ - كتاب الطهارة
(١٠) باب
(٧٧ - ٧٨) حديث
٧٧/ ٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ،
كَانَ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ فَيَغْسِلُ الدَّمَ عَنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَلَّى.
٤٨/٧٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن
قُسَيْطِ اللَّيْنِيّ؛ أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ رَعَفَ وَهُوَ يُصَلِّي، فَأَتَّى
حُجْرَةَ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ
ـوسـ
((المغني)) و((الشرح الكبير))، وغيرهما (١) نقض الوضوء منه، وروى ابن أبي شيبة
وعبد الرزاق عن ابن عمر: ((من رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ»،
الحديث، فلا يجوز توجيه أثرٍ على خلاف مذهبه.
٤٧/٧٧ - (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يرعف) في صلاته
(فيخرج) عن مصلاه (فيغسل الدم) عنه ويتوضأ (ثم يرجع) إلى المصلى (فيبني
على ما قد صلى) ولو سُلُّم أنه - رضي الله عنه - كان يكتفي على غسل الدم فلعل
مذهبه - رضي الله عنه - كان إذ ذاك عدم نقض الوضوء منه، فإنه اختلف العلماء
في مذهبه - رضي الله عنه - فنقل الشوكاني عنه مثل مالك، وفي ((المغني))
و ((الشرح الكبير)) مثل الحنفية. والظاهر عندي أن مذهبه يوافق الحنفية، فروي
عنه عدم الوضوء أيضاً على قلة الدم والوضوء على كثرته، وكلُّ روى عنه مثل ما
رآه يفعله. وفي الحديث لم يذكر عدم الوضوء فلا حجة فيه لأحد. وقد نقل ابن
عبد البر عن ابن عباس أنه قال: إذا فحش أي ينقض الوضوء.
٤٨/٧٨ - (مالك عن يزيد) بتحتية فزاي معجمة (ابن عبد الله بن قسيط)
بقاف فسين آخره طاء مهملتين مصغراً، ابن أسامة (الليثي) أبي عبد الله المدني،
وثقه النسائي وغيره، مات سنة ١٢٢ هـ وله تسعون سنة (أنه رأى سعيد بن
المسيّب رعف وهو) الواو حالية (يصلي فأتى حجرة) أم المؤمنين (أم سلمة)
رضي الله عنها (زوج النبي ◌َّ) لأنها أقرب موضع إلى المسجد فيقِلُّ المشي
(١) في ((الاستذكار)) أيضاً (٢/ ٢٦٧) من مذهب ابن عمر ومذهب أبيه عمر إيجاب الوضوء
من الرُّعاف.
٤٥٨

٢ - كتاب الطهارة
(١١) باب
(٧٨) حديث
فَأَتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ. ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى مَا قَدْ صَلَّى.
(١١) باب العمل في الرعاف
في أثناء الصلاة (فأتي) ببناء المجهول (بوضوء) بالفتح أي ماء الوضوء (فتوضأ)
وضوءه للصلاة(١) كما هو ظاهر اللفظ، وأَوَّلَهُ الزرقاني بغسل الدم تأويلاً إلى
مذهبه (ثم رجع) إلى المسجد (فبنى على ما قد صلى) أفاد أن الرعاف ناقض
عنده أيضاً .
وروي عنه في ((مصنف عبد الرزاق)) من قوله ما يوافق فعله هذا من أنه
قال: ((إن رعفت في الصلاة فاشدد منخريك وصلّ كما أنت، فإن خرج من
الدم شيء، فتوضأ وأَتِمَّ على ما مضى ما لم تتكلم)). فهذا نصٌّ منه على إيجاب
الوضوء عند خروج الدم.
وأيضاً نقل مذهبه في ((المغني)) و (الشرح الكبير)) نقض الوضوء، فتأويل
العلامة الزرقاني ههنا أيضاً بغسل الدم غلط فاحش. ولما كانت آثار الباب كلها
مؤيدة للحنفية أعرضنا عن ذكر غيرها من الدلائل والمذاهب.
وبسطها الشيخ في ((البذل))(٢) فارجع إليه إن شئت. والآثار في مسألة
البناء تؤيد الحنفية، وسيأتي المذاهب في ذلك.
(١١) العمل في الرعاف
قال الزرقاني(٣): وهو كثير فيخرج إلى غسله، وقليل فيفتله بأصابعه حتى
يجفَّ، ويتمادى على صلاته، انتهى. فغرض الشارح بهذا الكلام بيان الفرق
(١) إن الوضوء إذا أطلق ولم يقيد بغَسْل دم وغيره فهو الوضوء المعلوم للصلاة وهو الظاهر
من إطلاق اللفظ .
(٢) (١٢٥/٢ وما بعدها).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٨٢/١).
٤٥٩

٢ - كتاب الطهارة
(١١) باب
(٧٩) حدیث
٤٩/٧٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
حَرْمَلَةَ الأَسْلَمِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَرْعُفُ، فَيَخْرُجُ
مِنْهُ الدَّمُ، حَتَّى تَخْتَضِبَ أصَابِعُهُ مِنَ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ، ثُمَّ
يُصَلِّ، وَلا يَتَوَضَّأُ .
بين الترجمتين: بأن المراد في الترجمة الأولى الكثير، فيخرج ويُغْسَلُ، والمراد
في الثانية القليل، فلا يخرج عن الصلاة.
ويمكن أن يُوَجَّهَ الفرق بينهما بأن المراد من الأولى ما ورد في الرعاف
من الآثار المختلفة، من الغسل في بعضهما والوضوء في الآخر، وأما المقصود
من هذه الترجمة بيان العمل(١)، والراجح أن المعمول به عند الإمام عدم
الوضوء. ثم الفرق بين القليل والكثير كما هو عند المالكية كذلك عند الحنفية
كما يجيء في كلام الإمام محمد في آخر الباب.
٤٩/٧٩ - (مالك عن عبد الرحمن بن حرملة) بن عمرو بن سنة بفتح
المهملة وتثقيل النون (الأسلمي) أبي حرملة المدني، صدوق ربما أخطأ مات
سنة ١٤٥هـ، له في ((الموطأ)) خمسة أحاديث، قاله الزرقاني (أنه قال: رأيت
سعيد بن المسيب يرعف، فيخرج منه الدم حتى تختضب أصابعه) قال
الباجي(٢): ظاهره أنها تختضب كلها فهو في حيز الدم الكثير، ولعله أراد
الأنامل العليا من أصابع يده وإن ذلك في حيز اليسير، اهـ (من الدم الذي يخرج
من أنفه ثم يصلي) بعد غسل الأصابع إن كان هذا المقدار يكثر عن الدرهم،
والمعفو عند الجمهور هذا المقدار فقط، وبدونه إن كان قليلاً عنه (ولا يتوضأ)
أما عند المالكية فلأن الرعاف ليس بناقض، وأما عندنا الحنفية فلعله يكون
قليلاً عنده، كما تقدم من كلام الباجي.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٧/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٨٥/١).
٤٦٠