Indexed OCR Text

Pages 421-440

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٢) حديث
فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّؤْوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٣٢ - باب التماس الوضوء إذا
حانت الصلاة .
ومسلم في: ٤٣ - كتاب الفضائل، ٣ - باب في معجزات النبي ◌ُّر، حديث ٥.
(فتوضأ الناس) كلهم، وكانوا ثمانين رجلاً كما في رواية حميد عن أنس
عند البخاري، وله عن الحسن عن أنس: كانوا سبعين أو نحوه، وفي مسلم:
سبعين أو ثمانين، وفي حديث قتادة عن أنس عند الشيخين قال قتادة: قلنا
لأنس: كم كنتم؟ قال: كنا ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة، وعند الإسماعيلي:
ثلاثمائة، بالجزم. والظاهر تعدد القصة، مرة سبعين أو ثمانين ومرة زهاء
ثلاثمائة. قال القرطبي: نبع الماء من بين أصابعه وَّر تكرر في عدة مواطن في
مشاهد عظيمة .
(حتى توضؤوا من عند آخرهم) قال الكرماني: ((حتى)) للتدريج و((من)) للبيان
أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم،
و((عند)) بمعنى ((في)) لأن ((عند)) وإن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضي أن
تكون للظرفية المطلقة، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم، قال التيمي: المعنى
توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى آخرهم. وقال النووي: إن ((من)) هنا بمعنى
(إِلى)) وهي لغة، وتعقبه الكرماني ورده الزرقاني. قال القاري في ((شرح الشفاء)):
إلى أن انتهى أولهم، فالقضية معكوسة للمبالغة، والمراد جميعهم، اهـ.
ثم قال عياض: نبع الماء رواه الثقات من العدد الكثير والجم الغفير عن
الكافة متصلة بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في
المجامع، ولم يرو عن أحد منهم إنكار على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق
بالقطعي من معجزاته مصر، انتهى.
قال القرطبي: نبع الماء من بين أصابعه تكرر في عدة مواطن في مشاهد
عظيمة، وورد من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر
٤٢١

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٣) حديث
٣٣/٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمدَنِي
الْمُجْمِرِ؛ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
المعنوي، قال القاري في ((شرح الشفاء)): ولا ينكر أحد من الناس ممن حضر تلك
الواقعة ما حدثوا به، فصار كتصديق جميعهم لهم فيكون إجماعاً سكوتياً منهم، اهـ.
وقال الحافظ(١): وحديث نبع الماء بطرق كثيرة عن أنس عند الشيخين
وغيرهما من خمسة طرق، وعن جابر - رضي الله عنه - عندهم من أربعة طرق،
وعن ابن مسعود في البخاري والترمذي، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - عند
أحمد والطبراني من طريقين، وعن أبي ليلى والد عبد الرحمن عند الطبراني
- رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وعن غيرهم في معناه، بسط طرقها
الزرقاني(٢) وغيره، وهذا المختصر لا يتحمله.
٣٣/٦٣ - (مالك عن نعيم) بضم النون وفتح العين المهملة (ابن عبد الله)
(المدني) مولى آل عمر، وثقه ابن معين وغيره (المجمر) بضم الميم وسكون
الجيم وكسر الميم الثانية آخره راء مهملة، اسم فاعل من الإجمار على
المشهور، وبفتح الجيم من التجمير. قال الحافظ: وصف هو وأبوه بذلك
لكونهما كانا يجمران مسجد النبي وَلّة، وقيل: وصف عبد الله بذلك حقيقة،
ووصف ابنه به مجاز. ورُدَّ بأن ابنه أيضاً كان يُجَمِّر.
وقال السيوطي(٣): كان عبد الله يُجَمِّر المسجد إذا قعد عمر على المنبر،
وقيل: كانوا يُجَمِّرُونَ الكعبة ولا مانع من الجمع (أنه سمع أبا هريرة يقول)
وقال ابن عبد البر: قال مالك وغيره: كان نعيم يوقف كثيراً من أحاديث أبي
هريرة - رضي الله عنه -، ومثل هذا لا يقال بالرأي فهو مسند، وقد ورد معناه
من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وغيره بأسانيد صحاح.
۔
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٨٥/٦).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٧٠/١).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٥٤).
٤٢٢

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٣) حديث
مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِداً إِلَى الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ فِي
صَلاةٍ مَا دَامَ يَعْمِذُ إِلَى الصَّلاةِ. وَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ بِإِحْدَى خُطْوَنَيهِ
حَسَنَةٌ، وَيُمْحَى عَنْهُ بِالأَخْرَى سَيِّئَةٌ. فَإِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ الإِقَامَةَ فَلا
يَسْعَ.
(من توضأ فأحسن وضوءه) بإتيان سننه وفضائله وتجنب منهياته (ثم خرج)
من بيته (عامداً) أي قاصداً (إلى الصلاة) خاصة دون غيرها (فإنه في) حكم
(صلاة) باعتبار الأجر والثواب، وباعتبار الخشوع وترك العبث، كما في رواية
أبي داود عن كعب بن عجرة مرفوعاً ((إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم
خرج عامداً إلى الصلاة، فلا يشبكن يديه، فإنه في صلاة)) ويستمر هذا الحكم
(ما دام يعمد) بكسر الميم أي يقصد، من باب ضرب، وفي لغة قليلة من باب
فرح، وفي نسخة ((ما كان يعمد)) (إلى الصلاة) ما دام مستمراً على هذا القصد،
ولا يمنعه من الخروج عن المسجد إلا الصلاة، وفي رواية لمسلم ((لا يزال
أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه)).
(وأنه) بفتح الهمزة وكسرها (يكتب له بإحدى خطوتيه) بضم الخاء
المعجمة، وبه جزم الحافظ وغيره، وهو ما بين القدمين، وقيل: بالفتح بمعنى
المرة الواحدة، والمراد بها اليمنى، قال القرطبي: الرواية بالضم وهو ما بين
القدمين، والتي بالفتح هي المصدر (حسنة) بالرفع (ويمحى عنه بالأخرى) أي
اليسرى، كما وقع مصرحاً في رواية ابن عمر عند الحاكم وغيره، وفي رواية
سعيد عن بعض الأنصار عند أبي داود (سيئة).
قال الباجي(١): يحتمل أن لخطاه حكمين ببعضها يكتب وببعضها يمحى،
وهو ظاهر اللفظ، وقيل: هما واحد، وكتابة الحسنات هو بعينه محو السيئات،
انتهى مختصراً.
(فإذا سمع أحدكم الإقامة) للصلاة وهو يمشي إليها (فلا يسع) أي لا
(١) ((المنتقى) (٧٣/١).
٤٢٣

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٤) حديث
فَإِنَّ أَعْظَمَكُمْ أَجْراً أَبْعَدُكُمْ دَاراً. قَالُوا: لِمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مِنْ
أَجْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا.
٦٤ /٣٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ انَّهُ سَمِعَ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيبِ يُسْأَلُ عَنِ الْوُضُوءِ مِنَ الْغَائِطِ بِالْمَاءِ. فَقَالَ سَعِيدٌ :
إِنَّمَا ذُلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ.
يُسرع؛ كما روي مرفوعاً ((بل يمشي على هَينته)) فيه من كثرة الخطا مع أن في
العَدْوِ من اعتشاء البطن بالنفس ما يزيل الخشوع (فإن أعظمكم أجراً أبعدكم
داراً) من المسجد (قالوا: لِمَ) أي لأي وجه يكون بعيد الدار أعظم أجراً (يا أبا
هريرة) مع أنه خلاف الظاهر (قال) أبو هريرة - رضي الله عنه - هو (من أجل
كثرة الخطا) بضم الخاء وفتح الطاء جمع خطوة بالضم.
وقد جاء في قصة بني سلمة عند مسلم إذ قال لهم عليه الصلاة والسلام:
((دياركم تكتب آثاركم))، ولا يعارضه ما ورد «أن من شؤم الدار بُعْدُها عن
المسجد))، لأن الشآمة من حيث إنه يؤدي إلى فوات الجماعة، بل ربما يؤدي
إلى فوات الوقت أيضاً لما أنه لا يسمع الأذان مثلاً، والفضل بالنسبة إلى من
يتحمل المشاق ويحضر الصلاة (١)، والأوجه عندي أن الشآمة باعتبار المكان
والأجر باعتبار المكين والمجيء فلا تعارض، وسيأتي البسط في ذلك في
الجزء الثاني.
٣٤/٦٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يسأل) ببناء
المجهول (عن الوضوء) أي الاستنجاء (من) سببية (الغائط بالماء، فقال سعيد: إنما
ذلك وضوء النساء) قال الباجي: يحتمل أنه أراد أن ذلك عادة النساء، وعادة
الرجال الاستجمار، ويحتمل أنه يريد بذلك عيب الاستنجاء بالماء(٢)، كما قال
(١) انظر: ((مرقاة المصابيح)) (١٩٥/٢).
(٢) قال ابن عبد البر: وليس في عيب سعيد بن المسيّب الاستنجاء بالماء ما يسقط فضله
لثناء الله على أهل قباء ((الاستذكار) (٢٠٥/٢).
٤٢٤

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٥) حديث
٣٥/٦٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ه قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَّاءٍ
أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ)) .
أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء، ٣٣ - باب الماء الذي يغسل به
شعر الإنسان رقم الحديث (١٧٢).
ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ٢٧ - باب حكم ولوغ الكلب، حديث ٩٠.
عليه السلام: ((التصفيق للنساء)). وهذا - أي قول سعيد - لا يراه مالك ولا أكثر
أهل العلم، والاستنجاء عندهم بالماء أفضل، وجميع الفقهاء على أن الاستجمار
يجزىء مع وجود الماء، انتهى.
قلت: تقدم الكلام عليه مفصلاً، وبمعنى قول سعيد روي عن حذيفة بن
اليمان إذ قال: لا يزال في يدي نتن، وعن ابن عمر أنه كان لا يستنجي
بالماء، وعن ابن الزبير: ما كنا نفعله.
٣٥/٦٥ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي عبد الله بن ذكوان (عن
الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وجل اله
قال: إِذا شرب) قال الحافظ: كذا للموطأ، والمشهور عن أبي الزناد بلفظ
(ولغ)) وهو المعروف لغة، يقال: ولَغ يلَغ - بالفتح فيهما - إذا شرب بلسانه أو
أدخل لسانه فيه، فحركه، اهـ. وهو خاص بالسباع، ويقال: ليس شيء من
الطيور يلغ غير الذباب. والظاهر أن أبا الزناد روى بكلا اللفظين. قال ابن
العربي: الولوغ للسباع كالشرب لبني آدم، وقد يستعمل الشرب في السباع،
وقد يستعمل الولوغ في بني آدم (الكلب في) بمعنى ((من)) أو ضمن ((شرب))
معنى ((ولغ)) فعدَّى تعديته (إناء أحدكم) الظاهر تعميمُ الآنية، والإضافة ليست
للتخصيص (فليغسله) لا يتوقف على أن يكون هو الغاسل، وزاد علي بن مسهر
عن الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة ((فليرقه)) أخرجه مسلم
وغيره، وتكلم المحدثون على هذه الزيادة (سبع مرات) عند الإمام مالك
٤٢٥

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٥) حديث
والشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، وفي رواية ((يجب الغسل ثمانياً))، وفي
كلا روايتيه ((إحداهن بالتراب))، قال النووي: في مذهب مالك أربع روايات(١).
ثم ذكرها. وذكر الباجي أكثر منها .
قال الدردير(٢): نُدِبَ غَسْلُ إناء ماء، ويراق ذلك الماء ندباً تعبداً، لا
إناء طعام، فلا يندب غسله ولا إراقته، بل يحرم لما فيه من إضاعة المال إلا
أن يريقه لكلب أو بهيمة فلا يحرم. سبع مرات بسبب ولوغ كلب مطلقاً مأذوناً
في اتخاذه أم لا، لا غير الولوغ، كما لو أدخل رجله أو لسانه بلا تحريك أو
سقط لعابه، انتهى.
قال ابن قدامة في ((المغني)) (٣): وقال أبو حنيفة: لا يجب العدد في شيء
من النجاسات إنما يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه من النجاسة، لأنه روي
عن النبي ◌َّر أنه قال في الكلب يلغ في الإناء: يغسل ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً،
فلم يعين عدداً لأنها نجاسة، فلم يجب فيها العدد كما لو كانت على الأرض،
انتھی .
وإجمال الكلام فيه أن الشافعية والحنابلة قالوا بالتتريب فأثبتوا رواياته،
والمالكية لم يقولوا بالتتريب فتكلموا على هذه الزيادة، كما بسطه الحافظ،
ولخصه الزرقاني.
واستدل الحنفية بما رواه الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
مرفوعاً في الكلب يلغ في الإناء ((يغسل ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً))، وبما رواه
ابن العربي مرفوعاً، ورواه الدار قطني(٤) موقوفاً عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢٧٠/١٨ - ٢٧١).
(٢) (٨٣/١).
(٣) (٧٤/١).
(٤) (١/ ٦٤) .
٤٢٦

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٥) حديث
أنه كان إذا ولغ الكلب في الإناء أهراقه، ثم غسله ثلاث مرات. قال
النيموي(١): إسناده صحيح، وحينئذٍ يعارض روايات السبع والثمانية والتتريب
كلها، لكن القرائن تؤيدهم، فإن التشديد في أمر الكلاب كان أولاً ثم رخص
فيه، ووقع التيسير فيه تدريجاً كما هو مؤدى روايات القتل، ولا يخفى ذلك
على من له أدنى ممارسة بالحديث.
فكذلك يحمل روايات الثمانية والتتريب على زمان أشد الشدة، ثم بعد
ذلك نزل الأمر إلى السبع مع التتريب ثم إلى السبع بدونه، ثم صار مثل سائر
النجاسات، وبهذا يجمع جميع الروايات المختلفة في الباب. ويؤيده أيضاً إفتاء
أبي هريرة - رضي الله عنه - بالثلاث مع أنه راوي الحديث. وما أورده عليه
الحافظ ابن حجر، رَدَّ عليه العلامة العيني، ولخصها الشيخ في ((البذل))(٢)، إن
شئت فارجع إليهم.
ثم اختلفوا في أن هذا الحكم للنجاسة أو لغيرها، فالجمهور والأئمة
الثلاثة على الأول، وقال المالكية: الحكم تعبدي ولا يتنجّس (٣)، والكلب
عندهم طاهر، كما قاله الباجي.
وبسط الكلام على مسائل الأحاديث الواردة في الباب ابن العربي في
((شرح الترمذي)) (٤)، وتلخيصه: أن فيها عشر مسائل: الأولى: النظر في الكلب
هل هو طاهر أم نجس؟ فقال الأئمة الثلاثة وأبو ثور وأبو عبيد وسحنون: إنه
(١) (آثار السنن)) (١١/١).
(٢) (١٨٤/١).
(٣) قال ابن عبد البر: مذهب مالك أن التعبد إنما ورد في غسل الإناء الطاهر من ولوغ
الكلب خاصّة من بين سائر الطاهرات، وشبَّهه أصحابنا بأعضاء الوضوء الطاهرة، تغسل
عبادة، (الاستذكار)) (٢٠٨/٢).
(٤) ((عارضة الأحوذي)) (١٣٤/١).
٤٢٧

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٦) حديث
٣٦/٦٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ،
قَالَ: ((اسْتَقِيمُوا
نجس، وقال مالك: هو طاهر، وكذلك سائر الحيوان. والثانية: في ريقه، وهو
كذلك طاهر الريق عنده؛ لكنه يأكل النجاسات، فقد يقول: إنه نجس الريق
لأجل أكله النجاسات. والثالثة: في اتخاذه. والرابعة: أن من صلى بهذا الماء
هل يعيد؟. والخامسة: سؤر الخنزير مثله، قال مالك في ((المختصر)): يتوضأ
منه. والسادسة: ضَعَّفَ مالك غسل الإناء منه، فقيل: لأن القرآن عارضه،
وقيل: لأن وجوب الغسل لا يظهر فيه لعدم سبب الوجوب لما أذن في اتخاذه.
والسابعة: في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ((يغسل الإناء من ولوغ الكلب
ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً)) تفرد به عبد الوهاب وبسطه.
والثامنة: في سؤر الهرة، فاتفق العلماء على طهارة سؤرها، وقال أبو حنيفة:
مكروه، ويؤثر ذلك عن سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعطاء ابن أبي رباح،
والحسن البصري. والتاسعة: إن أصابت الهرة نجساً فولغت فهو ما أصابته نجاسة،
فإن غابت عن العين بعدما أصابت النجاسة فمختلف. والعاشرة: في معنى قوله
عليه السلام: ((الهرة سبع))، انتهى ملتقطاً. لو شئت تفصيل واحدةٍ من هذه المسائل
فارجع إلى الأصل(١)، واكتفينا بالإشارات، وهي اللائق بذلك (الأوجز)).
٣٦/٦٦ - (مالك أنه بلغه أن رسول الله ﴿ ل﴾ قال) وقد ورد مسنداً من
حديث ابن عمرو عند ابن ماجه والبيهقي بلفظ ((واعلموا أن من أفضل أعمالكم
الصلاة)) ومن حديث ثوبان عندهما وأحمد والحاكم وغيرهم(٢) بلفظ: ((واعلموا
أن خير أعمالكم الصلاة)) (استقيموا) أي لا تزيغوا وتميلوا عما سُنَّ لكم، قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ﴾(٣) الآية، وهو من جوامع
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٧٤/١) و((عمدة القاري)) (٤٨٦/٢ - ٤٩٠).
(٢) انظر: «التمهيد)) (٣١٨/٢٤).
(٣) سورة فصلت، الآية: ٣٠.
٤٢٨

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٦) حديث
وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْمَلُوا، وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاء
٩:٥
الكلم الشامل للأصول والفروع وأعمال القلوب والجوارح، إذ الاستقامة امتثال
كل مأمور واجتناب كل منهي، ولا تحصل الاستقامة مع شيء من الاعوجاج.
قالت الصوفية: الاستقامة خير من ألف كرامة. قال الرازي: الاستقامة أمر
صعب شديد، لشمولها العقائد والأعمال والأخلاق عن طرفي الإفراط
والتفريط، انتهى.
ولذا قال عليه السلام (ولن تحصوا) أي لن تطيقوا أن تستقيموا حق
الاستقامة لعُسْرها. ولذا قيل في وجه قوله عليه السلام: ((شيّبتني هود)»: إنه نزل
فيه ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. والغرض من قوله بَّر: ((ولن تحصوا)) تنبيه على أنه
لا يظن أحد بنفسه الاستقامة كلية فيقع في ورطة العجب والغرور، وقيل: لئلا
يتكل على عمله، أو تنبيه على أن لا يملَّ أحد بالجد والسعي لما رأى عن
نفسه التقصير فيه، فَنَبَّه رحمةً ورأفةً عليهم بأن الحقيقة عسيرة، بل لا يمكن،
فَسَدِّدُوْا وقارِبُوا، قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخْصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكُمْ﴾(١) الآية.
وقيل: معنى قوله عليه السلام: ((ولن تحصوا)) أي سائر الأعمال
الصالحة، فما أخذتم من الأعمال استقيموا عليه، فيكون من باب ((خير العمل
ما ديم عليه)) وقيل: معناه لن تحصوا ثوابه وأجره لو استقمتم، ويؤيده رواية
ابن ماجه(٢) عن أبي أمامة ((استقيموا، ونِعِمًا استقمتم)) الحديث.
(واعملوا) بتقديم الميم في أكثر النسخ أي الأعمال الصالحة كلها على
حسب الطاقة والوسعة (وخير أعمالكم) بالواو وفي بعض النسخ، ((واعلموا أن
خير أعمالكم)) بتقديم اللام، وبلفظ ((أن)) فحينئذٍ يطابق الروايات المتقدمة
المسندة (الصلاة) لجمعها العبادات الكثيرة من القراءة والتسبيح والتكبير، وهي
معراج المؤمن، ولذا قالت العلماء: إنها أفضل العبادات بعد الشهادتين.
(١) سورة المزمل، الآية: ٢٠.
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٠٢/١) رقم الحديث (٢٧٩).
٤٢٩

٢ - كتاب الطهارة
(٧) باب
(٦٦) حديث
وَلا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ)).
هذا مرسل، وقد قال ابن عبد البر في (التقصي) هذا يستند ويتصل من حديث
ثوبان عن النبي ◌َّر من طرق صحاح.
وأقول: أخرجه ابن ماجه في: ١ - كتاب الطهارة، ٤ - باب المحافظة على
الوضوء ح(٢٧٧).
(٧) باب ما جاء في المسح بالرأس والأذنين
واختلفت الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال، ففي هذا الحديث
هكذا، وفي حديث أبي ذر: أي الأعمال خير، قال: إيمانٌ بالله، وجهاد في
سبيل الله، وغير ذلك من الروايات الكثيرة، ووجه التوفيق أنه عليه السلام
أجاب لكل بما يليق بحاله، ويكون أصلح لشأنه، أو يقال: إن الأفضلية مختلفة
باختلاف الأوقات والأحوال، كما هو ظاهر.
(ولا) وفي رواية ((ولن)) (يحافظ على الوضوء) الظاهري والباطني، وهو
طهارة الباطن من الأدناس الباطنية، وكماله طهارة السر عن الغير («اللَّهم
ارزقني)) (إلا مؤمن) كامل الإيمان. فيه استحباب إدامة الوضوء، وتجديده.
وقالت الصوفية: طهارة الظاهر تؤثر في طهارة الباطن، فعليك بدوام الوضوء.
(٧) ما جاء في المسح بالرأس والأذنين
تثنية أذن، بضمتين، وقد تسكن الذال المعجمة. أما مسح الرأس فقد
تقدم. وغرض المصنف بالترجمة إثبات أنه يجب مسح الرأس بعينه، ولا يكفي
النيابة بالعمامة، وأما مسح الأذنين، فاختلف العلماء في أنهما يمسحان ببقية
ماء الرأس أو بماء جديد، فذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد - رضي الله
عنهم - إلى أنه يؤخذ لهما ماء جديد، وذهب الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -
إلى أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد (١).
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢/ ١٩٢).
٤٣٠

٢ - كتاب الطهارة
(٧) باب
(٦٧) حديث
٦٧/ ٣٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَأَخُذُ الْمَاءَ
قال الشيخ ابن القيم في ((الهدي)): لم يثبت عنه ◌َلل أنه أخذ لهما ماءً
جديداً، كذا في ((البذل))(١) عن ((النيل)). وقال الشعراني في ((ميزانه)): ومن ذلك
قول الأئمة الثلاثة: إن الأذنين من الرأس، يستحب مسحهما معه مع قول
الشافعي: إنهما عضوان مستقلان يمسحان بماء جدید.
وقال الزهري: هما من الوجه يغسلان معه. وقال الشعبي وجماعة: ما
أقبل منها فمن الوجه يغسل معه، وما أدبر فمن الرأس يمسح معه، اهـ.
ولا يشكل عليك مخالفة كلام الشعراني بما نقل عن ((البذل)) وغيره، فإن
كلام ناقلي المذاهب فيها مضطربة جداً، وبمثل الشعراني نقله القاري عن
((شرح السنة)) وغيره، إذ قال: قال الشافعي: يمسحان بثلاثة مياه جدد، وذهب
أكثرهم إلى أنهما من الرأس يمسحان معه، وبه أخذ أبو حنيفة ومالك
وأحمد، اهـ. وكذا نقله الترمذي عن أحمد.
وذكر في هامش ((الموطأ)) عن ((المحلى)) أبا حنيفة مع مالك، والشافعي
مع أحمد، والظاهر أن سببه اختلاف روايات الأئمة في ذلك، والأرجح عندي
ما يظهر من ملاحظة أكثر الكتب اتحاد قول أبي حنيفة مع أحمد، وقول مالك
مع الشافعي، قال ابن رسلان تحت حديث عثمان بلفظ ((فأخذ ماءً فمسح برأسه
وأذنيه)): ظاهره أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد، وهو مذهب أحمد، انتهى.
قلت: وحديث التكفير بالوضوء يؤيد الحنفية، وقد روي عنه وَ لّ ((الأذنان
من الرأس)) وفي روايات صفة وضوئه عليه السلام ((ثم مسح رأسه وأذنيه
ظاهرهما وباطنهما)) وغير ذلك من الروايات التي تؤيد الحنفية بسطها الزيلعي،
وهذا المختصر لا يسعها .
٣٧/٦٧ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء) الجديد
(١) ((بذل المجهود)) (٣٠٧/١).
٤٣١

٢ - كتاب الطهارة
(٧) باب
(٦٧) حديث
بِأَصْبُعَيْهِ لأَذْنَيْهِ .
(بأصبعيه) بالتثنية (لأذنيه) كلتيهما، يحتمل أنه - رضي الله عنه - كان يأخذ الماء
باليدين كلتيهما لكنه يمسح الأذنين بالسبابتين فقط، ويحتمل أنه يأخذ الماء بهما
فقط، قلت: وما نقله الزيلعي عن البيهقي برواية مالك عنه بلفظ ((وكان يعيد أصبعيه
في الماء فيمسح بهما أذنيه)) يؤيد الثاني، قال الشيخ ابن القيم: لم يثبت أنه وُّل
أخذ للأذنين ماء جديداً، وقد صح ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنه -، اهـ.
قلت: تقدم قول الحنفية في ذلك ورُوِي مثل قولهم عن جماعة من
الصحابة والتابعين، قاله ابن عبد البر كما في ((النيل))، فلا يضر الحنفية أثر
ابن عمر - رضي الله عنه - بعد أن قال بمثل قولهم جماعة من الصحابة
والتابعين، والروايات المرفوعة سالمة للحنفية خالية عن المعارضة، واختلف
العلماء أيضاً في حكم هذا المسح، فالجمهور من العلماء والأئمة الثلاثة قالوا
بعدم الوجوب وقال الإمام أحمد وإسحق بالوجوب، كما في ((النيل))(١).
ثم لم يذكر المصنف - رضي الله عنه - مسح الرقبة وكان هذا محله،
والوجه أنه لا يستحب عند الإمام - رضي الله عنه -. قال في ((مختصر
الخليل)): ولا تندب إطالة الغرة ومسح الرقبة، اهـ. وهو مستحب عندنا
الحنفية، وهما روايتان لأحمد كما في ((المغني))، وقولان للشافعي - رضي الله
عنه - كما في ابن رسلان.
قال الشعراني: ومن ذلك قول مالك والشافعي: إن مسح صفحة العنق
بالماء ليس بسنة مع قول أبي حنيفة وأحمد وبعض الشافعية: إنه مستحب، وجه
الأول عدم ثبوت حديث فيه فكان بدعة، ووجه الثاني ما رواه الديلمي(٢) ((مسح
العنق أمان من الغِلِّ» مع ما جُرِّب من زوال الغم والهم إذا مسح العنق، فلا بد
لذلك من حكمة، وإذا ضعف النقل عملنا بالتجربة، انتهى.
(١) (٣٢٩/١).
(٢) انظر: ((اتحاف السادة المتقين)) (٣٦٥/٢).
٤٣٢

٢ - كتاب الطهارة
(٧) باب
(٦٨) حديث
٣٨/٦٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
الأَنْصَارِيَّ، سُئِلَ عَنِ الْمَسْجِ
قال ابن رسلان في شرح حديث أبي داود(١) بلفظ: ((يمسح رأسه مرة
واحدة حتى بلغ القذال)): وقد استدل به على ما قاله البغوي والغزالي، أنه
يستحب مسح الرقبة، وصحح الرافعي في ((الشرح الصغير))، أنه سُنَّة، وروى
الإمام أحمد هذا الحديث وقال فيه: ((حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق))
وإسناده ضعيف، ويعضده ما رواه أبو عبيد، في كتاب الطهور بسنده عن
موسى بن طلحة قال: ((من مسح قفاه مع رأسه وقي الغل يوم القيامة))، وهذا
الحديث وإن كان موقوفاً، فله حكم المرفوع، لأن هذا لا يقال من قِبَل الرأي،
فهو على هذا مرسل.
وروى الديلمي في ((مسند الفردوس)) عن ابن عمر أن رسول الله مح له قال:
((مسح الرقبة أمان من الغل))، وروى الحافظ أبو نعيم في (تاريخ أصبهان)) عن
ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إِذا توضأ مسح عنقه، ويقول: قال
رسول الله مَ: ((من توضأ، ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة))، قال
ابن حجر (٢): وقرأت جزءاً رواه أبو الحسين بن الفارس بإسناده عن فليح بن
سليمان عن نافع عن ابن عمر أن النبي ◌ِّر قال: ((من توضأ ومسح بيديه على
عنقه وقي الغل يوم القيامة)) وقال: هذا إن شاء الله صحيح، انتهى، وهذا يكفي
.
لهذا الوجيز، والبسط فى المطولات (٣)
٣٨/٦٨ - (مالك أنه بلغه) قال القاري عن سفيان: إذا قال مالك ((بلغني))
فهو إسناد قوي (أن جابر بن عبد الله الأنصاري سئل) ببناء المجهول (عن المسح
(١) أخرجه أبو داود (٦٠/١) رقم الحديث (١٣٢) من كتاب الطهارة، ورواه أحمد: (٣/
٤٨١) .
(٢) انظر: ((تلخيص الحبير)) (١٣٦/١) و(٩٧ - ٩٨).
(٣) الإمام عبد الحي اللكنوي ألف رسالة سمّاها ((تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة)) وقد
طبعت، وانظر: ((السعاية)) (١٧٨/١).
٤٣٣

٢ - كتاب الطهارة
(٧) باب
(٦٩ - ٧٠) حديث
عَلَى الْعِمَامَةِ، فَقَالَ: لا. حَتَّى يُمْسَحَ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ.
٣٩/٦٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّ أَبَاه
عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَنْزِعُ الْعِمَامَةَ، وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ.
٧٠/ ٤٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنْ نَافِع؛ أَنَّهُ رَأَى صَفِيَّةَ بِنْتَ
أَبِي عُبَيْدٍ، امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، تَنْزِعُ خِمَارَهَا، وَتَمْسَحُ عَلَى
على العمامة) بكسر العين ما يعتمُّ به الرجل رأسه (فقال) جابر: (لا) يجزىء
(حتى يمسح الشعر بالماء) وبه قال الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي
والجمهور، وأباحه لبعض الآثار الإمام أحمد وداود وجماعة، مع الخلاف
بينهم في التوقيت، والشرائط كما في ((النيل))، قال الخطابي: فرض الله مسح
الرأس، وحديث مسح العمامة محتمل للتأويل فلا يترك المتيقن للمحتمل(١)،
اهـ. قلت: وحمله الإمام محمد على النسخ كما سيأتي.
٣٩/٦٩ - (مالك عن هشام بن عروة أن أباه) وفي نسخة ((عن أبيه))
(عروة بن الزبير) ابن أخت عائشة - رضي الله عنها - وكان من الفقهاء (كان ينزع
العمامة) إذا توضأ (ويمسح رأسه بالماء) لا على العمامة، ذكره تأييداً لما تقدم.
٧٠/ ٤٠ - (مالك عن نافع أنه رأى صفية بنت أبي عبيد) بن مسعود الثقفية
(امرأة عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - تزوَّجها في حياة أبيه، وأصدقها عمر
- رضي الله عنه - أربعمائة درهم، وزاد هو سراً مائتي درهم، وولدت له
أولاداً، ذكرها الزرقاني، قيل: لها إدراك، وأنكره الدارقطني، وجمع بينهما في
(الإصابة)) بأن أباها يحملها ولم تدرك السماع، وذكرها العجلي وابن حبان في
ثقات التابعين، وفي ((التقريب)): فهي من الثانية.
(تنزع) عند الوضوء (خمارها) بكسر المعجمة ما تغطي به رأسها (وتمسح على
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٥٩/١)، و((فتح الملهم)) (٤٣٤/١).
٤٣٤

٢ - كتاب الطهارة
(٧) باب
(٧٠) حديث
رَأْسِهَا بِالْمَاءِ. وَنَافِعٌ يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ.
وَسُئِلَ مَالِكٌّ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ. فَقَالَ: لاَ
يَنْبَغِي أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُّ وَلا الْمَّرْأَةُ عَلَى عِمَامَةٍ وَلا خِمَارٍ، وَلْيَمْسَحَا
عَلَى رُؤُوسِهِمَا .
رأسها بالماء) وقال الباجي: وحكم المرأة في ذلك حكم الرجل، قال الإمام محمد
في ((موطئه))(١): وبهذا نأخذ، لا يمسح على الخمار ولا العمامة، بلغنا أن المسح
على العمامة كان، فترك. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، اهـ.
(ونافع يومئذ صغير) ولفظ ((موطأ محمد)): قال نافع: وأنا يومئذ صغير،
فهو اعتذار منه بأنه كيف رآها، وفيه قبول رواية الصغير إذا رواها كبيراً، وهي
من مباحث أصول الحديث، قال السيوطي في ((التدريب)): تُقْبَلُ رواية المسلم
البالغ ما تحمَّله قبلهما يعني في حال الكفر والصبا، ومنع الثاني - أي قبول
رواية ما تحمله في الصبا - قومٌ، فأخطأوا، لأن الناس قبلوا رواية أحداث
الصحابة كالحسن والحسين وابن عباس وغيرهم، ثم ذكر الأقوال المختلفة في
استحباب سن السماع من ثلاثين سنة، وعشرين سنة، وذكر في آخره: ونقل
القاضي عياض أن أهل الصنعة حَدَّدُوا أول زمن يصح فيه السماع للصغير
بخمس سنين، ونسبه غيره للجمهور، قال ابن الصلاح: وعليه استقر العمل بين
أهل الحديث، اهـ. (٢)
(قال يحيى) الراوي للموطأ: (وسُئِلَ) الإمام (مالك عن المسح على
العمامة) للرجل (والخمار) للمرأة (فقال: لا ينبغي)، أي لا يجوز (أن يمسح
الرجل ولا المرأة على عمامة ولا خمار) ولو وقع اتفاقاً فلا يعتبر به (وليمسحا
على رؤوسهما) بصيغة الجمع في الرؤوس لكراهية توالي التثنيتين، كما في قوله
تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ .
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٨٧/١).
(٢) انظر: ((ظفر الأماني)) (٤٧٤/١) بتحقيقنا .
٤٣٥

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٠) حدیث
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ تَوَضَّأَ، فَنَسِي أَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ،
حَتَّى جَفَّ وَضُوءُهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى،
أَنْ يُعِيدَ الصَّلاَةَ.
(٨) باب ما جاء في المسح على الخفين
(قال يحيى وسئل) أيضاً (مالك عن رجل توضأ فنسي) في وضوئه (أن
يمسح على رأسه) فما مسح (حتى جف وضوءه؟ قال: أرى) بفتح الألف أي
اعتقد (أن يمسح برأسه) وحده ولا يعيد الوضوء؛ لأن الموالاة والترتيب وإن
كانت واجبة عندهم، لكنها سقطت بالنسيان، ولذا قال الباجي(١) من
المالكية: إن ذكر بحضرة الوضوء، أو قربه مسح رأسه، وما بعده ليحصل
الترتيب اهـ وأما عندنا الحنفية فلا إشكال في صحة الوضوء لعدم وجوبهما
(وإن كان) ذلك الناسي (قد صلى) بهذا الوضوء الذي نسي المسح فيه يلزم
عليه (أن يعيد الصلاة) بعد مسح الرأس، لتركه فرض الوضوء، وهو متفق عليه
بين الأئمة، وتقدم الكلام على الترتيب في الوضوء، وسيأتي بيان الموالاة،
فلا تغفل.
(٨) ما جاء في المسح على الخفين
قال القاري(٢): أَخَّره عن الوضوء تأخير النائب عن المناب. والمسح هو
إصابة اليد المبتلّة بالعضو، وإنما عُدِّي بعلى إشارة إلى موضعه، وهو فوق
الخف دون أسفله، والخف ما يستر الكعب، ويمكن به ضروريات السفر،
وإنما ثنى بالخف، لأن المسح لا يجوز على أحدهما دون الآخر، انتهى.
قال الحصكفي في ((الدر)): هو لغةً إمرار اليد على الشيء، وشرعاً إصابة
(١) ((المنتقى)) (٧٦/١).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٧٦/٢).
٤٣٦

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧٠) حديث
البلَّة لخف مخصوص في زمن مخصوص، والخف شرعاً الساتر للكعبين، فأكثر
من جلد ونحوه، وشرط مسحه ثلاثة أمور: كونه ساتر القدم مع الكعب، وكونه
مشغولاً بالرجل ليمنع سراية الحدث، وكونه مما يمكن متابعة المشي المعتاد فيه
فرسخاً فأكثر، اهـ.
ثم قال ابن المنذر عن ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين عن
الصحابة اختلاف، لأن كل من رُوي عنه منهم إنكاره روي إثباته، وصرح جمع
من الحفاظ بأن أحاديثه متواترة المعنى، وجمع بعضهم رُواته، فبلغوا مائتين،
قال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين، وسئل أنس بن
مالك - رضي الله عنه - عن علامات أهل السنة والجماعة؟ فقال: أن تُحِبَّ
الشيخين، ولا تطعن الختنين، وتمسح على الخفين. وروي عن الإمام أبي حنيفة
في شرائط أهل السنة أنه قال: أن تُفَضِّل الشيخين، وتُحِبَّ الختنين، وتمسح
على الخفين. وروي عنه - رضي الله عنه - أنه قال: ما قلت بالمسح حتى
جاءني مثل ضوء النهار، ولولا أنه لا خلف فيه ما مسحنا .
وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً أنكره إلا مالكاً في رواية - أنكرها
أكثر أصحابه - والروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطؤه يشهد للمسح
في الحضر والسفر، وعليها جميع أصحابه، اهـ. وأثبت الباجي رجوع الإمام
إلى المسح في السفر والحضر، فاتفقت الأمة كلها على جوازه إلا شِرْذِمَةٌ من
المبتدعة، كالخوارج ظناً منهم أنه لم يرد به القرآن، وكالشيعة ظناً منهم أن علياً
- رضي الله عنه - امتنع عنه. ورد الأول بحمل القراءتين في آية الوضوء على
الحالتين، بَيّنَهما الحديثُ، ورُدَّ الثاني بأنه لم يثبت الامتناع عن علي - رضي الله
عنه - بإسناد موصول يثبت بمثله.
قال في ((الاستذكار)) (١) بعد ذكر الحديث الآتي: وفيه دليل على الحكم
(١) (٢٣٦/٢).
٤٣٧

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧١) حدیث
٤١/٧١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ، مِنْ وَلَدِ الْمُغَيْرَةِ بْنِ شُعْبَةَ،
الجليل الذي فَرَّق بين أهل السنة وأهل البدع، الذي لا ينكره إلا مبتدع خارج
عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر، لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز
والعراق والشام وسائر البلدان، إلا قوم ابتدعوا، فأنكروا المسح على الخفين،
وقالوا: إنه خلاف القرآن وعسى القرآن نسخه، ومعاذ الله أن يخالف
رسول الله ◌َ﴿ كتاب ربه الذي جاء به، قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾(١) الآية، والقائلون بالمسح هم الجم الغفير
والعدد الكثير، اللذين لا يجوز عليهم الغلط ولا التواطؤ، وهم جمهور
الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. وقد روى مالك الإنكار في الحضر
[والسفر]، والروايات عنه بإجازة المسح في الحضر والسفر أكثر وأشهر، وعلى
ذلك بنى موطأه، وهو مذهبه عند كل من سلك اليوم سبيله، لا ينكره منهم
أحد، والحمد لله، انتهى. كذا نقله عنه ابن رسلان. ثم قيل: هو من خصائص
هذه الأمة، ورخصة شرعت ارتفاقاً لهم لدفع الحرج المنفي عنهم.
٧١/ ٤١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عباد) بفتح المهملة وشَدِّ
الموحدة (ابن زياد) بن أبيه المعروف بزياد بن أبي سفيان؛ لما استلحقه معاوية
بأبيه، يكنى أبا حرب، وكان والي سجستان، ولّاه معاوية سنة ٥٣هـ، مات سنة
١٠٠ هـ (وهو من ولد) بضم الواو وسكون اللام أو بفتحهما، قال المجد في
(القاموس)): الولد محركة، وبالضم والكسر والفتح واحد وجمع (المغيرة بن
شعبة) هذا وهم من الإمام مالك، إذ جعل عباداً من أولاد المغيرة، قاله
الشافعي ومصعب الزبيري وأبو حاتم والدارقطني وابن عبد البر. بسط أقوالهم
السيوطي في ((التنوير)).
(١) سورة النساء: الآية ٦٥.
٤٣٨

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧١) حديث
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُغَيْرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛
قال ابن عبد البر(١): ولم يختلف رواة الموطأ عنه في ذلك، وانفرد
يحيى وعبد الرحمن بن مهدي هناك بوهم ثانٍ أيضاً فقالا (عن أبيه المغيرة بن
شعبة) ولم يقله غيرهما، وإنما يقولون: (عن المغيرة بن شعبة)) فيكون منقطعاً،
لأن عباداً لم يسمع من المغيرة ولا رآه، وإنما يرويه الزهري عن عباد عن عروة
وحمزة ابني المغيرة عن أبيهما، وربما حدث عن عروة وحده. وقال الدارقطني
وابن المديني وابن معين: فوهم مالك في إسناده في موضعين: أحدهما قوله:
((عباد من ولد المغيرة)) والثاني: إسقاطه من الإسناد عروة وحمزة قاله
السيوطي(٢).
قال الحافظ في ((تهذيبه)): والأصل إنما هو عن الزهري عن عباد بن زياد
عن ابن المغيرة عن أبيه المغيرة، هكذا رواه جماعة من المحدثين، وذكر
البخاري أن بعضهم رواه عن مالك أيضاً كذلك. ومع هذا كله فالحديث عن
المغيرة متواتر، ذكر البزار: أنه روى عنه ستون رجلاً، قاله الزرقاني(٣).
قلت: والأوجه عندي أنه وقع التحريف في سند هذا الحديث من
النساخ، لا وهم فيه عن الإمام مالك والصواب: عن ولد المغيرة بن شعبة عن
أبيه المغيرة بن شعبة، فوقع الغلط من النساخ في لفظ ((عن)) قبل قوله: ((ولد
المغيرة)) فكتبوا لفظ ((من)) بدلها، والثاني في زيادة لفظ ((عن)) كما في نسخة
الزرقاني بعد قوله: ((عن أبيه)) والصواب إسقاطه، ومثل هذا الغلط بل أشد منه
بكثير لا يبعد من النساخ، كما لا يخفى على من عالجهم. ويؤيده ما تقدم عن
البخاري أن بعضهم رواه عن مالك على الصواب، فتأمل.
(١) انظر: ((التمهيد)) (١١٨/١١).
(٢) (تنوير الحوالك)) (ص ٥٧).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٧٩/١).
٤٣٩

٢ - كتاب الطهارة
(٨) باب
(٧١) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ هَ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ الْمُغَيْرَةُ:
فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ أَّه
(أن رسول الله وَلّ ذهب) قبل الفجر، كما في رواية مسلم، وفي رواية
ابن سعد ((فلما كان من السحر انطلق)) (لحاجته) أي لقضاء حاجة الإنسان، وقد
تبرز للغائط، كما في مسلم (في غزوة تبوك) بفتح المثناة الفوقية وضم الموحدة
غير منصرف للعَلَمية والتأنيث، وقيل: وزن فعل مع وزن تقول فأجوف، وقيل:
ثلاثي صحيح على وزن فعول، اسم جاهلي أو إسلامي لمكان بينه وبين المدينة
من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة.
وهي آخر مغازيه وَّر، خرج إليها يوم الخميس في رجب سنة تسع، وجاء
الصديق فيها بكل ماله، والفاروق بنصفه، وجَهَّزَ عثمان ثلث الجيش، وخلف
علياً على أهله، ورجع إلى المدينة في رمضان، كما في ((المجمع)). وهي
الغزوة المعروفة ((بغزوة العسرة)) قاله ابن رسلان.
(قال المغيرة: فذهبت معه) مَّي (بماء) في إداوة، وفي رواية للبخاري: أنه وَ ل
أمره أن يتبعه، فانطلق حتى توارى عنى، ثم أقبل فتوضأ، قال ابن رسلان: فيه
ذهاب التلميذ مع أستاذه إذا ذهب لقضاء الحاجة، فيذهب معه بماء الوضوء، وإن
احتاج إلى الأحجار يتناوله (فجاء) في (رسول الله وَيُ﴾) بعد قضاء الحاجة.
قال ابن رسلان: قال ابن عبد البر: في الآثار كلها أن الإداوة كانت مع
المغيرة، وليس في شيء منها أنه ناولها النبي ◌َّ﴿ فذهب بها، ثم لما انصرَف
ردَّها إليه، وفيه حديث الشعبي عن عروة بلفظ ((ثم أقبل فتلقيته بالإداوة)) أخرجه
أبو داود، فاستدل به من قال: بجواز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، فإن
ثبت بطريقٍ أخذُ الماء في ذلك اليوم، وإلا فالاستدلال صحيح، وأياً ما كان،
فالفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أفضل، وبالأحجار رخصة (١)،
انتهى ملخصاً .
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٣٣/٢).
٤٤٠